- ج6.كتاب : تاريخ عجائب الآثار في التراجم والأخبار
المؤلف : عبد الرحمن بن حسن الجبرتيومات الامير المبجل حسن افندي شقبون كاتب الحوالة وأصله مملوك احمد افندي مملوك مصطفى افندي شقبون نشأ في الرياسة وخدمة الوزراء والاكابر وحاز شيئا كثيرا من الكتب النفيسة والتي بخط الاعاجم والفارسية والخطوط التعليق المكلفة والمذهبة والمصورة مثل كليلة ودمنة وشاهنامة وديوان حافظ والتواريخ التي من هذا القبيل المصور بها صور الملوك البديعة الصنعة والاتقان الغالية الثمن النادرة الوجود وكان قريبا الى الخير محتشما في نفسه توفي ايضا بالطاعون وتبددت كتبه وذخائره
ومات الامير محمد آغا البارودي وهو مملوك احمد أغا مملوك ابراهيم كتخدا القازدغلي رباه سيده وجعله خازنداره وعقد له على ابنته فلما توفي سيده في سنة ثمان وثمانين طلقها وتزوج بزوجة سيد هانم بنت ابراهيم كتخدا من الست البارودية وهي أم أولاده ابراهيم وعلي ومصطفى الذين تقدم ذكرهم والتي كان عقد عليها كانت من غيرها فتزوجها حسن كاشف من اتباعهم تنبه المترجم وتداخل في الامراء والاكابر وانضوى الى حسن كتخدا الجربان عندما كان كتخدا مراد بك فقلده في الخدم والقضايا وأعجبه سياسته وحسن سعيه فارتاح اليه وكان حسن كتخدا المذكور تعتريه النوازل فينقطع بسببها أياما بمنزله فينوب عنه المترجم في الكتخدائية عند مراد بك فيحسن الخدمة والسياسة وتنميق الامور ويستجلب له المصالح فأحبه وأعجب به وقلده الامور الجسيمة وجعله أمين الشون فعند ذلك اشتهر ذكره ونما امره واتسع حاله وانفتح بيته وقصدته الناس وتردد إليه الأعيان في قضاء الحوائج ووقفت ببابه الحجاب واتخذ له ندماء وجلساء من اللطفاء واولاد البلد يجلس معهم حصة من الليل ينادمونه ويسامرونه ويضاحكونه ويشرب معهم وماتت زوجته ابنة سيد سيده من بنت البارودي فزوجه مراد بك أكبر محاظية ام ولده أيوب وأتت الى بيته بجهاز عظيم وصار بذلك صهرا لمراد بك وزادت شهرته ورفعته فلما حصلت الحوادث ووصل حسن باشا وخرج مراد بك من مصر فلم يخرج
معه واستمر بمصر وقبض عليه اسمعيل بك وحبسه مع عمر كاشف ببيته ثم نقلهما الى القلعة بباب مستحفظان مدة فلم يزل المترجم حتى صالح عن نفسه وأفرج عنه وتقيد بخدمة اسمعيل بك وتداخل معه حتى نصبه في كتخدائيته واحبه واحتوى على عقله فسلم اليه قياده في جميع اشغاله وارتاح اليه وجعله أمين الشون والضربخانة وغيرهما فعظم شانه وارتفع قدره وطار صيته بالأقاليم المصرية وكثر الازدحام ببابه وجبيت اليه الاموال وصار الايراد اليه والمصرف من يده فيصرف جماكي العسكر ولوازم الدولة وهداياها ومصاريف العمائر والتجاريد واحتياجات أمير الحاج وغير ذلك بتؤدة وزياقة وحسن طريقة من غير جلبةولا عسف ولا شعور لاحد من الناس بشيء من ذلك وكل شيء سأل عنه مخدومه أو اشار بطلبه أو فعله وجده حاضرا ولم يشتغل امراء الحاج في زمن اسمعيل بك بشيء من لوازم الحج بل كان هو يقضي جميع اللوازم من الجمال والارحال والقرب والخيش والعليق والذخيرة التي تسافر في البحر والبر وعوائد العرب وكساويهم والهجن والبغال وارباب الصيت وغير ذلك ليلاونهارا في اماكن بعيدة عن داره تحت ايدي مباشريه الذين وظفهم وأقامهم في ذلك بحيث اذا اقتضى لاحدهم شيئا أتاه وأسر له في أذنه فيوجهه بطرف كلمة ولا يشعر احد من الجالسين معه بشيء وإذا كان وقت خروج المحمل فلا يرى امير الحاج الا جميع احتياجاته ولوازمه حاضرة مهيأة على أتم ما يكون وأكمله وزوج ابنة سيده لخازنداره علي أغا وعمل لهما مهما عظيما عدة ايام وحضر اسمعيل بك والامراء والاعيان وأرسلوا إليه الهدايا العظيمة وكذلك جميع التجار والنصارى والكتاب القبط ومشايخ البلدان وبعد تمام ايام العرس ولياليه بالسماعات والآلات والملاعيب والنقوط عملوا للعروس زفة بهيئة لم يسبق نظيرها ومشى جميع اربا الحرف وأرباب الصنائع مع كل طائفة عربة وفيها هيئة صناعتهم ومن يشتغل فيها مثل القهوجي بآلته وكانونه والحلواني والفطاطري والحباك والقزاز
بنوله حتى مبيض النحاس والحيطان والمعاجيني وبياعين البز وارباب الملاهي والتماءالمغنيين وغيرهم كل طائفة في عربة وكان مجموعها نيفا وسبعين حرفة وذلك خلاف الملاعيب والبهالوين والرقاصين والجنك ثم الموكب وبعده الاغوات والحريم والملازمون والسعاة والجاويشية وبعدها عربة العروس من صناعة الافرنج بديعة الشكل وبعدها مماليك الخزنة والملبسون الزروخ وبعدهم النوبة التركية والنفيرات وكانت زفة غريبة الوضع لم ينفق مثلها بعدها وبلغ المترجم في هذه الايام من العظمة ما لم يبلغه أحد من نظرائه وكان إذا توجهت همته الى أي شيء اتمه على الوجه الذي يريده ويقبل الرشوة واذا أحب انسانا قضى له اشغاله كائنة ما كانت من غير شيء فلما مات مخدومه اسمعيل بك وتعين في الامارة بعده عثمان بك طبل استوزره ايضا وسلمه قيادة في جميع أموره وهو الذي أشار عليه بممالاته الامراء القبليين عندما تضايق خناقه من حسن بك الجداوي ومناكدته له فكاتبهم سرا بسفارته وأطمعهم في الحضور وتمكينهم من مصر ومات المترجم في اثناء ذلك في غرة رمضان وذلك بعد اسمعيل بك بأربعة عشر يوما
ومات الصنو الوجيه والفريد النبيه محمد افندي بن سليمان افندي ابن عبد الرحمن افندي بن مصطفى افندي ككليويان ويقال لها في اللغة العامية جمليان نشأ في عفة وصلاح وخير وطلب العلم وعانى الجزئيات والرياضيات ولازم الشيخ المرحوم الوالد وقرأ عليه كثير من الحسابيات الفلكيات والهيئة والتقويم ومهر في ذلك وانتظم في عدد ارباب المعارف واشترى كتبا كثيرة في الفن واستكتب وكتب بخطه الحسن واقتنى الالات والمستظرقات وحسب وقوم الدساتير السنوية عشرة اعوام مستقبلة بأهلتها وتواريخها وتواقيعها ورسم كثيرا من الالات الغريبة والمنحرفات وكان شغله وحسابه في غاية الضبط والصحة والحسن وكان لطيف الذات مهذب الاخلاق قليل الادعاء جميل الصحبة وقورا مات ايضا بالطاعون
في شعبان وتبددت كتبه وآلاته
ومات ايضا الخدن الشقيق والمحب الشفيق النجيب الاريب الامير رضوان الطويل وهو من مماليك علي كتخدا الطويل وكان من هذا القبيل متولعا من صغره بهذا الفن وقرأ على الشيخ المتقن الشيخ عثمان الورداني وغيره وأنجب وحسب ورسم واشتغل فكره بذلك ليلا نهارا ورسم الارباع الصحيحة المتقنة الكبيرة والصغيرة والمزاول والمنحرفات وغير ذلك من الآلات المبتكرة والرسميات الدقيقة واتسع باعه في ذلك واشتهر ذكره الى ان قطعت يد الاجل نواره واطفأت رياح المنية انواره
ومات الجناب المكرم والاختيار المعظم الامير اسمعيل افندي الخلوتي اختيار جاويشان كان رجلا من أعيان الاختيارية في وقته معروفا صاحب حشمة ووقار ومعرفة بالسياسة وأمور الرياسة ولم يزل حتى توفي في شهر شعبان سنة 1205 بالطاعون
ومات ايضا الجناب المكرم محمد افندي باشقلفة وهو مملوك يوسف افندي باشقلفة وخشداش محمد افندي ثاني قلفة وعبد الرحمن افندي وكان مليح بالذات جميل الصفات تقلد كتابة هذا القلم عندما تلبس السيد محمد باشقلفة بكتابة الروزنامة فسار فيها سيرا حسنا وحمدت مساعيه الى ان وافاه الحمام وسارت نواعيه
ومات ايضا النبيه اللطيف والمفرد العفيف احمد افندي الوزان بالضربخانة وكان انسانا حسنا جميل الاوضاع مترهف الطباع محتشما وقورا ودودا محبوبا لجميع الناس
سنة ست ومائتين والف
استهل شهر محرم بيوم الاربعاء وفيه عينوا صالح آغا كتخدا الجاويشية الى السفر الى الديار الرومية وصحبته هدية وشربات وأشياء وصالح أنما هذا هو الذي بعثوه قبل ذلك لاجراء الصلح على يد نعمان افندي ومحمود بك وكاد ان يتم ذلك وأفسد ذلك حسن باشا ونفى نعمان افندي بذلك السبب وذلك قبل موت حسن باشا بأربعة ايام فلما رجعوا الى مصر في هذه المرة عينوه ايضا لللآرسالية لسابقته ومعرفته بالاوضاع وكان صالح اغا هذا عندما حضروا الى مصر سكن ببيت البارودي وتزوج بزوجته فلما كان خامس المحرم ركب الامراء لوداعه ونزل من مصر القديمة
وفيه هبط النيل ونزل مرة واحدة وذلك في ايام الصليب ووقف جريان الخليج والترع وشرقت الاراضي فلم يرو منها الا القليل جدا فارتفعت الغلال من السواحل والرقع وضجت الناس وايقنوا بالقحط وايسوا من رحمة الله وغلا سعر الغلة من ريالين الى ستة وضجت الفقراء وعيطوا على الحكام فصار الاغا يركب الى الرقع والسواحل ويضرب المتسببين في الغلة ويسمرهم في آذانهم ثم صار ابراهيم بك يركب الى بولاق ويقف بالساحل وسعر الغلة بأربعة ريال الاردب ومنعهم من الزيادة على ذلك فلم ينجع وكذلك مراد بك كرر الركوب والتحريج على عدم الزيادة فيظهرون الامتثال وقت مرورهم فإذا التفتوا عنهم باعوا بمرادهم وذلك مع كثرة ورود الغلال ودخول المراكب وغالبها للأمراء وينقلونها الى المخازن والبيوت
وفي أوائل صفر وصل قاصد وعلى يده مرسوم بالعفو والرضا عن الامراء فعملوا الديوان عند الباشا وقرأوا المرسوم وصورة ما بنى عليه ذلك انه لما حضر السيد عمر افندي بمكاتبتهم السابقة الى الباشا يترجون وساطته في اجراء الصلح أرسل مكاتبة في خصوص ذلك من عنده وذكر فيها ان من بمصر من الامراء لا طاقة لهم بهم ولا يقدرون على منعهم ودفعهم وانهم واصلون وداخلون على كل حال فكان هذا المرسوم جوابا عن ذلك وقبول شفاعة الباشا والاذن لهم بالدخول بشرط التوبة والصلح بينهم وبين اخوانهم فلما فرغوا من قراءة ذلك ضربوا شنكا ومدافع
وفي يوم الثلاثاء ثاني عشر صفر حضر الشيخ الامير الىمصر من الديار الرومية ومعه مرسومات خطابا للباشا والامراء فركب المشايخ ولا قوه من
بولاق وتوجه الى بيته ولم يأت للسلام عليه احد من الامراء وانعمت عليه الدولة بألف قرش ومرتب بالضربخانة قرش في كل يوم وقرأ هنا البخاري عند الآثار الشريفة بقصد النصرة
وفي شهر ربيع الاول عمل المولد النبوي بالازبكية وحضر مراد بك الى هناك واصطلح مع محمد افندي البكري وكان منحرفا عنه بسبب وديعته التي كان اودعها عنده واخذها حسن باشا فلما حضر الى مصر وضع يده على قرية وكان اشتراها الافندي من حسن جلبي بن علي بك الغزاوي وطلب من حسن جلبي ثمن القرية الذي قبضه من الشيخ ليستوفي بذلك بعض حقه وطال النزاع بينهما بسب ذلك ثم اصطلحا على قدر قبضه مراد بك منهما وحضر مراد بك الى الشيخ في المولد وعمل له وليمة واستمر عنده حصة من الليل وخلع على الشيخ فروة سمور
وفيه عملوا ديوانا عند الباشا وكتبوا عرضحال بتعطيل الميري بسبب شراقي البلاد
وفيه سافر محمد بك الالفي الى جهة شرقية بلبيس
وفيه حضر ابراهيم بك الى مسجد استاذه للكشف عليه وعلى الخزانة وعلى ما فيها من الكتب ولازم الحضور اليه ثلاثة ايام واخذ مفتاح الخزانة من محمد افندي حافظ وسلمه لنديمه محمد الجراحي واعاد لها بعض وقفها المرصد عليها بعد ان كانت آلت الى الخراب ولم يبق بها غير البواب امام الباب
وفي شهر ربيع الثاني قرروا تفريدة على تجار الغورية وطيلون وخان الخليلي وقبضوا على انفار انزلوهم الى التكية ببولاق ليلا في المشاغل ثم ردوهم ووزع كبار التجار ما تقرر عليهم من فقرائهم بقوائم وناكد بعضهم بعضا وهرب كثير منهم فسمروا دورهم وحوانيتهم وكذلك فعلوا بكثير من مساتير الناس والوجاقلية وضج الخلائق من ذلك
وفي مستهل جمادى الاولى كتبوا فرمانا بقبض مال الشراقي ونودي به
في النواحي وانقضى شهر كيهك القبطي ولم ينزل من السماء قطرة ماء فحرثوا المزروع ببعض الاراضي التي طشها الماء وتولدت فيها الدودة وكثرت الفيران جدا حتى اكلت الثمار من اعلى الاشجار والذي سلم من الدودة من الزرع اكله الفار ولم يحصل فيه هذه السنة ربيع للبهائم الا في النادر جدا ورضي الناس بالعليق فلم يجد والتبن وبلغ حمل الحمار من قصل التبن الاصفر الشبيه بالكناسة الذي يساوي خمسة انصاف قبل ذلك مائة نصف ثم انقطع مرور الفلاحين بالكلية بسبب خطف السواس واتباع الاجناد فصار يباع عند العلافين من خلف الضبة كل حفان تسفين الى غير ذلك
وفيه حضر صالح اغا من الديار الرومية
وفي شهر شوال سافر ايضا بهدية ومكاتبات الى الدولة ورجالها
وفي شهر القعدة وردت الاخبار بعزل الصدر الاعظم يوسف باشا وتولية محمد باشا ملكا وكان صالح اغا قد وصل الى الاسكندرية فغيروا المكاتبات وارسلوها اليه
وفيه حضر اغا بتقرير لوالي مصر على السنة الجديدة وطلع بمكب الى القلعة وعملوا له شنكا
وفي اواخر شهر الحجة شرع ابراهيم بك في زواج ابنته عديلة هانم للامير ابراهيم بك المعروف بالوالي امير الحج سابقا وعمر لها بيتا مخصوصا بجوار بيت الشيخ السادات وتغالوا في عمل الجهاز والحلي والجواهر وغير ذلك من الاواني والفضيات والذهبيات وشرعوا في عمل الفرح ببركة الفيل ونصبوا صواري امام البيوت الكبار وعلقوا فيها القناديل ونصب الملاعيب والملاهي أرباب الملاعيب وفردت التفاريد على البلاد وحضرت الهدايا والتقادم من الامراء والاكابر والتجار ودعا ابراهيم بك الباشا فنزل من القلعة وحضر صحبته خلع وفرا ومصاغ للعروس من جوهر وقدم له ابراهيم بك تسعة عشر من الخيل منها عشرة معددة وسجة لؤلؤ وأقمشة
هندية وشبقات دخان مجوهره وعملوا الزقة في رابع المحرم يوم الخميس وخرجت من بيت أبيها في عربة غريبة الشكل صناعة الإفرنج في هيئة كمال من غير ملاعيب ولا خزعبلات والامراء والكشاف وأعيان التجار مشاة أمامها
وفيه حضر عثمان بك الشرقاوي وصحبته رهائن حسن بك الجداوي وهم شاهين بك وسكن في مكان صغير وآخرون
وفيه وصلت الاخبار بان علي بك انفصل من حسن بك ومن معه وسافر على جهة القصير وذهب الى جدة
واما من مات في هذه السنة
مات الامام الذي لمعت أفق الفضل بوارقه وسقاه من مورده النمير عذبه ورائقه لا يدرك بحر وصفه الاغراق ولا تلحقه حركات الافكار ولو كان لها في مضمار الفضل السباق العالم النحرير واللوذعي الشهير شيخنا العلامة أبو العرفان الشيخ محمد بن علي الصبان الشافعي ولد بمصر وحفظ القرآن والمتون واجتهد في طلب العلم وحضر اشياخ عصره وجهابذة مصره وشيوخه فحضر على الشيخ الملوي شرحه الصغير على السلم وشرح الشيخ عبد السلام على جوهرة التوحيد وشرح المكودي على الالفية وشرح الشيخ خالد على قواعد الاعراب وحضر على الشيخ حسن المدابغي صحيح البخاري بقراءته لكثير منه وعلى الشيخ محمد العشماوي الشفا للقاضي عياض وجامع الترمذي وسنن ابي داود وعلى الشيخ احمد الجوهري شرح ام البراهين لمصنفها بقراءته لكثير منها وعلى الشيخ السيد البليدي وصحيح مسلم وشرح العقائد النسفية للسعد التفتازاني وتفسير البيضاوي وشرح رسالة الوضع للسمرقندي وعلى الشيخ عبد الله الشبراوي تفسير البيضاوي وتفسير الجلالين وشرح الجوهرة للشيخ عبد السلام وعلى الشيخ محمد الحفناوي صحيح البخاري والجامع الصغير وشرح المنهج والشنشوري على الرجيبه ومعراج النجم الغيطي وشرح الخزرجية لشيخ الاسلام وعلى الشيخ حسن الجبرتي التصريح على التوضيح والمطول ومتن الجغميني في علم الهيئة وشرح الشريف الحسيني علىهداية الحكمة قال وقد أخذت عنه في الميقات وما يتعلق به وقرأت فيه رسائل عديدة وحضرت عليه في كتب مذهب الحنفية كالدر المختار على تنوير الابصار وشرح ملا مسكين على الكنز وعلى الشيخ عطية الاجهوري شرح المنهج مرتين بقراءته لاكثر وشرح جمع الجوامع للمحلى وشرح التلخيص الصغير للسعد وشرح الاشموني على الالفية وشرح السلم للشيخ الملوي وشرح الجزرية لشيخ الاسلام والعصام على السمرقندية وشرح أم البراهين للحفصى وشرح الاجرومية لريحان اغا وعلى الشيخ على العدوى مختصر السعد على التلخص وشرح القطب على الشمسية وشرح شيخ الاسلام على ألفية المصطلح بقراءته لاكثره وشرح بن عبد الحق على البسملة لشيخ الاسلام ومتن الحكم لابن عطاء الله رحمهم الله تعالى أجمعين قال وتلقيت طريق القوم وتلقين الذكر على منهج السادة الشاذلية على الاستاذ عبد الوهاب العفيفي المرزوقي وقد لازمته المدة الطويلة وانتفعت بمدده ظاهرا وباطنا قال وتلقيت طريق ساداتنا آل وفا سقانا الله من رحيق شرابهم كؤوس الصفا عن ثمرة رياض خلفهم ونتيجة أنوار شرفهم على الاكابر والاصاغر ومطمح انظار أولى الابصار والبصائر أبي الانوار محمد السادات ابن وفا نفحنا الله واياه بنفحات جده المصطفى وهو الذي كناني على طريقة اسلافه بأبي العرفان وكتب لي سنده عن حاله السيد شمس الدين أبي الاشراق عن عمه السيد أبي الخير عبد الخالق عن أخيه السيد ابي الارشاد يوسف عن والده الشيخ أبي التخصيص عبد الوهاب عن ولد عمه السيد بحيى أبي اللطف الى آخر السند هكذا نقلته من خط المترجم رحمه الله تعالى ولم يزل المترجم يخدم العمل ويدأب في تحصيله حتى تمهر في العلوم العقلية والنقلية وقرأ الكتب المعتبرة في حياة اشياخه وربى التلاميذ
واشتهر بالتحقيق والتدقيق والمناظرة والجدل وشاع ذكره وفضله بين العلماء بمصر والشام وكان خصيصا بالمرحوم الشيخ الوالد اجتمع به من سنة سبعين ومائة وألف ولم يزل ملازما له مع الجماعة ليلا ونهارا واكتسب من اخلاقه ولطائفة وكذلك بعد وفاته لم يزل على حبه ومودته مع الحقير وانضوى الى استاذنا السيد أبي الانوار بن وفا ولازمه ملازمة كلية وآشرقت عليه أنواره ولاحت عليه مكارمه وأسراره ومن تآليفه حاشيته على الاشموني التي سارت بها الركبان وشهد بدفنها أهل الفضائل والعرفان وحاشية على شرح العصام على السمرقندية وحاشية على شرح الملوى على السلم ورسالة في علم البيان ورسالة عظيمة في آل البيت ومنظومة في علم العروض وشرحها ونظم اسماء أهل بدر وحاشية على آداب البحث ومنظومة في مصطلح الحديث ستمائة بيت ومثلثات في اللغة ورسالة في الهيئة وحاشية على السعد في المعاني والبيان ورسالتان على البسملة صغرى وكبرى ورسالة في مفعل ومنظومة في ضبط رواة البخاري ومسلم وكان في مبدأ أمره وعنفوان عمره معانقا للخمول والاملاق متكلا على مولاه الرزاق يستجدي مع العفة ويستدر من غير كلفة وتنزل اياما في وظيفة التوقيت بالصلاحية بضريح الامام الشافعي رضي الله عنه عندما جدده عبد الرحمن كتخدا وسكن هناك مدة ثم ترك ذلك ولما بنى محمد بك ابو الذهب مسجده تجاه الازهر تنزل المترجم ايضا في وظيفة توقيتها وعمر له مكانا بسطحها سكن فيه بعياله فلما اضمحل امر وقفة تركه واشترى له منزلا صغيرا بحارة الشنواني وسكن به ولما حضر عبد الله افندي القاضي المعروف بططر زاده وكان متضلعا من العلوم والمعارف وسمع بالمترجم والشيخ محمد الجناجي واجتمعا به اعجب بهما وشهد بفضلهما واكرمهما وكذلك سليمان افندي الرئيس فعند ذلك راج امر المترجم واثرى حاله بالملابس وركب البغال وتعرف ايضا باسمعيل كتخدا حسن باشا وتردد اليه قبل ولايته فلما اتته الولاية بمصر زاد في اكرامه واولاه
بره ورتب له كفاتيه في كل يوم بالضربخانة والجزية وخرجا من كلاره من لحم وسمن وارز وخبز وغير ذلك وأعطاه كساوى وفراء واقبلت عليه الدنيا وازداد وجاهة وشهرة عمل فرحا وزوج ابنه سيدي علي فأقبل عليه الناس بالهدايا وسعوا لدعوته وانعم عليه الباشا بدراهم لها صورة والبس ابنه فروة يوم الزفاف وكذا ارسل اليه طبلخانته وجاويشيته وسعاته فزفوا العروس وكان ذلك في مبادىء ظهور الطاعون في العام الماضي وتوعك الشيخ المترجم بعد ذلك بالسعال وقصبة الرئة حتى دعاه داعي الاكام وفجأة الحمام ليلة الثلاثاء من شهر جمادى الاولى من السنة وصلى عليه بالآزهر في مشهد حافل ودفن بالبستان تغمده الله بالرحمة والرضوان وخلف ولده الفاضل الصالح الشيخ علي بارك الله فيه
ومات السيد السند الامام الفهامة المعتمد فريد عصره ووحيد شامه ومصره الوارد من زلال المعارف على معينها المؤيد باحكام شريعة جده حتى ابان صبح يقينها السيد العلامة ابي المودة محمد خليل بن السيد العارف المرحوم علي بن السيد محمد بن القطب العارف بالله تعالى السيد محمد مراد بن علي الحسيني الحنفي الدمشقي اعاد الله علينا من بركاته علومهم في الدنيا والاخرة من بيت العلم والجلالة والسيادة والعز والرياسة والسعادة والمترجم وان لم نره لكن سمعنا خبره ووردت علينا منه مكاتبات ووشى طروسة المحبرات وتناقل الينا اوصافه الجميلة ومكارم اخلاقه الجليلة وكان شامة الشام وغرة الليالي وايام اورق عوده بالشام واثمر ونشأ بها في حجر والده والدهر ابيض وقرأ القرآن على الشيخ سليمان الديركي المصري وطالع في العلوم والادبيات واللغة التركية والانشاء والتوقيع ومهر وانجب واجتمعت فيه المحاسن الحسية والمزايا المعنوية مع الطف خلق يسعى اللطف لينظر اليه ورقيق محاسن يقف الكمال متحيرا لديه وانا وان لم يقع لي عليه نظر بالعين فسماع الاخبار احدى الروايتين ولما توفي والده المرحوم تنصب مكانه مفتي الحنفية بالديار الشامية ونقيب
الاشراف باجماع الخاص والعام وسار فيها احسن سير وزين بمآثره العلوم النفلية وملك بنقد ذهنه جواهرها السنية فكانت تتيه به على سائر البقاع بقاع الشام ويفتخر به عصره على جميع الليالي والايام فلا تزال تصدح ورق الفصاحة في ناديها وتسير الركبان بما فيه من المحاسن رائحها وغاديها ونور فضله باد وموائده ممدودة لكل حاضر وباد وكان رحمه الله مغرما بصيد الشوارد وقيد الاوابد واستعلام الاخبار وجمع الاثار وتراجم العصريين على طريق المؤرخين وراسل فضلاء البلدان البعيدة ووصلهم بالهدايا والرغائب العديدة والتمس من كل جمع تراجم اهل بلاده واخبار اعيان اهل القرن الثاني عشر يحسب وسع همته واجتهاده وكان هو السبب الاعظم الداعي لجمع هذا التاريخ على هذا النسق فانه كان راسل شيخنا السيد محمد مرتضى والتمس منه نحو ذلك فأجابه لطلبته ووعده بأمنيته فعند ذلك تابعه بالمراسلات واتحفه بالصلات المترادفات وشرع شيخنا المرحوم في جمع المطلوب بمعونة الفقير ولم يذكر السبب الحامل على ذلك وجمع الحقير ايضا ما تيسر جمعه وذهبت به يوما وعنده بعض الشاميين فأطلعته عليه فسر بذلك كثيرا وطار حتى وطارحته في نحو ذلك بمسمع من المجالس ولم يلبث السيد الا قليلا واجاب الداعي وتنوسي هذا الامر شهورا ووصل نعي السيد الى المترجم والصورة الواقعة وكانت اوراق السيد مختوما عليها فعند ذلك ارسل الي كتابا وقرنه بهدية على يد السيد محمد التاجر القباقيبي يستدعي تحصيل ما جمعه السيد من اوراقه وضم ما جمعه الفقير وما تيسر ضمه ايضا وارساله وانتقل المترجم بعد ذلك لامور اوجبت رحلته منها الى حلب الشهباء كما ذكر لي ذلك في مراسالاته في سنة خمس ومائتين وألف وهناك عصفت رياح المنية بروضه الخصيب وهصرت يد الردي يانع غصنه الرطيب فاحتضر واحضر بأمر الملك المقتدر لا زال جدثه روضة من رياض الجنان ولا برح مجرى لجداول الرحمة والرضوان وذلك في اواخر صفر من هذه السنة وهو مقتبل الشبيبة ولم يخلف بعده في
الفضائل والمكارم مثله
ومات الامام المفوه من غذى بلبان الفضل وليدا وعدلبيد اذا قيس بفصاحته بليدا من له في المعالي ارومة وفي مغارس الفضل جرثومة الحسين ابن النور علي بن عبد الشكور الحنفي الطائفي الحريري الفقه والانشاء ويعرف بالمتقي من اولاد الشيخ علي المتقي مبوب الجامع الصغير من اكبر أصحاب الشيخ السيد عبد الله ميرغني ولد بالطائف بها نشأ وتكمل في الفنون العرفانية وتدرج في المواهب الاحسانية واحبه السيد عبد الله وتعلق بأذياله وشرب من صفو الاوهام وأخذ بالحرمين عن عدة علماء كرام وشارك في العلوم ونافس في المنطوق والمفهوم الا انه غلب عليه التصوف وعرف منه ما فيه الكمال والتصرف وبينه وبين شيخنا العيدروس مودة أكيدة ومحبة عتيدة ومحاورات ومذاكرات وملاطفات ومصافاة وقد ورد علينا مصر في سنة 1174 وسكن ببيت الشيخ محسن علي الخليج وكان يأتيه السيد العيدروس والسيد مرتضى وغيرهم فأعاد روض الانس نضيرا وماء المصافاة نميرا ودخل الشام وحلب وبها أخذ عن جماعة في أشياء منهم السيد اسمعيل المواهبي فقد عده من شيوخه واثنى عليه ودخل بلاد الروم وانعم بالمروم وعاد الى الحرمين وقوض عن الاسفار الخيام
وللسيد العيدروس قصيدة بائية ارسلها له وهي بليغة مطولة وغير ذلك مطارحات كثيرة وللمترجم مؤلفات حسان وكلها على ذوق أهل العرفان منها المنظومة التي تعرف بالصلاتية عجيبة وشرحها مزجا كأصلها علىلسان القوم ولما حج الشيخ التاودي بن سودة كتبها عنه ووصل بها المغرب ونوه بشأنها حتى كتبت منها عدة نسخ ونوه بشأن صاحبها حتى عين له سلطان المغرب بصرة في كل سنة تصل اليه مع الركب والناس في المترجم مختلفون فمنهم من يصفه بالبراعة والكمال واولئك الذين رأوا كلامه فبهرهم نظامه ومنهم من يصفه بالحلول عن ربقة الانقياد ويرميه بالحلول والاتحاذ وهو ان شاء الله تعالى مبرأ مما نسب اليه ولما اجتمع به العلامة
محمد بن يعقوب بن الفاضل الشمشاري ونزل في منزله فكان أنيسا له في سائر احواله قال اختبرته حق الاختبار فلم اجد له الا لسانا وهو مثار وبعد اشهر تبرم عن ملازمته واتخذ له حجرة في الحرم وعزل نفسه عنه فالتزم وحكى لي من اموره اشياء غريبة والمترجم معذور فان ساداتنا المغاربة ليس لهم تحمل في سماع كلام مثل كلامه لانهم الفوا ظاهر الشريعة ولم يدخل على اذهانهم نوادر اهل العرفان ولا تسوروا حصونها المنيعة ولاهل الروم فيه اعتقاد جميل ومواهبهم تصل اليه في كل قليل وكان له ولد يسمى جعفرا ورد علينا مصر في سنة خمس وثمانين واقام معنا برهة يغدو الينا ويبيت ويروح لزيارة بعض احباب ابيه بمصر ويذهب معنا لبعض المنتزهات اذ ذاك ولم يزل حتى اخترمته المنية سامحه الله ولم يخلف بعده مثله
سنة سبع ومائتين وألف
استهل المحرم بيوم الخميس والامر في شدة من الغلاء وتتابع المظالم وخراب البلاد وشتات اهلها وانتشارهم بالمدينة حتى ملؤا الاسواق والازقة رجالا ونساء واطفالا يبكون ويصيحون ليلا ونهارا من الجوع ويموت من الناس في كل يوم جملة كثيرة من الجوع
وفيه ايضا هبط النيل قبل الصليب بعشرة ايام وكان ناقصا عن ميعاد الري نحو ذراعين فارتجت الاحوال وانقطعت الامال وكان الناس ينتظرون الفرج بزيادة النيل فلما نقص انقطع املهم واشتد كربهم وارتفعت الغلال من السواحل والعرصات وغلت اسعارها عما كانت وبلغ الاردب ثمانية عشر ريالا والشعير بخمسة عشر ريالا والفول بثلاثة عشر ريالا وكذلك باقي الحبوب وصارت الاوقية من الخبز بنصف فضة ثم اشتد الحال حتى بيع ربع الويبة بريال وآل الامر الى ان صار الناس يفتشون على الغلة فلا يجدونها ولم يبق للناس شغل ولا حكاية ولا سمر بالليل والنهار في مجالس الاعيان وغيرهم الا مذاكرة القمح والفول والاكل ونحو ذلك وشحت النفوس واحتجب المساتير وكثر الصياح والعويل ليلا ونهارا فلا تكاد تقع الارجل الاعلى خلائق مطروحين بالازقة واذا وقع حمارا وفرس تزاحموا عليه واكلوه نيا ولو كان منتنا حتى صاروا يأكلون الاطفال ولما انكشف الماء وزرع الناس البرسيم ونبت اكلته الدودة وكذلك الغلة فقلب اصحاب المقدرة الارض وحرثوها وسقوها بالماء من السواقم والنطالات والشواديف واشتروا لها التقاوى بأقصى القيم وزرعوها فأكله الدود ايضا ولم ينزل من السماء قطرة ولا اندية ولا صقيع بل كان في اوائل كيهلك شرودات واهوية حارة ثقيلة ولم يبق بالارياف الا القليل من الفلاحين وعمهم الموت والجلاء
وفي اواخر شهر ربيع الاول حضر صالح اغا من الديار الرومية وعلى يده مرسومات بالعفو وثلاث خلع احداها للباشا والاخريان لابراهيم بك ومراد بك فاجتمعوا بالديوان وقرأوا المرسومات وضربوا مدافع واحضر صحبته صالح آغا وكالة دار السعادة وانتزعها من مصطفى اغا واستولى على ملابلها
وفيه وصلت غلال رومية وكثرت بالساحل فحصل للناس اطمئنان وسكون ووافق ذلك حصاد الذرة فنزل السعر الى اربعة عشر ريالا الاردب واما التبن فلا يكاد يوجد وإذا وجد منه شيء فلا يقدر من يشتريه على ايصاله لداره او دابته بل يبادر لخطفه السواس واتباع الاجناد في الطريق واذا سمعوا واستشعروا بشيء منه في مكان كبسوا عليه واخذوه قهرا فكان غالب مؤنة الدواب قصب الذرة الناشف ويشرح الكثير من الفقراء والشحاذين في نواحي الجسور فيجمعون ما يمكنهم جمعه من الحشيش اليابس والنجيل الناشف ويأتون به ويطوفون به الاسواق ويبيعونه بأغلى الاثمان ويتضارب على شرائه الناس وان صادفهم السواس والقواسة خطفوه من على رؤوسهم واخذوه قهرا
وفيه وصلت الاخبار بان علي بك الدفتردار لما سافر من القصير طلع على المويلح وركب من هناك مع العرب الى غزة وارسل سرا الى مصر وطلب رجلا نصرانيا من اتباعه فذهب اليه صحبة الهجان بمطلوبات وبعض
احتياجات ولما وصل الى جهة غزة أرسل الى احمد باشا الجزار يعلمه بوصوله فأرسل لملاقاته خيلا ورجالا فذهب اليه وصحبته نحو الثلاثين نفرا لا غير فلما وصل الى قرب عكا خرج اليه احمد باشا ولاقاه ووجهه الى حيفا ورتب لهم بها رواتب وأما مراد بك فانه خرج الى بر الجيزة من اول السنة وجلس في قصر اسمعيل بك الذي عمره هناك واشتغل بعمل جبخانة وآلات حرب وبارود وجلل وقنابر وطلب الصناع والحدادين وشرع في انشاء مراكب وغلايين رومية وزاد في بناء القصر ووسعه وانشأ به بستانا عظيما وغير ذلك وسافر عثمان بك الشرقاوي الى ثغر الاسكندرية وجبى الاموال في طريقه من البلاد
وفي يوم الاربعاء سابع عشرين ربيع الاخر وخامس كيهك القبطي امطرت السماء مطرا متوسطا وفرح به الناس
وفي يوم السبت غرة جمادى الاولى عدى مراد بك من بر الجيزة فدخل الى بيته واخبروا عن عثمان بك الشرقاوي انه رجع الى رشيد ثم في رابعه حضر المذكور الى مصر
وفي ليلة الخميس خرج مراد بك وابراهيم بك وباقي امرائهم الى جهة العادلية فأقاموا أياما قليلة ثم ذهب مراد بك الى ناحية ابو زعبل وكذلك ابراهيم بك الوالي وصحبته جماعة من الامراء الى ناحية الجزيرة في وقت خروجهم نهب اتباعهم ما صادفوه من الدواب وصاروا يكبسون الوكائل التي بباب الشعرية ويأخذون ما يجدونه من جمال الفلاحين السفارة وحميرهم نهبا فأما مراد بك فانه لما وصل الى ابو زعبل وجد هناك طائفة من عرب الصوالحة في خيشهم لاجنية لهم فنهبهم وأخذ اغنامهم ومواشيهم وقتل منهم نحو خمسة وعشرين شخصا ما بين غلمان وشيوخ واقام هناك يوما وقبض على مشايخ البلد أبى زعبل وحبسهم وقرر عليهم غرامة احد عشر الف ريال ولم يقبل فيهم شفاعة استاذهم وشتمه وضربه بالعصا واما عرب الجزيرة فأنهم ارتحلوا من اماكنهم
وفي شهر شعبان وقع الاهتمام بسد خليج الفرعونية بسبب احتراق
البحر الشرقي ونضوب مائه وظهرت بالنيل كيمان رمل هايلة من حد المقياس الى البحر المالح وصار البحر الغربي سلسلول جدول تخوضه الاولاد الصغار ولا يمر به الا صغار القوارب وانقطع الجالب من جميع النواحي الا ما تحمله المراكب الصغار باضعاف الاجرة وتعطلت دواوين المكوس فأرسلوا الى سد الترعة رجلا مسلماني وصحبته جماعة من الافرنج وأحضروا الاخشاب العظيمة ورتبوا عمل السد قريبا من كفر الخضرة وركبوا آلات في المراكب ودقوا ثلاث صفوف خوابير من أخشاب طوال فلما أتموا ذلك كانت الصناع فرغت من تطبيق الواح في غاية الثخن شبه البوابات العظام وهي مسمرة بمسامير عظيمة ملحومة بالرصاص وصفائح الحديد مثقوبة بثقوب مقاسة علىما يوازيها من نجوش منجوشة بالخوابير المركوزة في الماء فاذا نزلوا ببوابة آلحموها بتلك الخوابير وتبعتهم الرجال بالجوابي المملوأة بالحصا والرمل من امام ومن خلف وتبع ذلك الرجال الكثيرة بغلقان الاتربة والطين ففعلوا ذلك حتى قارب التمام ولم يبق الا اليسير ثم حصل الفتور في العمل بسبب ان المباشر على ذلك أرسل لمراد بك بالحضور ليكون اتمامها بحضرته ويخلع عليه ويعطيه ما وعده به من الانعام فلم يحضر مراد بك وغلبهم الماء وتلف جانب من العمل وكان أيوب بك الصغير حاضرا وفي نفسه ان لا يتم ذلك لاجل بلاده فأصبح مرتحلا وتركوا العمل وانفض الجمع وقد أقام العمل في ذلك من اوائل شعبان الى اواسط شوال ثم نزل اليها جماعة آخرون وطبوا جملة مراكب موسوقة بالاحجار وشرعوا في عمل سد المكان القديم عن فم الترعة ودقوا ايضا خوابير كثيرة وألقوا احجارا عظيمة وفرغت الاحجار فأرسلوا بطلب غيرها فلم تسعفهم القطاعون فشرعوا في هدم الابنية القديمة والجوامع التي بساحل النيل وقلعوا احجار الطواحين التي بالبلاد القريبة من العمل واستمروا على ذلك حتى قويت الزيادة ولم يتم العمل ورجعوا كالاول وذهب في ذلك من الاموال والغرامات والسخرات وتلف من المراكب
والاخشاب والحديد ما لا يحد ولا يعد
وفي اوائل شوال ورد الخبر بان علي بك سافر من عند احمد باشا الى اسلامبول صحبة قبجي معين فلما قرب من اسلامبول ارسلوا من وجهه الى برصا ليقيم بها ورتبوا له كفايته في كل شهر خمسمائة قرش رومي
من مات في هذه السنة ممن له ذكر
مات السيد الامام العارف القطب عفيف الدين ابو السيادة عبد الله ابن ابراهيم بن حسن بن محمد امين بن علي ميرغني بن حسن بن مير خوردابن حيدر بن حسن بن عبد الله بن علي بن حسن بن احمد بن علي بن ابراهيم ابن يحيى بن عيسى بن ابي بكر بن علي بن محمد بن اسمعيل ابن ميرخورد البخاري بن عمر بن علي بن عثمان بن علي المتقي بن الحسن بن علي الهادي ابن محمدالجوار الحسيني المتقي المكي الطائفي الحنفي الملقب بالمحجوب ولد بمكة وبها نشأ وحضر في مباديه دروس بعض علمائها كالشيخ النخلي وغيره واجتمع بقطب زمانه السيد يوسف المهدلي وكان أذ ذاك أوحد عصره في المعارف فانتسب اليه ولازمه حتى رقاه وبعد وفاته جذبته عناية الحق وارته من المقامات مالا عين رأت ولا اذن سمعت ولا خطر على قلب بشر فحينئذ انقطعت الوسايط وسقطت الوسائل فكان اويسيا تلقيه من حضر جده صلى الله عليه و سلم كما اشار الى ذلك شيخنا السيد مرتضى عندما اجتمع به بمكة في سنة 1163 وأطلعه على نسبه الشريف وأخرجه اليه من صندوق قال وطلبت منه الاجازة واسناد كتب الحديث فقال غنى عنه قال فعلمت انه أويسي المقام ومدده من جده عليه الصلاة و السلام وانتقل الى الطائف بأهله وعياله في سنة ست وستين وشرف تلك المشاهد ومآثر شهيرة ومفاخرة كثيرة وكراماته كالشمس في كبد السماء وكالبدر في غيهب الظلماء وأحوله في احتجابه عن الناس مشهورة وأخباره في زهده عن الدنيا على ألسنة الناس مذكورة ومن مؤلفاته كتاب فرائض وواجبات الاسلام لعامة المؤمنين والكوكب الثاقب وشرحه وسماه رفع الحاجب عن الكوكب الثاقب وله ديوانان متضمنان لشعره احدهما المسمى بالعقد المنظم على حروف المعجم والثاني عقد الجواهر في نظم المفاخر ومنها المعجم الوجيز في أحاديث النبي العزيز صلى الله عليه و سلم اختصره من الجامع وذيله وكنوز الحقائق والبدر المنير وهو في اربعة كراريس وقد شرحه العلامة سيدي محمد الجوهري وقرأه دروسا ومنها شرح صيغة القطب بن مشيش ممزوجا وهو من غرائب الكلام ومنها مشارق الانوار في الصلاة والسلام على النبي المختار توفي رضي الله عنه في هذه السنة
ومات الشيخ الفاضل الصالح احمد بن يوسف الشنواني المصري الشافعي المكني بأبي العز المكتب الخطاط ويعرف ايضا بحجاج وأمه الشريفة خاصكية ابنة القاضي جلبي بن احمد العراقي من ذرية القطب شهاب الدين العراقي دفين شنوان الغرف بالمنوفية حفظ القرآن وجوده على الشيخ المقرى حجازي بن غنام تلميذ الزميلي وجود الخط المنسوب على الشيخ احمد بن اسمعيل الافقم ومهر فيه وأجيز فنسخ بيده كثيرا من المصاحف ونسخ الدلائل والكتب الكبار منها الاحياء للغزالي والامثال للميداني وانتفع الناس به طبقة بعد طبقة وفي غضون ذلك تردد على جملة من الشيوخ كالشهابين الملوي والجوهري وأخذ عنهما أشياء والشمس الحفني والشيخ حسن المدابغي ومحمد بن النعمان الطائي في آخرين وأحبوه وجاور بالحرم سنة ثم عاد الى مصر ولازم معنا كثيرا على شيخنا السيد مرتضى في حضور الحديث فسمع البخارى بطرفيه ومسلما بطرفيه وسنن أبي داود الى قريب ثلثيه وغالب الشمائل للترمذي وثلاثيات البخاري وثلاثيات الدرامي والحلية لابي نعيم من اوله الى مناقب العشرة وأجزاء كثيرة بحدودها في ضمن اجازته باسانيدها وكان نعم الرجل صحبة وديانة وحفظا للنوادر من الاشعار
والحكايات وأصيب المترجم بكريمتيه عوضه الله دار الثواب من غير سابقة عذاب ولا عتاب توفي سابع عشرين جمادى الاولى من السنة
ومات الامام الفقيه المحدث البارع المتبحر علام المغرب الشيخ ابو عبد الله محمد بن الطالب بن سودة المري الفاسي التاودي ولد بفاس سنة 1128 وأخذ عن ابي عبد الله محمد بن عبد السلام بناني الناصري شارع الاكتفاء والشفاء ولامية الزقاق وغيرها والشهاب احمد بن عبد العزيزالهلالي السجلماسي قرأ عليهما الموطا وغيرها والشهاب احمد بن مبارك السجلماسي اللمطي قرأ عليه المنطق والكلام والبيان والأصول والتفسير والحديث وكان في أكثرها هو القارىء بين يديه مدة مديدة وأذن له في اقراء الصحيح في حياته فألقى دروسا بين يديه وكان يوده ويسر به ويقدمه على سائر الطلبة ولما توفي ليلة الجمعة تاسع عشر جمادى الاولى سنة خمس وخمسين ومائة والف بالطاعون تزاحم ذو الوجاهات فيمن يلحده في قبره فكان الشيخ هو المتولي لذلك دون غيره وتلك كرامة له ورضوا بذلك قال وكلمته يوما في شأن الحج متمنيا له ذلك فقال لي مشيرا الى شيخه سيدي عبد العزيز الدباغ ان الناس قالوا لي جعلناك في حق فلا تخرج من هذه البلدة وأنت ستحج واعطيك الف دينار وألف مثقال ان شاء الله تعالى قال ولم تك نفسي تحدثني بالحج يومئذ ولم يخطر ببال ومنهم الفقيه المتواضع صاحب التآليف ابو عبد الله محمد ابن قاسم جسوس لازمه مدة وقرأ عليه كتبا منها رسالة بن أبي زيد ومختصر خليل ثلاث ختمات مع مطالعه شروح وحواش والحكم والشمائل وجميع الصحيح من غير فوت شيء منه ومنهم حافظ المذهب الفقيه القاضي ابو البقاء يعيش بن الزغاوي الشاوي قرأ عليه رجز بن عاصم ولامية الزقاق وطرفا من الصحيح توفي سنة 1150 كان منزله بالدوخ في اطراف المدينة فنزل به اللصوص ليلا فدافع عن حريمه وقاتلهم حتى قتل شهيدا رحمه الله ومنهم قاضي الجماعة ومفتي الانام أبو العباس
احمد بن احمد الشدادي الحسني قرأ عليه المختصر الخليلي من اوله الى الوديعة او العارية وسمع عليه بعض التفسير من اوله ومنهم الفقيه الزاهد القاضي ابو عبد الله محمد بن احمد التماق قرأ عليه رسالة ابن أبي زيد والحكم والتفسير من اوله الى سورة النساء ومنهم الامام الناسك الزاهد ابو عبد الله محمد بن جلون قرأ عليه الاجرومية وختم عليه الالفية مرتين والمختصر الخليلي من اوله الى اليمين ولم يكن له نظير في الضبط والاتقان والتحرير وهو اول شيخ اخذ عليه وذلك قبل البلوغ وكان اذا قام من دروسه عرض على نفسه ماقاله فيجده لا يدع منه حرفا واحدا ومنهم سيبويه زمانه ابو عبد الله سيدي محمد ابن الحسن الجندوز قرأ عليه الالفية فكان يملي من حفظه في اثنائه الشروح والحواشي وشروح الكافية والتسهيل والرضي والمعنى والشواهد وغير ذلك مما يستجاد ويستغرب وقرأ عليه السلم والتلخيص ومن انصافه انه لما قرب اواخره بلغه ان الشيخ بن مبارك يريد ان يقرأه فقام مع جماعة وذهب اليه ليسمع منه وهذا من حسن انصافه واعترافه بالحق ومنهم ابو العباس احمد بن علال الوجاري قرأ عليه الالفية بلفظة ثلاث مرات وشيئا من التسهيل والمغنى وقد ذكر له بعض الشيوخ عن ابن هشام انه قرأ الالفية الف مرة فقال له بعض من سمعه وكم قرأتها قال اما المائة فجزتها فهؤلاء عشرة شيوخ كذا لخصتها من اجازة المترجم للشيخ احمد ابن علي بن عبد الوهاب بن الحاج الفاسي في تاسع جمادى الثانية سنة ثلاث والف وحج المترجم فقدم مصر سنة احدى وثمانين ورجع سنة 1182 وعقد درسا حافلا بالجامع الازهر برواق المغاربة فقرأ الموطأ بتمامه وحضره غالب الموجودين من العلماء واجاد في تقريره وافاد وسمع عليه الكثير اوائل الكتب الستة والشمائل والحكم وغيرها واجاز ولقي بمكة ابا زبد عبد الرحمن بن اسلم اليمني وابا محمد حسين بن عبد الشكور صاحب الشيخ عبد الله الميرغني والشيخ ابراهيم الزمزمي وغيرهم وبالمدينة
ابا عبد الله محمد بن عبد الكريم السمان وابا الحسن السندي وعبد الله جعفر الهندي وغيرهم واجازوه واجازهم وعاد الى مصر واجتمع بفاضلها كالجوهري والصعيدي وحسن الجبرتي والطحلاوي والسيد العيدروس والشيخ محمود الكردي وعيسى البراوي والبيومي والعربان وعطية الأجهوري وكان صحبته ولداه سيدي محمد وهو الاكبر وسيدي أبو بكر خالي العذار جميل الصورة وتردد على الشيخ الوالد كثيرا وتلقى عنه بعض الرياضيات وترك عنده ولديه المذكورين مدة اقامته بمصر فكنا نطالع معهما سوية صحبة الشيخ سالم القيرواني والشيخ احمد السوسي ونسهر غالب الليل نراعي المطالع والمغارب وممرات الكواكب بالسطح حذاء خيط المساترة ونراجع الشيخ فيما يشكل علينا فهمه وهو معنا في ناحية اخرى واوقفت سيدي ابا بكر على طريق رسم ربع الدائرة المقنطر والمجيب توفي سيدي محمد بفاس سنة 1193 ومن تآليف المترجم حاشية قوله وارخه الى آخره ابتداء التاريخ من الزاي من زج مع حساب السنين بثلاثمائة على قاعدة المغاربة الا انه يزيد واحدا عن سنة الوفاة فلعله مات سنة اربع وتسعين ومائة والف كما يظهر ذلك بحساب التاريخ على البخاري في اربع مجلدات وحاشية على الزرقاني شارح خليل وشرحان على الاربعين النووية ومناسك حج وشرح الجامع لسيدي خليل وشرح تحفة بن عاصم في القضاء والاحكام والمنحة الثابتة في الصلاة الفائتة وفتح المتعال فيما ينتظم منه بيت المال وحاشية علي بن جزي المفسر وحاشية على البيضاوي لم تكمل وشرح المشارق للصاغاني ومنظومة فيما يختص بالنساء وكلفه سلطان المغرب خطة القضاء في سنة 1203 فقبلها كرها وكانت فتاويه مسددة واحكامه مؤيدة مع غاية التحرز والصيانة والاتقان وبالجملة فكان عين الاعيان في عصره ومصره شهير الذكر وافر الحرمة مهيب الصورة يغلب دلاله على جماله قليل التبسم ولما توفي مولاي محمد سلطان المغرب ووقع الاختلاف والاضطراب
بين اولاده اجتمع الخاصة والعامة على رأى المترجم فاختار المولى سليمان وبايعه على الامر بشرط السير على الخلافة الشرعية والسنن المحمدية وبايعه الكافة بعده على ذلك وعلى نصره الدين وترك البدع والمظالم والمكوس والمحارم وكان كذلك ولم يزل المترجم على طريقته الحميدة حتى توفي في هذه السنة وتوفي بعده ابنه سيدي ابو بكر في سنة عشر ومائتين والف
ومات الامام العلامة والوجيه الفهامة الشيخ احمد بن محمد بن جاد الله ابن محمد الخناني المالكي البرهاني وجده الاخير يعرف بأبي شوشة وله مقام بزار بام خنان بالجيزة نشأ في طلب العلم وحضر أشياخ الوقت ولازم السيد البليدي وصار معيدا لدروسه بالازهر والاشرفية وانتفع بملازمته له انتفاعا كليا وانتسب اليه وأجازه اجازة مطولة بخطه ونوه بشأنه فلما توفي شيخه المذكور تصدر لاقراء الحديث مكانه بالمشهد الحسيني واجتمع عليه الناس وحضره من كان ملازما لحضور شيخه من تجار المغاربة وغيرهم واعتقدوا صلاحه وتحبب اليهم وواسوه بالصلاة والزكوات النذور وواظب الاقراء بالازهر ايضا وزيارة مشاهد الاولياء واحياء لياليها بقراءة القرآن والذكر ويقوم دائما من الثلث الاخير من الليل ويذهب الى المشهد الحسيني ويصلي الصبح بغلس في جماعة وزاد اعتقاد الناس فيه واتسعت دنياه مع المداومة على استجلابها وامسكاها وبآخرة اشترى دارا عظيمة بحارة كنامة المعروفة الان بالعينية بالقرب من الازهر وانتقل اليها وسكنها وكان يخرج لزيارة قبور المجاورين في كل يوم جمعة قبل الشمس فنزل العرب في بعض الجمع الى بين الكيمان فأراد الهروب وكان جسيما فسقط من على بغلته على خربته فانكسر زره وحمل الى داره وعالج نفسه شهورا حتى عوفي قليلا ولم يزل تعاوده الامراض حتى توفي رحمه الله وما رأيته قط الا وهو يتلو قرآنا أو يطالع كتابا سامحه الله تعالى
ومات الامام الفاضل الصالح النجيب المفوه الناجح الشيخ محمد ابن احمد بن خضر الخربتاوي المالكي الازهري قرأ على والده وحضر دروس شيخنا الشيخ علي العدوي الصعيدي وبه تخرج وانجب في العلوم وله سليقة جيدة في النثر والنظم وحصل كتبا نفيسة المقدار زيادة على الذي ورثه من والده وله محبة في آل البيت ومدائح كثيرة وهو ممن قرظ على شرح القاموس لشيخنا السيد محمد مرتضى تقريظا بديعا ولم يزل المترجم مقبلا على شأنه مواظبا على دروسه حتى توفي في هذه السنة رحمه الله
ومات الاجل الصالح الناسك المسلك العارف الشيخ محمد بن عبد الحافظ افندي ابو ذاكر الخلوتي الحنفي اخذ الطريق عن السيد مصطفى البكري والشيخ الحفني وحضر الفقه على العلامة الشيخ محمد الدلجي والشيخ احمد الحماقي وادرك الاسقاطي والمنصوري ولم يتزوج قط وكف بصره سنة 1181 وانقطع في بيته احدى وعشرين سنة بمفرده وليس عنده قريب ولا غريب ولا جارية ولا عبد ولا من يخدمه في شيء مطلقا وبيته متسع جهة التبانة وبابه مفتوح دائما وعنده الاغنام والدجاج والاوز والبط والجميع مطلوقون في الحوش وهو يباشر علفهم واطعامهم وسقيهم الماء بنفسه ويطبخ طعامه بنفسه وكذلك يغسل ثيابه واشتهر في الناس بان الجن تخدمه وليس ببعيد لانه كان من اهل المعارف والاسرار ويأتي اليه الكثير من الطلبة للاخذ عنه والتلقي منه وكان له يد طولي في كل شيء ومشاركة جيدة في العلوم والمعارف والاسماء والروحانيات والاوفاق واستحضار تام في كل ما يسأل عنه وعنده عدة كثيرة من السنانير ويعرفها بالواحد بأسمائها وأنسابها وألوانها ويقول هذه تحفة بنت بستانه وهذه كمونة بنت ياسمين وهذه فلانة أخت فلانة الى غير ذلك توفي رحمه الله تعالى في شهر شوال من هذه السنة
ومات الامام العلامة والرحلة الفهامة المعمر المتقدم الشيخ مصطفى المرحومي الشافعي ولد بمحلة المرحوم بالمنوفية وقرأ القرآن وحفظه
وجوده وحضر الى مصر المتون وتفقه على الاشياخ المتقدمين كالدفري والمدابغي والشيخ علي قايتباي والملوي والحفني وغيرهم ومهر في المعقول والمنقول وأملى الدروس بالازهر وجامع أزبك وانتفع به الناس كان يتردد الى بيوت بعض الاعيان ويحبونه ويكرمونه ويستفيدون من فوائده ونوادره وكان له حافظة واستحضار للمناسبات والاشعار واللطائف لا يمل حديث ومفاكهته توفي في هذه السنة رحمه الله
ومات الامام العلامة الفقيه النحوي الاصولي الجدلي النحرير الفصيح المتقن المتفنن الشيخ علي الشهير بالطحان الازهري المصري حضر شيوخ العصر ولازم الشيخ الملوي والجوهري وكان معيد الدروس الاخيروبه وبه تخرج وكان يقرأ الكتب ويقرر الدروس بدون مطالعة الا انه كان يغلب عليه الملل والسآمة وحب البطالة غالب ايامه ولا يتعفف عن الدنيا من أي وجه كان ويطلبها وان قلت وكانت سليقته جيدة في النثر والنظم وله منظومة في الفقه ومنظومة في المنطق ومنظومتان في التوحيد كبرى وصغرى ومنظومة في المنطق ومنظومتان في التوحيد كبرى وصغرى ومنظومة في العروض ومنظومة في البان ومنظومة في الطب وله لاميتان على محاكات لامية بن الوردي كبرى الملوي على السمرقندية توفي في اواخر شعبان من السنة
ومات الامام العلامة النبيه الوجيه الفاضل المستعد الشيخ يوسف ابن عبدالله بن منصور السنبلاويني الشهير برزه الشافعي تفقه على بلدية الشيخ احمد رزة وحضر دروس الشيخ الحفني والشيخ البراوي والشيخ عطية والشيخ الصعيدي وغيرهم من الاشياخ وأنجب ودرس وأفاد ولازم الاقراء وكان انسانا وجيها محتشما ساكن الجاش وقورا بهي الشكل قانعا بحاله لا يتداخل كغيره في أمور الدنيا مجمل الملابس لا يزيد على ركوب الحمار في بعض الاحيان لبعض الامور الضرورية ولم يزل حتى تعلل وتوفي في هذه السنة رحمه الله تعالى
ومات العلامة المفيد المفوه المجيد الشيخ عبد الرحمن بن علي بن الامام
العلامة عبد الرؤوف البشبيشي نشأ في حجر والده وحفظ القرآن وحضر الاشياخ وتفقه في مذهب ابيه وجده وهم شافعيون واجتمع بالشيخ الوالد ولازمه ملازمة كلية وحضر عليه في مذهب أبي حنيفة وحفظ كثيرا من الفروع الغريبة في المذهب والرياضيات وأقراني في حال الصغر شيئا من القرآن وحروف الهجاء وكان به بعض رعوته فانتقل الى مذهب أبي حنيفة واخبر الوالد بذلك يظن سروره في انتقاله فلامه على فعله وانحط قدره عنده من ذلك الوقت وذلك بعد موت والده في سنة 1187 واملق حاله وتكدر باله وسافر بآخرة الى دمياط واقام بها مدة يفتي على مذهب الحنفية وراج أمره هناك لشغور الثغر عن مثله ثم قدم مصر لامر عرض له فأقام بمصر واراد بيع داره ليصرف ثمنها في شؤونه فلم يجد من يشتريها بالثمن المرغوب وكان انسانا حسنا يذاكر بفوائد مع حسن المعرفة وصحة الذهن وربما تعلق ببعض فنون غريبة ولذا قل حظه رحمه الله في هذه السنة وحيدا في داره وهو جالس
ومات المجذوب المعتقد السيد علي البكري أقام سنينا متجردا ويمشي في الاسواق عريانا ويخلط في كلامه وبيده نبوت طويل يصحبه معه في غالب اوقاته وقد تقدم ذكره وذكر المرأة التي تبعته المعروفة بالشيخة أمونة وكان يحلق لحيته وللناس فيه اعتقاد عظيم وينصتون الى تخليطاته ويوجهون ألفاظه ويؤولونها على حسب أغراضهم ومقتضيات احولهم ووقائعهم وكان له أخ من مساتير الناس فحجر عليه ومنعه من الخروج وألبسه ثيابا ورغب الناس في زيارته وذكر مكاشفاته وخوارق كراماته فأقبل الناس عليه من كل ناحية وترددوا لزيارته من كل جهة وأتوا اليه الهدايا والنذور وجروا على عوائدهم في التقليد وازدحم عليه الخلائق وخصوصا النساء فراج بذلك أمر أخيه واتسعت دنياه ونصبه شبكة لصيده ومنعه من حلق لحيته فنبتت وعظمت وسمن بدنه وعظم جسمه من كثرة الاكل والراحة وقد كان قبل ذلك عريانا شقيانا يبيت غالب لياليه
بالجوع طاويا من غير اكل بالازقة في الشتا والصيف وقيد به من يخدمه ويراعيه في منامه ويقظته وقضاء حاجته ولا يزال يحدث نفسه ويخلط في الفاظه وكلامه وتارة يضحك وتارة يشتم ولا بد من مصادفة بعض الالفاظ لما في نفس بعض الزائرين وذوي الحاجات فيعدون ذلك كشفا واطلاعا على ما في نفوسهم وخطرات قلوبهم ويحتمل ان يكون كذلك فانه كان من البله المجاذيب المستغرقين في شهود حالهم وسبب نسبتهم هذه انهم كانوا يسكنون بسويقة البكري لا انهم من البكرية ولم يزل هذه حالة حتى توفي في هذه السنة واجتمع الناس لمشهده من كل ناحية ودفنوه بمسجد الشرايبي بالقرب من جامع الرويعي في قطعة من المسجد وعملوا على قبره مقصورة ومقاما يقصد للزيارة واجتمع عند مدفنه في ليال وميعادات قراء ومنشدون وازدحم عند أصناف الخلائق ويختلط النساء بالرجال ومات اخوه ايضا بعده بنحو سنتين
ومات الوجيه المكرم والنبيه المفخم مصطفى بن صادق افندي اللازجي الحنفي ولد سنة 1174 ونشأ في حجر والده وحفظ القرآن وبعض المتون في صغره وحفظ في صغره وحفظ البرجلي والشاهدي ومهر في اللغة التركية وتفقه على ابيه وقرأ عليه علم الصرف وحضر على بعض الاشياخ ولازم الشيخ محمد الفرماوي واخد عنه النحو وقرأ عليه مختصر السعد وغيره برواق الجيرت بالازهر ثم تصدر للافادة والمطالعة لطلبة الاتراك المجاورين برواق الأورام ولبس له تاجا وفراجة وعمل له مجلس وعظ على كرسي بالجامع المؤيدي وذلك قبل نبات لحيته وكان وسيما جسيما بهي الطلعة أبيض اللون رابي البدن فاجتمع لسماع وعظه ومشاهدة ذاته كثير من الناس من ابناء العرب والاتراك والامراء والاجناد فيقرر لهم بالعربي والتركي بفصاحة وطلاقة لسان وممن كان يحضره علي أغا مستحفظان وهام فيه واحبه وصار يتردد اليه كثيرا ويذهب هو ايضا الى داره كثيرا وكان والده متوليا على وقف اسكند ومشيخة التكية بباب الخرق فكان
هو المتكلم على ذلك عوضا عن أبيه واتفق انه حاسب المباشر على ذلك وهو الشيخ احمد الصفطة وطالبه بما تأخر عليه فما طلبه فأغرى به علي أغا المذكور فطلب الشيخ احمد المذكور ونكل به وشهره وعلقه على شباك السبيل بباب الخرق بقاووقه وهيئته واجتمع الناس للفرجة عليه يوما كاملا ثم اطلقه فاشتهر أمر المترجم وهابه الناس واكثر من الترداد الى بيوت الامراء وعظموه وأحبوه وأكرموه لاتحاد الجنسية وارتباط الحيثية ولما توفي مصطفى افندي شيخ رواقهم انتبذ هو لطلب المشيخة وذهب الى مراد بك فألبسه فروة على مشيخة الرواق فتعصب اهل الرواق وأبو مشيخته عليهم لحداثة سنه واجتعوا وذهبوا الى مراد بك فزجرهم ونهرهم وطردهم فرجعوا بقهرهم وسكتوا واستمر شيخا عليهم يأتي الى الرواق في كل يوم ويقرأ لهم الدرس كما كان من قبله واشتهر ذكره وعظمت لحيته وصار ذا وجاهة عظيمة وسكن دارا عظيمة جهة التبانة من وقف رواقهم ودعا اليه الاعيان والاكابر وعمل لهم ولائم وقدم لهم التقادم والهدايا واحتفل به مصطفى أغا الوكيل وسعى له في اشغاله وكاتب الدولة في شأنه فأرسلوا له مرتبا بالضربخانة وقدره مائة وخمسون نصفا في كل يوم واتسع حاله واقبلت عليه الدنيا من كل جهة ومات ابوه في سنة اربع ومائتين وألف وكان ذا مكنة وحرص فأحرز مخلفاته ايضا وباع تركته وكان سليط اللسان في حق الناس فاتفق انه لما حضر حسن باشا الى مصر فحضر مرة الى زيارة المشهد الحسيني وجلس مع الشيخ السادات والشيخ البكري فدخل عليهم المترجم فجلس هنيهة ثم قام فسأل عنه حسن باشا فأخبره الشيخ السادات عن احواله وتكلمه في حق الناس فأمر بنفيه فأنزعج عليه والده ثم ذهب الىحسن باشا وكلمه فرق له ورحم شيبته وامر برد ابنه فرجع من ليلته ولم يزل يسعى ويتحيل حتى احضر حسن باشا الى داره وجدد معه صداقة وصحبة حتى كان أن يأخذه صحبته ولم يزل في فوعته وفورته حتى غار ماء حياته وانغلق عن الفتح باب قبره
عند مماته وهو مقتبل الشبيبة في هذه السنة
ومات الشيخ المحترم المبجل الشيخ احمد بن الامام العلامة سالم النفراوي المالكي نشأ في حجر والده في رفاهية وتنعم ورياسة ولما مات والده تعصب له الشيخ عبد الله الشبراوي وحاز له وظائف والده وتعلقاته وأجلسه للاقراء في مكان درس أبيه وأمر جماعة ابيه بالحضور عليه وكان الشيخ علي الصعيدي من اكبر طلبة ابيه فتطلع للجلوس في محله وكان أهلا لذلك فعارضه الشيخ الشبراوي وأقصاه وصدر ولده لذلك مع قلة بضاعته ولتغة في لسانه فحقد ذلك في نفسه الشيخ الصعيدي سنينا وكان المترجم ذا دهاء ومكر وتصدي للقضايا والدعاوي واتخذ له أعوانا واشتهر ذكره وعد من الكبار وترددت اليه الامراء والاعيان وصار ذا صولة وهيبة ولما ظهر شأن علي بك كان يرعى له حقه وحالته التي وجده عليها ويقبل شفاعته ويكرمه حتى انه كان يأتي اليه بداره التي بالجيزة فلما مات علي بك وانتقلت الرياسة الى محمد بك وكان له عناية بالشيخ الصعيدي ويسمع لقوله وكان السيد محمد بدوي بن فتيح القباني مباشر المشهد الحسيني يعلم كراهة الشيخ الصعيدي الباطنية للمترجم فيرصد الوقت الذي يحضر في الشيخ الصعيدي عند الامير ويفتح مذاكرته والتكلم في حقه فيساعده الشيخ ويظهر المكمون في نفسه من المترجم ويذكرون مساويه وقبائحه وما بيده من الوظائف بغير حق وما تحت نظارته من الاوقاف المتخربة حتى اوغروا صدر الامير عليه فنزع منه وظائفه وفرقها على من اشاروا عليه بتقليده اياها وأهانه فعند ذلك تسلطت عليه الالسن وكثرت فيه الشكاوي وتجاسر عليه الانذال وتطاول عليه الارذال وهدموابيته الذي بالجيزة لانه كان تعدى في بنائه وأخذ قطعة من الطريق التي يسلك منها الناس فعند ذلك خمل ذكره وبرد امره واستمر على ذلك حتى توفي في هذه السنة غفر الله له وسامحه بمنه وكرمه
سنة ثمان ومائتين وألف
فيها أوفى النيل أذرعه في سادس عشر المحرم الموافق لثامن عشر مسرى القبطي وأول برج السنبلة وفيها انحلت الاسعار وبورك في رمي الغلال حتى ان الفدان الواحد زكا بقدر خمسة أفدنة وبلغ النيل الى الزيادة المتوسطة وثبت الى أول بابه وشمل الماء غالب الارض بسبب التفات الناس لسد المجارى وحفر الترع واصلاح الجسور
وفي اوائل شهر صفر وصل قابجي من الديار الرومية بطلب مال المصالحة والحلوان فانزلوه في دار وهادوه ورتبوا له مصروفا
ومن الحوادث ان الناس انتظروا جاويش الحاج وتشوفوا لحضوره ولم يذهب اليهم في هذه السنة ملاقاة بالوش ولا بالازلم وأرسل ابراهيم بك هجانا يستخبر عن الحجاج فذهب ورجع ليلة الثالث والعشرين من شهر صفر وأخبر ان العرب تجمعوا على الحج من سائر النواحي عند مغاير شعيب ونهبوا الحجاج وكسروا المحمل واحرقوه وقتلوا غالب الحجاج والمغاربة معهم وأخذوا أحمالهم ودوابهم ونهبوا أثقالهم وانجرح أمير الحج وأصابه ثلاث رصاصات وغاب خبره ثلاثة ايام ثم أحضره العرب وهو عريان في أسوأ حال وأخذوا النساء بأجمالهن والذي تبقى منهم أدخلوه الى قلعة العقبة وتركهم الهجان بها من غير ماء ولا زاد فنزر بالناس من الغم والحزن تلك الليلة مالا مزيد عليه ثم أنهم عينوا محمد بك الالفي وعثمان بك الاشقر ليسافرا بسبب ذلك فخرجا في يوم الخميس سابع عشرين صفر وخطف اتباعهم في ذلك اليوم ما صادفوه من الجمال والبغال والحمير وقرب السقائين التي تنقل الماء من الخليج ونهبوا الخبر من الطوابين والمخابر والكعك والعيش من الباعة وفي يوم خروجهم وصل جماعة من الحجاج ودخلوا في أسوأ حال من العري والجوع والتعب فلما وصلوا الى نخل تلاقوا مع باقي الحجاج عل مثل ذلك ووجدوا أمير الحاج ذهب الى غزة وصحبته جماعة من الحجاج وأرسل يطلب الامان ولم يزوروا المدينة في هذه السنة وأرسل من صرة المدينة اثنين وثلاثين ألف ريال مع عرب حرب ضاع في هذه الحادثة من الاموال والمحزوم شيء كثير جدا واخبروا ان مواسم هذا العام كان من أعظم المواسم لم يتفق مثله من مدة مديدة
وفي يوم الاثنين غرة ربيع الاول دخل باقي الحجاج على مثل حالة من وصل منهم قبل ذلك
وفي صبحها يوم الثلاثاء عملوا الديوان بالقلعة واجتمع الامراء والوجاقلية والمشايخ وقرىء المرسوم الذي حضر بصحبة الاغا فكان مضمونه طلب الحلوان والخزينة وقدر ذلك تسعة الاف واربعمائة كيس وعشرة الاف وخمسة واربعون نصفا فضة تسلم ليد الاغا المعين من غير تأخير
وفيه عملوا على زوجات أمير الحاج ثلاثين الف ريال وأرسلوا الى بيت حسن كاشف المعمار فأخذوا ما فيه من الغلال وغيرها لانه قتل في معركة العرب مع الحجاج وألبسوا زوجته الخاتم قهرا عنها ليزوجوها لمملوك من مماليك مراد بك وهي بنت علي اغا المعمار ووجدت على زوجها وجدا عظيما وارسلت جماعة لاحضار رمته من قبره الذي دفن فيه في صندوق على هيئة تابوت
وفيه شرع الامراء في عمل تفريدة على البلاد بسبب الاموال المطلوبة وقرروها عال وهو اربعمائة ريال ووسط ثلثمائة والدون مائة وخمسون وكتبوا اوراقها على الملتزمين ليحصلوها منهم
وفي يوم الخميس سافر حسن كتخدا ايوب بك بامان لعثمان بك ليحضره من غزة ووصل المتسفرون بجثة حسن كاشف المعمار
وفي عشرين جمادى الاولى وصل عثمان بك طبل الاسماعيلي امير الحاج الى مصر مكسوف البال ودخل الى بيته
وفيه حضر الصدر الاعظم يوسف باشا الى الاسكندرية ليتوجه الى الحجاز فاعتنى الامراء بشأنه وارسلوا له ملاقاة وتقادم وهدايا وفرشوا له قصر العيني ووصل الى مصر وطلع من المراكب الى قصر العيني واسلوا له تقادم وضيافات ثم حضروا للسلام عليه في زحمة وكبكبة فخلع على ابراهيم بك ومراد بك خلعا ثمينة وقدم لهما حصانين بسرجين مرختين ثم نزل له الباشا المنولي بعد يومين وسلم عليه ورجع الى القلعة واقاموا لخفارته عبد الرحمن بك الابراهيمي جلس بالقصر المواجه لقصر العيني وقد تخيلوا من حضوره وظنوا ظنونا
وفي يوم الاحد ثالث جمادى الثانية طلع يوسف باشا الى القلعة باستدعاء من الباشا المتولي فجلس عنده الى بعد الظهر ونزل في موكب حافل الى محله بقصر العيني وارسل له ابراهيم بك ومراد بك مع كتخدائهم هدية وهي خمسمائة أردب قمح ومائة اردب ارز وتعبيات اقمشة هندية وغير ذلك واقام بالقصر اياما وقضوا أشغاله وهيؤا له اللوازم والمراكب بالسويس وركب في اواسط جمادى الثانية وذهب الى السويس ليسافر الى جدة من القلزم وانقضت هذه السنة وحوادثها واستهلت الاخرى *
من مات فيها من الاعيان ومن سارت بذكرهم الركبان
مات نادرة الدهر وغرة وجه العصر انسان عين الاقاليم فريد عقد المجد النظيم جامع الفضائل والمحاسن ومظهر اسم الظاهر والباطن من لبس رداء النجابة في صباه ولاح عنوان المكارم على صحائف علاه ولم تقصر عليه أثواب مجده التي ورثها عن ابيه وجده الحسيب النسيب والنجيب الاريب السيد محمد افندي البكري الصديقي شيخ سجادة السادة البكرية ونقيب السادة الاشراف بمصر المحمية تقلد بعد والده المنصبين وورث عنه السيادتين فسار فيهم سيرة الملوك ونثر فرائد المكارم من أسلاك السلوك فجوده حدث عن البحر ولا حرج وبراعة منطقه تلتج سلب الالباب والمهج مع حسن منظر تتزاحم عليه وفود الابصار وفيض نوال تضطرب لغيرتها منه البحار وقد اجتمع فيه من الكمال ما تضرب به الامثال واخبار غنية عن البيان مسطرة في صحف الامكان زمانه كأنه عروس الفلك فكم قال له الدهر اما الكمال فلك ولم يزل كذلك الى ان آذنت شمسه بالزوال وغربت بعد ما طلعت من مشرق الاقبال وقطفت زهرة شبابه وقد سقتها دموع احبابه وكانت وفاته ليلة الجمعة ثامن عشر ربيع الثاني وخرجوا بجنازته من بيتهم بالازبكية وصلى عليه بالازهر في مشهد حافل ودفن عند اجداده بجوار الامام الشافعي رضي الله عنه وبالجملة فهو كان مسك الختام قلما تسمح بمثله الايام ولما مات تولى سجادة الخلافة البكرية ابن خاله سيدي الشيخ خليل افندي وتقلد النقابة السيد عمر افندي الاسيوطي
ومات علامة العلوم والمعارف وروضة الاداب الوريقة وظلها الوارف جامع المزايا والمناقب شهاب الفضل الثاقب الامام العلامة الشيخ احمد ابن موسى بن داود ابو الصلاح العروسي الشافعي الازهري ولد سنة ثلاث وثلاثين ومائة والف وقدم الازهر فسمع على الشيخ احمد الملوي الصحيح بالمشهد الحسيني وعلى الشيخ عبد الله الشبراوي الصحيح والبضاوي والجلالين وعلى السيد البليدي البيضاوي في الأشرفية وعلى الشمس الحفني الصيح مع شرحه للقسطلاني ومختصر بن ابي جمرة والشمائل وابن حجر على الاربعين والجامع الصغير وتفقه على كل من الشبراوي والعزيزي والحفني والشيخ علي قايتباي الاطفيجي والشيخ حسن المدابغي والشيخ سابق والشيخ عيسى البراوي والشيخ عطية الاجهوري وتلقى بقية الفنون عن الشيخ علي الصعيدي لازمه السنين العديدة وكان معيدا لدروسه وسمع عليه الصحيح بجامع مرزة ببولاق
وسمع من الشيخ ابن الطيب الشمائل لما ورد مصر متوجها الى الروم وحضر دروس الشيخ يوسف الحفني والشيخ ابراهيم الحلبي وابراهيم بن محمد الدلجي ولازم الشيخ الوالد وأخذ عنه وقرأ عليه في الرياضيات والجبر والمقابلة وكتاب الرقائق للسبط وقوللي زاده على المجيب وكفاية القنوع والهدايةوقاضي زادة وغير ذلك وتلقن الذكر والطريقة عن السيد مصطفى البكري ولازمه كثير واجتمع بعد ذلك على ولي عصره الشيخ احمد العربان فأحبه ولازمه واعتنى به الشيخ وزوجه احدى بناته وبشره بانه سيسود ويكون شيخ الجامع الازهر فظهر ذلك بعد وفاته بمدة لما توفي شيخنا الشيخ احمد الدمنهوري واختلفوا في تعيين الشيخ فوقعت الاشارة عليه واجتمعوا بمقام الامام الشافعي رضي الله عنه كما تقدم واختاروه لهذه الخطة العظيمة فكان كذلك واستمر شيخ الجامع على الاطلاق ورئيسهم بالاتفاق يدرس ويعيد ويملي ويفيد ولم يزل يراعي للحقير حق الصحبة القديمة والمحبة الاكيدة وسمعت من فوائده كثيرا ولازمت دروسه في المغني لابن هشام بتمامه وشرح جمع الجوامع للجلال المحلي والمطول وعصام على السمرقندية وشرح رسالة الوضع وشرح الورقات وغير ذلك وكان رقيق الطباع مليح الاوضاع لطيفا مهذبا اذا تحدث نفت الدر واذا لقيته لقيت من لطفه ما ينعش ويسر ولم تزل كؤوس فضله على الطلبة مجلوة حتى ورد موارد الموت ودعاه الله تعالى بجوار الجنان وتلقاه جدثه بروح رحمة ورضوان وذلك في حادي عشرين شعبان وصلى عليه بالازهر في مشهد حافل ودفن بمدفن صهره الشيخ العريان تغمده الله بالرحمة والرضوان ومن تآليفه شرح على نظم التنوير في اسقاط التدبير الشيخ الملوي وهو نظم وحاشية على الملوي على السمرقندية وغير ذلك وخلف أولاده الاربعة كلهم فضلاء أذكياء نبلاء أحدهم الذي تعين بالتدريس في محله بالازهر العلامة اللوذعي والفهامة الالمعي شمس الدين السيد محمد واخوه النبيه الفاضل المتقن شهاب الدين السيد أحمد وأخوه الذكي
اللبيب والفهيم النجيب السيد عبد الرحمن والنبيه الصالح والمفرد الناجح السيد مصطفى بارك الله فيهم
ومات الخواجة المعظم والملاذ المفخم حائز رتب الكمال وجامع مزايا الافضال سيدي الجامع محمود بن محرم اصل والده من الفيوم واستوطن مصر وتعاطى التجارة وسافر الى الحجاز مرارا واتسعت دنياه وولد له المترجم فتربى في العز والرفاهية ولما ترعرع وبلغ رشده وخالط الناس وشارك وباع واشترى وأخذ واعطى ظهرت فيه نجابة وسعادة حتى كان اذا مسك التراب صار ذهبا فانجمع والده وسلم له قياد الامور فاشتهر ذكره ونسا امره وشاع خبره بالديار المصرية والحجازية والشامية والرومية وعرف بالصدق والامانة والنصح فاذعنت له الشركاء والوكلاء ووثقوا بقوله ورأيه واحبه الامراء المصرية وتداخل فيهم بعقل وحشمة وحسن سير وفطانة ومدارات وتؤدة وسياسة ولطف وادب وحسن تخلص في الامور الجسيمة وعمر داره ووسعها واتحفها وخرفها وأنشأ بها قاعة عظيمة وامامها فسحة مليحة الشكل وحول القاعة بستان بديع المثال وهي مطلة عليه من الجهتين وزوج ولده سيدي احمد الموجود الان وعمل له مهما عظيما دعا اليه الاكابر والاعيان والتجار وتفاخر فيه الى الغاية وعمر مسجدا بجوار بيته بالقرب من حبس الرحبة فجاء في غاية الاتقان والحسن والبهجة ووقف عليه بعض جهات ورتب فيه وظائف وتدريسا وبالجملة كان انسانا حسنا وقورا محتشما جميل الطباع مليح الاوضاع ظاهر العفاف كامل الاوصاف حج في هذه السنة من القلزم ورجع في البرمع الحجاج في امارة عثمان بك الشرقاوي على الحج في احمال مجملة وهيئة زائدة مكملة فصادفتهم شوبة فقضى عليه فيها ودفن بالخيوف ولم يخلف في بابه مثله رحمه الله
ومات الامير حسن كاشف المعمار واصله مملوك محمود بك واعطاه لعلي اغا المعمار اخذه صغيرا ورباه ودربه في الامور وزوجه ابنته وعمل لزواجهما
مهما وولائم ولما مات سيده قام مقامه وفتح بيته ووضع يده على تعلقاته وبلاده ونما امره وانتظم في سلك الامراء المحمدية لكونه في الاصل مملوك محمد بك وخشداشهم وكان رئيسا عاقلا ساكن الجاش جميل الصورة واسع العينين أحورهما ولما حج في هذه السنة وخرجت عليهم العرب ركب وقاتلهم حتى مات شهيدا ودفن بمغاير شعيب ونهب متاعه واحماله وحزنت عليه زوجته الست حفيظة ابنة علي أغا حزنا شديدا وارسلت مع العرب ونقلته الى مصر ودفنته عند ابيها بالقرافة وزوجته المذكورة هي الان زوجة لسليمان بك المرادي
ومات الامير شاهين بك الحسني وقد تقدم انه كان حضر الى مصر رهينة وسكن ببيت بالقرب من الموسكي وهو مملوك حسن بك الجداوي امره ايام حسن باشا وسكن ببيت مصطفى بك الكبير الذي على بركة الفيل المعروف سابقا بشكر فره وصار من جملة الامراء المعدودين ولما مات اسمعيل بك وحصل ما تقدم من قدوم المحمديين وخروجهم فحضر المترجم صحبة عثمان بك الشرقاوي رهينة عن سيده واقام بمصر وكان سبب موته ان انسانا كلمه عن اصول الصبغة التي تنبت بالغيطان ولها ثمر يشبه عنب الديب في عناقيد يصبغ منه القراشون مياه القناديل في المواسم والافراح وان من اكل من اصولها شيئا أسهله اسهالا مفرطا ولم يذكر له المسكن لذلك ولعله كان يجهله فأرسل من اتى له بشي منها من البستان واكل منه فحصل هل اسهال مفرط حتى غاب عن حسه ومات وتسكين فعلها اذا بلغت غايتها ان يمتص شيئا من الليمون المالح فانها تسكن في الحال ويفيق الشخص كان لم يكن به شيء
ومات الامير احمد بك الوالي بقبلي وهو ايضا مملوك حسن بك الجداوي وقد تقدم ذكره ووقائعه مع اهل الحسينية وغيرهم في ايام زعامته
سنة تسع ومائتي والف
لم يقع بها شيء من الحوادث الخارجية سوى جور الامراء وتتابع مظالمهم واتخد مراد بك الجيزة سكنا وزاد في عمارته واستولى على غالب بلاد الجيزة بعضها بالثمن القليل وبعضها غصبا وبعضها معاوضه واتخذ صالح اغا ايضا له دار بجانبه وعمرها وسكنها بحريمه ليكون قريبا من مراد بك
وفي سابع عشرين المحرم الموافق لعشرين شهر مسرى القبطي أوفىالنيل أذرعه وكسر السد في صبحها بحضرة الباشا والامراء وجرى الماء في الخليج
وفي شهر صفر ورد الخبر بوصول صالح باشا والى مصر الى اسكندرية واخذ محمد باشا في اهبة السفر ونزل وسافر الى جهة اسكندرية
وفي عشرين شهر ربيع الاول وصل صالح باشا الى مصر وطلع القلعة
وفي اواخره ورد الخبر بوصول تقليد الصدارة الى محمد باشا عزت المنفصل عن مصر وورد عليه التقليد وهو باسكندرية وكان صالح أغا الوكيل ذهب صحبته ليشيعه الى اسكندرية فأنعم اليه بفرمان مرتب على الضربخانة باسم حريمه ألف نصف فضة في كل يوم
وفي ليلة السبت خامس عشر ربيع الثاني أمطرت السماء مطرا غزيرا قبل الفجر وكان ذلك آخر بابه القبطي
وفي شهر الحجة وقع به من الحوادث ان الشيخ الشرقاوي له حصفة في قرية بشرقية بلبيس حضر اليه اهلها وشكوا من محمد بك الالفي وذكروا ان اتباعه حضروا اليهم وظلموهم وطلبوا منهم مالا قدرة لهم عليه واستغاثوا بالشيخ فاغتاظ وحضر الى الازهر وجمع المشايخ وقفلوا ابواب الجامع وذلك بعد ما خاطب مراد بك وابراهيم بك فلم يبديا شيئا ففعل ذلك في ثاني يوم وقفلوا الجامع وامروا الناس بغلق الاسواق والحوانيت ثم ركبوا في ثاني يوم واجتمع عليهم خلق كثير من العامة وتبعوهم وذهبوا الى بيت الشيخ السادات وازحم الناس على بيت الشيخ من جهة الباب والبركة بحيث يراهم ابراهيم بك وقد بلغه اجتماعهم فبعث من قبله ايوب بك الدفتردار فحضر اليهم وسلم عليهم ووقف بين يديهم وسألهم عن مرادهم فقالوا له نريد العدل ورفع الظلم والجور واقامة الشرع وابطال الحوادث والمكوسات التي ابتدعتموها واحدثتموها فقال لا يمكن الاجابة الى هذا كله فاننا ان فعلنا ذلك ضاقت علينا المعايش والنفقات فقيل له هذا ليس بعذر عند الله ولا عند الناس وما الباعث على الاكثار من النفقات وشراء المماليك والامير يكون اميرا بالاعطاء لا بالأخذ فقال حتى ابلغ وانصرف ولم يعد لهم بجواب وانفض المجلس وركب المشايخ الى الجامع الازهر واجتمع اهل الاطراف من العامة والرعية وباتوا بالمسجد وارسل ابراهيم بك الى المشايخ بعضدهم ويقول لهم انا معكم وهذه الامور على غير خاطري ومرادي وارسل الى مراد بك يخيفه عاقبة ذلك فبعث مراد بك يقول اجيبكم الى جميع ما ذكرتموه الا شيئين ديوان بولاق وطلبكم المنكسر من الجامكية ونبطل ما عدا ذلك من الحوادث والظلم وندفع لكم جامكية سنة تاريخه اثلاثا ثم طلب أربعة من المشايخ عينهم بأسمائهم فذهبوا اليه بالجيزة فلاطفهم والتمس منهم السعي في الصلح على ما ذكر ورجعوا من عنده وباتوا على ذلك تلك الليلة وفي اليوم الثالث حضر الباشا الى منزل ابراهيم بك واجتمع الامراء هناك وارسلوا الى المشايخ فحضر الشيخ السادات والسيد النقيب والشيخ الشرقاوي والشيخ البكري والشيخ الامير وكان المرسل اليهم رضوان كتخدا ابراهيم بك فذهبوا معه ومنعوا العامة من السعي خلفهم ودار الكلام بينهم وطال الحديث وانحط الامر علىانهم تابوا ورجعوا والتزموا بما شرطه العلماء عليهم وانعقد الصلح على ان يدفعوا سبعمائة وخمسين كيسا موزعة وعلى ان يرسلوا غلال الحرمين ويصرفوا غلال الشون واموال الرزق ويبطلوا رفع المظالم المحدثة والكشوفيات والتفاريد والمكوس ما عدا ديوان بولاق وان يكفوا اتباعهم عن امتداد أيديهم الى اموال الناس ويرسلوا صرة الحرمين
والموائد المقررة من قديم الزمان ويسيروا في الناس سيرة حسنة وكان القاضي حاضر بالمجلس فكتب حجة عليهم بذلك وفر من عليها الباشا وختم عليها ابراهيم بك وأرسلها الى مراد بك فختم عليها ايضا وانجلت الفتنة ورجع المشايخ وحول كل واحد منهم وامامه وخلفه جملةعظيمة من العامة وهم ينادون حسب ما رسم ساداتنا العلماء بأن جميع المظالم والحوادث والمكوس بطالة من مملكة الديار المصرية وفرح الناس وظنوا صحته وفتحت الاسواق وسكن الحال على ذلك نحو شهر ثم عاد كل ما كان مما ذكر وزيادة ونزل عقيب ذلك مراد بك الى دمياط وضرب عليها الضرائب العظيمة وغير ذلك
ومات الامام العلامة والرحلة الفهامة بقية المحققين وعمدة المدققين الشيخ المعمر شهاب الدين احمد بن محمد بن عبد الوهاب السمنودي المحلي الشافعي من بيت العلم والصلاح والرشد والفلاح واصلهم من سمنود ولد هو بالمحلة وقدم الجامع الازهر وحضر على الشمس السجيني والعزيزي والملوي والشبراوي وتكمل في الفنون الغريبة وتلقى عن السيد علىالضرير والشيخ محمد الغلاني الكشناوي مشاركا للشيخ الوالد والشيخ ابراهيم الحلبي وعاد الى المحلة فدرس في الجامع الكبير مدة ثم اتى الى مصر بأهله وعياله ومكث بها وأقرأ بالجامع الأزهر درسا وتردد الى الاكابر والامراء واجلوه وقرأ في المحمدية بعد موت الشنويهي في المنهج وانضوى الى الشيخ ابي الانوار السادات ويأتي اليه في كل يوم وكان انسانا حسنا بهي الشكل لطيف الطباع عليه رونق وجلال جميل المحادثة حسن الهيئة توفي بعد ان تعلل دون شهر عن مائة وست عشرة سنة كامل الحواس اذا قام نهض نهوض الشباب ودفن ببستان المجاورين وكان يتكتم سني عمره رحمه الله
ومات الامام العلامة واللوذعي الفهامة رئيس المحققين وعمدة المدققين النحوي المنطقي الجدلي الاصولي الشيخ احمد بن يونس الخليفي الشافعي
الازهري من قرابة الشهاب الخليفي ولد سنة 1131 كما سمعته من لفظه وقرأ القرآن وحفظ المتون وحضر كل من الشبراوي والحفني واخيه الشيخ يوسف والسيد البليدي والشيخ محمد الدقري والدمنهوري وسالم النفراوي والطحلاوي والصعيدي وسمع الحديث على الشهابين الملوي والجوهري ودرس وأفاد بالجامع الازهر وتقلد وظيفة الافتاء بالمحمدية عندما انحرف يوسف بك على الشيخ حسن الكفراوي كما تقدم فأتخذ الشيخ احمد ابا سلامة امينا على فتاويه لجودة استحضاره في الفروع الفقهية وله مؤلفات منها حاشية على شرح شيخ الاسلام على متن السمرقندية في آداب البحث وآخرى على شرح الملوي في الاستعارات واخرى على شرح المذكور على السلم في المنطق واخرى على شرح شيخ الاسلام على آداب البحث واخرى على شرح الشمسية في المنطق واخرى على متن الياسمينية في الجير والمقابلة وشرح على اسماء التراجم ورسالة متعلقة بالابحاث الخمسة التي اوردها الشيخ الدمنهوري ولازم الشيخ الوالد مدة وتلقى عنه بعض العلوم الغريبة وكملها بعد وفاته على تلميذه محمود افندي النيشي وكان جيد التقرير غاية في التحرير ويميل بطبعه الى ذوي الوسامة والصور الحسان من الجدعان والشبان فإذا رجع من درسه خلع زي العلماء ولبس زي العامة وجلس بالاسواق وخالط الرفاق ويمشي كثيرا بين المغرب والعشاء بالخفيفة نواحي داره جهة السيارج وغيرها ويرى في بعض الاحيان على تلك الصورة في الاوقات المذكورة في نواح بعيدة عن داره وسافر مرة الى جهة قبلي في سفارة بين الامراء ايام عابدي باشا ولم يزل على ذلك الى ان توفي في اوائل رجب من هذه السنة سامحه الله
ومات العمدة الجليل والنبيه النبيل العلامة الفقيه المفوه الشريف الضرير السيد عبد الرحمن بن بكار الصفا قسى نزيل مصر قرأ في بلاده على علماء عصره ودخل كرسي مملكة الروم فاكرم وانسلخ عن هيئة المغاربة ولبس
ملابس المشارقة مثل التاج والفراجة وغيرها واثرى وقدم الى مصر وألقى دروسا بالمشهد الحسيني وتأهل وولد له ولد به فضيلة ونجابة واتحد بشيخ السادات الوقائية السيد أبي الانوار فراج حاله وزادت شوكته علىأبناء جنسه وتردد الى الامراء وأشير اليه ودرس كتاب الغرر في مذهب الحنفية وتولى مشيخة رواق المغاربة بعد وفاة الشيخ عبد الرحمن البناني وسار فيها أحسن سيرة مع شهامة وصرامة وفصاحة لفظ في الالقاء وكان جيد البحث مليح المفاكهة والمحادثة واستحضار اللطائف والمناسبات ليس فيه عربدة ولا فظاظة ويميل بطبعه الى الحظ والخلاعة وسماع الالحان والآلآت المطربة توفي رحمه الله في هذه السنة وتولى بعده على مشيخة رواقهم الشيخ سالم بن مسعود
ومات الفقيه العلامة الصالح الصوفي الشيخ احمد بن احمد السماليجي الشافعي الاحمدي المدرس بالمقام الاحمدي بطندتاء ولد ببلده سماليج بالمنوفية وحفظ القرآن وحضر الى مصر وحضر على الشيخ عطية الاجهوري والشيخ عيسى البراوي والشيخ محمد الخشني والشيخ احمد الدردير ورجع الى طندتاء فاتخذها سكنا وأقام بها يقرى دروسا ويفيد الطلبة ويفتي على مذهبه ويقضي بين المتنازعين من اهالي البلاد فراج امره واشتهر ذكره بتلك النواحي ووثقوا بفتياه وقوله واتوه افواجا بمكانه المسمى بالصف فوق باب المسجد المواجه لبيت الخليفة وتزوج بأمرأة جميلة الصورةمن بلد الفرعونية وولد منها ولد سماه احمد كأنما أفرغ في قالب الجمال واودع بعينيه السحر الحلال فلما ترعرع حفظ القرآن والمتون وحضر على ابيه في الفقه والفنون وكان نجيبا جيد الحافظة يحفظ كل شيء سمعه من مرة واحدة ونظم الشعر من غير قراءة شيء في علم العروض اول ما رأيته في سنة 1189 في ايام زيارة سيدي احمد البدوي فحضر الي وسلم علي وآنسني بحسن الفاظه وجذبني بسحر الحاظة ولما بلغ زوجه والده بزوجتين في سنة واحدة ولم يزل يجتهد ويشتغل حتى مهر
وانجب ودرس لجماعة من الطلبة وحضر الى مصر مع والده مرارا وتردد علينا واجتمع بنا كثيرا في مواسم الموالد المعتادة الى ان اخترمته في شبابه المنية وحالت بينه وبين الامنية وذلك في سنة ثلاث ومائتين وخلف ولدا صغيرا استأنس به جده المترجم وصبر على فقد ابنه وترحم وتوفي هو ايضا في هذه السنة رحمهما الله تعالى
ومات الاجل المعظم والملاذ المفخم الامير حسين بن السيد محمد الشهير بدرب الشمس القادري وابوه محمد افندي كاتب صغير بوجاق التفكجيان وهو ابن حسين افندي باش اختيار تفكجيان تابع المرحوم حسن جوربجي تابع المرحوم رضوان بك الكبير الشهير صاحب العمارة ولما مات والد المتجرم اجتمع الاختيارية وقلدوا ابنه المذكور منصب والده في بابه وكان اذ ذاك مقتبل الشبيبة وذلك في سنة ثلاث وستين ومائة والف ونوه بشأنه وفتح بيت أبيه وعد في الاعيان واشتهر ذكره وكان نجيبا نبيها ولم يزل حتى صار من ارباب الحل والعقد واصحاب المشورة ولما استقل علي بك بأمارة مصر اخرجه هو واخوته من مصر ونفاهم الى بلاد الحجاز فأقاموا بها سبع سنوات الى ان استقل محمد بك بالامارة فأحضرهم واكرمهم ورد اليهم بلادهم فاستمروا بمصر لا كالحالة الاولى مع الوجاهة والحرمة الوافرة وكان انسانا حسنا فطنا يعرف مواقع الكلام ويكره الظلم وهو الى الخير أقرب واقتنى كتبا كثيرة نفيسة في الفنون وخصوصا في الطب والعلوم الغريبة ويسمح باعارتها لمن يكون أهلا لها ولما حضرته الوفاة أوصى ان لا يخرجوا جنازته على الصورة المعتادة بمصر بل يحضرها مائة شخص من القادرية يمشون امامه في المشهد وهم يقرأون الصمدية سر الاغير وأوصى لهم بقدر معلوم من الدراهم فكان كذلك
ومات الامير محمد أغا بن محمد كتخدا أباظة وقد تقدم انه كان تولى الحسبة في ايام حسن باشا وسار فيها سيرا بشهامة واخاف السوقة وعاقبهم وزجرهم واتفق انه وزن جانبا من اللحم وجده مع من اشتراه
ناقصا واخبره عن جزاره فذهب اليه وكملها بقطعة من جسد الجزار ثم انفصل عن ذلك وعمل كتخدا عند رضوان بيك الى ان مات رضوان بك ولم يزل معدودا في عداد الامراء الاكابر الى ان توفي في هذه السنة
ومات العمدة الصالح الورع الصوفي الضرير الشيخ محمد السقاط الخلوتي المغربي الاصل خليفة شيخنا الشيخ محمود الكردي حضر الى مصر وجاور بالازهر وحضر على الاشياخ في فقه مذهبه وفي المعقول واخذ الطريق على شيخنا الشيخ محمود المذكور ولقنه الاسماء على طريق الخلوتية والاوراد والاذكار وانسلخ من زي المغاربة وألبسه الشيخ التاج وسلك سلوكا تاما ولازم الشيخ ملازمة كلية بحيث انه لا يفارق منزله في غالب أوقاته ولاحت عليه الانوار وتحلى بحلل الابرار وأذن له الشيخ بالتلقين والتسليك ولما انتقل شيخه الى رحمة الله تعالى صار هو خليفته بالاجماع من غير نزاع وجلس في بيته وانقطع للعبادة واجتمع على الجماعة في ورد العصر والعشاء ولقن الذكر للمريدين وسلك الطريق للطالبين وانجذبت القلوب اليه واشتهر ذكره واقبلت عليه الناس ولم يزل علي حسن حاله حتى توفي في منتصف شهر ربيع الاول وصلي عليه بالازهر في مشهد حافل
ومات الذمي المعلم ابراهيم الجوهري رئيس الكتبة الاقباط بمصر وأدرك في هذه الدولة بمصر من العظمة ونفاذ الكلمة وعظم الصيت والشهرة مع طول المدة بمصر ما لم يسبق لمثله من ابناء جنسه فيما نعلم وأول ظهوره من ايام المعلم رزق كاتب علي بك الكبير ولما مات علي بك والمعلم رزق ظهر أمر المترجم ونما ذكره في ايام محمد بك فلما انقضت ايام محمد بك وترأس ابراهيم بك قلده جميع الامور فكان هو المشار اليه في الكليات والجزئيات حتى دفاتر الروزنامة والميري وجميع الايراد والمنصرف وجميع الكتبة والصيارف من تحت يده واشارته وكان من دهاقين العالم ودهاتهم لا يعزب عن دهنه شيء من دقائق الامور ويداري كل انسان بما يليق
به من المداراة ويحابي ويهادي ويواسي ويفعل ما يوجب انجذاب القلوب والمحبةويهادي ويبعث الهدايا العظيمة والشموع الى بيوت الامراء وعند دخول رمضان يرسل الى غالب ارباب المظاهر ومن دونهم الشموع والهدايا والارز والسكر والكساوى وعمرت في ايامه الكنائس وديور النصارى وأوقف عليها الاوقاف الجلية والاطيان ورتب لها المرتبات العظيمة والارزاق الدارة والغلال وحزن ابراهيم بك لموته وخرج في ذلك اليوم الى قصر العيني حتى شاهد جنازته وهم ذاهبون به الى المقبرة وتأسف على فقده تأسفا زائد وكان ذلك في شهر القعدة من السنة
سنة عشرة ومائتين وألف
لم يقع بها شيء من الحوادت التي يعتني بتقييدها سوى مثل ما تقدم من جور الامراء والمظالم
وفيها في غرة شهر الحجة عزل صالح باشا ونزل الى قصر العيني ليسافر فأقام هناك اياما وسافر الى اسكندرية
ومات بها الامام العلامة المفيد الفهامة عمدة المحققين والمدققين الصالح الورع المهذب الشيخ عبد الرحمن النحراوي الاجهوري الشهير بمقرىء الشيخ عطية خدم العلم وحضر فضلاء الوقت ودرس وتمهر في المعقول والمنقول ولازم الشيخ عطية الاجهوري ملازمة كلية وأعاد الدروس بين ديه واشتهر بالمقرىء وبالاجهوري لشدة نسبته الى الشيخ المذكور ودرس بالجامع الازهر وأفاد الطلبة وأخذ طريق الخلوتية عن الشيخ الحفني ولقنه الاذكار وألبسه الخرقة والتاج وأجازه بالتلقين والتسليك وكان يجيد حفظ القرآن بالقراءات ويلازم المبيت في ضريح الامام الشافعي في كل ليلة سبت يقرأ مع الحفظة بطول الليل وكان انسانا حسنا متواضعا لا يرى لنفسه مقاما يحمل طبق الخبز على رأسه ويذهب به الى الفران ويعود به الى عياله فان اتفق ان احد رآه ممن يعرفه حمله عنه والا ذهب به ووقف بين يدي الفران حتى يأتيه الدور ويخبزه له وكان كريم النفس جدا يجود وما لديه قليل ولم يزل مقبلا على شأنه وطريقته حتى نزلت به الباردة وبطل شقه واستمر على ذلك نحو السنة وتوفي الى رحمة الله تعالى غفر الله له
ومات العمدة العلامة والرحلة الفهامة الفقيه الفاضل ومن ليس له في الفضل مناضل الشيخ حسن بن سالم الهواري المالكي احد طلبة شيخنا الشيخ الصعيدي لازمه في دروسه العامة وحصل بجده ما به ناموس جاهه أقامه وبعد وفاة شيخه ولى مشيخة رواق الصعايدة وساس فيهم أحسن سياسة بشهامة زائدة مع ملازمته للدروس وتكلمه في طائفته مع الرئيس والمرؤوس وكان فيه صلابة زائدة وقوة جنان وشدة تجارى واشترى خرابة بسوق القشاشين بالقرب من الازهر وعمرها دارا لسكنه وتعدى حدوده وحاف على أماكن جيرانه وهدم مكتب المدرسة السنانية وكان مكتباص عظيما ذا واجتهين وعامودين وأربع بوائك وزاوية جداره من الحجر النحيت عجيبة الصنعة في البروز والاتقان فهدمه وأدخله في بنائه من غير تحاش او خشية لوم مخلوق أو خوف خالق واوقف اعوانه من الصعايدة المنتسبين للمجاورة وطلب العلم يسخرون من يمر بهم من حمير الترابين وجمال الأعيان المارين عليهم فيستعملونها في نقل تراب الشيخ لاجل التبرك اما قهرا او محاباة ويأذ من مياسير الناس والسوقة دراهم على سبيل القرض الذي لا يرد وكذلك المؤن حتى تممها على هذه الصورة وسكن فيها واحدق به الجلاوزة من الطلبة يغدون ويروحون في الخصومات والدعاوى ويأخذون الجعالات والرشوات من المحق والمبطل ومن خالف عليهم ضربوه واهانوه ولو عظيما من غير ميالاة ولا حياء ومن اشتد عليهم اجتمعوا عليه من كل فج حتى بوابين الوكائل وسكان الطباق وباعة النشوق وينسب الكل الى الازهر ومن عذلهم او لامهم كفروه ونسبوه الى الظلم والتعدي والاستهزاء بأهل العلم والشريعة وزاد الحال
وصار كل من رؤساء الجماعة شيخا على انفراده يجلس في ناحية ببعض الحوانيت يقضي ويأمر وينهى وفحش الامر الى ان نادى عليهم حاكم الشرطة فانكفوا ومرض شيخهم بالتشيخ شهورا وتوفي في هذه السنة رحمه الله تعالى
ومات الامام الفقيه العلامة والفاضل والفهامة عثمان بن محمد الحنفي المصري الشهير بالشامي ولد بمصر وتفقه على علماء مذهبه كالسيد محمد أبي السعود والشيخ سليمان المنصوري والشيخ حسن المقدسي والشيخ الوالد واتقن الالات ودرس الفقه في عدة مواضع وبالازهر وانتفع به الناس وقرأ كتاب الملتقي بجامع قوصون وكان له حافظه جيدة واستحضار في الفروع ولا يمسك بيده كراسا عند القراءة ويلقى التقرير عن ظهر قلب مع حسن السبك وألف متنا مفيدا في المذهب ثم حج وزار قبر النبي صلى الله عليه و سلم وقطن بالمدينة وطلب عياله في ثاني عام وباع ما يتعلق به وتجرد على المجاورة ولازم قراء الحديث والفقه بدار الهجرة وأحبه اهل المدينة وتزوج وولد له أولاد ثم تزوج بآخرى ولم يزل على ذلك حتى توفي الى رحمه الله تعالى في هذه السنة
ومات العمدة الفاضل المفوه النبيه المناضل الحافظ المجود الاديب الماهر صاحبنا الشيخ شمس الدين بن عبد الله بن فتح الفرغلي المحمدي الشافعي السبريائي نسبة الى سبرباى قرية بالغربية قرب طندتا وبها ولد ونسبة يرجع الى القطب سيدي الفرغلي المحمدي من ولد سيدنا محمد بن الحنفية صاحب ابي تيج من قرى الصعيد تفقه على علماء عصره وأنجب في المعارف والفهوم وعانى الفنون فأدرك من كل فن الحظ الاوفر ومال الى فن الميقات والتقاويم فنال من ذلك ما يرومه وألف في ذلك وصنف زيجا مختصار دل على سعة باعه ورسوخه في الفن ومعرفة القواعد والاصول ودقائق الحساب ونهج مسلك الادب والتاريخ والشعر ففاق فيه الاقران ومدح الاعيان وصاحبناه وساجلناه كثيرا عندما كان يأتينا مصر وبطندتا
في الموالد المعتادة فكان طودا راسخا وبحرا زاخرا مع دماسة الاخلاق وطيب الاعراق ولين العريكة وحسن العشرة ولطف الشمائل والطباع وكان يلي نيابة القضاء ببلده وبالجملة فكان عديم النظير في اقرانه لم ار من يدانيه في أوصافه الجميلة وله مصنفات كثيرة منها الضوابط الجليلة في الاسانيد العلية آلفه سنة 1177 وذكر فيه سنده عن الشيخ نور الدين ابي الحسن سيدي علي بن الشيخ العلامة أبي عبد الله سيدي محمد العربي الفاسي المغربي الشهير بالسقاط وسليقته في الشعر عذبة رائقة كلامه بديع مقبول في سائر انواعه من المدح والرثاء والتشبيب والغزل والحماسة والجد والهزل وله ديوان جمع فيه أمداحه صلى الله عليه و سلم سماه عقود القرائد توفي المترجم في شهر ربيع الاول من السنة ببلده ودفن هناك رحمه الله تعال
سنة أحدى عشرة واثنتي عشرة ومائتين والف
لم يقع فيهما من الحوادث التي تتشوف لها النفوس او تشتاق اليها الخواطر فتقيد في بطون الطروس سوى ما تقدمت اليه الاشارة من أسباب نزول النوازل وموجبات ترادف البلاء المتراسل ووقوع الانذارات الفلكية والايات المخوفة السماوية وكلها اسباب عادية وعلامات من غير ان ينسب لتلك الاثار تأثيرات فبالنظر في ملكوت السموات والارض يستدلون وبالنجم هم يهتدون فمن اعظم ذلك حصول الخسوف الكلي في منتصف شهر الحجة ختام سنة اثنتي عشرة بطالع مشرق الجوزاء المنسوب اليه اقليم مصر وحضر طائفة الفرنسيس اثر ذلك في اوائل السنة التالية كما سيأتي خبر ذلك مفصلا ان شاء الله تعالى
من مات في هذين العامين ممن له ذكر وشهرة
مات العمدة العلامة والفقيه الفهامة الشيخ علي بن محمد الاشبولي الشافعي كان والده أحد العدول بالمحكمة الكبرى وكان ذا ثروة وشهرة ولما كبر ولده المترجم حفظ القرآن والمتون واشتغل بالعلم وحضر الدروس وتفقه على أشياخ الوقت ولازم الشيخ عيسى البراوي وتمهر في المعقول وانجب وتصدر ودرس وانتظم في سلك الفضلاء والنبلاء وصار له ذكر وشهرة ووجاهة ومات والده فاحرز طريفه وتالده وكان لابيه دار بحارة كتامة المعروفة بالعينية بقرب الازهر وأخرى عظيمة بقناطر السباع على الخليج واخرى بشاطى النيل بالجيزة فكان ينتقل في تلك الدور ويتزوج حسان النساء مع ملازمته للاقراء والافادة وحدثته نفسه بمشيخة الازهر وكان بيده عدة وظائف وتداريس مثل جامع الآثار والنظامية ولم يباشرها الا نادرا ويقبض معلوماتها المرتب لها ولم يزل حتى تعلل وتوفي سنة 1111
ومات الاديب الماهر الصالح الجليس الانيس السيد ابراهيم بن قاسم ابن محمد بن محمد بن علي الحسني الرويدي المكتب المكني بأبي الفتح ولد بمصر كما أحبر عن نفسه سنة 1127 وحفظ القرآن وجوده على الشيخ الحجازي غنام وجود الخط على الشيخ احمد بن اسمعيل الافقم على الطريقة المحمدية فمهر فيه وأجازه فكتب بخطه الحسن الفائق كثيرا من المصاحف والاحزاب والدلائل والادعية والقطع وأشير اليه بالرياسة في الفن وكان انسانا حسنا متمشدقا يحفظ كثيرا من نوادر الاشعار وغرائب الحكايات وعجائب المناسبات وروايتها على أحسن اسلوب وأبلغ مطلوب وسمعت كثيرا من انشاده لم يعلق بذهني منها شيء وقد تفرد بمحاسن لم يشاركه فيها أهل عصره منها صحة الوضع وتكمله على أصوله بغاية التحرير توفي ستة احدى عشرة رحمه الله تعالى
ومات النبيه الاريب والفاضل النجيب الناظم الناثر المفوه اسمعيل افندي بن خليل بن علي بن محمد بن عبد الله الشهير بالظهوري المصري الحنفي المكتب كان انسانا حسنا قانعا بحاله يتكسب بالكتابة وحسن الخط وقد كان جوده واتقنه على أحمد افندي الشكري وكتب بخطه الحسن
كثيرا من الكتب والسبع المنجيات ودلائل الخيرات والمصاحف وكان له حاصل يبيع به بن القهوة بوكالة البقل بقرب خان الخليلي وله معرفة جيدة بعلم الموسيقى والالحان وضرب العود وينظم الشعر وله مدائح وقصائد موشحات توفي رحمه الله تعالى سنة 1211
ومات الاجل الامثل والوجيه الاوحد المبجل حسين افندي قلفة الشرقية والده الامير عبد الله من مماليك داود صاحب عيار وتربى المترجم عند محمد افندي البرقوقي وزوجه ابنته وعانى قلم الكتابة واصطلاح كتاب الروزنامة ومهر في ذلك فلما توفي محمد افندي كتابة الروزنامة قلده قلف الشرقية ولم تطل مدة محمد افندي ومات بعد شهرين فاستولى المترجم على تعلقاته وراج امره واشترى بيتا جهة الشيخ الظلام وانتقل اليه وسكن به وساس اموره واشتهر ذكره وانتظم في عداد الاعيان واقتنى السراري والجواري والمماليك والعبيد وكان انسانا لا بأس به جميل الاخلاق حسن العشرة مع الرفاق مهذب الطباع لين العريكة واقفا على حدود الشريعة لا يتداخل فيما لا يعنيه مليح الصورة والسيرة توفي رحمه الله ايضا سنة 1211
ومات العمدة النبيه الفهامة بضعة السلالة الهاشمية وطراز العصابة المطلبية الفصيح المفوه السيد حسين بن عبد الرحمن بن الشيخ محمد بن احمد بن احمد بن حمادة المنزلاوي الشافعي خطيب جامع المشهد الحسيني وأم ابيه السيد عبد الرحمن السيدة فاطمة بنت السيد محمد العمري ومنها اتاه الشرف حضر على الشيخ الملوي والحفني والجوهري والمدابغي والشيخ علي قايتباي والشيخ البسيوني والشيخ خليل المغربي وأخذ ايضا عن سيدي محمد الجوهري الصغير والشيخ عبد الله امام مسجد العشراني والشيخ سعودي الساكن بسوق الخشب وتضلع بالعلوم والمعارف وصار له ملكة وحافظة ولسانة واقتدار تام واستحضار غريب وينظم الشعر الجيد والنثر البليغ وانشأ الخطب البديعة وغالب
خطبه التي كان يخطب بها بالمشهد الحسيني من انشائه على طريقة لم يسبق اليها وانضوى الى الشيخ ابي الانوار السادات وشملته انواره ومكارمه ويصلى به في بعض الاحيان ويخطب بزاويتهم ايام المواسم ويأتي فيهما بمدائح السادات وما تقتضيه المناسبات توفي في منتصف شهر شعبان من السنة غفر الله لنا وله
سنة ثلاث عشرة ومائتين وألف
وهي اول سني الملاحم العظيمة والحوادث الجسيمة والوقائع النازلة والنوازل الهائلة وتضاعف الشرور وترادف الامور وتوالي المحن واختلال الزمن وانعكاس المطبوع وانقلاب الموضوع وتتابع الاهوال واختلاف احوال وفساد التدبير وحصول التدمير وعموم الخراب وتواتر الاسباب وما كان ربك مهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون
في يوم الاحد العاشر من شهر محرم الحرام من هذه السنة وردت مكاتبات على يد السعاة من ثغر الاسكندرية ومضمونها ان في يوم الخميس ثامنه حضر الى الثغر عشرة مراكب من مراكب الانكليز ووقفت على البعد بحيث يراها أهل الثغر وبعد قليل حضر خمسة عشر مركبا ايضا فانتظر أهل الثغر ما يريدون وإذا بقارب صغير واصل من عندهم وفيه عشرة انفار فوصلوا البر واجتمعوا بكبار البلد والرئيس إذ ذاك فيها والمشار اليه بالابرام والنقض السيد محمد كريم الآتي ذكره فكلموهم واستخبروهم عن غرضهم فأخبروا انهم انكليز حضروا للتفتيش على الفرنسيس لانهم خرجوا بعمارة عظيمة يريدون جهة من الجهات ولا ندري أين قصدهم فربما دهموكم فلا تقدرون علىدفعهم ولا تتمكنوا من منعهم فلم يقبل السيد محمد كريم منهم هذا ا لقول وظن انها مكيدة وجاوبوهم بكلام خشن فقالت رسل الانكليز نحن نقف بمراكبنا في البحر محافظين على الثغر لا نحتاج منكم الا الامداد بالماء والزاد بثمنه فلم يجيبوهم لذلك وقالوا هذه بلاد السلطان وليس للفرنسيين ولا لغيرهم عليها سبيل فاذهبوا عنا فعندها عادت رسل الانكليز واقلعوا في البحر ليمتاروا من غير الاسكندرية وليقضى الله امرا كان مفعولا ثم ان أهل الثغر ارسلوا الى كاشف البحيرة ليجمع العربان وياتي معهم للمحافظة بالثغر فلما قرئت المكاتبات بمصر حصل بها اللغط الكثير من الناس وتحدثوا بذلك فيما بينهم وكثرت المقالات والاراجيف
ثم ورد في ثالث يوم بعد ورود المكاتيب الاول مكاتبات مضمونها ان المراكب التي وردت الثغر عادت راجعة فاطمأن الناس وسكن القيل والقال واما الامراء فلم يهتموا بشيء من ذلك ولم يكترثوا به اعتمادا على قوتهم وزعمهم انه اذا جاءت جميع الافرنج لا يقفون في مقابتلهم وانهم يدوسونهم بخيولهم
فلما كان يوم الاربعاء العشرون من الشهر المذكور وردت مكاتبات من الثغر ومن رشيد ودمنهور بان في يوم الاثنين ثامن عشره وردت مراكب وعمارات للفرنسيين كثيرة فارسوا في البحر وارسلوا جماعة يطلبون القنصل وبعض اهل البلد فلما نزلوا اليهم عوقوهم عندهم فلما دخل الليل تحولت منهم مراكب الى جهة العجمي وطلعوا الى البر ومعهم آلات الحرب والعساكر فلم يشعر اهل الثغر وقت الصباح الا وهم كالجراد المنتشر حول البلد فعندها خرج اهل الثغر وما انظم اليهم من العربان المجتمعة وكاشف البحيرة فلم يستطيعوا مدافعتهم ولا امكنهم ممانعتهم ولم يثبتوا لحربهم وانهزم الكاشف ومن معه من العربان ورجع أهل الثغر الى التترس في البيوت والحيطان ودخلت الافرنج البلد وانبث فيها الكثير من ذلك العدد كل ذلك واهل البلد لهم بالرمي يدافعون عن انفسهم وأهليهم يقاتلون ويمانعون فلما أعياهم الحال وعلموا انهم مأخوذون بكل حال وليس ثم عندهم للقتال استعداد لخلو الابراج من آلات الحرب والبارود وكثرة العدو وغلبيته طلب أهل الثغر الامان فآمنوهم ورفعوا عنهم القتال
ومن حصونهم انزلوهم ونادى الفرنسيس بالامان في البلد ورفع بنديراته عليها وطلب أعيان الثغر فحضروا بين يديه فالزمهم بجمع السلاح واحضاره اليه وان يضعوا الجوكار في صدورهم فوق ملبوسهم والجوكار ثلاث قطع من جوخ او حرير او غير ذلك مستديرة في قدر الريال سوداء وحمراء وبيضاء توضع بعضها فوق بعض بحيث تكون كل دائرة اقل من التي تحتها حتى تظهر الالوان الثلاثة كالدوائر المحيط بعضها ببعض ولما وردت هذه الاخبار مصر حصل للناس انزعاج وعول اكثرهم على الفرار والهجاج وأما ما كان من حال الامراء بمصر فان إبراهيم بك ركب الى قصر العيني وحضر عنده مراد بك من الجيزة لانه كان مقيما بها واجتمع باقي الامراء والعلماء والقاضي وتكلموا في شأن هذا الامر الحادث الى اسلامبول وان مراد بك يجهز العساكر ويخرج لملاقاتهم وحربهم وانفض المجلس على ذلك وكتبوا المكاتبة وارسلها بكر باشا مع رسوله على طريق البرلياتية بالترياق من العراق وأخذوا في الاستعداد للثغر وقضاء اللوازم والمهمات في مدة خمسة ايام فصاروا يصادرون الناس ويأخذون أغلب ما يحتاجون اليه بدون ثمن ثم ارتحل مراد بك بعد صلاة الجمعة وبرز خيامه ووطاقه الى الجسر الاسود فمكث به يومين حتى تكامل العسكر وصناجقه وعلي باشا الطرابلسي وناصف باشا فانهم كانوا من اخصائه ومقيمين معه بالجيزة وأخذ معه عدة كثيرة من المدافع والبارود وسار من البر مع العساكر الخيالة وأما الرجال وهم الالداشات القلينجية والاروام والمغاربة فانهم ساروا في البحر مع الغلايين الصغار التي أنشأها الامير المذكور ولما ارتحل من الجسر الاسود ارسل الى مصر يأمر بعمل سلسلة من الحديد في غاية الثخن والمتانة وطولها مائة ذراع وثلاثون ذراعا لتنصب على البغاز عند برج مغيزل من البر الى البر لتمنع مراكب الفرنسيين من العبور لبحر النيل وذلك باشارة علي باشا وان يعمل عندها جسر من المراكب وينصب عليها متاريس ومدافع ظنا منهم
ان الافرنج لا يقدرون على محاربتهم في البر وانهم يعبرون في المراكب ويقاتلونهم وهم في المراكب وانهم يصابرونهم ويطاولونهم في القتال حتى تأتيهم النجدة وكان الامر بخلاف ذلك فان الفرنسيس عندما ملكوا الاسكندرية ساروا على طريق البر الغربي من غير ممانع وفي اثناء خروج مراد بك والحركة بدت الوحشة في الاسواق وكثر الهرج بين الناس والارجاف وانقطعت الطرق واخذت الحرامية في كل ليلة تطرق اطراف البلد وانقطع مشي الناس من المرور في الطرق والاسواق من المغرب فنادى الاغا والوالي بفتح الاسواق والقهاوي ليلا وتعليق القناديل على البيوت والدكاكين وذلك لامرين الاول ذهاب الوحشة من القلوب وحصول الاستئناس والثاني الخوف من الدخيل في البلد
وفي يوم الاثنين وردت الاخبار بان الفرنسيس وصلوا الى دمنهور ورشيد وخرج معظم أهل تلك البلاد على وجوههم فذهبوا الى فوة نواحيها والبعض طلب الامان وأقام ببلده وهم العقلاء وقد كانت الفرنسيس حين فلولهم بالاسكندرية كتبوا مرسوما وطبعوه وأرسلوا منه نسخا الى البلاد التي يقدمون عليها تطمينا لهم ووصل هذا المكتوب مع جملة من الاسارى الذين وجدوهم بمالطة وحضروا صحبتهم وحضر منهم جملة الى بولاق وذلك قبل وصول الفرنسيس بيوم او بيومين ومعهم منه عدة نسخ منهم مغاربة وفيهم جواسيس وهم على شكلهم من كفار مالطه ويعرفون باللغات
وصورة ذلك المكتوب بسم الله الرحمن الرحيم لا اله الا الله لا ولد له ولا شريك له في ملكه من طرف الفرنساوية المبنى على أساس الحرية والتسوية السر عسكر الكبير أمير الجيوش الفرنساوية بونابارته يعرف أهالي مصر جميعهم ان من زمان مديد الصناجق الذين يتسلطون في البلاد المصرية يتعاملون بالذل والاحتقار في حق الملة الفرنساوية ويظلمون تجارها بانواع الايذاء والتعدي فحضر الان ساعة عقوبتهم وأخرنا من مدة عصور طويلة هذه الزمرة المماليك المجلوبين من بلاد الابازة والجراكسة يفسدون
في الاقليم الحسن الاحسن الذي لا يوجد في كرة الارض كلها فاما رب العالمين القادر على كل شيء فأنه قد حكم على انقضاء دولتهم يا أيها المصريون قد قيل لكم انني ما نزلت بهذا الطرق الا بقصد ازالة دينكم فذلك كذب صريح فلا تصدقوه وقولوا للمفترين انني ما قدمت اليكم الا لاخلص حقكم من يد الظالمين وانني اكثر من المماليك اعبد الله سبحانه وتعالى واحترم نبيه والقرآن العظيم وقولوا ايضا لهم ان جميع الناس متساوون عند الله وان الشيء الذي يفرقهم عن بعضهم هو العقل والفضائل والعلوم فقط وبين المماليك والعقل والفضائل تضارب فماذا يميزهم عن غيرهم حتى يستوجبوا ان يتملكوا مصر وحدهم ويختصوا بكل شيء أحسن فيها من الجواري الحسان والخيل العتاق والمساكن المفرحة فان كانت الارض المصرية التزاما للماليك فليرونا الحجة التي كتبها الله لهم ولكن رب العالمين رؤوف وعادل وحليم ولكن بعونه تعالى من الان فصاعدا لا ييأس احد من اهالي مصر عن الدخول في المناصب الساميةوعن اكتساب المراتب العالية فالعلماء والفضلاء والعقلاء بينهم سيدبرون الامور وبذلك يصلح حال الامة كلها وسابقا كان في الاراضي المصرية المدن العظيمة والخلجان الواسعة والمتجر المتكاثر وما أزال ذلك كله الا الظلم والطمع من المماليك أيها المشايخ والقضاة والائمة والجربجية واعيان البلد قولوا لامتكم ان الفرنساوية هم ايضا مسلمون مخلصون واثبات ذلك انهم قد نزلوا في رومية الكبرى وخربوا فيها كرسي الباب الذي كان دائما يحث النصارى على محاربة الاسلام ثم قصدوا جزيرة مالطة وطرودا منها الكوا للرية الذين كانوا يزعمون ان الله تعالى يطلب منهم مقاتلة المسلمين ومع ذلك الفرنساوية في كل وقت من الاوقات صاروا محبين مخلصين لحضرة السلطان العثماني وأعداء اعدائه أدام الله ملكه ومع ذلك أن المماليك امتنعوا من اطاعة السلطان غير ممتثلين لامره فما أطاعوا أصلا الا لطمع انفسهم طوبى ثم طوبى لاهالي مصر الذين يتفقون معنا بلا تأخير فيصلح
حلهم وتعلو مراتبهم طوبى ايضا للذين يقعدون في مساكنهم غير مائلين لاحد من الفريقين المتحاربين فإذا عرفونا بالاكثر تسارعوا الينا بكل قلب لكن الويل ثم الويل للذين يعتمدون على المماليك في محاربتنا فلا يجدون بعد ذلك طريقا الى الخلاص ولا يبقى منهم أثر
المادة الاولى جميع القرى الواقعة في دائرة قريبة بثلاث ساعات من المواضع التي يمر بها عسكر الفرنساوية فواجب عليها ان ترسل للسر عسكر من عندها وكلاء كيما يعرف المشار اليه انهم أطاعوا وانهم نصبوا علم الفرنساوية الذي هو ابيض وكحلي واحمر
المادة الثانية كل قرية تقوم على العسكر الفرنساوي تحرق بالنار
المادة الثالثة كل قرية تطيع العسكر الفرنساوي ايضا تنصب صنجاق السلطان العثماني محبنا دام بقاؤه
المادة الرابعة المشايخ في كل بلد يختمون حالا جميع الارزاق والبيوت والاملاك التي تتبع المماليك وعليهم الاجتهاد التام لئلا يضيع أدنى شيء منها
المادة الخامسة الواجب على المشايخ والعلماء والقضاة الائمة انهم يلازمون وظائفهم وعلى كل احد من اهالي البلدان ان يبقى في مسكنه مطمئنا وكذلك تكون الصلاة قائمة في الجوامع على العادة والمصريون بأجمعهم ينبغي ان يشكروا الله سبحانه وتعالى لانقضاء دولة المماليك قائلين بصوت عالي ادام الله اجلال السلطان العسكر الفرنساوي لعن الله المماليك وأصلح حال الامة المصرية
تحريرا بمعسكر اسكندرية في 13 شهر سيدور سنة 1213 من اقامه الجمهور الفرنساوي يعني في آخر شهر محرم سنة هجرية اه بحروفه
وفي يوم الخميس الثاني والعشرين من الشهر وردت الاخبار بان الفرنسيس وصلوا الى نواحي فوة ثم الى الرحمانية
واستهل شهر صفر سنة 1213 وفي يوم الاحد غرة شهر صفر وردت الاخبار بأن في يوم الجمعة التاسع والعشرين من شهر محرم التقى العسكر
المصري مع الفرنسيس فلم تكن الا ساعة وانهزم مراد بك ومن معه ولم يقع قتال صحيح وانما هي مناوشة من طلائع العسكرين بحيث لم يقتل الا القليل من الفريقين واحترقت مراكب مراد بك بما فيها من الجبخانة والآلات الحربية واحترق بها رئيس الطبجية خليل الكردل وكان قد قاتل في البحر قتالا عجيبا فقدر الله ان علقت نار بالقلع وسقط منها نار الى البارود فاشتعلت جميعها بالنار واحترقت المركب بما فيه من المحاربين وكبيرهم وتطايروا في الهواء فلما عاين ذلك مراد بك داخله الرعب وولى منهزم وترك الاثقال والمدافع وتبعته عساكره ونزلت المشاة في المراكب ورجعوا طالبين مصر ووصلت الاخبار بذلك الى مصر فاشتد انزعاج الناس وركب ابراهيم بك الى ساحل بولاق وحضر الباشا والعلماء ورؤوس الناس وأعملوا رأيهم في هذا الحادث العظيم فاتفق رأيهم على عمل متاريس من بولاق الى شبرا ويتولى الاقامة ببولاق ابراهيم بك وكشافه ومماليكه وقد كانت العلماء عند توجه مراد بك تجتمع بالازهر كل يوم ويقرأو البخارى وغيره من الدعوات وكذلك مشايخ فقراء الأحمدية والرفاعية والبراهمة والقادرية والسعدية وغيرهم من الطوائف وارباب الاشاير ويعملون لهم مجالس بالازهر وكذلك اطفال المكاتب ويذكرون الاسم اللطيف وغير من الاسماء
وفي يوم الاثنين حضر مراد بك الى برانبابة وشرع في عمل متاريس هناك ممتدة الى بشتيل وتولى ذلك هو وصناجقة وامراؤه وجماعة من خشداشينه واحتفل في ترتيب ذلك وتنظيمه بنفسه هو وعلي باشا الطرابلسي ونصوح باشا واحضروا المراكب الكبار والغلايين التي أنشأها بالجيزة واوقفها على ساحل انبابة وشحنها بالعساكر والمدافع فصار البر الغربي والشرقي مملوئين بالمدافع والعساكر والمتاريس والخيالة والمشاة ومع ذلك فقلوب الامراء لم تطمئن بذلك فانهم من حين وصول الخبر لهم من الاسكندرية شرعوا في نقل امتعتهم من البيوت الكبار المشهورة المعروفة
الى البيوت الصغار التي لا يعرفها احدوا ستمروا طول الليالي ينقلون الامتعة ويوزعونها عند معارفهم وثقاتهم وأرسلوا البعض منها لبلاد الارياف وأخذوا ايضا في تشهيل الاحمال واستحضار دواب للشيل وادوات الارتحال فلما رأى اهل البلدة منهم ذلك داخلهم الخوف الكثير والفزع واستعد الاغنياء واولوا المقدرة للهروب ولولا ان الامراء منعوهم من ذلك وزجروهم وهددوا من اراد النقلة لما بقى بمصر منهم احد
وفي يوم الثلاثاء نادوا بالنفير العام وخروج الناس للمتاريس وكرروا المناداة بذلك كل يوم فاغلق الناس الدكاكين والاسواق وخرج الجميع لبر بولاق قكانت كل طائفة من طوائف أهل الصناعات يجمعون الدراهم من بعضهم وينصبون لهم خياما او يجلسون في مكان خرب او مسجد ويرتبون لهم فيما يصرف عليهم ما يحتاجون له من الدراهم التي جمعوها من بعضهم وبعض الناس يتطوع بالانفاق على البعض الآخر ومنهم من يجهز جماعة من المغاربة والشوام بالسلاح والاكل وغير ذلك بحيث ان جميع الناس بذلوا وسعهم وفعلوا ما في قوتهم وطاقتهم وسمحت نفوسهم بانفاق أموالهم فلم يشح في ذلك الوقت احد بشيء يملكه ولكن لم يسعفهم الدهر وخرجت الفقراء وارباب الاشاير بالطبول والزمور واعلام والكاسات وهم يضجون ويصيحون ويذكرن باذكار مختلفة وصعد السيد عمر افندي نقيب الاشراف الى القلعة فأنزل منها بيرقا كبيرا سمته العامة البيرق النبوي فنشره بين يديه من القلعة الى بولاق وامامه وحوله الوف من العامة بالنبابيت والعصي يهللون ويكبرون ويكثرون من الصياح ومعهم الطبول والزمور وغير ذلك وأما مصر فانها باقية خالية الطرق لا تجد بها احدا سوى النساء في البيوت والصغار وضعفاء الرجال الذين لا يقدرون على الحركة فانهم مستترون مع النساء في بيوتهم والاسواق مصفرة والطرق مجفرة من عدم الكنس والرش وغلا سعر البارود والرصاص بحيث بيع الرطل البارود بستين نصفا والرصاص بتسعين وغلا جنس انواع السلاح
وقل وجوده وخرج معظم الرعايا بالنبابيت والعصي والمساوق وجلس مشايخ العلماء بزاوية علي بك ببولاق يدعون ويبتهلون الى الله بالنصر واقام غيرهم من الرعايا البعض بالبيوت والبعض بالزوايا والبعض بالخيام
ومحصل الأمر أن جميع من بمصر من الرجال تحول الى بولاق وأقام بها من حين نصب ابراهيم بك العرضي هناك الى وقت الهزيمة سوى القليل من الناس الذي لا يجدون لهم مكانا ولا ماوى فيرجعون الى بيوتهم يبيتون بها ثم يصيحون الى بولاق وأرسل ابراهيم بك الى العربان المجاورة لمصر ورسم لهم أن يكونوا في المقدمة بنواحي شبرا وما والاها وكذلك اجتمع عند مراد بك الكثير من عرب البحيرة والجيزة والصعيد والخبيرية والقيعان وأولاد علي والهنادي وغيرهم وفي كل يوم يتزايد الجمع ويعظم الهول ويضيق الحال بالفقراء الذين يحصلون أقواتهم يوما فيوما لتعطيل الاسباب واجتماع الناس كلهم في صعيد واحد وانقطعت الطرق وتعدى الناس بعضهم على بعض لعدم التفات الحكام واشتغالهم بما دهمهم
وأما بلاد الارياف فانها قامت على ساق يقتل بعضهم بعضا وينهب بعضهم بعضا وكذلك العرب غارت على الاطراف والنواحي وصار قطر مصر من أوله الى آخره في قتل ونهب واخافة طريق وقيام شر واغارة على الاموال وافساد المزارع وغير ذلك من انواع الفساد الذي لا يحصى وطلب أمراء مصر التجار من الافرنج بمصر فحبسوا بعضهم بالقلعة وبعضهم بأماكن الامراء وصاروا يفتشون في محلات الافرنج على الاسلحة وغيرها وكذلك يفتشون بيوت النصارى الشوام والاقباط والاروام والكنائس والاديرة على الاسلحة والعامة لا ترضى الا ان يقتلوا النصارى واليهود فيمنعهم الحكام عنهم ولولا ذلك المنع لقتلتهم العامة وقت الفتنة ثم في كل يوم تكثر الاشاعة بقرب الفرنسيس الى مصر وتختلف الناس في الجهة التي يقصدون المجيء منها فمنهم من يقول انهم واصلون من البر الغربي ومنهم من يقول بل يأتون من الشرقي ومنهم من يقول بل يأتون من الجهتين هذا وليس لاحد من امراء العساكر همة ان يبعث جاسوسا أو طليعة تناوشهم بالقتال قبل
دخولهم وقربهم ووصولهم الى فناء المصر بل كل من ابراهيم بك ومراد بك جمع عسكره ومكث مكانه لا ينتقل عنه ينتظر ما يفعل بهم وليس ثم قلعة ولا حصن ولا معقل وهذا من سوء التدبير واهمال أمر العدو
ولما كان يوم الجمعة سادس الشهر وصل الفرنسيس الى الجسر الاسود واصبح يوم السبت فوصلوا الى أم دينار فعندها اجتمع العالم العظيم من الجند والرعايا والفلاحين المجاورة بلادهم لمصر ولكن الاجناد متنافرة قلوبهم منحلة عزائمهم مختلفة آراؤهم حريصون على حياتهم وتنعمهم ورفاهيتهم مختالون في رئيسهم مغترون بجمعهم محتقرون شأن عدوهم مرتبكون في رويتهم مغمورون في غفلتهم وهذا كله من أسباب ما وقع من خذلانهم وهزيمتهم وقد كان الظن بالفرنسيس ان يأتوا من البرين بل أشيع في عرضي ابراهيم بك انهم قادمون من الجهتين فلم يأتوا الا من البر الغربي
ولما كان وقت القائلة ركب جماعة من العساكر التي بالبر الغربي وتقدموا الى ناحية بشتيل بلد مجاورة لانبابة فتلاقوا مع مقدمة الفرنسيس فكروا عليهم بالخيول فضربهم الفرنسيس ببنادقهم المتتابعة الرمي وابلى الفريقان وقتل أيوب بك الدفتردار وعبد الله كاشف الجرف وعدة كثير من كشاف محمد بك الالفي ومماليكهم وتبعهم طابور من الافرنج في نحو الستة آلاف وكبيره ويزه الذي ولى علي الصعيد بعد تملكهم وأما بونابارته الكبير فإنه لم يشاهد الواقعة بل حضر بعد الهزيمة وكان بعيدا عن هؤلاء بكثير ولما قرب طابور الفرنسيس من متاريس مراد بك ترامى الفريقان بالمدافع وكذلك العساكر المحاربون البحرية وحضر عدة وافرة من عساكر الارنؤد من دمياط وطلعوا الى انبابة وانضموا الى المشاة وقاتلوا معهم في المتاريس فلما غاين وسمع عسكر البر الشرقي القتال ضج العامة والغوغاء من الرعية واخلاط الناس بالصياح ورفع الاصوات بقولهم يا رب ويا لطيف ويا رجال الله ونحو ذلك وكأنهم يقاتلون ويحاربون بصياحهم وجلبتهم فكان
العقلاء من الناس يصرخون عليهم ويأمرونهم بترك ذلك ويقولون لهم ان الرسول والصحابة والمجاهدين انما كانوا يقاتلون بالسيف والحراب وضرب الرقاب لا برفع الاصوات والصراخ النباح فلا يستمعون ولا يرجعون عما هم فيه ومن يقرأ ومن يسمع وركب طائفة كبيرة من الامراء والاجناد من العرض الشرقي ومنهم ابراهيم بك الوالي وشرعوا في التعدية الى البر الغربي في المراكب فتزاحموا على المعادي لكون التعدية من محل واحد والمراكب قليلة جدا فلم يصلوا الى البر الاخر حتى وقعت الهزيمة به على المحاربين هذا والريح النكباء اشتد هبوبها وأمواج البحر في قوة اضطرابها والرمال يعلو غبارها وتنسفها الريح في وجوه المصريين فلا يقدر أحد ان يفتح عينيه من شدة الغبار وكون الريح من ناحية العدو وذلك من أعظم أسباب الهزيمة كما هو منصوص عليه
ثم ان الطابور الذي تقدم لقتال مراد بك انقسم على كيفية معلومة عندهم في الحرب وتقارب من المتاريس بحيث صار محيطا بالعسكر من خلفة وامامه ودق طبوله وأرسل بنادقه المتتالية والمدافع واشتد هبوب الريح وانعقد الغبار وأظلمت الدنيا دخان البارود وغبار الرياح وصمت الاسماع من توالي الضرب بحيث خيل للناس ان الارض تزلزلت والسماء عليها سقطت واستمر الحرب والقتال نحو ثلاث أرباع ساعة ثم كانت هذه الهزيمة على العسكر الغربي فغرق الكثير من الخيالة في البحر لاحاطة العدو بهم وظلام الدنيا والبعض وقع اسيرا في أيدي الفرنسيين وملكوا المتاريس وفر مراد بك ومن معه الى الجيزة فصعد الى قصره وقضى بعض أشغاله في نحو ربع ساعة ثم ركب وذهب الى الجهة القبلية وبقيت القتلى والثياب والامتعة والاسلحة والفرس ملقاة على الارض ببرانبابة تحت الارجل وكان من جملة من ألقى نفسه في البحر سليمان بك المعروف بالاغا وأخوه ابراهيم بك الوالي فاما سليمان بك فنجا وغرق ابراهيم بك الصغير وهو صهر ابراهيم بك الكبير ولما انهزم العسكر الغربي حول
الفرنسيس المدافع والبنادق على البر الشرقي وضربوها وتحقق أهل البر الآخر الهزيمة فقامت فيهم ضجة عظيمة وركب في الحال ابراهيم بك والباشا والامراء والعسكر والرعايا وتركوا جميع الاثقال والخيام كما هي لم يأخذوا منها شيئا فأما ابراهيم بك والباشاوالامراء فساروا الى جهاةالعادلية وأما الرعايا فهاجوا وماجوا ذاهبين الى جهة المدينة ودخلوها افواجا افواجا وهم جميعا في غاية الخوف والفزع وترقب الهلاك وهم يضجون بالعويل والنحيب ويبتهلون الى الله من شهر هذا اليوم العصيب والنساء يصرخن بأعلى اصواتهن من البيوت وقد كان ذلك قبل الغروب فلما استقر ابراهيم بك بالعادلية أرسل يأخذ حريمه وكذلك من كان معه من الامراء فاركبوا النساء بعضهن على الخيول وبعضهن على البغال والبعض على الحمير والجمال والبعض ماش كالجواري والخدم واستمر معظم الناس طول الليل خارجين من مصر البعض بحريمه والبعض ينجو بنفسه ولا يسأل احد عن أحد بل كل واحد مشغول بنفسه عن ابيه وابنه فخرج تلك الليلة معظم أهل مصر البعض لبلاد الصعيد والبعض لجهة الشرق وهم الاكثر وأقام بمصر كل مخاطر بنفسه لا يقدر على الحركه ممتثلا للقضاء متوقعا للمكروه وذلك لعدم قدرته وقلة ذاته يده وما ينفقه على حمل عياله واطفاله ويصرفه عليهم في الغربة فاستسلم للمقدور ولله عاقبة الامور والذي أزعج قلوب الناس بالاكثر ان في عشاء تلك الليلة شاع في الناس ان الافرنج عدوا الى بولاق واحرقوها وكذلك الجيزة وان اولهم وصل الى باب الحديد يحرقون ويقتلون ويفجرون بالنساء وكان السبب في هذه الاشاعة ان بعض القلينجية من عسكر مراد بك الذي كان في الغليون بمرسي انبابة لما تحقق الكسرة أضرم النار في الغليون الذي هو فيه وكذلك مراد بك لما رحل من الجيزة أمر بانجرار الغليون الكبير من قبالة قصره ليصحبه معه الى جهة قبلي فمشوا به قليلا ووقف لقلة الماء في الطين وكان به
عدة وافرة من آلات الحرب والجبخانة فأمر بحرقه ايضا فصعد لهيب النار من جهة الجيزة بولاق ظنوا بل أيقنوا انهم أحرقوا البلدين فماجوا واضطربوا زيادة عما هم فيه من الفزع والروع والجزع وخرج اعيان الناس وافندية الوجاقات واكابرهم ونقيب الاشراف وبعض المشايخ القادرين فلما عاين العامة والرعية ذلك اشتد ضجرهم وخوفهم وتحركت عزائمهم للهروب واللحاق بهم والحال ان الجميع لا يدرون أي جهة يسلكون وأي طريق يذهبون وأي محل يستقرون فتلاحقوا وتسابقوا وخرجوا من كل حدب ينسلون وبيع الحمار الاعرج او البغل الضعيف باضعاف ثمنه وخرج اكثرهم ماشيا او حامل متاعه على رأسه وزوجته حاملة طفلها ومن قدر عل مركوب أركب زوجته او ابنته ومشى هو على اقدامه وخرج غالب النساء ماشيات حاسرات وأطفالهم على اكتافهن يبكين في ظلمة الليل واستمروا على ذلك بطول ليلة الاحد وصبحها وأخذ كل انسان ما قدر على حمله من مال ومتاع فلما خرجوا من أبواب البلد وتوسطوا الفلاة تلقتهم العربان والفلاحون فأخذوا متاعهم ولباسهم وأحمالهم بحيث لم يتركوا لمن صادفوه ما يستر به عورته أو يسد جوعته فكان ما أخذته العرب شيئا كثيرا يفوق الحصر بحيث ان الاموال والذخائر التي خرجت من مصر في تلك الليلة أضعاف ما بقي فيها بلا شك لان معظم الاموال عند الامراء والاعيان وحريمهم وقد أخذوه صحبتهم وغالب مساتير الناس واصحاب المقدرة أخرجوا ايضا ما عندهم والذي أقعده العجز وكان عنده ما يعز عليه من مال أو مصاغ أعطاه لجاره او صديقه الراحل ومثل ذلك أمانات وودائع الحجاج من المغاربة والمسافرين فذهب ذلك جميعه وربما قتلوا من قدروا عليه أو دافع عن نفسه ومتاعه وسلبوا ثياب النساء وفضحوهن وهتكوهن وفيهم الخوندات والاعيان فمنهم من رجع من قريب وهم الذين تأخروا في الخروج وبلغهم ما حصل للسابقين ومنهم من جازف متكلا عل كثرته
وعزوته وخفارته فسلم او عطب وكانت ليل وصباحها في غاية الشناعة جرى فيها ما لم يتفق مثله في مصر ولا سمعنا بما شابه بعضه في تواريخ المتقدمين فما راء كمن سمعا ولما أصبح يوم الاحد المذكور والمقيمون لا يدرون ما يفعل بهم ومتوقعون حلول الفرنسيس ووقوع المكروه ورجع الكثير من الفارين وهم في أسوأ حال من العري والفزع فتبين ان الافرنج لم يعدو الى البر الشرقي وان الحريق كان في المراكب المتقدم ذكرها فاجتمع في الازهر بعض العلماء والمشايخ وتشاوروا فاتفق رأيهم على أن يرسلوا مراسلة الى الافرنج ينتظروا ما يكون من جوابهم ففعلوا ذلك وأرسلوها صحبة شخص مغربي يعرف لغتهم وآخر صحبته فغابا وعادا فاخبرا انهما قابلا كبير القوم وأعطياه الرسالة فقرأها عليه ترجمانة ومضمونها الاستفهام عن قصدهم فقال على لسان الترجمان وأين عظماؤكم ومشايخكم لم تأخروا عن الحضور الينا لنرتب لهم ما يكون فيه الراحة وظمنهم وبش في وجوههم فقالوا نريد أمانا منكم فقال أرسلنا لكم سابقا يعنون الكتاب المذكور فقالوا وايضا لاجل اطمئنان الناس فكتبوا لهم ورقة اخرى مضمونها من معسكر الجيزة خطاب لاهل مصر اننا أرسلنا لكم في السابق كتابا فيه الكفاية وذكرنا لكم اننا حضرنا إلا بقصد ازالة المماليك الذين يستعملون الفرنساوية بالذل والاحتقار وأخذ مال التجار ومال السلطان ولما حضرنا الى البر الغربي خرجوا الينا فقابلناهم بما يستحقونه وقتلنا بعضهم وأسرنا بعضهم ونحن في طلبهم حتى لم يبق احد منهم بالقطر المصري وأما المشايخ والعلماء وأصحاب المرتبات والرعية فيكونوا مطمئنين وفي مساكنهم مرتاحين إلى آخر ما ذكرته ثم قال لهم لا بد ان المشايخ والشربجية يأتون الينا لنرتب لهم ديوانا ننتخبه من سبعة اشخاص عقلاء يدبرون الامور ولما رجع الجواب بذلك اطمأن الناس وركب الشيخ مصطفى الصاوي والشيخ سليمان الفيومي وآخرون الى الجيزة فتلقاهم وضحك
لهم وقال أنتم المشايخ الكبار فاعلموه ان المشايخ الكبار خافوا وهربوا فقال لاي شيء يهربون اكتبوا لهم بالحضور ونعمل لكم ديوانا لاجل راحتكم وراحة الرعية واجراء الشريعة فكتبوا منه عدة مكاتبات بالحضور والامان ثم انفصلوا من معسكرهم بعد العشاء وحضروا الى مصر واطمأن برجوعهم الناس وكانوا في وجل وخوف على غيابهم وأصبحوا فأرسلوا الامان الى المشايخ فحضر الشيخ السادات والشيخ الشرقاوي والمشايخ ومن انضم اليهم من الناس الفارين من ناحيةالمطرية وأما عمر افندي نقيب الاشراف فانه لم يطمئن ولم يحضر وكذلك الروزنامجي والافندية وفي ذلك اليوم اجتمعت الجعيدية واوباش الناس ونهبوا بيت ابراهيم بك ومراد بك اللذين بخطة قوصون وأحرقوهما ونهبوا ايضا عدة بيوت من بيوت الامراء وأخذوا ما فيها من فرش ونحاس وامتعة وغير ذلك وباعوه بأبخس الأثمان
وفي يوم الثلاثاء عدت الفرنساوية الى بر مصر وسكن بونابارته ببيت محمد بك الالفي بالازبكية بخط الساكت الذي أنشأه الامير المذكور في السنة الماضية وزخرفه وصرف عليه اموالا عظمية وفرشه بالفرش الفاخرة وعند تمامه وسكناه فيه حصلت هذه الحاثة فأخلوه وتركوه بما فيه فكأنه انما كان يبنيه لامير الفرنسيس وكذلك حصل في بيت حسن كاشف جركس بالناصرية ولما عدى كبيرهم وسكن بالازبكية كما ذكر استمر غالبهم بالبر الآخر ولم يدخل المدينة الا القليل منهم ومشوا في الاسواق من غير سلاح ولا تعديل صاروا يضاحكون الناس ويشترون ما يحتاجون اليه بأغلى ثمن فيأخذ أحدهم الدجاجة ويعطي صاحبها في ثمنها ريال فرانسة ويأخذ البيضة بنصف فضة قياسا على اسعار بلادهم وأثمان بضائعهم فلما رأى منهم العامة ذلك أنسوا بهم وأطمأنوا لهم وخرجوا اليهم بالكعك وأنواع الفطير والخبز والبيض والدجاج وانواع المأكولات وغير ذلك مثل السكر والصابون والدخان والبن وصاروا يبيعون عليهم
بما أحبوا من الاسعار وفتح غالب السوقة الحوانيت والقهاوي
وفي يوم الخميس ثالث عشر صفر ارسلوا بطلب المشايخ والوجاقلية عند قائمقام صارى عسكر فلما استقر بهم الجلوس خاطبوهم وتشاوروا معهم في تعيين عشرة انفار من المشايخ للديوان وفصل الحكومات
فوقع الاتفاق على الشيخ عبد الله الشرقاوي والشيخ خليل البكري والشيخ مصطفى الصاوي والشيخ سليمان الفيومي والشيخ محمد المهدي والشيخ موسى السرسي والشيخ مصطفى الدمنهوري والشيخ احمد العريشي والشيخ يوسف الشبرخيتي والشيخ محمد الدواخلي وحضر ذلك المجلس ايضا مصطفى كتخدا بكر باشا والقاضي وقلدوا محمد اغا المسلماني أغات مستحفظان وعلي أغا الشعراوي والى الشرطة وحسن اغا محرم امين احتساب وذلك باشارة أرباب الديوان فانهم كانوا ممتنين من تقليد المناصب لجنس المماليك فعرفوهم ان سوقة مصر لا يخافون الا من الاتراك ولا يحكمهم سواهم وهؤلاء المذكورون من بقايا البيوت القديمة الذين لا يتجاسرون على الظلم كغيرهم وقلدوا ذا الفقار كتخدا محمد بك كتخدا بونابارته ومن ارباب المشورة الخواجا موسى كانوا وكلاء الفرنساوي ووكيل الديوان حنا بينو
وفيه اجتمع أرباب الديوان عند رئيسه فذكر لهم ما وقع من نهب البيوت فقالوا له هذا فعل الجعيدية وأوباش الناس فقال لأي شيء يفعلون ذلك وقد أوصيناكم بحفظ البيوت والختم عليها فقالوا هذا أمر لا قدرة لنا على منعه وانما ذلك من وظيفة الحكام فأمروا الاغا والوالي ان ينادوا بالامان وفتح الدكاكين والاسواق والمنع من النهب فلم يسمعوا ولم ولم ينتهوا واستمر غالب الدكاكين والاسواق معطلة والناس غير مطمئنين وفتح الفرنسيس بعض البيوت المغلوقة التي للامراء ودخلوها وأخذوا منها اشياء وخرجوا وتركوها مفتوحة فعند ما يخرجون منها يدخلها طائفة الجعيدية ويستأصلون ما فيها واستمروا على ذلك عدة ايام ثم
انهم تتبعوا بيوت الامراء وأتباعهم وختموا على بعضها وسكنوا بعضها فكان الذي يخاف على داره من جماعة الوجاقلية او من اهل البلد يعلق له بنديرة على باب داره أو يأخذ له ورقة من الفرنسيس بخطهم يلصقها على داره
وفيه قلدوا برطلمين النصراني الرومي وهو الذي تسميه العامة فرط الرمان كتخدا مستحفظان وركب بموكب من بيت صارى عسكر وامامه عدة من طوائف الاجناد والبطالين مشاة بين يده وعلى رأسه حشيشة من الحرير الملون وهو لابس فروة بزعادة وبين يديه الخدم بالحراب المفضضة ورتب له بيوك باشي وقلقات عينوا لهم مراكز باخطاط البلد يجلسون بها وسكن المذكور ببيت يحيى كاشف الكبير بحارة عابدين اخذه بما فيه من فر ومتاع وجواري وغير ذلك والمذكور من أسافل نصارى الاروام العسكرية القاطنين بمصر وكان من الطبجية عند محمد بك الالفي وله حانوت بخط الموسكي يبيع فيه القوارير الزجاج ايام البطالة وقلدوا ايضا شخصا افرنجيا وجعلوه أمين البحرين واخر جعلوه اغات الرسالة وجعلوا الديوان ببيت قائد اغا بالازبكية قرب الرويعي وسكن به رئيس الديوان وسكن روتوي قائمقام مصر ببيت ابراهيم بك الوالي المطل على بركة الفيل وسكن شيخ البلد ببيت ابراهيم بك الكبير وسكن مجلون ببيت مراد بك على رصيف الخشاب وسكن بوسليك مدير الحدود ببيت الشيخ البكري القديم ويجتمع عنده النصارى القبط كل يوم طلبوا الدفاتر من الكتبة ثم ان عساكرهم صارت تدخل المدينة شيئا فشيئا حتى امتلأت منها الطرقات وسكنوا في البيوت ولكن لم يشوشوا على أحد ويأخذون المشتروات بزيادة عن ثمنها ففجر السوقة وصغروا اقراص الخبز وطحنوه بترابه وفتح الناس عدة دكاكين بجواره ساكنهم يبيعون فيها اصناف المأكولات مثل الفطير والكعك والسمك المقلي واللحوم والفراخ المحمرة وغير ذلك وفتح نصارى الاورام عدة دكاكين لبيع انواع
الاشربة وخمامير وقهاوي وفتح بعض الافرنج البلديين بيوتا يصنع فيها انواع الاطعمة والاشربة على طرائفهم في بلادهم فيشتري الاغنام والدجاج والخضارات والاسماك والعسل والسكر وجميع اللوازم ويطبخه الطباخون ويصنعون انواع الاطعمة والحلاوت ويعمل على بابه علامة لذلك يعرفونها بينهم فاذا مرت طائفة بذلك المكان تريد الاكل دخلوا الى ذلك المكان وهو يشتمل على عدة مجالس دون واعلى وعلى كل مجلس علامته ومقدار الدراهم التي يدفعها الداخل فيه فيدخلون الى ما يريدون من المجالس وفي وسطه دكة من الخشب وهي الخوان التي يوضع عليها الطعام وحولها كراسي فيجلسون عليها ويأتيهم الفراشون بالطعام على قوانينهم فيأكلون ويشربون على نسق لا يتعدونه وبعد فراغ حاجتهم يدفعون ما وجب عليهم من غير نقص ولا زيادة ويذهبون لحالهم
وفيه تشفع أرباب الديوان في أسرى المماليك فقبلوا شفاعتهم وأطلقوهم فدخل الكثير منهم الى الجامع الازهر وهم في أسوأ حال وعليهم الثياب الزرق المقطعة فمكثوا به يأكلون من صدقات الفقراء المجاورين به ويتكففون المارين وفي ذلك عبرة للمعتبرين
وفي يوم السبت اجتمعوا بالديوان وطلبوا دراهم سلفة وهي مقدار خمسمائة ألف ريال من التجار المسلمين والنصارى القبط والشوام وتجار الافرنج ايضا فسالوا التخفيف فلم يجابوا فاخذوا في تحصيلها
وفيه نادوا من أخذ شيئا من نهب البيوت يحضر به الى بيت قائمقام وان لم يفعل وظهر بعد ذلك حصل له مزيد الضرر ونادوا ايضا على نساء الامراء بالامان وانهن يسكن بيوتهن وان كان عندهن شيء من متاع أزواجهن يظهرنه فان لم يكن عندهن شيء من متاع أزواجهن يصالحن على أنفسهن ويأمن في دورهن فظهرت الست نفيسة زوجة مراد بيك وصالحت عن نفسها واتباعها من نساء الامراء والكشاف بمبلغ قدره مائة وعشرون
ألف ريال فرانسا وأخذت في تحصيل ذلك من نفسها وغيره ووجهوا عليها الطلب وكذلك بقية النساء بالوسائط المتداخلين في ذلك كنصارى الشوام والافرنج البلدين وغيرهم فصاروا يعملون عليهن ارصاهات وتخويفات وكذلك مصالحات على الغز والاجناد المختفين والغائبين والفارين فجمعوا بذلك اموالا كثيرة وكتبوا للغائبين اوراقا بالامان بعد المصالحه ويختم على تلك الاوراق المتقيدون بالديوان
وفي يوم الاحد طلبوا الخيول والجمال والسلاح فكان شيئا كثيرا وكذلك الابقار والاثوار فحصل فيها ايضا مصالحات واشاعوا التفتيش على ذلك وكسروا عدة دكاكين بسوق السلاح وغيره واخذوا ما وجدوه فيها من الاسلحة هذا وفي كل يوم ينقلون على الجمال والحمير من الامتعة والفرش والصناديق والسروج وغير ذلك مما لا يحصى ويستخرجون الخبايا والودائع ويطلبون البنائين والمهندسين والخدام الذين يعرفون بيوت اسيادهم بل يذهبون بانفسهم ويدلونهم على اماكن الخبايا ومواضع الدفائن ليصير لهم بذلك قربة ووجاهة ووسيلة ينالون بها غراضهم
وفيه قبضوا على شيخ الجعيدية ومعه آخر وبندقوا عليهما بالرصاص ببركة الازبكية ثم على اخرين ايضا بالرميلة وأحضر النهابون أشياء كثيرة من الامتعة التي نهبوها عند ما داخلهم الخوف ودل على بعضهم البعض
وفي يوم الثلاثاء طلبوا أهل الحرف من التجار بالاسواق وقرروا عليهم دراهم على سبيل القرض والسلفة مبلغا يعجزون عنه واجلوا لها اجلا مقداره ستون يوما فضحوا واستغاثوا وذهبوا الى الجامع الازهر والمشهد الحسيني وتشفعوا بالمشايخ فتكلموا لهم ولطفوها الى نصف المطلوب ووسعوا لهم في ايام المهلة
وفيه شرعوا في تكسير ابواب الدروب والبوابات النافذة وخرج عدة من عساكرهم يخلعون ويقلعون ابواب الدروب والعطف والحارات
فاستمروا على ذلك عدة ايام وداخل الناس من ذلك وهم وخوف شديد وظنوا ظنونا وحصل عندهم فساد مخيلة ووسوسة تجسمت في نفوسهم بالفاظ نطقوا بها وتصوروا حقيقتها وتناقلوها فيما بينهم كقولهم ان عساكر الفرنسيس عازمون على قتل المسلمين وهم في صلاة الجمعة ومنهم من يقول غير ذلك وذلك بعد ان كان حصل عندهم بعض اطمئنان وفتحوا بعض الدكاكين فلما حصلت هاتان النكتتان انكمش الناس ثانيا وارتجفت قلوبهم
وفي عشرينه حضرت مكاتب الحجاج من العقبة فذهب ارباب الديوان الى باش العسكر واعلموه بذلك وطلبوا منه امانا لامير الحاج فامتنع وقال لا أعطيه ذلك ألا بشرط أن يأتي في قلة ولا يدخل معه مماليك كثيرة ولا عسكر فقالوا له ومن يوصل الحجاج فقال لهم انا ارسل لهم اربعة آلاف من العسكر يوصولونهم الى مصر فكتبوا لامير الحاج مكاتبة بالملاطفة وانه يحضر بالحجاج الى الدار الحمراء وبعد ذلك يحصل الخير فلم تصل اليهم الجوابات حتى كاتبهم ابراهيم بك يطلبهم للحضور الى جهة بلبيس فتوجهوا على بلبيس وأقاموا هناك اياما وكان ابراهيم بك ومن معه ارتحل من بلبيس الى المنصورة وأرسلوا الحريم الى القرين
وفي ثالث عشرينه خرجت طائفة من العسكر الفرنساوي الى جهة العادلية وصار في كل يوم تذهب طائفة بعد اخرى ويذهبون الى جهة الشرق فلما كان ليل الاربعاء خرج كبيرهم بونابارته وكانت أوائلهم وصلت الى الخانكة وأبى زعبل وطلبوا كلفة من أبي زعبل فامتنعوا فقاتلوهم وضربوهم وكسروهم ونهبوا البلدة وأحرقوها وارتحلوا الى بلبيس وأما الحجاج فانهم نزلوا ببلبيس واكترت حجاج الفلاحين مع العرب فأوصلوهم الى بلادهم بالغربية والمنوفية والقليبونجية وغيرها وكذلك فعل الكثير من الحجاج فتفرقوا في البلاد بحريمهم ومنهم من أقام ببلبيس واما امير
الحاج صالح بك فأنه لحق بإبراهيم بك وصحبته جماعة من التجار وغيرهم
وفي ثامن عشرنيه ملك الفرنساوية مدينة بلبيس من غير قتال وبها من بقي من الحجاج فلم يشوشوا عليهم وأرسلوها الى مصر وصحبتهم طائفة من عساكرهم ومعهم طبل فلما كان ليلة الاحد غايته جاء الرائد الى الامراء بالمنصورة وأخبرهم بوصول الافرنج وقربهم منهم فركبوا نصف الليل وترفعوا الى جهة القرين وتركوا التجار واصحاب الاثقال فلما طلع النهار حضر إليهم جماعة من العربان واتفقوا معهم على انهم يحملونهم الى القرين وحلفوا لهم وعاهدوهم على انهم لا يخونونهم فلما توسطوا بهم الطريق نقضوا عهدهم وخانوهم ونهبوا حمولهم وتقاسموا متاعهم وعروهم من ثيابهم وفيهم كبير التجار السيد احمد المحروقي وكان ما يخصه نحو ثلثمائة ألف ريال فرانسة نقودا ومتجرا من جميع الأصناف الحجازية وصنعت العرب معهم مالا خير فيه ولحقهم عسكر الفرنساوية فذهب السيد احمد المحروقي الى صارى عسكر وواجهه وصحبته جماعة من العرب المنافقين فشكا له ما حل به وباخوانه فلامهم على تنقلهم وركونهم الى المماليك والعرب ثم قبض على بي خشبة شيخ بلد القرين وقال له عرفني عن مكان المنهوبات فقال أرسل معي جماعة الى القرين فأرسل معه جماعة دلهم على بعض الاحمال فأخذها الافرنج ورفعوها ثم تبعوه الى محل آخر فأوهمهم انه يدخل ويخرج اليهم احمالا كذلك فدخل وخرج من مكان آخر وذهب هاربا فرجع اولئك العسكر بجمل ونصف جمل لا غير وقالوا هذا الذي وجدناه والرجل فر من أيدينا فقال صارى عسكر لا بد من تحصيل ذلك فطلبوا منه الاذن في التوجه الى مصر فأصحب معهم عدة من عسكره أوصلوهم الى مصر وامامهم طبل وهم في أسوأ حال وصحبتهم ايضا جماعة من النساء اللاتي كن خرجن ليلة الحادثة وهن أيضا في اسوأ حالة تسكب عند مشاهدتهن العبرات
واستهل شهر ربيع الاول بيوم الاثنين سنة 1213
في ثانيه وصل الفرنساويه الى نواحي القرين وكان ابراهيم بك ومن معه وصلوا الى الصالحية وأودعوا مالهم وحريمهم هناك وضمنوا عليها العربان وبعض الجند فأخبر بعض العرب الفرنساوية بمكان الحملة فركب صارى عسكر واخذ معه الخيالة وقصد الاغارة على الحملة وعلى ابراهيم بك بذلك ايضا فركب هو وصالح بك وعدة من الامراء والمماليك وتحاربوا معهم ساعة أشرف فيها الفرنسيس على الهزيمة لكونهم على الخيول واذا بالخبر وصل الى ابراهيم بك بان العرب مالوا على الحملة يقصدون نهبها فعند ذلك فر بمن معه على أثره وتركوا قتال الفرنسيس ولحقوا بالعرب وجلوهم عن متاعهم وقتلوا منهم عدة وارتحلوا الى قطيا ورجع صارى عسكر الى مصر وترك عدة من عساكره متفرقين في البلاد فدخل مصر ليلا وذلك ليل الخميس رابعه
وفي يوم الجمعة خامسه الموافق لثالث عشر مسرى القبطي كان وفاء الفيل المبارك فأمر صارى عسكر بالاستعداد وتزيين العقبة كالعادة وكذلك زينوا عدة مراكب وغلايين ونادوا على الناس بالخروج الى النزهة في النيل والمقياس والروضة على عادتهم وأرسل صحارى عسكر اوراقا لكتخدا الباشا والقاضي وأرباب الديوان وأصحاب المشورة والمتولين للمناصب وغيرهم بالحضور في صبحها وركب صحبتهم بموكبه وزينته وعساكره وطبوله وزموره الى قصر قنطرة السد وكسروا الجسر بحضرتهم وعملوا شنك مدافع ونفوطا حتى جرى الماء في الخليج وركب وهم صحبته حتى رجع الى داره وأما أهل البلد فلم يخرج منهم أحد تلك الليلة للتنزه في المراكب على العادة سوى النصارى الشوام والقبط والأروام والافرنج البلديين ونسائهم وقليل من الناس البطالين حضروا في صبحها
وفيه تواترت الاخبار بحضور عدة مراكب من الانكليز الى ثغر
الاسكندرية وانهم حاربوا مراكب الفرنساوية الراسية بالمينا وكانت أشيعت هذه الاخبار قبل وتحدث الناس بها فصعب ذلك على الفرنساوية واتفق ان بعض النصارى الشوام نقل عن رجل شريف يسمى السيد احمد الزر ومن أعيان التجار بوكالة الصابون أنه تحدث بذلك فأمروا باحضاره وذكروا له ذلك فقال أنا حكيت ما سمعته من فلان النصراني فأحضروه ايضا وامروا بقطع لسانيهما أو يدفع كل واحد منهما مائة ريال فرانسة نكالا لهما وزجرا عن الفضول فيما لا يعنيهما فتشفغ المشايخ فلم يقبلوا فقال بعضهم أطلقوهما ونحن نأتيكم بالدراهم فلم يرضوا فأرسل الشيخ مصطفى الصاوي وأحضر مائتي ريال ودفعها في الحضرة فلما قبضها الوكيل ردها ثانيا اليه وقال فرقها على الفقراء كما أشار وردها الى صاحبها فانكف الناس عن التكلم في شأن ذلك والواقع ان الانكليز حضروا في أثرهم الى الثغر وحاربوا مراكبهم فنالوا منهم واحرقوا لقايق الكبير المسمى بنصف الدنيا وكان به أموالهم وذخائرهم وكان مصفحا بالنحاس الاصفر واستمر الانكليز بمراكبهم بميناء الاسكندرية يغدون ويروحون يرصدون الفرنسيس وفي ذلك اليوم سافر عدة من عساكرهم الى بحري والى الشرقية ولما جرى الماء في الخليج منعوا دخول الماء الى بركة الازبكية وسدوا قنطرة الدكة بسبب وطاقهم ومدافعهم وآلتهم التي فيها
وفيه سأل صارى عسكر عن المولد النبوي ولماذا لم يعملوه كعادتهم فاعتذر الشيخ البكري بتعطيل الامور وتوقف الاحوال فلم يقبل وقال لا بد من ذلك وأعطى له ثلثمائة ريال فرانسا معاونة وامر بتعلق تعاليق واحبال وقناديل واجتمع الفرنساوية يوم المولد ولعبوا ميادينهم وضربوا طبولهم ودبادبهم وأرسل الطبلخانة الكبيرة الى بيت الشيخ البكري واستمروا يضربونها بطول النهار والليل بالبركة تحت داره وهي عبارة عن طبلات كبار مثل طبلات النوبة التركية وعدة آلات ومزامير مخلفة
الاصوات مطربة وعملوا في الليل حراقة نفوط مختلفة وسواريخ تصعد في الهواء
وفي ذلك اليوم ألبس الشيخ خليل البكري فروة وتقلد نقابة الاشراف ونودي في المدينة بان كل من كان له دعوى على شريف فليرفعها الى النقيب
وفيه ورد الخبر بأن ابراهيم بك والامراء المصرية استقروا بغزة
وفي خامس عشرة سافر عدة كبيرة من عسكر الفرنساوية الى جهة الصعيد وكبيرهم ديزة وصحبتهم يعقوب القبطي ليعرفهم الامور ويطلعهم على المخباءات
وفيه حضر القاصد الذي كان أرسله كبير الفرنساوية بمكاتبات وهدية الى أحمد باشا الجزار بعكا وذلك عند استقرارهم بمصر وصحبته أنفار من النصارى الشوام في صفة تجار ومعهم جانب أرز ونزلوا من ثغر دمياط في سفينة من سفائن أحمد باشا فلما وصلوا الى عكا وعلم بها احمد باشا أمر بذلك الفرنساوي فنقلوه الى بعض التقارير ولم يواجهه ولم يأخذ منه شيئا وأمره بالرجوع من حيث أتى وعوق عنده نصارى الشوام الذين كانوا بصحبته
وفيه حضر جماعة من عسكر الفرنساوية الى بيت رضوان كاشف بباب الشعرية وصحبتهم ترجمان ومهندس فانزعجت زوجته وكانت قبل ذلك بأيام صالحت على نفسها وبيتها بألف ريال وثلثمائة ريال وأخذت منهم ورقة ألصقتها على باب دارها وردت ماكانت وزعته من المال والمتاع عند معارفها وأطمأنت فلما حضر اليها الجماعة المذكورون قالوا لها بلغ صارى عسكران عندك اسلحة وملابس للمماليك فانكرت ذلك فقالوا لازم من التفتيش فقالت دونكم فطلعوا الى مكان وفتحوا مخبأة فوجدوا بها أربعة وعشرين شروالا وبلكات وأمتعة وغير ذلك ووجدوا في أسفلها مخبأة أخرى بها عدة كثيرة من الطبنجات والاسلحة والبنادق وصناديق بارود وغير ذلك فاستخرجوا جميع ذلك ثم نزلوا الى تحت السلالم
وفجروا الارض وأخرجوا منها دراهم كثيرة وحجاب ذهب في داخله دنانير ثم أنزلوا صاحبة الدار ومعها جارية بيضاء وأخذوهما مع الجواري السود وذهبوا بهن فأقمن عندهم ثلاثة ايام ونهبوا ما وجدوه بالدار من فرش وأمتعة ثم قرروا عليها أربعة آلاف ريال آخرى قامت بدفعها وأطلقوها رجعت الى دارها وبسبب هذه الحادثة شددوا في طلب الاسلحة ونادوا بذلك وانهم بعد ثلاثة ايام يفتشون البيوت وقال الناس ان هذه حيلة على نهب البيوت ثم بطل ذلك وحصل بينها وبين مباشرها القبطي منافسة فذهب وأغرى بها ودل على ذلك
وفي عشرينه قلدوا مصطفى بك كتخدا الباشا على امارة الحاج فحضروا الى المحكمة عند القاضي ولبس هناك الخلعة بحضرة مشايخ الديوان والتزم بونابارته بتسهيل مهمات الحج وعمل محلا جديدا
وفيه سأل أصحاب الحصص الالتزام في التصرف في حصصهم فطلبوا منهم حلوانا فلم يرتضوا بذلك فواعدهم لتمام التحرير والاملاء وقالوا كل من كان له التزام وتقسيط ناطق باسمه يحضره ويمليه ففعلوا ذلك في عدة أيام
وفيه قدروا فرضة من المال على القرى والبلاد ونشروا بذلك أوراقا وذكروا فيها انها تحسب من المال وقيدوا بذلك الصيارف من القبط
وفيه طلب صارى عسكر بونابارته المشايخ فلما استقروا عنده نهض بونابارته من المجلس ورجع وبيده طيلسانات ملونة بثلاثة الوان كل طيلسان ثلاثة عروض أبيض وأحمر وكحلي فوضع منها واحدا على كتف الشيخ الشرقاوي فرمى به الى الارض واستعفى وتغير مزاجه ونزلوا في البلاد مثل الحكام يحبسون ويضربون ويشددون في الطلب وانتفع لونه واحتد طبعه فقال الترجمان يا مشايخ انتم صرتم أحبابا لصارى عسكر وهو يقصد تعظيمكم وتشريفكم بزيه وعلامته فان تميزتم بذلك عظمتكم العساكر والناس وصار لكم منزلة في قولهم فقالوا
له لكن قدرنا يضيع عند الله وعند اخواننا من المسلمين فاغتاظ لذلك وتكلم بلسانه وبلغ عنه بعض المترجمين انه قال عن الشيخ الشرقاوي انه لا يصلح للرياسة ونحو ذلك فلاطفه بقية الجماعة واستعفوه من ذلك فقال ان لم يكن ذلك فلازم من وضعكم الجوكار في صدروكم وهي العلامة التي يقال لها الوردة فقالوا أمهلونا حتى نتروى في ذلك واتفقوا على اثني عشر يوما
وفي ذلك الوقت حضر الشيخ السادات باستدعاء فصادفهم منصرفين فلما استقر به الجلوس بش له وضاحكه صارى عسكر ولاطفه في القول الذي يعربه الترجمان واهدى له خاتم الماس وكلفه الحضور في الغد عنده وأحضر له جوكار أوثقه بفراجته فسكت وسايره وقام وانصرف فلما خرج من عنده رفعه على ان ذلك لا يخل بالدين
وفي ذلك اليوم نادى جماعة القلقات على الناس بوضع العلامات المذكورة المعروفة بالوردة وهي اشارة الطاعة والمحبة فانف غالب الناس من وضعها وبعضهم رأى ان ذلك لا يخل بالدين اذ هو مكره وربما ترتب على عدم الامتثال الضرر فوضعها ثم في عصر ذلك اليوم نادوا بابطالها من العامة والزموا بعض الاعيان ومن يريد الدخول عندهم لحاجة من الحاجات بوضعها فكانوا يضعونها اذا حضرا عندهم ويرفعونها اذا انفصلوا عنهم وذلك ايام قليلة وحصل ما يأتي ذكره فتركت
وفي اواخره كان انتقال الشمس لبرج الميزان وهو الاعتدال الخريفي فشرع الفرنساويه في عمل عيدهم ببركة الازبكية وذلك اليوم كان ابتداء قيام الجمهور ببلادهم فجعلوا ذلك اليوم عيدا وتاريخا فنقلوا اخشابا وحفروا حفرا وأقاموا بوسط بركة الازبكية صاريا عظيما بآلة وبناء وردموا حوله ترابا كثيرا عاليا بمقدار قامة وعملوا في أعلاه قالبا من الخشب محددا لاعلى مربع الاكان ولبسوا باقيه على سمت القالب قماشا تخينا طلوه بالحمرة الجزعة وعملوا اسفله قاعدة نقشوا عليها
تصاوير سواد في بياض ووضعوا قبالة باب الهواء بالبركة شبه بوابة كبيرة عالية من خشب مقفص وكسوها بالقماش المدهون مثل لون الصاري وفي أعلى القوصرة طلاء ابيض وبه تصاوير بالأسود مصور فيه مثل حرب المماليك المصرية معهم وهم في شبه المنهزمين بعضهم واقع على بعض وبعضهم متلفت الى خلف وعلى موازاة ذلك من الجهة الاخرى بناحية قنطرة الدكة التي يدخل منها الماء الى البركة مثال بوابة اخرى على غير شكلها لاجل حراقة البارود وأقاموا أخشابا كثيرة منتصبة مصطفة منها الى البوابة الاخرى شبه الدائرة متسعة محيطة بمعظم قضاء البركة بحيث صار عامود الصاري الكبير المنتصف المذكور في المركز وربطوا بين تلك الاخشاب حبالا ممتدة وعلقوا بها صفين من القناديل وبين ذلك تماثيل لحراقة البارود ايضا وأقاموا في عمل ذلك عدة أيام
واستهل شهر ربيع الثاني بيوم الاربعاء سنة 1213 فيه وردت الاخبار بان مراد بك ومن معه لما بلغه ورود الفرنسيس عليهم رجعوا الى جهة الفيوم وان عثمان بك الاشقر عدى الى البر الشرقي وذهب من خلف الجبل الى استاذه ابراهيم بك بغزة وخرج جماعة من الفرنساوية الى جهة الشرق ومعهم عدة جمال وأحمال فخرج عليهم الغزو العرب الذين يصحبونهم فأخذوا منهم عدة جمال باحمالها ولم يلحقوهم
وفي ثالثه حضرت مكاتبة من ابراهيم بك خطابا للمشايخ وغيرهم مضمونها انكم تكونون مطمئنين ومحافظين على انفسكم والرعية وان حضرة مولانا السلطان وجه لنا عساكر وان شاء الله تعالى عن قريب نحضر عندكم فلما وردت تلك المكاتبة وقد كان سأل عنها بونابارته فأرسلوها له وقرئت عليه فقال المماليك كذابون ووافق ايضا انه حضر آغا رومي وكان معوقا بالاسكندرية فمر بالشارع وذهب لزيارة المشهد الحسيني فشاهده الناس فاستغربوا هيئته وفرحوا برؤيته وقالوا هذا رسول الحي حضر من عند السلطان بجواب للفرنسيس يأمرهم بالخروج من مصر
واختلفت رواياتهم وآراؤهم واخبارهم وتجمعوا بالمشهد الحسيني وتبع بعضهم بعضا وصادف ذلك ان بونابارته في ذلك الوقت بلغه مما نقل وتناقل بين الناس انه ورد مكتوب الى المشايخ ايضا وأخفوه فركب من فوره وحضر الى بيت الشيخ السادات بالمشهد الحسيني وكان الوقت بعد الظهر فدخل على حين غفلة ولم يكن تقدم له مجيء وهو في كبكبة وخيول كثيرة وعساكر فانزعج الشيخ وكان منحرف المزاج ونزل اليه وهو لا يعرف السبب في مجيئه في مثل هذا الوقت على هذه الصورة فعندما شاهده سأله عن ذلك المكتوب فقال لا علم لي بذلك ولم يكن بلغه الخبر ثم جلس مقدار ساعة وركب ومر بعسكره وطوافيه من باب المشهد والناس قد كثر ازدحامهم بالجامع والخطة وهم يلغطون ويخلطون فلما نظروه وشاهد هو جميعتهم داخله امر من ذلك فصاحوا باجمعهم وقالوا بصوت عال الفاتحة فشخص اليهم وصار يسأل من معه عن ازدحامهم فلطفوا له القول وقالوا له انهم يدعون لك وذهب الى داره وكانت نكتة غريبة وساعة اتفاقية عجيبة كاد ينشأ منها فتنة
وفيه شرعوا في خلع البوابات والدروب غير النافذة ايضا ونقلوا الجميع الى بركة الازبكية عند رصيف الخشاب والبوابة الكبيرة يقطعونها نصفين ويرفعونها بالعتالين الى هناك فاجتمع من ذلك شيء كثير جدا وامتلأ من رصيف الخشاب الى قريب وسط البركة
وفي يوم السبت حادي عشرة كان يوم عيدهم الموعود به فضربوا في صبيحته مدافع كثيرة ووضعوا على كل قائم من الخشب بنديرة من بنديراتهم الملونة وضربوا طبولهم واجتمعت عساكرهم بالبركة الخيالة والرجالة واصطفوا صفوفا علىطرائقهم المعروفة بينهم ودعوا المشايخ وأعيان المسلمين والقبطة والشوام فاجتمعوا ببيت صارى عسكر بونابارته وجلسوا حصة من النهار ولبسوا في ذلك اليوم ملابس الافتخار ولبس المعلم جرجس الجوهري كركه بطرز قصب على اكتافها
الى أكمامها وعلى صدره شمسات قصب بازرار وكذلك فلتيوس وتعمموا بالعمائم الكشميري وركبوا البغال الفارهة وأظهروا البشر والسرور في ذلك اليوم الى الغاية ثم نزل عظماؤهم وصحبتهم المشايخ والقاضي وكتخدا الباشا فركبوا وذهبوا عند الصاري الكبير الموضوع بوسط البركة وقد كانوا فرشوا في أسفله بسطا كثيرة ثم ان العساكر لعبوا ميدانهم وعملوا هيئة حربهم وضربوا البنادق والمدافع فلما انقضى ذلك اصطفت العساكر صفوفا حول ذلك الصاري وقرأ عليهم كبير قسوسهم ورقة بلغتهم لا يدري معناها الاهم وكأنها كالوصية أو النصيحة أو الوعظ ثم قاموا وانفض الجمع ورجع صارى عسكر الى داره فمد سماطا عظيما للحاضرين فلما كان عند الغروب أوقدوا جميع القناديل التي على الحبال والتماثيل والاحمال التي على البيوت وعند العشاء عملوا حراقة بارود وسواريخ ونفوط وشبه سواقي ودواليب من قار ومدافع كثيرة نحو ساعتين من الليل واستمرت القناديل موقدة حتى طلع النهار ثم فكوا الحبال والتعاليق والتماثيل المصنوعة وبقيت البوابة المقابلة لباب الهواء والصاري الكبير وتحته جماعة ملازمون الاقامة عنده ليلا ونهار من عساكرهم لأنه شعارهم واشارة الى قيام دولتهم في زعمهم
وفي ثاني ليلة منه ركب كبيرهم الى بر الجيزة وسفر عساكر الى الجهة التي بها مراد بك وكذلك الى جهة الشرقية ومعهم مدافع على عجل وفيه ارسل دبوي قائممقام الى الست نفيسة وطلب منها احضار زوجة عثمان بك الطنبرجي فأرسلت الى المشايخ تستغيث بهم فحضر اليها الشيخ محمد المهدي والشيخ موسى السرسي وقصدوا منعها فلم يمكنهم فذهبوا صحبتها ونظروا في قصتها والسبب في طلبها انهم وجدوا رجلا فراشا معه جانب دخان وبعض ثياب فقبضوا عليه وقرروه فأخبر انه تابعها وانها أعطته ذلك ووعدته بالرجوع اليها لتسلمه شبكي دخان وفروة وخمسمائة محبوب ليوصل ذلك الى سيده فهذا هو السبب في طلبها
فقالوا وأين الفراش فبعثوا لاحضاره وسألوها فانكرت ذلك بالمرة فانتظروا حضور الفراش الى بعد الغروب فلم يحضر فقال لهم المشايخ دعوها تذهب الى بيتها وفي غد تأتي وتحقق هذه القضية فقال دبوى نونو ومعناه بلغتهم النفي أي لا تذهب فقالوا له دعها تذهب هي ونحن نبيت عوضا عنها فلم يرض ايضا وعالجوا في ذلك بقدر طاقتهم فلما أيسوا تركوها ومضوا فباتت عندها في ناحية من البيت وصحبتها جماعة من النساء المسلمات والنساء الافرنجيات فلما اصبح النهار ركب المشايخ الى كتخدا الباشا والقاضي فركبا معا وذهبا الى بيت صاري عسكر الكبير فاحضرها وسلمها الى القاضي ولم يثبت عليها شيء من هذه الدعوة وقرروا عليها ثلاثة آلاف ريال فرانسة وذهبت الى بيت لها مجاور لبيت القاضي وأقامت فيه لتكون في حمايته
وفي يوم الخميس نادوا في الاسواق بان كل من كان عنده بغلة يدهب بها الى بيت قائمقام ببركة الفيل ويأخذ ثمنها واذا لم يحضرها بنفسه تؤخذ منه قهرا ويدفع ثلثمائة ريال فرانسا وكان احضرها باختياره يأخذ في ثمنها خمسين ريالا قلت قيمتها او كثرت فغنم صاحب الخسيس وخسر صاحب النفيس ثم ترك ذلك وفيه نادوا بوقود قناديل سهارى بالطرق والاسواق وان يكون على كل دار قنديل وعلى كل ثلاثة دكاكين قنديل وان يلازموا الكنس والرش وتنظيف الطرق من العفوشات والقاذورات
وفيه نادوا على الاغراب من المغاربة وغيرهم والخدامين والبطالين ليسافروا الى بلادهم وكل من وجد بعد ثلاثة ايام يستأهل الذي يجري عليه وكرروا المناداة بذلك وأجلوهم بعدها أربعة وعشرين ساعة فذهبت جماعة من المغاربة الى صارى عسكر وقالوا له ارنا طريقا للذهاب فان طريق البرغير مسلوكة والانكليز واقفون بطريق البحر يمنعون المسافرين ولا نقدر على المقام في الاسكندرية من الغلاء وعدم الماء بها فتركهم
وفيه جعلوا ابراهيم اغات المتفرقة المعمار قبطان السويس وسافر معه انفار ببيرق فرنساوي فخرج عليهم العربان في الطريق فنهبوهم وقتلوا ابراهيم اغا المذكور ومن بصحبته ولم يسلم منهم الا القليل وفيه أهمل آمر الديوان الذي يحضره المشايخ ببيت قائد آغا فاستمروا آياما يذهبون فلم يأتهم أحد فتركوا الذهاب فلم يطلبوا
وفيه شرعوا في ترتيب ديوان آخر وسموه محكمة القضايا وكتبوا في شأن ذلك طومارا وشرطوا فيه شروطا ورتبوا فيه ستة أنفار من النصارى القبط وستة أنفار من تجار المسلمين وجعلوا قاضيه الكبير ملطى القبطي الذي كان كاتبا عند ايوب بك الدفتردار وفوضوا اليهم القضايا في امور التجار والعامة والمواريث والدعاوي وجعلوا لذلك الديوان قواعد واركانا من البدع السيئة وكتبوا نسخا من ذلك كثيرة ارسلوا منها الى الاعيان ولصقوا منها نسخا في مفارق الطرق ورؤوس العطف وابواب المساجد وشرطوا في ضمنه شروطا وفي ضمن تلك الشروط شروطا اخرى بتعبيرات سخيفة يفهم منها المراد بعد التأمل الكثير لعدم معرفتهم قوانين التراكيب العربية ومحصله التحيل على أخذ الاموال كقولهم بان أصحاب الاملاك يأتون بحججهم وتمسكاتهم الشاهدة لهم بالتمليك فإذا احضروها وبينوا وجه تملكهم لها اما بالبيع أو الانتقال لهم بالارث لا يكتفي بذلك بل يؤمر بالكشف عليها في السجلات ويدفع على ذلك الكشف دراهم بقدر عينوه في ذلك الطومار فان وجد تمسكه مقيدا بالسجل طلب منه بعد ذلك الثبوت ويدفع على ذلك الاشهاد بعد ثبوته وقبوله قدرا آخر ويأخذ بذلك تصحيحا ويكتب له بعد ذلك تمكين وينظر بعد ذلك في قيمته ويدفع على كل مائة اثنين فان لم يكن له حجة او كانت ولم تكن مقيدة بالسجل أو مقيدة ولم يثبت ذلك التقييد فانها تضبط لديوان الجمهور وتصير من حقوقهم وهذا شيء متعذر وذلك ان الناس انما وضعوا أيديهم على أملاكهم اما بالشراء أو بايلولتهالهم من مورتهم او نحو
ذلك بحجة قريبة او بعيدة العهد او بحجج اسلافهم ومورثيهم فاذا طولبوا باثبات مضمونها تعسر أو تعذر لحادث الموت او الاسفار او ربما حضرت الشهود فلم تقبل فان قبلت فعل به ما ذكر ومن جملة الشروط مقررات على المواريث والموتى ومقاديرها متنوعة في القلة والكثرة كقولهم اذا مات الميت يشاورون عليه ويدفعون معلوما لذلك ويفتحون تركته بعد أربع وعشرين ساعة فإذا بقيت اكثر من ذلك ضبطت للديوان ايضا ولا حق فيها للورثة وان فتحت على الرسم بأذن الديوان يدفع على ذلك الاذن مقررا أو كذلك على ثبوت الوراثة ثم عليهم بعد قبض ما يخصهم مقرر وكذلك من يدعي دينا على الميت يثبته بديوان الحشريات ويدفع على اثباته مقرر او يأخذ له ورقة يستلم بها دينه فاذا استلمه رفع مقررا ايضا ومثل ذلك في الرزق والاطيان بشروط وانواع وكيفية اخرى غير ذلك والهبات والمبايعات والدعاوي والمنازعات والمشاجرات والاشهادات الجزئيات والكليات والمسافر كذلك لا يسافر الا بورقة ويدفع عليها قدرا وكذلك المولود اذا ولد ويقال له اثبات الحياة وكذلك المؤاجرات وقبض أجر الاملاك وغير ذلك
وفيه نادى أصحاب الدرك على العامة بترك الفضول والكلام في أمور الدولة فإذا مر عليهم جماعة من العسكر مجروحون او منهزمون لا يسخرون بهم ولا يصفقون عليهم كما هي عادتهم
وفيه نهبوا أمتعة عسكر القلينجية الذين كانوا عسكر عند الامراء فأخذوا مكانا بوكالة علي بساحل بولاق وبالجمالية واخذوا متاعهم ومتاع شركائهم محتجين بانهم قاتلوا مع المماليك وهربوا معهم
وفيه أحضروا محمد كتخدا اباسيف الذي كان سردارا بدمياط من طرف الامراء المصريين وكان سابقا كتخدا حسن بك الجداوي فلما حضر حبسوه في القلعة وحبسوا معه فراشا لابراهيم بك
وفيه أمروا سكان القلعة بالخروج من منازلهم والنزول الى المدينة
ليسكنوا بها فنزلوا وأصعدوا الى القلعة مدافع ركزوها بعدة مواضع وهدموا بها ابنية كثيرة وشرعوا في بناء حيطان وكرانك واسوار وهدموا أبنية عالية واعلوا مواضع متخفضة وبنوا على بدنات باب العزب بالرميلة وغيروا معالمها وأبدلوا محاسنها ومحوا ما كان بها من معالم السلاطين وآثار الحكماء والعظماء وما كان في الابواب العظام من الاسلحة والدرق والبلط والحوادث والحرب الهندية وأكر الفداوية وهدموا قصر يوسف صلاح الدين ومحاسن الملوك والسلاطين ذوات الأركان الشاهقة والاعمدة الباسقة
وفيه عينت عساكر الى مراد بك وذهبوا اليه ببجر يوسف جهة الفيوم
وفي يوم الخميس سادس عشرة نودي بان كل من تشاجر مع نصراني او يهودي يشهد احد الخصمين على الاخر ويطلبه لبيت صارى عسكر
وفيه قتلوا شخصين وطافوا برؤسهما و هم ينادون عليهما ويقولون هذا جزاء من يأتي بمكاتيب من عند المماليك او يذهب اليهم بمكاتيب
وفيه نبهوا على الناس بالمنع من دفن الموتى بالترب القريبة من المساكن كتربة الازبكية والرويعي ولا يدفنون الموتى الا في القرافات البعيدة والذي ليس له تربة بالقرافة يدفن ميته في ترب المماليك وإذا دفنوا يبالغون في تسفيل الحفر ونادوا ايضا بنشر الثياب والامتعة والفرش بالاسطحة عدة أيام وتبخير البيوت بالبخورات المذهبة للعفونة كل ذلك للخوف من حصول الطاعون وعدوه ويقولون ان العفونة تنحبس باغوار الارض فاذا دخل الشتاء وبردت الاغوار بسريان النيل والامطار والرطوبات خرج ما كان منحبسا بالارض من الابخرة الفاسدة فيتعفن الهواء فيحصل الوباء والطاعون ومن قولهم ايضا ان مرض مريض لابد من الاخبار عنه فيرسلون من جهتهم حكيما للكشف عليه ان كان مرضه بالطاعون او بغيره ثم يرون رأيهم فيه
وفي يوم السبت ثامن عشره ذهبت جماعة من القواسة الذين يخدمون
الفرنساوية وشرعوا في هدم التراكيب المبنية على المقابر بتربة الازبكية وتمهيدها بالارض فشاع الخبر بذلك وتسامع أصحاب الترب بتلك البقعة فخرجوا من كل حدب ينسلون وأكثرهم النساء الساكنات بحارات المدابغ وباب اللوق وكرم الشيخ سلامة والفوالة والمناصرة وقنطرة الامير حسين وقلعة الكلاب الى أن صاروا كالجراد المنتشر ولهم صياح وضجيج واجتمعوا بالازبكية ووقفوا تحت بيت صارى عسكر فنزل لهم المترجمون واعتذروا بان صارى عسكر لاعلم له بذلك الهدم ولم يأمر به وانما أمر بمنع الدفن فقط فرجعوا الى أماكنهم ورفع الهدم عنهم
وفيه كتبوا من المشايخ كتابا ليرسلوه الى السلطان وآخر الى شريف مكة ثم انهم بصموا منه عدة نسخ ولصقوها بالطرق والمفارق وصورته ملخصا بعد الصدر وذكر ورودهم وقتالهم مع المماليك وهروبهم وان جماعة من العلماء ذهبت اليهم بالبر الغربي فأمنوهم وكذلك الرعية دون المماليك وذكروا فيه انهم من اخصاء السلطان العثماني وأعداء اعدائه وان السكة والخطبة بأسمه وشعائر الاسلام مقامة على ما هي عليه وباقية بمعنى الكلام السابق من قولهم انهم مسلمون وانهم محترمون القرآن والنبي وانهم اوصلوا الحجاج المتشتتين واكرموهم وأركبوا الماشي واطعموا الجيعان وسقوا العطشان واعتنوا بيوم الزينة يوم جبر البحر وعملوا له شأنا ورونقا استجلا بالسرور المؤمنين وانفقوا أموالا برسم الصدقة على الفقراء وكذلك اعتنوا بالمولد النبوي وأنفقوا اموالا في شأن انتظامه وتفق راينا ورأيهم على لبس حضرة الجناب المحترم مصطفى أغا كتخدا بكر باشا والي مصر حالا فاستحسنا ذلك لبقاء علقة الدولة العلية وهم ايضا مجتهدون في اتمام مهمات الحرمين وأمرونا أن نعلمكم بذلك والسلام
وفيه وقعت حادثة جزئية من جملة الجزئيات وهو ان رجلا صيرفيا بجوار حارة الجوانية وقع من لفظه انه قال السيد احمد البدوي بالشرق والسيد ابراهيم الدسوقي بالغرب يقتلان كل من يمر عليهما من النصارى
وكان هذا الكلام بمحضر النصارى الشوام فجاوبه بعضهم واسمعه قبيح القول ووقع بينهما التشاجر فقام النصراني وذهب الى دبوى وأخبره بالقصة فأرسل وقبض على ذلك الصيرفي وحبسه وسمر حانوته وختم على داره وتشفع فيه المشايخ عدة مرار فأطلقوه بعد يومين وأرسلوه الى بيت الشيخ البكري ليؤدب هناك بالضرب او يدفع خمسمائة ريال فرانسة فضرب مائة سوط وأطلق سبيله وكذلك أفرجوا عن بقية المسجونين
وفي يوم الاثنين طاف أصحاب الدرك على الاخطاط والوكائل فكتبوا أسماءها وأسماء البوابين وامروهم ان لا يسكنوا احدا من الاغراب ولا يطلقوا احدا بلا أذن من اغات مستحفظان
وفي يوم الثلاثاء عمل المولد الحسيني وكان من العزم تركه في هذا العام فدس بعض المنافقين دسيسة عند الفرنسيس وذلك انه وقعت المذاكرة بان من المعتاد أن يعمل المولد الحسيني بعد مولد النبي فقال بونابارته ولم لم يعملوه فقال ذلك المنافق غرض الشيخ السادات عدم عمله الا أذا حضر المسلمون فبلغ شيخ السادات ذلك فشرع في عمله عل سبيل الاختصار وحضر صارى عسكر وشاهد الوقدة ورجع الى داره بعد العشاء
وفيه حضر علماء الاسكندرية واعيانها وكذلك رشيد ودمياط وبقية البنادر باستدعاء صارى عسكر ليحضروا الديوان الشارعين فيه لترتيب النظام الذي سبقت الاشارة اليه
وفيه سافر ايضا جماعة من الفرنسيس الى جهة مراد بك ومن معه التقوا معهم وتراموا ساعة ثم انهزموا عنهم واطمعوهم في أنفسهم فتتبعوهم الى اسفل جبل اللاهون ثم خرجوا عليهم على مثل حالهم رجالا وتراموا معهم واكمنوا لهم وثبتوا معهم وظهر عليهم المصريون وقتل من الفرنساوية مقتلة كبيرة
وفيه سقطت البوابة المصنوعة ببركة الازبكية المقابلة لباب الهواء التي
كانوا وضعوها في يوم عيدهم وقد تقدم شرحها ووصفها وسبب سقوطها انهم لما منعوا الماء من دخوله للبركةوسدوا القنطرة كما تقدم علا الماء في أرض البركة وتخلخلت الارض فسقطت تلك البوابة
وفي يوم الجمعة رابع عشرينه نبهوا على المشايخ والاعيان التجار ومن حضر من الاقطار بالحضور الى الديوان العام ومحكمة النظام بكرة تاريخه وذلك ببيت مرزوق بك بحارة عابدين فلما أصبح يوم السبت أعادوا التنبيه بحضورهم بالديوان القديم ببيت قائد أغا بالازبكية فتوجه المشايخ المصرية والذين حضروا من الثغور والبلاد وحضر الوجاقات وأعيان التجار ونصارى القبط والشوام ومديروا الديوان من الفرنسيس وغيرهم جمعا موفورا فلما استقر بهم الجلوس شرع ملطى القبطي الذي عملوه قاضي في قراءة فرمان الشروط وفي المناقشة فابتدر كبير المدبرين في اخراج طومار آخر وناوله للترجمان فنشره وقرأه وملخصه ومضمونه الاخبار بان قطر مصر هو المركز الوحيد وانه اخصب البلاد وكان يجلب اليه المتاجر من البلاد البعيدة وان العلوم والصنائع والقراءة والكتابة التي يعرفها الناس في الدنيا أخذت عن أجداد أهل مصر الاول ولكون قطر مصر بهذه الصفات طمعت الامم في تملكه فملكه أهل بابل وملكه اليونانيون والعرب والترك الان الا ان دولة الترك شددت في خرابه لانها اذا حصلت الثمرة قطعت عروقها فلذلك لم يبقوا بأيدي الناس الا القدر اليسير وصار الناس لاجل ذلك مختفين تحت حجاب الفقر وقاية لانفسهم من سوء ظلمهم ثم ان طائفة الفرنساوية بعدما تمهد امرهم وبعد صيتهم بقيامهم بأمور الحروب اشتاقت أنفسهم لاستخلاص مصر مما هي فيه واراحة أهلها من تغلب هذه الدولة المفعمة جهلا وغباوة فقدموا وحصل لهم النصرة ومع ذلك لم يتعرضوا لاحد من الناس ولم يعاملوا الناس بقسوة وان غرضهم تنظيم امور مصر واجراء خلجانها التي دثرت ويصير لها طريقان طريق الى البحر الاسود وطريق الى البحر الاحمر فيزداد خصبها وريعها ومنع القوى من ظلم الضعيف وغير ذلك استجلا
بالخواطر أهلها وابقاء للذكر الحسن فالمناسب من اهلها ترك الشغب واخلاص المودة وان هذه الطوائف المحضرة من الاقاليم يترتب على حضورها أمور جليلة لانهم اهل خبرة وعقل فيسألون عن امور ضرورية ويجيبون عنها فينتج لصارى عسكر من ذلك ما يليق صنعه الى آخر ما سطروه من الكلام قلت ولم يعجبني في هذا التركيب الا قوله المفعمة جهلا وغباوة بعد قوله بعد ذلك ومع ذلك لم يتعرضوا لاحد الى آخر العبارة ثم قال الترجمان نريد منكم مشايخ أن تختاروا شخصا منكم يكون كبيرا ورئيسا عليكم ممتثلثين أمره واشارته فقال بعض الحاضرين الشيخ الشرقاوي فقال نونو وإنما ذلك يكون بالقرعة فعملوا قرعة باوراق فطلع الاكثر على الشيخ الشرقاوي فقال حينئذ يكون الشيخ عبد الله الشرقاوي هو الرئيس فما تم هذا الامر حتى زالت الشمس فأدنوا لهم في الذهاب وألزموهم بالحضور في كل يوم
وفيه وقعت كائنة الحاج محمد بن قيمو المغربي التاجر الطرابلسي وهو انه كان بينه وبين بعض نصارى الشوام المترجمين منافسة فانهى الى عظماء الفرنسيس انه ذو مال وانه شريك عبد الله المغربي تابع مراد بك فأرسلوا بطلبه فذهب الى بيت الشيخ عبد الله الشرقاوي لنسابة بينهما فقال الشيخ للقواسة المرسلين بعد سؤالهم عن سبب طلبهم له فقالوا لدعوة ليست شرعية فقال لهم في غدا حضروا خصمه ويتداعى معه فان توجه الحق عليه الزمناه بدفعه فرجعت الرسل وتغيب الرجل لخوفه فبعد مضي مقدار نحو ساعة حضر نحو الخمسين عسكريا من الفرنسيس الى بيت الشيخ وطالبوه به فأخبرهم انه هرب فلم يقبلوا عذره والحوا في طلبه ووقفوا ببنادقهم وأرهبوا فركب المهدي والدواخلي الى صاري عسكر وأخبروه بالقضية وبهروب الرجل فقال ولاي شيء يهرب فقالوا من خوفه فقال لولا ان جرمه كبير لما هرب وأنتم غيبتموه وأظهر الحنق والغيظ فلاطفاه واستعطفا خاطر الترجمان فكلمه وسكن غيظه ثم سأل عن منزله ومخزنه فأخبراه عنهما فقال نذهب معكما من يختم
عليهما حتى يظهر في غد فاطمأنوا لذلك ورجعوا عن الغروب وختموا على مخزنه ومنزله فلما أصبح النهار فلم يظهر الرجل فأخذوا ما وجدوه فيهما من البضائع والامانات
وفي يوم الاحد ذهبوا الى الديوان وعملوا مثل عملهم الاول حتى تمموا أسماء المنتخبين بديوان مصر من الثغور والمشايخ والوجاقلية والقبط والشوام وتجار الملسلمين وذلك الترتيب غير ترتيب الديوان السابق
وفي يوم الاثنين اجتمعوا بالديوان ونادى المنادي في ذلك اليوم بالاسواق على الناس باحضارهم حجج املاكهم الى الديوان والمهلة ثلاثون يوما فان تأخر عن الثلاثين يضاعف المقرر ومهلة البلاد ستون يوما ولما تكامل الجميع شرع ملطي في قراءة المنشور وتعداد ما به من الشروط مسطور وذكر من ذلك أشياء منها أمر المحاكم والقضايا الشرعية وحجج العقارات وأمر المواريث وتناقشوا في ذلك حصة من الزمن وكتبوا هذه الاربعة أشياء أرباب ديوان الخاصة يدبرون رأيهم في ذلك وينظرون المناسب والاحسن وما فيه الراحة لهم وللرعية ثم يعرضون مادبروه يوم الخميس وما بين ذلك له مهلة وانفض المجلس
واستهل شهر جمادى الاولى يوم الخميس الموعود سنة 1213 م واجتمعوا بالديوان ومعهم مالخصوه واستأصلوه في الجملة فاما أمر المحاكم والقضايا فالاولى ابقاؤها على ترتيبها ونظامها وعرفوهم عن كيفية ذلك ومثل ذلك ما عليه أمر محاكم البلاد فاستحسنوا ذلك الا أنهم قالوا يحتاج الى ضبط المحاصيل وتقريرها على أمر لا يتعداه القضاة ولا نوابهم فقرروا ذلك وهو انه اذا كان عشرة آلاف فما دونها يكون على كل الف ثلاثون نصفا واذا كان المبلغ مائة يكون على الالف خمسة عشر فان زاد على ذلك فعشرة واتفقوا على تقرير القضاة ونوابهم على ذلك وأما حجج العقارات فأنه امر شاق طويل الذيل فالمناسب فيه والاولى ان يجعلوا عليها دراهم من بادىء الرأي ليسهل تحصيلها ويحسن عليها السكوت ويكون المحصول أعلى وأدنى وأوسط وبينوا القدر المناسب
بتفصيل الاماكن وكتبوه وابقوه حتى يرى الآخرون رأيهم فيه وانفض الديوان وفي ذلك اليوم نودي في الاسواق بنشر الثياب والامتعة خمسة عشر يوما وقيدوا على مشايخ الاخطاط والحارات والقلقات بالفحص والتفتيش فعينوا لكل حارة امرأة ورجلين يدخلون البيوت للكشف عن ذلك فتصعد المرأة الى أعلى الدار وتخبرهم عن صحة نشرهم الثياب ثم يذهبون بعد التأكد على أهل المنزل والتحذير من ترك الفعل وكل ذلك لذهاب العفونة الموجبة للطاعون وكتبوا بذلك أرواقا لصقوهم بحيطان الاسواق على عادتهم في ذلك
وفيه حضر الى بيت البكري جم غفير من اولاد الكتاتيب والفقهاء والعميان والمؤذنين وأرباب الوظائف والمستحقين من الزمني والمرضي بالمرستان المنصوري واوقاف عبد الرحمن كتخدا وشكوا من قطع رواتبهم وخبزهم لان الاوقاف تعطل ايرادها واستولى على نظارتها النصارى القبط والشوام وجعلوا ذلك مغنما لهم فواعدهم على حضورهم الديوان وينهوا شكواهم ويتشفع لهم فذهبوا راجعين وفيه قدمت مراكب من جهة الصعيد وفيها عدة من العسكر مجروحين
وفيه وضعوا على التلال المحيطة بمصر ببارق بيضا فأكثر الناس من اللغط ولم يعلموا سبب ذلك
وفي يوم الاحد اجتمعوا في الديوان واخذوا فيما هم فيه فذكروا أمر المواريث فقال ملطي مشايخ أخبرونا عما تصنعونه في قسمة المواريث فأخبره بفروض المواريث الشرعية فقال ومن أين لكم ذلك فقالوا من القرآن وتلوا عليهم بعض آيات المواريث فقال الافرنج نحن عندنا لا نورث الولد ونورث البنت ونفعل كذا وكذا بحسب تحسين عقولهم لان الولد أقدر على التكسب من البنت فقال ميخائيل كحيل الشامي وهو من أهل الديوان ايضا نحن والقبط يقسم لنا مواريثنا المسلمون ثم التمسوا من المشايخ أن يكتبوا لهم كيفية القسمة ودليلها فسايروهم ووعدوهم بذلك وانفضوا وفي ذلك اليوم عزلوا محمد أغا
المسلماني أغات مستحفظان وجعلوه كتخدا أمير الحاج واستقروا بمصطفى أغا تابع عبد الرحمن أغا مستحفظان سابقا عوضا عنه ونودي بذلك
وفي يوم الاثنين عملوا لهم ديوانا وكتبوا لهم كيفية قسمة المواريث وفروض القسمة الشرعية وحصص الورثة والآيات المتعلقة بذلك فاستحسنوا ذلك
وفي يوم السبت عاشر جمادى الاولى عملوا الديوان واحضروا قائمة مقررات الاملاك والعقار فجعلوا على الاعلى ثمانية فرانسة والاوسط ستة والادنى ثلاثة وما كان أجرته أقل من ريال في الشهر فهو معافى وأما الوكائل والخانات والحمامات والمعاصر والسيارج والحوانيت فمنها ما جعلوا عليه ثلاثين وأربعين بحسب الخمسة والرواج والاتساع وكتبوا بذلك مناشير على عادتهم وألصقوها بالمفارق والطرق وأرسلوا منها نسخا للاعيان وعينوا المهندسين ومعهم اشخاص لتمييز الاعلى من الادنى وشرعوا في الضبط والاحصاء وطافوا ببعض الجهات لتحرير القوائم وضبط اسماء أربابها ولما أشيع ذلك في الناس كثر لغطهم واستعظموا ذلك والبعض استسلم للقضاء فانتبذ جماعة من العامة وتناجوا في ذلك ووافقهم على ذلك بعض المتعممين الذي لم ينظر في عواقب الامور ولم يتفكر أنه في القبضة مأسور فتجمع الكثير من الغوغاء من غير رئيس يسوسهم ولا قائد يقودهم وأصبحوا يوم الاحد متحزبين وعلى الجهاد عازمين وأبرزوا ما كانوا أخفوه من السلاح وآلات الحرب والكفاء وحضر السيد بدر وصحبته حشرات الحسينية وزعر الحارات البرانية ولهم صياح عظيم وهول جسيم ويقولون بصياح في الكلام نصر الله دين الاسلام فذهبوا الى بيت قاضي العسكر وتجمعوا وتبعهم ممن على شاكلتهم نحو الالف والاكثر فخاف القاضي العاقبة وأغلق أبوابه واوقف حجابه فرجموه بالحجارة والطوب وطلب الهرب فلم يمكنه الهروب وكذلك اجتمع بالأزهر العالم الاكبر وفي ذلك الوقت حضر دبوى بطائفة من فرسانه وعساكره وشجعانه فمر بشارع الغورية وعطف على خط
الصنادقية وذهب الى بيت القاضي فوجد ذلك الزحام فخاف وخرج من بين القصرين وباب الزهومة وتلك الاخطاط بالخلائق مزحومة فبادروا اليه وضربوه واثخنوا جراحاته وقتل الكثير من فرسانه وابطاله وشجعانه فعند ذلك أخذ المسلمون حذرهم وخرجوا يهرعون ومن كل حدب ينسلون ومسكوا الاطراف الدائرة بمعظم اخطاط القاهرة كباب الفتوح وباب النصر والبرقية الى باب زويلة وباب الشعرية وجهة البندقانيين وما حاذاها ولم يتعد جهة سواها وهدموا مساطب الحوانيت وجعلوا احجارها متاريس للكرنكة لتعوق هجوم العدو في وقت المعركة ووقف دون كل متراس جمع عظيم من الناس واما الجهات البرانية والنواحي الفوقانية فلم يفزع منهم فازع ولم يتحرك منهم أحد ولم يسارع وكذلك شذ عن الوفاق مصر العتيقة وبولاق وعذرهم الاكبر قربهم من مساكن العسكر ولم تزل طائفة المحاربين في الازقة متترسين فوصل جماعة من الفرنساوية وظهروا من ناحية المناخلية وبندقوا على متراس الشوائين وبه جماعة من مغاربة الفحامين فقاتلوهم حتى أجلوهم وعن المناخلية أزالوهم عند ذلك زاد الحال وكثر الرجف والزلزال وخرجت العامة عن الحد وبالغوا في القضية بالعكس والطرد وامتدت أيديهم الى النهب والخطف والسلب فهجموا على حارة الجوانية ونهبوا دور النصارى الشوام والاروام وما جاورهم من بيوت المسلمين على التمام وأخذوا الودائع والامانات وسبوا النساء والبنات وكذلك نهبوا خان الملايات وما به من الامتعة والموجودات وأكثروا من المعايب ولم يفكروا في العواقب وباتوا تلك الليلة سهرانين وعلى هذا الحل مستمرين وأما الافرنج فانهم اصبحوا مستعدين وعلى تلال البرقية والقلعة واقفين وأحضروا جميع الآلات من المدافع والقنابر والبنبان ووقفوا مستحضرين ولامر كبيرهم منتظرين وكان كبير الفرنسيس أرسل الى المشايخ مراسلة فلم يجيبوه عنها ومل من المطاولة هذا والرمي متتابع من الجهتين وتضاعف الحال ضعفين حتى مضى وقت العصر وزاد القهر والحصر فعند ذلك ضربوا بالمدافع والبنبات
على البيوت والحارات وتعمدوا بالخصوص بالجامع الازهر وجروا عليه المدافع والقنبر وكذلك ما جاوره من اماكن المحاربين كسوق الغورية والفحامين فلما سقط عليهم ذلك ورأوه ولم يكونوا في عمرهم عاينوه نادوا يا سلام من هذه الآلام يا خفي الالطاف نجنا مما نخاف وهربوا من كل سوق ودخلوا في الشقوق وتتابع الرمي من القلعة والكيمان حتى تزعزعت الاركان وهدمت في مرورها حيطان الدور وسقطت في بعض القصور ونزلت في البيوت والوكائل وأصمت الآذان بصوتها الهائل فلما عظم هذا الخطب وزاد الحال والكرب ركب المشايخ الى كبير الفرنسيس ليرفع عنهم هذا النازل ويمنع عسكره من الرمي المتراسل ويكفهم كما تكف المسلمون عن القتال والحرب خدعة وسجال فلما ذهبوا اليه واجتمعوا عليه عاتبهم في التأخير وأتهمهم في التقصير فاعتذروا اليه فقبل عذرهم وأمر برفع الرمي عنهم وقاموا من عنده وهم ينادون بالامان في المسالك وتسامع الناس بذلك فردت فيهم الحرارة وتسابقوا لبعضهم بالبشارة واطمأنت منهم القلوب وكان الوقت قبل الغروب وانقضى النهار وأقبل الليل وغلب على الظن ان القضية لهاذيل وأما أهل الحسينية والعطوف البرانية فانهم لم يزالوا مستمرين وعلى الرمي والقتال ملازمين ولكن خانهم المقصود وفرغ منهم البارود والافرنج اثخنوهم بالرمي المتتابع بالقنابر والمدافع الى ان مضى من الليل نحو ثلاث ساعات وفرغت من عندهم الادوات فعجزوا عن ذلك وانصرفوا وكف عنهم القوم وانحرفوا وبعد هجعة من الليل دخل الافرنج المدينة كالسيل ومروا في الازقة والشوارع لا يجدون لهم ممانع كأنهم الشياطين أو جند ابليس وهدموا ما وجدوه من المتاريس ودخل طائفة من باب البرقية ومشوا الى الغورية وكروا ورجعوا وترددوا ما هجعوا وعلموا باليقين ان لا دافع لهم ولا كمين وتراسلوا ارسالا ركبانا ورجالا ثم دخلوا الى الجامع الازهر وهم راكبون الخيول وبينهم المشاة كالوعول وتفرقوا بصحته ومقصورته وربطوا خيولهم بقبلته وعاثوا بالاورقة والحارات
وكسروا القناديل والسهارات وهشموا خزائن الطلبة والمجاورين والكتبة ونهبوا ما وجدوه من المتاع والاواني والقصاع والودائع والمخبآت بالدواليب والخزانات ودشتوا الكتب والمصاحف وعلى الارض طرحوها وبأرجلهم ونعالهم داسوها وأحدثوا فيه وتغوطوا وبالوا وتمخطوا وشربوا الشراب وكسروا أوانيه وألقوها بصحنه ونواحيه وكل من صادفوه به عروه ومن ثيابه أخرجوه وأصبح يوم الثلاثاء فأصطف منهم خرب بباب الجامع فكل من حضر للصلا يراهم فيكر راجعا ويسارع وتفرقت طوائفهم بتلك النواحي افواجا واتخذوا السعي والطواف بها منهاجا وأحاطوا بها احاطة السوار ونهبوا بعض الديار بحجة التفتيش على النهب وآلة السلاح والضرب وخرجت سكان تلك الجهة يهرعون وللنجاة بأنفسهم طالبون وانتهكت حرمة تلك البقعة بعد ان كانت أشرف البقاع ويرغب الناس في سكناها ويودعون عند أهلها ما يخافون عليه الضياع والفرنساوية لا يمرون بها الا في النادر ويحترمونها عن غيرها في الباطن والظاهر فانقلب بهذه الحركة منها الموضوع وانخفض على غير القياس المرفوع ثم ترددوا في الاسواق ووقفوا صفوفا مئينا والوفا فان مر بهم أحد فتشوه وأخذوا ما معه وربما قتلوه ورفعوا القتلى والمطروحين من الافرنج والمسلمين ووقف جماعة من الفرنسيس ونظفوا مراكز المتاريس وإزالة ما بها من الاتربة والاحجار المتراكمة ووضعوها في ناحية لتصير طرق المرور خالية وتحزبت نصارى الشوام وجماعة ايضا من الاروام الذين انتهبت دورهم بالحارة الجوانية ليشكوا لكبير الفرنسيس مالحقهم من الرزية واغتنموا الفرصة في المسلمين وأظهروا ما هو بقلوبهم كمين وضربوا فيهم المضارب وكأنهم شاركوا الافرنج في النوائب وما قصدهم المسلمون ونهبوا ما لديهم الا لكونهم منسوبين اليهم مع أن المسلمين الذين جاوروهم نهبهم الذعر ايضا وسلبوهم وكذلك خان الملايات المعلوم الذي عند باب حارة الروم فيه بضائع المسلمين وودائع الغائبين فسكت المصاب على غصته واستعوض الله في قضيته لانه ان تكلم لا تسمع دعواه ولا يلتفت الى شكواه وانتدب برطلمين للعسس على من حمل السلاح
أو اختلس وبث اعوانه في الجهات يتجسسون في الطرقات فيقبضون على الناس بحسب اغراضهم وما ينهبه النصارى من أبغاضهم فيحكم فيهم بمراده ويعمل برأيه واجتهاده ويأخذ منهم الكثير ويركب في موكبه ويسير وهم موثوقون بين يديه بالحبال ويسحبهم الاعوان بالقهر والنكال فيودعونهم السجونات ويطالبونهم بالمنهوبات ويقررونهم بالعقاب والضرب ويسألونهم عن السلاح وآلات الحرب ويدل بعضهم على بعض فيضعون على المدلول عليهم ايضا القبض وكذلك فعل مثل ما فعله اللعين الاغا وتجبر في افعاله وطغى وكثير من الناس ذبحوهم وفي بحر النيل قذفوهم ومات في هذين اليومين وما بعدهما أمم كثيرة لا يحصى عددها الا الله وطال بالكفرة بغيهم وعنادهم ونالوا من المسلمين قصدهم ومرادهم واصبح يوم الاربع فركب فيه المشايخ أجمع وذهبوا لبيت صارى عسكر وقابلوه وخاطبوه في العفو ولاطفوه والتمسوا منه أمانا كافيا وعفوا ينادون به باللغتين شافيا لتطمئن بذلك قلوب الرعية ويسكن روعهم من هذه الرزية فوعدهم وعدا مشوبا بالتسويف وطالبهم بالتبيين والتعريف عمن تسبب من المتعممين في اثارة العوام وحرضهم على الخلاف والقيام فغالطوه عن تلك المقاصد فقال على لسان الترجمان نحن نعرفهم بالواحد فترجوا عنده في اخراج العسكر من الجامع الأزهر فأجابهم لذلك السؤال وأمر باخراجهم في الحال وأبقوا منهم السبعين اسكنوهم في الخطة كالضابطين ليكونوا للامور كالراصدين وبالاحكام متقيدين ثم انهم فحصوا على المتهمين في اثارة الفتنة فطلبوا الشيخ سليمان الجوسقي شيخ طائفة العميان والشيخ احمد الشرقاوي والشيخ عبد الوهاب الشبراوي والشيخ يوسف المصيلحي والشيخ اسمعيل البراوي وحبسوهم ببيت البكري وأما السيد بدر المقدسي فانه تغيب وسافر الى جهة الشام وفحصوا عليه فلم يجدوه وتردد المشايخ لتخليص الجماعة المعوقين فغولطوا واتهم ايضا ابراهيم افندي كاتب البهار بانه جمع له جمعا من الشطار وأعطاهم الاسلحة والمساوق وكان عنده عدة من المماليك المخفيين
والرجال المعدودين فقبضوا عليه وحبسوه ببيت الاغا
وفي يوم الاحد ثامن عشرة توجه شيخ السادات وباقي المشايخ الى بيت صار عسكر الفرنسيس وتشفعوا عنده في الجماعة المسجونين ببيت الاغا وقائمقام والقلعة فقيل لهم وسعوا بالكم ولا تستعجلوا فقاموا وانصرفوا
وفيه نادوا في الاسواق بالامان ولا احد يشوش على أحد مع استمرار القبض على الناس وكبس البيوت بادنى شبهة ورد بعضهم الامتعة التي نهبت للنصارى
وفيه توسط عمر القلقجي لمغاربة الفحامين وجمع منهم ومن غيرهم عدة وافرة وعرضهم على صارى عسكر فأختار منهم الشباب وأولي القوة وأعطاهم سلاحا وآلات حرب ورتبهم عسكرا ورئيسهم عمر المذكور وخرجوا وامامهم الطبل الشامي على عادة عسكر المغاربة وسافروا الى جهة بحرى بسبب ان بعض البلاد قام على عسكر الفرنساوية وقت الفتنة وقاتلوهم وضربوا ايضا مركبين بها عدة من عساكرهم فحاربوهم وقاتلوهم فلما ذهب اولئك المغاربة سكنوا الفتنة وضربوا عشما وقتلوا كبيرها المسمى بأبن شعير ونهبوا داره ومتاعه وماله وبهائمه وكان شيئا كثيرا جدا واحضروا اخوته وأولاده وقتلوهم ولم يتركوا منهم سوى ولد صغير جعلوه شيخا عوضا عن ابيهم وسكن العسكر المغربي بدار عند باب سعادة ورتبوا له من الفرنسيس جماعة يأتون اليهم في كل يوم ويدربونهم على كيفية حربهم وقانونهم ومعنى أشاراتهم في مصافاتهم فيقف المعلم والمتعلمون مقابلون له صفا وبأيديهم بنادقهم فيشير اليهم بألفاظ بلغتهم كان يقول مردبوش فيرفعونها قابضين بأكفهم على أسافلها ثم يقول مرش فيمشون صفوفا الى غير ذلك
وفيه سافر برطلمين الى ناحية سرياقوس ومعه جملة من العسكر بسبب الناس الفارين الى جهة الشرق فلم يدركهم وأخذ من في البلاد وعسف في تحصيها ورجع بعد أيام
وفي يوم الاربعاء خاطب الشيخ محمد المهدي صارى عسكر في أمر ابراهيم افندي كاتب البهار وتلطف به بمعونة بوسليك المعروف بمدير الحدود وهو عبارة عن الروزنامجي ونقله من بيت الاغا الىداره وطلبوا منه قائمة كشف عما يتعلق بالمماليك بدفتر البهار
وفي يوم الخميس سافر عدة من المراكب نحو الاربعين بها عسكر الفرنسيس الى جهة بحرى
وفي ليلة السبت رابع عشرينه حضر هجان من ناحية الشام وعلىيده مكاتبات وهي صورة فرمان وعليه طرة ومكتوب من أحمد باشا الجزار وآخر من بكر باشا الى كتخدائه مصطفى بك ومكتوب من ابراهيم بك خطابا للمشايخ وذلك كله بالعربي ومضمون ذلك بعد براعة الاستهلال والآيات القرآنية والاحاديث والاثار المتعلقة بالجهاد ولعن طائفة الافرنج والحط عليهم وذكر عقيدتهم الفاسدة وكذبهم ونحيلهم وكذلك قية المكاتبات بمعنى ذلك فأخذها مصطفى بك كتخدا وذهب بها الى صارى عسكر فلما اطلع عليها قال هذا تزوير من ابراهيم بك ليوقع بيننا وبينكم العداوة والمشاحنة وأما احمد باشا فهو رجل فضولي لم يكن واليا بالشام ولا مصر لان والي الشام ابراهيم باشا واما والي مصر فهو عبد الله باشا بن العظم الذي هو الآن والي الشام فانا أعلم بذلك وسيأتي بعد أيام والي ويقيم معه كما كانت المماليك مع الولاة وورد خبر ايضا بانفصال محمد باشا عزت عن الصدارة وعزل كذلك أنفار من رجال الدولة وفي مدة هذه الايام بطل الاجتماع بالديوان المعتاد وأخذوا في الاهتمام في تحصين النواحي والجهات وبنوا ابنية على التلول المحيطة بالبلد ووضعوا بها عدة مدافع وقنابر وهدموا اماكن بالجيزة وحصنوها تحصينا زائدا وكذلك مصر العتيقة ونواحي شبرا وهدموا عدة مساجد منها المساجد المجاورة لقنطرة انبابة الرمة ومسجد المقس المعروف الان باولاد عنان على الخليج الناصري بباب البحر وقطعوا نخيلا كثيرة واشجار الجيزة التي عند أبي هريرة قطعوها وحفروا هناك خنادق كثيرة وغير
ذلك وقطعوا نخيل جهة الحلي وبولاق وخربوا دورا كثيرة وكسروا شبابيكها وأبوابها وأخذوا أخشابها لاحتياج العمل والوقود وغير ذلك
وفي ليلة الاحد حضر جماعة من عسكر الفرنسيس الى بيت البكري نصف الليل وطلبوا المشايخ المحبوسين عند صارى عسكر ليتحدث معهم فلما صاروا خارج الدار وجدوا عدة كثيرة في انتظارهم فقبضوا عليهم وذهبوا بهم الى بيت قائمقام بدرب الجماميز وهو الذي كان به دبوىا قائمقام المقتول وسكنه بعده الذي تولى مكانه فلما وصلوا بهم هناك عروهم من ثيابهم وصعدوا بهم الى القلعة فسجنوهم الى الصباح فأخرجوهم وقتلوهم بالبنادق وألقوهم من السور خلف القلعة وتغيب حالهم عن أكثر الناس أياما وفي ذلك اليوم ركب بعض المشايخ الى مصطفى بك كتخدا الباشا وكلموه في أن يذهب معهم الى صارى عسكر ويشفع معهم في الجماعة المذكورين ظنا منهم انهم في قيد الحياة فركب معهم اليه وكلموه في ذلك فقال لهم الترجمان أصبروا ما هذا وقته وتركهم وقام ليذهب في بعض أشغاله فنهض الجماعة ايضا وركبوا الى دورهم
وفي يوم الثلاثاء حضر عدة من عسكر الفرنسيس ووقفوا بحارة الازهر فتخيل الناس منهم المكروه ووقعت فيهم كرشة وأغلقوا الدكاكين وتسابقوا الى الهروب وذهبوا الى البيوت والمساجد واختلفت اراؤهم ورأوا في ذلك اقضية بحسب تخمينهم وظنهم وفساد مخيلهم فذهب بعض المشايخ الى صارى عسكر واخبروه بذلك وتخوف الناس فأرسل اليهم وأمرهم بالذهاب فذهبوا وتراجع الناس وفتحوا الدكاكين ومر الاغا والوالي وبرطلمين ينادون بالامان وسكن الحال وقيل ان بعض كبرائهم حضر عند القلق الساكن بالمشهد وجلس عنده حصة هؤلاء كانوا اتباعه ووقفوا ينتظرونه ولعل ذلك قصدا للتخويف والارهاب خشية من قيام فتنة لما اشيع قتل المشايخ المذكورين وهو الارجح
وفيه كتبوا اوراقا والصقوها بالاسواق تتضمن العفو والتحذير من اثارة الفتنة وان من قتل من المسلمين في نظير من قتل من الفرنسيس
وفيه شرعوا في احصاء الاملاك والمطالبة بالمقرر فلم يعارض في ذلك معارض ولم يتفوه بكلمة والذي لم يرض بالتوت يرضى بحطبه
وفيه ايضا قلعوا ابواب الدروب والحارات الصغيرة الغير النافذة وهي التي كانت تركت وسومح اصحابها وبرطلوا عليها وصالحوا عليها قبل الحادثة وبرطلوا القلقات والوسايط على ابقائها وكذلك دروب الحسينية فلما انقضت هذه الحادثة ارتجعوا عليها وقلعوها ونقلوها الى ما جمعوه من البوابات بالازبكية ثم كسروا جميعها وفصلوا اخشابها ورفعوا بعضها على العربات الىحيث اعمالهم بالنواحي والجهات وباعوا بعضها حطبا للوقود وكذلك ما بها من الحديد وغيره
وفي ليلة الخميس هجم المنسر على بوابة سوق طولون وكسروها وعبروا منها الى السوق فكسروا القناديل وفتحوا ثلاثة حوانيت وأخذوا ما بها من متاع المغاربة التجار وقتلوا القلق الذي هناك وخرجوا بدون مدافع ولا منازع
وفي يوم الخميس المذكور ذهب المشايخ الى صارى عسكر وتشفعوا في ابن الجوسقي شيخ العميان الذي قتل ابوه وكان معوقا ببيت البكري فشفعهم فيه واطلقوه
واستهل شهر جمادى الثانية بيوم السبت سنة 1213
فيه كتبوا عدة اوراق على لسان المشايخ وارسلوها الى البلاد والصقوا منها نسخا بالاسواق والشوارع
وصورتها نصيحة من كافة علماء الاسلام بمصر المحروسة نعوذ بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن ونبرأ الى الله من الساعين في الارض بالفساد نعرف اهل مصر المحروسة من طرف الجعيدية واشرار الناس حركوا الشرور بين الرعية وبين العساكر الفرنساوية بعدما كانوا اصحابا واحبابا لسوية وترتب على ذلك قتل جملة من المسلمين ونهبت بعض البيوت ولكن حصلت الطاف الله الخفية وسكنت الفتنة بسبب شفاعتنا عند أمير الجيوش يونابارته وارتفعت هذه البلية لانه رجل كامل العقل
عنده رحمة وشفقة على المسلمين ومحبة الى الفقراء والمساكين ولولاه لكانت العساكر احرقت جميع المدينة ونهبت جميع الاموال وقتلوا كامل اهل مصر فعليكم ان لا تحركوا الفتن ولا تطيعوا أمر المفسدين ولا تسمعوا كلام المنافقين ولا تتبعوا الاشرار ولا تكونوا من الخاسرين سفهاء العقول الذين لا يقرأون العواقب لاجل ان تحفظوا أوطانكم وتطمئنوا على عيالكم وأديانكم فان الله سبحانه وتعالى يؤتى ملكه من يشاء ويحكم ما يريد وتخبركم ان كل من تسبب في تحريك هذه الفتنة قتلوا من آخرهم وأراح الله منهم العباد والبلاد ونصيحتنا لكم ان لا تلقوا بأيديكم الى التهلكة واشتغلوا باسباب معايشكم وأمور دينكم وادفعوا الخراج الذي عليكم الدين النصيحة والسلام
وفيه امروا بقية السكان على بركة الازبكية وما حولها بالنقلة من البيوت ليسكنوا بها جماعتكم المتباعدين منهم يكون الكل في حومة واحدة وذلك لما داخلهم من المسلمين حتى ان الشخص منهم صار لا يمشي بدون سلاح بعد ان كانوا من حين دخولهم البلد لا يمشون به أصلا الا لغرض والذي لم يكن معه سلاح يأخذ بيده عصا أو سوطا أو نحو ذلك وتنافر قلوبهم من المسلمين وتحذروا منهم وانكف المسلمون عن الخروج والمرور بالاسواق من الغروب الى طلوع النهار ومن جملة من انتقل من الدرب الاحمر الى الازبكية كفرلي المسمى بأبي خشبة وهو يمشي بها بدون معين ويصعد الدرج ويهبط منها أسرع من الصحيح ويركب الفرس ويرمحه وهو على هذه الحالة وكان من جملة المشار اليهم فيهم والمدبر لامور القلاع وصفوف الحروب ولهم به عناية عظيمة واهتمام زائد كان يسكن ببيت مصطفى كاشف طرا وفي وقت الحادثة هجمت على الدار العامة ونهبوها وقتلوا منها بعض الفرنساوية وفر الباقون فأخبروا من بالقلعة الكبيرة فنزل منهم عدة وافرة وقف بعضهم خارج الدار بعد أن طردوا المزدحمين ببابها وضربوهم بالبندق ودخل الباقون فقتلوا من وجدوه بها من المسلمين وكانوا جملة كثيرة وكان بتلك الدار شيء كثير
من آلات الصنائع والنظارات الغربية والالات الفلكية والهندسية والعلوم الرياضية وغير ذلك مما هو معدوم النظير كل آلة لا قيمة لها عند من يعرف صنعتها ومنفعتها فبدد ذلك كله العامة وكسروه قطعا وصعب ذلك على الفرنسيس جدا وقاموا مدة طويلة يفحصون عن تلك الالآت ويجعلون لمن يأتيهم بها عظيم الجعالات وممن قتل في وقعة هذه الدار الشيخ محمد الزهار
وفي خامسة افرجوا عن ابراهيم افندي كاتب البهار وتوجه الى بيته
وفي ثامنه قتلوا اربعة أنفار من القبط منهم اثنان من النجارين قيل انهم سكروا في الخمارة ومروا في سكرهم وفتحوا بعض الدكاكين وسرقوا منها أشياء وقد تكرر منهم ذلك عدة مرار فاغتاظ لذلك القبطة
وفيه كتبوا عدة اوراق وأرسلوا منها نسخا للبلاد والصقوا منها بالاخطاط والاسواق ذلك على لسان المشايخ ايضا ولكن تزيد صورتها عن الاولى
وصورتها نصيحة من علماء الاسلام بمصر المحروسة نخبركم يا أهل المدائن والامصار من المؤمنين ويا سكان الارياف من العربان والفلاحين أن ابراهيم بك ومراد بك وبقية دولة المماليك أرسلوا عدة مكاتبات ومخاطبات الى سائر الاقاليم المصرية لاجل تحريك الفتنة بين المخلوقات وادعوا أنها من حضرة مولانا السلطان ومن بعض وزراءه بالكذب والبهتان وبسبب ذلك حصل لهم شدة الغم والكرب الزائد واغتاظوا غيظا شديدا من علماء مصر ورعاياها حيث لم يوافقوهم على الخروج معهم ويتركوا عيالهم وأوطانهم فارادوا أن يوقعوا الفتنة والشر بين الرعية والعسكر الفرنساوية لاجل خراب البلاد وهلاك كامل الرعية وذلك لشدة ما حصل لهم من الكرب الزائد بذهاب دولتهم وحرمانهم من مملكة مصر المحمية ولو كانوا في هذه الاوراق صادقين بانها من حضرة سلطان السلاطين لأرسلها جهارا مع اغوات معينين ونخبركم ان الطائفة الفرنساوية بالخصوص عن بقية الطوائف الافرنجية دائما يحبون المسلمين وملتهم ويبغضون المشركين وطبيعتهم أحباب لمولانا السلطان قائمون بنصرته
وأصدقاء له ملازمون لمودته وعشرته ومعونته يحبون من والاه ويبغضون من عاداه ولذلك بين الفرنساوية والموسكوف غاية العداوة الشديدة من اجل عداوة المسكوف القبيحة الرديئة والطائفة الفرنساوية يعاونون حضرة السلطان على أخذ بلادهم ان شاء الله تعالى ولا يبقون منهم بقية فننصحكم ايها الاقاليم المصرية انكم لا تحركوا الفتن ولا الشرور بين البرية ولا تعارضوا العساكر الفرنساوية بشيء من أنواع الأذية فيحصل لكم الضرر والهلاك ولا تسمعوا كلام المفسين ولا تطيعوا أمر المسرفين الذين يفسدون في الارض ولا يصلحون فتصبحوا على ما فعلتم ناديم وانما عليكم دفع الخراج المطلوب منكم لكامل الملتزمين لتكونوا بأوطانكم سالمين وعلى أموالكم وعيالكم آمنين مطمئنين لان حضرة صارى عسكر الكبير أمير الجيوش بونابارته اتفق معنا على انه لا ينازع أحد في دين الاسلام ولا يعارضنا فيما شرعه الله من الاحكام ويرفع عن الرعية سائر المظالم ويقتر على أخذ الخراج ويزيل ما أحدثه الظلمة من المغارم فلا تعلقوا آمالكم بابراهيم ومراد وراجعوا الى مولاكم مالك الملك وخالق العباد فقد قال نبيه ورسوله الاكرم الفتنة نائمة لعن الله من أيقظها بين الامم عليه افضل الصلاة والسلام وفي ثالث عشره قتلوا شخصين عند باب زويلة أحدهما يهودي لم يتحقق السبب في قتلهما
وفيه اخرجوا من بيت نسيب ابراهيم كتخدا صناديق ضمنها مصاغ وجواهر وأواني ذهب وفضة وأمتعة وملابس كثيرة
وفي خامس عشرة حضر جماعة من الفرنساوية بباب زويلة وفتحوا بعض دكاكين السكرية وأخذوا منها سكرا وضاع على أصحابه
وفيه دلوا على انسان عنده صندوقان وديعة لايوب بك الدفتردار فطلبوه وأمروه باحضارهما فأحضرهما بعد الانكار والحجد عدة مرار فوجدوا ضمنهما أسلحة جواهر وسبح لؤلؤ وخناجر مجوهرة وغير ذلك
وفي عشرينه كتبوا عدة أوراق مطبوعة وألصقوها بالاسواق مضمونها
أن في يوم الجمعة حادي عشرينه قصدنا أن نطير مركبا ببركة الازبكية في الهواء بحيلة فرنساوية فكثر لغط الناس في هذا كعادتهم فلما كان ذلك اليوم قبل العصر تجمع الناس والكثير من الافرنج ليروا تلك العجيبة وكنت بجملتهم فرأيت قماشا على هيئة الادية على عمود قاتم وهو ملون احمر وأبيض وأزرق على مثل دائرة الغربال وفي وسطه مسرجة بها فتيلة مغموسة ببعض الادهان وتلك المسرجة مصلوبة بسلوك من حديد منها الى الدائرة وهي مشدودة ببكر واحبال واطراف الاحبال بأيدي اناس قائمين باسطحة البيوت القريبة منها فلما كان بعد العصر بنحو ساعة أوقدوا تلك الفتيلة فصعد دخانها الى ذلك القماش وملأه فانتفخ وصار مثل البكرة وطلب الدخان الصعود الى مركزه فلم يجد منفذا فجذبها معه الى العلو فجذبها بتلك الاحبال مساعدة لها حتى ارتفعت عن الارض فقطعوا تلك الحبال فصعدت الى الجو مع الهواء ومشت هنيهة لطيفة ثم سقطت طارتها الفتيلة وسقط ايضا ذلك القماش وتناثر منها أوراق كثيرة من نسخ الاوراق المبصومة فلما حصل لها ذلك انكسف طبعهم لسقوطها ولم يتبين صحة ما قالوه من انها على هيئة مركب تسير في البلاد البعيدة لكشف الاخبار وارسال المراسلات بل ظهر انها مثل الطيارة التي يعملها الفراشون بالمواسم والافراح
وفي تلك الليلة طاف منهم أنفار بالاسواق ومعهم مقاطف بها لحوم مسمومة فأطعموها للكلاب فمات منها جملة كثيرة فلما طلع النهار وجد الناس الكلاب مرمية وطرحى بالاسواق وهي موتى فأستأجروا لها من أخرجها الى الكيمان وسبب ذلك انهم لما كانوا يمرون بالاسواق في الليل وهم سكوت كانت الكلاب تنبحهم وتعدو خلفهم ففعلوا بها ذلك وارتاحوا هم والناس منها
وفي خامس عشرينه سافر عدة عساكر الى جهة مراد بك وكذلك الى جهة كرداسة بسبب العربان وكذلك الى السويس الصالحية وأخذوا جمال
السقائين برواياها وحميرهم ولكن يعطونهم أجرتهم فشح الماء وغلا وبلفت القرية عشرة انصاف فضة
وفيه ظفروا بعدة ودائع وخبايا بأماكن متعددة بها صناديق وأمتعة وأسلحة وأواني صيني وأواني نحاس قناطير وغير ذلك وانقضى هذا الشهر وما حصل به من الحوادث الكلية والجزئية التي لا يمكن ضبطها لكثرتها
منها انهم أحدثوا بغيط النوبي المجاور للازبكية ابنية على هيئة مخصوصة منتزهة يجتمع بها النساء والرجال للهو والخلاعة في أوقات مخصوصة وجعلوا على كل من يدخل اليه قدرا مخصوصا يدفعه أو يكون مأذونا وبيده ورقة
ومنها أنهم هدموا وبنوا بالمقياس والروضة وهدموا اماكن بالجيزة ومهدوا التل المجاور لقنطرة الليمون وجعلوا في اعلاه طاحونا تدور في الهواء عجيبة وتطحن الارادب من البر وهي بأربعة أحجار وطاحونا أخرى بالروضة تجاه مساطب النشاب وهدموا الجامع المجاور لقنطرة الدكة وشرعوا في ردم جهات حوالي بركة الازبكية وهدموا الاماكن المقابلة لبيت صارى عسكر حتى جعلوها رحبة متسعة وهدموا الاماكن المقابلة لها من الجهة الاخرى والجنائن التي خلف ذلك وقطعوا اشجارها وردموا مكانها بالاتربة الممهدة على خط معتدل من الجهتين مبتدأ من حد ببيت صارى عسكر الى قنطرة المغربي وجددوا القنطرة المذكورة وكانت آلت الى السقوط وفعلوا بعدها كذلك على الوضع والنسق بحيث صار جسرا عظيما ممتدا ممهدا مستويا على خط مستقم من الازبكية الى بولاق قسمين قسم الى طريق أبي العلا وقسم يذهب الى جهة التبانة وساحل النيل وبطريقة الطريق المسلوكة الواصلة من طريق أبي العلاء وجامع الخطيري الى ناحية المدابغ وحفروا في جانبي ذلك الجسر من مبدئه الى منتهاه خندقين وغرسوا بجانبه اشجارا وسيسبانا واحدثوا طريقا اخرى فيما بين باب الحديد وباب العدوى عند المكان المعروف بالشيخ شعيب حيث معمل الفواخير وردموا جسر ممتدا ممهدا مستطيلا يبتدي
من الحد المذكور وينتهي الى جهة المذبح خارج الحسينية وازلوا ما يتخلل بين ذلك من الابنية والغيطان والاشجار والتلول وقطعوا جانبا كبيرا من التل الكبير المجاور لقنطرة الحاجب وردموا في طريقهم قطعة من خليج بركة الرطلي وقطعوا اشجار بستان كاتب البهار المقابل لجسر بركة الرطلي واشجار الجسر ايضا والابنية التي بين باب الحديد والرحبة التي بظاهر جامع المقس وساروا على المنخفض بحيث صارت طريقا ممتدة من الازبكية الى جهة قبة النصر المعروفة بقبة العزب جهة العادلية على خط مستقيم من الجهتين وقيدوا بذلك انفارا منهم يتعاهدون تلك الطرق ويصلحون ما يخرج منها عن قالب الاعتدال بكثرة الدروس وحوافر الخيول والبغال والحمير وفعلوا هذا الشغل الكبير والفعل العظيم في أقرب زمن ولم يسخروا احدا في العمل بل كانوا يعطون الرجال زيادة عن اجرتهم المعتادة ويصرفونهم من بعد الظهيرة ويستعينون في الاشغال 2 وسرعة العمل بالآلات القريبة المأخذ السهلة التناول المساعدة في العمل وقلة الكلفة
كانوا يجعلون بدل الغلقان والقصاع عربات صغيرة ويداها ممتدتان من خلف يملؤها الفاعل ترابا او طينا او احجارا من مقدمها بسهولة بحيث تسع مقدار خمسة غلقان ثم يقبض بيديه على خشبتيها المذكورتين ويدفعها امامه فتجرى على عجلتها بأدنى مساعدة الى محل العمل فيمليها باحدى يديه ويفرغ ما فيها من غير تعب ولا مشق وكذلك لهم فؤوس وقزم محكمة الصنعة متقنة الوضع وغالب الصناع من جنسهم ولا يقطعون الاحجار والاخشاب الا بالطرق الهندسية على الزوايا القائمة والخطوط المستقيمة وجعلوا جامع الظاهر بيبرس خارج الحسينية قلعة ومنارته برجا ووضعوا علىأسواره مدافع واسكنوا به جماعة من العسكر وبنوا في داخله عدة مساكن تسكنها العسكر المقيمة به وكان هذا الجامع معطل الشعائر من مدة مدة طويلة وباع نظاره منه أنقاضا وعمدا كثيرة
ومنها أنهم احدثوا على التل المعروف بتل العقارب الناصرية ابنية وكرانك
وابراجا ووضعوا فيها عدة من آلات الحرب والعساكر المرابطين فيه
وهدموا عدة دور من دور الامراء وأخدوا أنقاضها ورخامها لابنيتهم وافردوا للمدبرين والفلكيين وأهل المعرفة والعلوم الرياضية كالهندسة والهيئة والنقوشات والرسومات والمصورين والكتبة والحساب والمنشئين حارة الناصرية حيث الدرب الجديد وما به من البيوت مثل بيت قاسم بك وأمير الحاج المعروف بأبي يوسف وبيت حسن كاشف جركس القديم والجديد الذي أنشأه وشيده وزخرفه وصرف عليه اموالا عظيمة من مظالم العبادة وعند تمام بياضه وفرشه حدثت هذه الحادثة ففر مع الفارين وتركه فيه جملة كبيرة من كتبهم وعليها خزان ومباشرون يحفظونها ويحضرونها للطلبة ومن يريد المراجعة فيراجعون فيها مرادهم فتجتمع الطلبة منهم كل يوم قبل الظهر بساعتين ويجلسون في فسحة المكان المقابلة لمخازن الكتب على كراسي منصوبة موازية لتختاة عريضة مستطيلة فيطلب من يريد المراجعة ما يشاء منها فيحضرها له الخازن فيتصفحون ويراجعون ويكتبون حتى أسافلهم من العساكر واذا حضر اليهم بعض المسلمين ممن يريد الفرجة لا يمنعونه الدخول الى أعز اماكنهم ويتلقونه بالبشاشة والضحك وأظهار السرور بمجيئه اليهم وخصوصا أذا رأوا فيه قابلية أو معرفة او تطلعا للنظر في المعارف بذلوا له مودته ومحبتهم ويحضرون له أنواع الكتب المطبوع بها والاقاليم والحيوانات والطيور والنباتات وتواريخ القدماء وسير الامم وقصص الانبياء بتصاويرهم وآياتهم ومعجزاتهم وحوادث اممهم مما يحير الافكار ولقد ذهبت اليهم مرارا واطلعوني على ذلك فمن جملة ما رأيته كتاب كبير يشتمل على سيرة النبي صلى الله عليه و سلم ومصورون به صورته الشريفة على قدر مبلغ علمهم واجتهادهم وهو قائم على قدميه ناظرا الى السماء كالمرهب للخليقة وبيده اليمنى السيف وفي اليسرى الكتاب وحوله الصحابة رضي الله عنهم بأيديهم السيوف وفي صفحة اخرى صورة الخلفاء الراشدين وفي الاخرى صورة المعراج والبراق وهو صلى الله عليه و سلم راكب عليه
من صخوره بيت المقدس وصورة بيت المقدس والحرم المكي والمدني وكذلك صورة الائمة المجتهدين وبقي الخلفاء والسلاطين ومثال اسلامبول وما بها من المساجد العظام كأياصوفي وجامع السلطان محمد وهيئة المولد النبوي وجمعية اصناف الناس لذلك السلطان سليمان وهيئة صلاة الجمعة فيه وأبى ايوب الانصاري وهيئة صلاة الجنازة فيه وصور البلدان والسواحل والبحار والاهرام وبرابي الصعيد والصور والاشكال والافلام المرسومة وما يختص بكل بلد من أجناس الحيوان والطيور والنبات والاعشاب وعلوم الطب والتشريح والهندسيات وجر الاثقال وكثير من الكتب الاسلامية مترجم بلغتهم ورأيت عندهم كتاب الشفاء للقاضي عياض ويعبرون عنه بقولهم شفاء شريف والبردة للبوصيري ويحفظون جملة من أبياتها وترجموها بلغتهم ورأيت بعضهم يحفظ سورا من القرآن ولهم تطلع زائد للعلوم وأكثرها الرياضة ومعرفة اللغات واجتهاد كبير في معرفة اللغة والمنطق ويدأبون في ذلك الليل والنهار وعندهم كتب مفردة لأنواع اللغات وتصاريفهما واشتقاقاتها بحيث يسهل عليهم نقل ما يريدون من أي لغة كانت الى لغتهم في أقرب وقت وعند توت الفلكي وتلامذته في مكانهم المختص بها الآلات الفلكية الغريبة المتقنة الصنعة وآلات الارتفاعات البديعة العجيبة التركيب الغالية الثمن المصنوعة من الصفر المموه وهي تركب براريم مصنوعة محكمة كل آلة عدة قطع تركب مع بعضها البعض برباطات وبراريم لطيفة بحيث اذا ركبت صارت آلة كبير أخذت قدرا من الفراغ وبها نظارات وثقوب ينفذ النظر منها الى المرئي واذا انحل تركيبها وضعت في ظرف صغير وكذلك نظارات للنظر في الكواكب وارصادها ومعرفة مقاديرها واجرامها وارتفاعاتها واتصالاتها ومناظرتها وأنواع المنكابات والساعات التي تسير بثواني الدقائق الغريبة الشكل الغالية الثمن وغير ذلك وأفردوا لجماعة منهم بيت ابراهيم كتخدا السنارى وهم المصورون لكل شيء ومنهم اريجو المصور وهو يصور صور الآدميين تصويرا يظن من يراه انه بارز
في الفراغ بجسم يكاد ينطق حتى انه صور صورة المشايخ كل واحد على حدته في دائرة وكذلك غيرهم من الاعيان وعلقوا ذلك في بعض مجالس صارى عسكر وآخر في مكان اخر يصور الحيوانات والحشرات واخر يصور الاسماك والحيتان بانواعها وأسمائها ويأخذون الحيوان او الحوت الغريب الذي لا يوجد ببلادهم فيضعون جسمه بذاته في ماء مصنوع حافظ للجسم فيبقى على حالته وهيئته لا يتغير ولا يبلى ولو بقي زمنا طويلا
وكذلك أفردوا اماكن للمهندسين وصناع الدقائق وسكن الحكيم رويا ببيت ذي الفقار كتخدا بجوار ذلك ووضع آلاته ومساحقه وأهوانه في ناحية وركب له تنانير وكوانين لتقطير المياه والادهان واستخراج الاملاح وقدورا عظيمة وبرامات وجعل له مكانا أسفل واعلى وبهما رفوف عليها القدور المملوءة بالتراكيب والمعاجين والزجاجات المتنوعة وبها كذلك عدة من الاطباء والجرايحية
وأفردوا مكانا في بيت حسن كاشف جركس لصناعة الحكمة والطب الكيماوي وبنوا فيه تنانير مهندمة وآلات تقاطير عجيبة الوضع والات تصاعيد الارواح وتقاطير المياه وخلاصات المفردات وأملاح الارمدة المستخرجة من الاعشاب والنباتات واستخراج المياه الجلاءة والحلالة وحول المكان الداخل قوارير وأوان من الزجاج البلوري المختلف الاشكال والهيئات على الرفوف والسدلات وبداخلها انواع المستخرجات
ومن أغرب ما رأيته في ذلك المكان ان بعض المتقيدين لذلك أخذ زجاجة من الزجاجات الموضوع فيها بعض المياه المستخرجة فصب منها شيئا في كأس ثم صب عليها شيئا من زجاجة اخرى فعلا المآن وصعد منه دخان ملون حتى انقطع وجف مافي الكأس وصار حجرا أصفر فقلبه على البرجات حجرا يابسا أخذناه بأيدينا ونظرناه ثم فعل كذلك بمياه أخرى فجمد حجرا أزرق وباخرى فجمد حجرا أحمر ياقوتيا وأخذ مرة شيئا قليلا حدا من غبار أبيض ووضعه على السندال وضربه بالمطرقة بلطف
فخرج له صوت هائل كصوت القرابانة انزعجنا منه فضحكوا منا واخذ مرة زجاجة فارغة مستطيلة في مقدار الشبر ضيقة القسم فغمسها في ماء قراح موضوع في صندوق من الخشب مصفح الداخل بالرصاص وأدخل معها اخرى على غير هيئتها وأنزلهما في الماء وأصعدهما بحركة انحبس بها الهواء في أحدهما وآتى آخر بفتيلة مشتعلة وأبرز ذلك فم الزجاجة من الماء وقرب الآخر الشعلة اليها في الحال فخرج ما فيها من الهواء المحبوس وفرقع بصوت هائل ايضا وغير ذلك امور كثيرة وبراهين حكمية تتولد من اجتماع العناصر وملاقاة الطبائع ومثل الفلكة المستديرة التي يديرون بها الزجاج فيتولد من حركتها شرر يطير بملاقاة ادنى شيء كثيف ويظهر له صوت وطقطقة واذا مسك علاقتها شخص ولو خيطا لطيفا متصلابها ولمس آخر الزجاجة الدائرة او ما قرب منها بيده الاخرى ارتج بدنه وارتعد جسمه وطقطقت عظام أكتافه وسواعده في الحال برجة سريعة ومن لمس هذا اللامس او شيئا من ثيابه او شيئا متصلا به حصل له ذلك ولو كانوا ألفا أو أكثر ولهم فيه امور وأ وال وتراكيب غريبة ينتج منها نتائج لا يسعها عقول امثالنا
وأفردوا ايضا مكنا للنجارين وصناع الالآت والاخشاب وطواحين الهواء والعربات واللوازم لهم في اشغالهم وهندساتهم وارباب صنعائهم ومكانا آخر للحدادين وبنوا فيه كوانين عظاما وعليها منافيخ كبار يخرج منها الهواء متصلا كثيرا بحيث يجذبه النافخ من أعلى بحركة لطيفة وصنعوا السندانات والمطارق العظام لصناعات الآلات من الحديد والمخارط وركبوا مخارط عظيمة لخرط القلوزات الحديد العظيمة ولهم فلكات مثقلة يديرها الرجال للمعلم الخراط للحديد بالاقلام المتينة الجافية وعليها حق صغير معلق مثقوب وفيه ماء يقطر على محل الخرط لتبريد النارية الحادثة من الاصطكاك وباعلى هذه الامكنة صناع الامور الدقيقة مثل البركارات وآلات الساعات والآلات الهندسية المتقنة وغير ذلك
شهر رجب سنة
استهل بيوم الاحد في ثالثه قتلوا شخص من الاجناد يقال له مصطفى كاشف من جماعة حسين بك المعروف بشفت وكان قد فر مع الفارين ثم رجع من غير استئذان وأقام أياما مستترا ببيت الشيخ سليمان الفيومي فسلمه لمصطفى أغا مستحفظان ليأخذ له أمانا فأخبر الفرنسيس بشأنه وأغراهم عليه فأمروه بقتله فقطع رأسه وطافوا بها ينادون عليها بقولهم هذا جزاء من يدخل الى مصر بغير أذن الفرنسيس
وفي يوم الخميس حضر كبير الفرنسيس الذي بناحية قليوب وصحبته سليمان الشواربي شيخ الناحية وكبيرها فلما حضر حبسوه بالقلعة قبل انهم عثروا له على مكتوب ارسله وقت الفتنة السابقة الى سر ياقوس لينهض أهل تلك النواحي في القيام ويأمرهم بالحضور وقت ان يرى الغلبة على الفرنسيس ولما حبسوه وحبسوا معه اربعة من الاجناد ايضا
وفيه احدثوا مرمارا يضربونه في كل يوم وقت الزوال لان ذلك الوقت عندهم ابتداء اليوم
وفي يوم الاربعاء عاشره نادوا في الاسواق بان من أراد أن يشتري فرسا أو حمارا فليحضر يوم الجمعة ثالث عشره ببولاق ويشتري من الفرنساويه ما أحب من ذلك وكتبوا بذلك اوراقا وألصقوها بالاسواق والازقة وهي مطوعة وعليها الصورة ونصها فليكن معلوما عند كافة الرعايا المصرية ان في يوم الجمعة ثلاثة عشر من شهر رجب الساعة اثنين يباع في بولاق جملة خيل من المشيخة الفرنساوية فلاجل هذا المشتري كل من اراد ان يقتنى خيلا فمنحنا له الاجازة انه يقتنى كما يريد ويشاء
وفي يوم الاثنين سادس عشره سافر صارى عسكر بونابارته الى السويس وأخذ صحبته السيد احمد المحروقي وابراهيم افندي كاتب البهار وأخذ معه ايضا بعض المدبرين والمهندسين والمصورين وجرجس الجوهري والطون أبو طاقية وغيرهم وعدة كثيرة من عساكر الخيالة والمشاة وبعض مدافع وعربات وتختروان وعدة جمال لحمل الذخيرة والماء والقومانية وفيه شرعوا في ترتيب الديوان على تنظيم اخر وعينوا له ستين نفرا منهم اربعة عشر يقال لهم خصوص وهم الذين يحضرون دائما ويقال لهم الديوان الخصوصي والديوان الديمومي والباقي بحسب الاقتضاء والاربعة عشر هم من المشايخ الشرقاوي والمهدي والصاوي والبكري والفيومي ومن التجار المحروقي واحمد محرم ومن النصارى القبطة لطف الله المصري ومن الشوام يوسف فرحات ومخاييل كحيل ورواحة الانكليزي وبودني وموسى كافر الفرنساوي ومعهم وكلاء ومباشرون من الفرنسيس ومترجمون وأما العمومي فأكثره مشايخ حرف وكتبوا بذلك طومارا كبيرا بصموا منه نسخا كثيرة وأرسلوا منها نسخا كثيرة للاعيان وألصقوا منها بالاسواق على العادة وأرسلوا اللذين عينوا بالديوان أوراقا باسمائهم شبه التقارير وصورة صدر ذلك الطومار المكتتب في شأن ذلك وقد أوردت ذلك وان كان فيه بعض طول للاطلاع على ما فيه من التمويهات على العقول والتسلق على دعوى الخواص من البشر بفاسد التخيلات التي تنادى على بطلانها بديهة العقل فضلا عن النظر وهي مقولة على لسان بونابارته كبير الفرنسيس ونصه
بسم الله الرحمن الرحيم من امير الجيوش الفرنساويه خطابا الى كافة أهالي مصر الخاص والعام نعلمكم ان بعض الناس الضالين العقول الخليين من المعرفة وادراك العواقب سابقا اوقعوا الفتنة والشرور بين القاطنين بمصر فأهلكهم لله بسبب فعلهم ونيتهم القبيحة والباري سبحانه وتعالى أمرني بالشفقة والرحمة على العباد فامتثلث أمره وصرت رحيما بكم شفوقا عليكم ولكن كان حصل عندي غيظ وغم شديد بحسب تحريك هذه الفتنة بينكم ولاجل ذلك أبطلت الديوان الذي كنت رتبته لنظام البلد وصلاح اموالكم من مدة شهرين والان توجه خاطرنا الى ترتيب الديوان كما كان لان حسن احوالكم ومعاملتكم في المدة المذكورة انسانا ذنوب الاشرار وأهل الفتنة التي وقعت سابقا أيها العلماء والاشراف أعلم وأمتكم ومعاشر رعيتكم بان الذي يعاديني ويخاصمني انما خصامه
من ضلال عقله وفساد فكرة فلا يجد ملجأ ولا مخلصا ينجيه مني في هذا العالم ولا ينجو من بين يدي الله لمعارضته لمقادير الله سبحانه وتعالى والعاقل يعرف ان ما فعلناه بتقدير الله تعالى وارادته وقضائه ومن يشك في ذلك فهو احمق واعمى البصيرة واعلموا ايضا امتكم ان الله قدر في الازل هلاك اعداء الاسلام وتكسير الصلبان على يدي وقدر في الآزل أني اجيء من المغرب الى أرض مصر لهلاك الذين ظلموا فيها واجراء الامر الذي امرت به ولا يشك العاقل ان هذا كله بتقدير الله وارادته وقضائه واعلموا ايضا أمتكم ان القرآن لعظيم صرح في ايات كثيرة بوقوع الذي حصل واشار في ايات اخرى الى امور تقع في المستقبل وكلام الله في كتابه صدق وحق لا يتخلف اذا تقرر هذا وثبتت هذه المقالات في آذانكم فلترجع أمتكم جميعا الى صفاء النية واخلاص الطوية فان منهم من يمتنع عن الغي واظهار عداوتي خوفا من سلاحي وشدة سطوتي ولم يعلموا ان الله مطلع على السرائر يعلم خائنه الاعين وما تخفي الصدور والذي يفعل ذلك يكون معارضا لاحكام الله ومنافقا وعليه اللعنة والنقمة من الله غلام الغيوب واعلموا ايضا اني أقدر على اظهار ما في نفس كل أحد منكم لانني أعرف احوال الشخص وما انطوى عليه بمجرد ما اراه وان كنت لا اتكلم ولا انطق بالذي عنده ولكن يأتي وقت ويوم يظهر لكم بالمعاينة ان كل ما فعلته وحكمت به فهو حكم الهي لا يرد وان اجتهاد الانسان غاية جهده ما يمنعه عن قضاء الله الذي قدره وأجراه على يدي فطوبى للذين يسارعون في اتحادهم وهمتهم مع صفاء النية واخلاص السريرة والسلام
ورتبوا لارباب الديوان الديمومي شهرته تدفع اليهم نظير تقيدهم بمصالح العامة والدعاوى وما يترتب عليه النظام بينهم وبين المسلمين
وفي ثامن عشرة طافوا على الطواحين واختاروا من كل طاحون فرسا اخذوها
وفي رابع عشرينه حضر السيد المحروقي وكاتب البهار من السويس
وكان سارى عسكر ذهب الى ناحية بلبيس فأستأذونه في ذهابهم الى مصر فأذن لهم وأرسل معهم خمسين عسكريا ليوصلوهم الى مصر فلما حضروا حكوا أن أهل السويس لما بلغهم مجيء الفرنساوية هربوا وأخلوا البلدة فذهبوا الى الطور وذهب البعض الى العرب بالبادية فنهب الفرنسيس ما وجدوه بالبندر من البن والمتاجر والامتعة وغير ذلك وهدموا الدور وكسروا الاخشاب وخوابي الماء فلما حضر كبيرهم وكان متأخرا عنهم كلمه التجار الذاهبون معه وأعلموه أن هذا الفعل غير صالح فاسترد من العسكر بعض الذي أخذوه ووعدهم باسترجاع الباق أو دفع ثمنه بمصر وأن يكتبوا قائمة بالمنهوبات ثم انه وجد مركبان حضرا الى قريب من السويس بهما بن ومتاجر فغرقت احداهما فنزلت طائفة من الفرنسيس في مراكب صغار وذهبوا اليها في الغاطس وأخرجوها بآلات ركبوها واصطنعوها من علم جر الاثقال وفي مدة اقامته بالسويس صار يركب ويتأمل في النواحي وجهات ساحل البحر والبر ليلا ونهارا وكان معه من الادم في هذه السفرة ثلاثة طيور دجاج محمرة ملفوفة في ورق وليس معه طباخ ولا فراش ولا فرش ولا خيمة وكل شخص من عسكره معه رغيف كبير مرشوق في طرف خربته يتزود منه ويشرب من سقاء لطيف من صفيح معلق في عنقه
وفي يوم السبت حضر عدة من العسكر الفرنساوية من ناحية بلبيس ومعهم عدة من العربان نحو الثلاثين نفرا موثقون بالحبال وأسروا ايضا عدة من اولادهم ذكورا واناثا ودخلوا بهم الى مصر يزفونهم بالطبول أمامهم ومعهم ايضا ثلاثة حمول من حمول التجار وبعض جمال مما كان نهب منهم عند رجوعهم من الحج
وفي ليلة الاثنين غايته حضر سارى عسكر من ناحية بلبيس الى مصر ليلا وأحضر معه عدة عربان وعبد الرحمن أباظة أخو سليمان أباظة شيخ العيايدة وخلافه رهائن وضربوا أبو زعبل والمنير وأخذوا مواشيهم وحضروا بهم الى القاهرة وخلفهم اصحابهم رجالا ونساء وصغارا وفي
ذلك اليوم قتلوا شيخ العرب سليمان الشواربي شيخ قليوب ومعه ايضا ثلاثة رجال يقال لهم عرب الشرقية فأنزلوهم من القلعة الى الرميلة على يد الاغا وقطعوا رؤوسهم وحملوا جثة الشواربي مع رأسه في تابوت وأخذه اتباعه في بلده قليوب ليدفن هناك عند اسلافه وانقضى هذا الشهر وحوادثه الجزئية والكلية
منها ان في ليلة السابع والعشرين منه أتت جماعة الى دار الشيخ محمد ابن الجوهري الكائن بالازبكية بالقرب من باب الهواء فخلعوا الشباك المطل على البركة ودخلوا منه وصعدوا الى أعلى الدار وكان بها ثلاثة من النساء الخدامات وابنة خدامة ايضا وبواب الدار ولم يكن رب الدار بها ولا الحريم بل كانوا قد انتقلوا الى دار أخرى لما سكن معظم العسكر بالازبكية فاستيقظ النساء وصرخن فضربوهن وقتلوا منهن امرأة واختفت البنت في جهة وعاثوا في الدار وأخذوا متاعا ومصاغا ونزلوا واستيقظ البواب فأختفى خوفا منهم فلما طلع النهار وشاع الخبر وكان سارى عسكر غائبا فلم يقع كلام في شأن ذلك فلما قدم من سفره ركب مشايخ الديوان وأخبروه فاغتم لذلك وأظهر الغيظ وذم فاعل ذلك لما فيه من العار الذي يلحقه واهتم في الفحص عمن فعل ذلك وقتله
ومنها كثرة تعدي القلقات وتشديدهم على وقود القناديل بالازقة هم من أهل البلد واذا مروا بالليل ووجدوا قنديلا اطفاه الهواء وفرغ زيته سمروا الحانوت او الدار التي هو عليها ولا يقلعون المسمار حتى يصالحهم صاحبها على ما احبوه من الدراهم وربما تعمدوا كسر القناديل لاجل ذلك واتفق ان المطراطفا عدة قناديل بسوق أمير الجيوش بسبب كونها في ظروف من الورق والجرير فابتل الورق وسال الماء فأطفأ القنديل فسمروا حوانيت السوق واصبح اهلها صالحوا عليها ووقع مثل ذلك في طرق عديدة فجمعوا في ذلك اليوم جملة من الدراهم وامثال ذلك حتى في الازقة والعطف الغير النافذة حتى كان الناس ليس لهم شغل الا القناديل وتفقد حالها وخصوصا في ليل الشتاء الطويل
شهر شعبان المعظم سنة
استهل بيوم الثلاثاء فيه قتلوا ثلاثة انفار من الفرنسيس وبندقوا عليهم بالرصاص بالميدان تحت القلعة قيل انهم من المتسلقين على الدور
وفيه اخبر السفار بان مراد بك ومن معه ترفعوا الى قبلي ووصلوا الى عقبة الهواء وكلما قرب منهم عسكر الفرنساوية انتقلوا وقبلوا ولقد داخلهم من الفرنساوية خوف شديد ولم يقع بينهم ملاقاة ولا قتال
وفيه قدمت رباعة تحمل البن الذي حضر من السويس بالمركب الداو يصحبه جماعة من الفرنساوية لخفارتها من قطاع الطريق
وفي يوم الاحد سادسه نادى القبطان الفرنساوي الساكن بالمشهد الحسيني على أهل تلك الخطة وما جاورها بفتح الحوانيت والاسواق لاجل مولد الحسين وشد في ذلك ووعد من اغلق حانوته بتسميره وتغريمه عشرة ريال فراسنة مكافأة له على ذلك وكان السبب في ذلك والاصل فيه ان هذا المولد ابتدعه السيد بدوي بن فتيح مباشر وقف المشهد فكان قد اعتراه مرض الحب الافرنجي فنذر على نفسه هذا المولد أن شفاه الله تعالى فحصلت له بعض افاقة فابتدأ به وأوقد في المسجد والقبة قناديل وبعض شموع ورتب فقهاء يقرأون القرآن بالنهار مدارسة واخرين بالمسجد يقرأون بالليل دلائل الخيرات للجذولي ثم زاد الحال وانضم اليهم كثير من اهل البدع كجماعة العفيفي والسمان والعربي والعيسوية فمنهم من يتحلق ويذكر الجلالة ويحرفها وينشد له المنشدون القصائد والموالات ومنهم من يقول أبياتا من بردة المديح للبوصيري ويجاوبهم آخرون مقابلون لهم بصيغة صلاة على النبي صلى الله عليه و سلم وأما العيسوية فهم جماعة من المغاربة وما دخل فيهم من أهل الاهواء ينسبون الى شيخ من اهل المغرب يقال له سيدي محمد بن عيسى وطريقتهم انهم يجلسون قبالة بعضهم صفين ويقولون كلاما معوجا بلغتهم بنغم وطريقة مشوا عليها وبين أيديهم طبول ودفوف يضربون عليها على قدر النغم ضربا شديدا مع ارتفاع اصواتهم وتقف جماعة اخرى قبالة الذين يضربون بالدفوف فيضعون اكتافهم في اكتاف بعض لا يخرج واحد عن الآخر ويلتوون وينتصبون ويرتفعون وينخفضون ويضربون الارض بأرجلهم كل ذلك مع الحركة العنيفة والقوة الزائدة بحيث لا يقوم هذا المقام الا كل من عرف بالقوة وهذه الحركات والايقاعات على نمط الضرب بالدفوف فيقع بالمسجد دوى عظيم وضجات من هؤلاء ومن غيرهم من جماعة الفقراء كل احد له طريقة وكيفية تباين الاخرى هذا مع ما ينضم الى ذلك من جمع العوام وتحلقهم بالمسجد للحديث والهذيان وكثرة اللغط والحكايات والاضاحيك والتلفت الى حسبان الغلمان الذين يحضرون للتفرج والسعي خلفهم والافتتان بهم ورمى قشور اللب والمكسرات والمأكولات في المسجد وطواف الباعة بالمأكولات علىالناس فيه وسقاة الماء فيصير المسجد بما اجتمع فيه من هذه القاذورات والعفوش ملتحقا بالاسواق الممتهنة ولا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم ثم زاد الحال على ذلك بقدوم جماعة الاشاير من الحارات البعيدة والقريبة وبين أيديهم مناور القناديل والجوامع العظيمة التي تحملها الرجال والشموع والطبول والزمور ويتكلمون بكلام محرف يظنون انه ذكر وتوسلات يثابون عليها وينسبون من يلومهم او يعترضهم الى الاعتزال والخروج والزندقة وغالبهم السوقة وأهل الحرف السافلة ومن لا يملك قوت ليلته فتجد أحدهم يجتهد بقوة سعيه ويبيع متاعه او يستدين الجملة من الدراهم ويصرفها في وقود القناديل وأجرة الطبالة والزمارة وكل يجتمع عليه ما هو من أمثاله من الحرافيش ثم يقطع ليلته تلك سهرانا ويصبح دايخا كسلانا ويظن انه بات يتعبد ويذكر ويتهجد واستمر هذا المولد أكثر من عشر سنين ولم يزدد الناذر لذلك الا مرضا ومقتا واستجلب خدمة الضريح مالاح لهم من خساف العقول مثل الشمع والدراهم واتخذوا ذلك حبالة لاكل أموال الناس بالباطل فلما حصلت هذه الحادثة بمصر ترك هذا المولد في جملة المتروكات ثم حصلت الفتنة التي حصلت وسكن هذا الفرنساوي
في خط المشهد الحسيني لضبط تلك الجهة وفيه مسايرة ومداهنة فصار يظهر المحبة للمسلمين ويلاطفهم ويدخل بيوت الجيران ويقبل شفاعة المتشفعين ويجل الفقهاء ويعظمهم ويكرمهم وأبطل وقوف عسكره بالسلاح كعادتهم في غير هذه الجهة وكذلك منع ما يفعله القلقات من أنواع التشديد على الناس في مثل القناديل فأطمأن به أهل الخطة وتراجعوا للبكور الى الصلاة في المساجد بعد تخوفهم من العسكر الذي رتب معهم وتركهم التبكير فلما أنسوا به وعرفوا اخلاقه رجعوا لعادتهم ومشوا بالليل ايضا بدون فزع وخوف وترجمانه على مثل طريقته وهو رجل شريف من أهل حلب كان اسيرا بمالطة فاستخلصه الفرنسيس في جملة من استخلصوه من أسرىمالطة وقدم معهم مصر فلما أجلس هذا الضبط الخط كان ترجمانه يهوديا فأحتال بعض أعيان الجهة ورتب هذا الشريف المذكور ليكون فيه راحة للناس ففتح له قهوة بالخط بالقرب من دار مخدومه وجمع الناس للجلوس فيها والسهر حصة من الليل وامرهم بعدم غلق الحوانيت مقدارا من الليل كعادتهم القديمة فأستأنسوا بالاجتماعات والتسلي والخلاعات وعم ذلك جهات تلك الخطة ووافق ذلك هوى العامة لان أكثرهم مطبوع على المجون والخلاعة وتلك هي طبيعة الفرنساوية فصاروا يجتمعون عنده للسمر والحديث واللعب والممازحة ويحضر معهم ذلك الضابط ومعه زوجته وهي من اولاد البلد المخلوعين ايضا فانساق الحديث لذكر هذا المولد الشهري وما يقع في لياليه من الجمعيات والمهرجان وحسنوا له اعادته فوافقهم على ذلك وأمر بالمناداة وفتح الحوانيت ووقود القناديل وشدد في ذلك
وفي يوم الاربعاء كتبوا أوراقا بتطيير طيارة ببركة الازبكية مثل التي سبق ذكرها وفسدت فاجتمعت الناس لذلك وقت الظهر وطيروها وصعدت الى الاعلى ومرت الى أن وصلت تلال البرقية وسقطت ولو ساعدها الريح وغابت عن الاعين لتمت الحيلة وقالوا انها سافرت الى البلاد البعيدة بزعمهم
وفيه سافر الخواجة مجلون الى الصعيد واليا على جرجا لتحرير البلاد وقبض الاموال والغلال المتأخرة بالنواحي للعز
وفيه سافرت قافلة بها احمال كثيرة ومواش ونساء افرنجيات وصناديق قيل انهم ارسلوها الى الطور وصحبتهم عدة من العسكر
وفي يوم الخميس عاشره حضر طائفة من العسكر الفرنساوي الى وكالة ذي الفقار بالجمالية ففتحوا طبقة كانت لكتخدا علي باشا الطرابلسي وأخذوا ما وجدوه بها من الامتعة وختموا عدة حواصل وطباق بذلك الخان وبالوكالة الجديدة وغيرها للمسافرين والهاربين والقليونجية وضبطوا ما بها وقبضوا على جماعة من الاتراك والقليونجية التجار وسجنوهم بالقلعة وصاروا يفتشون على من بقى منهم بالقاهرة وبولاق خصوصا الكرتلية الذين كانوا عسكرا لمراد بك وأخذوا الكثير من نصارى الاروام والقليونجية الذين كانوا مع مراد بك وبعضهم كان بمصر فأدخلوهم في عسكرهم وزيوهم بزيهم وأعطوهم اسلحة وانتظموا في سلكهم
وفيه تواترت الاخبار ان علي باشا ونصوح باشا فارقا مراد بك وذهبا من خلف الجبل على الهجن الى جهة الشام وصحبتهم جماعة ابراهيم بك وكان ذهابهم في اواخر رجب
وفيه نادوا بأبطال القناديل التي توقد في الليل على البيوت والدكاكين وان يوقدوا عوضها في وسط السوق مجامع في كل مجمع اربع قناديل بين كل مجمع ثلاثون ذراعا ويقوم بذلك الاغنياء دون الفقراء ولا علاقة للقلقات في ذلك ففرح بذلك فقراء الناس وانفرجت عنهم هذه الكربة
وفيه نادوا ايضا ان كل من كان له دعوى شرعية او ظلامة فليذهب الى العلماء والقاضي
وفيه ذهب طائفة من العسكر وضربوا عرب الكوامل ورجعوا بمنهوباتهم من الغنم والمعز والدجاج والاوز والحمير وغير ذلك
وفيه حضر رجل من ناحية غزة يطلب امانا للست فاطمة زوجة مراد بك ولابنة المرحوم محمد افندي البكري وزوجها الامير ذي الفقار وخشداشينه
والخطاب للشيخ خليل البكري فعرض ذلك على ساري عسكر وترجى عنده فكتب له امان بحضورهم وارسل لهم نفقة وكان ذلك حيلة منهم لتأتيهم النفقة وبعض الاحتياجات واخبر ذلك الرسول ان عبد الله باشا ابن العظم بغزة وابراهيم بك ومن معه خارج البلد وهم في ضيق وحصر وحيز عنهم داخل البلد
وفيه ذهب عدة من العسكر الفرنساوية الى قطبا وشرعوا في بناء ابنية هناك واشيع سفر ساري عسكر الى جهة الشام والاغارة عليها
وفي ليل الاحد ثالث عشرة كان انتقال الشمس لبرج الدلو وهو اول شهر من شهورهم وعملوا تلك الليلة حراقة بارود وسواريخ كما هي عادتهم عند كل انتقال الشمس من برج الى برج
وفي يوم الاثنين رابع عشره نادى المحتسب على اللحم الضاني بسبعة انصاف الرطل وكان بثمانية واللحم الجاموسي بخمسة وكان بستة
وفيه ذهب طائفة من العسكر وضربوا عرب العيايدة نواحي الخانكة وقتلوا منهم طائفة ونهبوهم ووجدوا من منهوبات الناس وأمتعة عسكر الفرنساوية واسلحتهم جملة فأخذوا ذلك مع ما أخذوه وأحضروا معهم بعض رجال ونساء حبسوهم بالقلعة وفيه ذهب عدة من العسكر الى صنافير واجهور الورد وقرنفيل وكفر منصور وبلاد اخرى للتفتيش على العرب فأخذوا ما وجدوه للعرب من بهائم وغيرها والذي عصى عليهم ضربوه ونهبوه ايضا ونهبوا جمالا وبهائم ممن لم يعص ايضا ودخلوا بذلك المدينة فصاروا يبيعون البقرة بريالين وثلاثة والنعجة وابنها بريال فاشترى غالب ذلك نصارى القبط
وفي يوم السبت قتلوا بالقلعة نحو التسعين نفرا وغالبهم من المماليك الذين وجدوهم هاربين في البلاد والذين عس عليهم الخبيث الاغا وبرطلمين والقلقات ووجدوهم مختفين في البيوت
وفيه قبضوا على خمسة أنفار من اليهود وأمرأتين فألقوا الجميع في بحر النيل وفيه نادوا بان كل من اشترى شيئا من منهوبات العرب التي
نهبتها العسكر يحضره لبيت صارى عسكر
وفيه كثر الاهتمام والحركة بسفر الفرنسيس الى جهة الشام وطلبوا وهيؤا جملة من الهجن وأحضروا جمال عرب الترابين ليحملوا عليها الذخيرة والدقيق والعليق والبقسماط ثم رسموا على الاهالي عدة كبيرة من الحمير وكذلك عدة من البغال فطلب شيخ الحمارة وأمر بجمع ذلك وكذلك الركبداريه أمرهم بجمع البغال فاختفى غالب أصحاب الحمير وخاف الناس على حميرهم فأمتنع خروج السقائين الذين ينقلون الماء بالقرب على الحمير وسقائين الجمال والبراسمية فحصل للناس ضيق بسبب ذلك
وفي يوم الاثنين حادي عشرينه كتبوا أرواقا ولصقوها بالاسواق على العادة ونصها
الحمد لله وحده وهذا خطاب الى جميع اهل مصر من خاص وعام من محفل الديوان الخصوصي من عقلاء الانام علماء الاسلام والوجاقات والتجار الفخام نعلمكم معاشر اهل مصر ان حضرة ساري عسكر الكبير بونابارته أمير الجيوش الفرنساوية صفح الصفح الكلي عن كامل الناس والرعية بسبب ما حصل من أراذل أهل البلد والجعيدية من الفتنة والشر مع العساكر الفرنساوية وعفا عفوا شاملا وأعاد الديوان الخصوصي في بيت قائد اغا بالازبكية ورتبه من اربعة عشر شخصا اصحاب معرفة واتقان خرجوا بالقرعة من ستين رجلا كان انتخبهم بموجب فرمان وذلك لاجل قضايا حوايج الرعايا وحصول الراحة لاهل مصر من خاص وعام وتنظيمها على أكمل نظام واحكام كل ذلك من كمال عقله وحسن تدبيره ومزيد حبه بمصر وشفقته على سكانها من صغير القوم قبل كبيره رتبهم بالمنزل المذكور كل يوم لاجل خلاص المظلوم من الظالم وقد اقتص من عسكره الذين اساؤا بمنزل الشيخ محمد الجوهري وقتل منهم اثنين بقراميدان وأنزل طائفة منهم عن مقامهم العالي الى أدنى مقام لان الخيانة ليست من عادة الفرنسيس خصوصا مع النساء الارامل فان ذلك قبيح عندهم
لا يفعله الا كل خسيس ووضع القبض بالقلعة على رجل نصراني مكاس لانه بلغه انه زاد المظالم في الجمرك بمصر القديمة على الناس ففعل ذلك بحسن تدبيره ليمتنع غيره من الظلم ومراده رفع الظلم عن كامل الخلق ويفتح الخليج الموصل من بحر النيل الى بحر السويس لتخف اجرة الحمل من مصر الى قطر الحجاز الافخم وتحفظ البضائع من اللصوص وقطاع الطريق وتكثر عليهم أسباب التجارة من الهند واليمن وكل فج عميق فاشتغلوا بأمر دينكم واسباب دنياكم واتركوا الفتنة والشرور ولا تطيعوا شيطانكم وهواكم وعليكم بالرضا بقضاء الله وحسن الاستقامة لاجل خلاصكم من اسباب العطب والوقوع في الندامة رزقنا الله واياكم التوفيق والتسليم ومن كانت له حاجة فليأت الى الديوان بقلب سليم الا من كان له دعوى شرعية فليتوجه الى قاضي العسكر المتولي بمصر المحمية بخط السكرية والسلام عن أفضل الرسل على الدوام
وفيه أرسلوا الوالي لينبه على السقائين بنقل الماء وعدم التعرض لهم ولحميرهم
وفي ليلة الاربعاء ثالث عشرينه خرج عدة كبيرة من العسكر وطلب كبير الفرنساوية بونابارته ان يأخذ معه مصطفى بك كتخدا الباشا المتولي أمير الحاج ويأخذ ايضا قاضي العسكر بجمقشي زاده وأربعة أنفار من المتعممين وهم الفيومي والصاوي والعريشي والدواخلي وجماعة ايضا من التجار والوجاقلية ونصارى القبط والشوام
وفي سادس عشرينه نادوا للناس بالامان وفتح الاسواق ليلا في رمضان حكم المعتاد
وفيه انتقل قائمقام من بيته المطل على بركة الفيل وهو بيت ابراهيم بك الوالي وسكن بيت أيوب بك الكبير المطل على بركة الفيل وانتقلوا جميعهم الى بركة الازبكية
وفيه أعرض حسن أغا محرم المحتسب لسارى عسكر امر ركوبه المعتاد لاثبات هلال رمضان فرسم له بذلك على العادة القديمة فاحتفل لذلك
المحتسب احتفالا زائدا وعمل وليمة عظيمة في بيته أربعة ايام اولها السبت وآخرها الثلاثاء دعا في اول يوم العلماء والفقهاء والمشايخ والوجاقلية وغيرهم وفي ثاني التجار والاعيان وكذلك ثالث يوم ورابع يوم دعا ايضا أكابر الفرنساوية وأصاغرهم وركب يوم الثلاثاء بالابهة الكاملة زيادة عن العادة وامامه مشايخ الحرف بطبولهم وزمورهم وشق القاهرة على الرسم المعتاد ومر على قائمقام وامير الحاج وسارى عسكر بونابارته ثم رجع بعد الغروب الى بيت القاضي بين القصرين فانبتوا هلال رمضان ليلة الاربعاء ثم ركب من هناك بالموكب وامامه المشاغل الكثيرة والطبول والزمور والنقاقير والمناداة بالصوم وخلفه عدة خيالة عارية رؤسهم وشعورهم مرخية على أقفيتهم بشكل بشيع مهو ل وانقضى شهر شعبان وحوادثه
فمنها ان اهل مصر جروا على عادتهم في بدعهم التي كانوا عليها وانكمشوا عن بعضها واحتشموها خوفا من الفرنسيس فلما تدرجوا فيها وأطلق لهم الفرنساوية القيد ورخصوا لهم وسايروهم رجعوا اليها وانهمكوا في عمل مواليد الاضرحة التي يرون فرضيتها وانها قربة تنجيهم بزعمهم من المهالك وتقربهم الى الله زلفى في المسالك فرمحوا في غفلاتهم مع ماهم فيه من الاسر وكساد غالب البضائع وغلوها وانقطاع الاخبار ومنع الجالب ووقوف الانكليز في البحر وشدة حجزهم على الصادر والوارد حتى غلت اسعار جميع الاصناف المجلوبة من البحر الرومي وانقطع أثر كثير من رباب الصنائع التي كسدت لعدم طلابها واحتاجوا الى التكسب بالحرف الدنيئة كبيع الفطير وقلي السمك وطبخ الاطعمة والمأكولات والاكل في الدكاكين واحداث عدة قهاوى وأما ارباب الحرف الدنيئة الكاسدة فأكثرهم عمل حمارا مكاريا حتى صارت الازقة خصوصا جهات العسكر مزدحمة بالحمير التي تكرى للتردد في شوارع مصر فان للفرنسيس بذلك عناية عظيمة ومغالاة في الاجرة بحيث ان الكثير منهم يظل طول النهار فوق ظهر الحمار بدون حاجة سوى ان يجري
به مسرعا في الشارع وكذلك تجتمع الجماعة منهم ويركبون الحمير ويجهدونها في المشي والاسراع وهم يغنون ويضحكون ويصيحون ويتمسخرون ويشاركهم المكارية في ذلك كما ان لهم العناية وبذل الاموال والتردد الى حانات الراح والتغالي في شراء الفواكه والبوأطي والاقداح
ومن طبعهم في الشرب انهم يتعاطون لحد النشوة وترويح النفس فان زادوا عن ذلك الحد لا يخرجون من منازلهم ومن سكر وخرج الى السوق ووقع منه أمر مخل عاقبوه وعزروه
ومنها ترفع أسافل النصارى من القبط والشوام والاروام واليهود وركوبهم الخيول وتقلدهم بالسيوف بسبب خدمتهم للفرنسيس ومشيهم الخيلاء وتجاهرهم بفاحش القول واستذلالهم المسلمين كل ذلك بما كسبت ايديهم وما ربك بظلام للعبيد والحال الحال والمركوز في الطبع ما زال والبعض استهوته الشياطين ومرق والعياذ بالله من الدين ولا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم
ومنها تواتر الاخبار من ابتداء شهر رجب بان رجلا مغربيا يقال له الشيخ الكيلاني كان مجاورا بمكة والمدينة والطائف فلما وردت اخبار الفرنسيس الى الحجاز وانهم ملكوا الديار المصرية انزعج اهل الحجاز ويدعوهم الى الجهادويحرضهم على نصرة الحق والدين وقرأ بالحرم كتابا مؤلفا في معنى ذلك فاتعظ جملة من الناس وبذلوا اموالهم وانفسهم واجتمع نحو الستمائة من المجاهدين وركبوا البحر الى القصير مع ما انضم اليهم من أهل ينبع وخلافه فورد الخبر في اواخره انه انضم اليهم جملة من اهل الصعيد وبعض اتراك ومغاربة ممن كان خرج معهم مع غز مصر عند وقعة انبابة وركب الغز معهم ايضا وحاربوا الفرنسيس فلم تثبت الغز كعادتهم وانهزموا وتبعهم هوارة الصعيد والمتجمعة من القرى وثبت الحجازيون ثم انكفوا لقلتهم وذلك بناحية جرجا وهرب الغز والمماليك الى ناحية اسنا وصحبتهم حسن بك الجداوي
وعثمان بك حسن تابعه ووقع بين أهل الحجاز والفرنسيس بعض حروب غير هذه المرة بعدة مواضع وينفصل الفريقان بدون طائل
ومنها ان الفرنسيس عملوا كرنتيلة بجزيرة بولاق وبنوا هناك بناء فيحجزون بها القادمين من السفار اياما معدودة كل جهة من الجهات القبلية لذلك وضجوا بالحرم وجردوا الكعبة وان هذا الشيخ صار يعط الناس والبحرية بحسبها والله اعلم
ثم استهل شهر رمضان المعظم بيوم الاربعاء سنة 1213
وفيه أخذ بونابارته في الاهتمام بالسفر الى جهة الشام وجهزوا طلبا كثيرا وصاروا في كل يوم يخرج منهم طائفة بعد طائفة
وفي يوم السبت عمل ساري عسكر ديوانا واحضر المشايخ والوجاقات وتكلم معهم في أمر خروجه للسفر وانهم قتلوا المماليك الفارين بالصعيد واجلوا باقيهم الى اقصى الصعيد وانهم متوجهون الى الفرقة الاخرى بناحية غزة فيقطعونهم ويمهدون البلاد الشامية لاجل سلوك الطريق ومشى القوافل والتجارات برا وبحرا لعمار القطر وصلاح الاحوال واننا نغيب عنكم شهرا ثم نعود وعند عودنا نرتب النظام في البلد والشرائع وغير ذلك فعليكم ضبط البلد والرعية في مدة غيابنا ونبهوا مشايخ الاخطاط والحارات كل كبير يضبط طائفته خوفا من الفتن مع العسكر المقيمين بمصر فالتزموا له بذلك وكتبوا له اوراقا مطبوعة على العادة في معنى ذلك وألصقوها بالطرق وفي ذلك اليوم خرج القاضي ومصطفى كتخدا الباشا والمشايخ المعينون للسفر الى جهة العادلية وخرج ايضا عدة كبيرة من عسكرهم ومعهم احمال كثيرة حتى الاسرة والفرش والحصر وعدة مواهي ومحفات للنساء والجواري البيض والسود والحبوش اللاتي أخذوها من بيوت الامراء وتزيا اكثرهن بزي نسائهم الافرنجيات وغير ذلك
وفي يوم الاحد خامسه ركب ساري عسكر الفرنسيس وخرج ايضا الى العادلية وذلك في الساعة الرابعة بطالع الحمل وفيه القمر في تربيع
زحل وابقى بمصر عدة من العسكر بالقلعة والابراج التي بنوها على التلول وقائمقام وبوسليك وساري عسكر وبزة بجملة من العسكر في الصعيد وكذلك سوارى عسكر الاقاليم كل واحد معه عسكر في جهة من الجهات وأخذ معه المديرين واصحاب المشورة والمترجمين وأرباب الصنائع منهم كالحدادين والنجارين ومهندسي الحروب وكبيرهم أبو خشبة بمصر ثم تراسل المتخلفون في الخروج كل يوم تخرج منهم جماعة
وفي يوم الثلاثاء سابعه انتدب للنميمة ثلاث من النصارى الشوام وعرفوهم ان المسلمين قاصدون الوثوب على الفرنسيس في يوم الخميس تاسعه فأرسل قائمقام خلف المهدي والاغا فأحضرهما وذكر لهما ذلك فقالا له هذا كذب لا أصل له وانما هذه نميمة من النصارى كراهة منهم في المسلمين ففحص عمن اختلق ذلك فوجدهم ثلاثة من النصارى الشوام فقبضوا عليهم وسجنوهم بالقلعة حتى مضى يوم الخميس فلم يظهر صحة ما نقلوه فأبقاهم في الاعتقال ثم ان نصارى الشوام رجعوا الى عادتهم القديمة في لبس العمائم السود والزرق وتركوا لبس العمائم البيض والشيلان الكشميري الملونة والمشجرات وذلك بمنع الفرنسيس لهم من ذلك ونبهوا ايضا بالمنادة في أول رمضان بأن نصارى البلد يمشون على عادتهم مع المسلمين اولا ولا يتجاهرون بالاكل ولا يشربون الدخان ولا شيئا من ذلك بمرآى منهم كل ذلك للاستجلاب خواطر الرعية حتى ان بعض الرعية من الفقهاء مر على بعض النصارى وهو يشرب الدخان فانتهزه فرد عليه ردا شنيعا فنزل ذلك المتعمم وضرب النصراني واجتمع عليه الناس وحضر حاكم الخطة فرفعهما الى قائمقام فسأل من النصارى الحاضرين عن عادتهم في ذلك فأخبروه ان من عادتهم القديمة انه اذا استهل شهر رمضان لا يأكلون ولا يشربون في الاسواق ولا بمرأى من المسلمين ابدا فضرب النصراني وترك المتعمم لسبيله
وفي تاسع عشرينه أحضروا مراد أغا تابع سليمان بك الاغا ومعه آخر من الاجناد من ناحية قبلي فأصعدوهما القلعة قبل قتلهما
وفي خامس عشرينه ورد الخبر بان الفرنساويه ملكوا قلعة العريش وطاف رجل من اتباع الشرطة ينادي في الاسواق ان الفرنساوية ملكوا قلعة العريش وأسروا عدة من المماليك وفي غد يعملون شنكا ويضربون مدافع فاذا سمعتم ذلك فلا تفزعوا فلما اصبح يوم الاحد حضر المماليك المذكورة وهم ثمانية عشر مملوكا وأربعة من الكشاف وهم راكبون الحمير ومتقلدون بأسلحتهم ومعهم نحو المائة من عسكر الفرنسيس وأمامهم طبلهم وخرج بعض الناس فشاهدهم ولما وصلوا الى خارج القاهرة حيث الجامع الظاهري خرج الاغا وبرطلمين بطوافيهما ينتظرانهم ومعهم طبول وبيارق وطوائف ومشوا معهم الى الازبكية من الطريق التي أحدثوها ودخلوا بهم الى بيت قائمقام فأخذوا سلاحهم وأطلقوهم فذهبوا الى بيوتهم وفيهم أحمد كاشف تابع عثمان بن الاشقر وآخر يقال له حسن كاشف الدويدار وكاشفان اخران وهما يوسف كاشف الرومي واسمعيل كاشف تابع احمد كاشف المذكور وكان من خبرهم انهم كانوا مقيمين بقلعة العريش وصحبتهم نحو الف عسكري مغاربة وأرنؤد فحضر لهم الفرنسيس الذين كانوا في المقدمة في أواخر شعبان فأحاطوا بالقلعة وحاربوهم من داخلها ونالوا منهم ما نالوه ثم حضر اليهم سارى عسكر بجموعه بعد ايام والحوا في حصارهم فارسل من بالعريش الى غزة فطلب نجدة فأرسلوا لهم نحو السبعمائة وعليهم قاسم بك امين البحرين فلم يتمكنوا من الوصول الى القلعة لتحلق الفرنساوية بها وأحاطتهم حولها فنزلوا قريبا من القلعة فكبستهم عسكر الفرنسيس بالليل فأستشهد قاسم بك وغيره وانهزم الباقون ولم يزل أهل القلعة يحاربون ويقاتلون حتى فرغ ما عندهم من البارود والذخيرة فطلبوا عند ذلك الامان فأمنوهم ومن القلعة انزلوهم وذلك بعد أربعة عشر يوما فلما نزلوا على أمانهم ارسلوهم الى مصر مع الوصية بهم وتخلية سبيلهم فحضروا الى مصر كما ذكر واخذوا سلاحهم وخلوا سبيلهم وصاروا يترددون عليهم ويعظمونهم ويلاطفونهم ويفرجونهم على صنائعهم
وأحوالهم وأما العسكر الذين كانوا معهم بقلعة العريش فبعضهم انضاف اليهم وأعطوهم جامكية وعلوفة وجعلوهم بالقلعة مع عسكر من الفرنسيس والبعض لم يرض بذلك فأخذوا سلاحهم وأطلقوهم الى حال سبيلهم وذهب الفرنسيس الى ناحية غزة وفي ذلك اليوم بعد الظهرعملوا الشنك الموعود به وضربوا عدة مدافع بالقلعة والازبكية وأظهر النصارى الفرح والسرور بالاسواق والدور واولموا في بيوتهم الولائم وغيروا الملابس والعمائم وتجمعوا للهو والخلاعة وزادوا في القبح والشناعة
وفي يوم الاربعاء تدفي احمد كاشف المذكور فجأة وفي عصر ذلك اليم حضر جماعة من الفرنسيس نحو الخمسة والعشرين وهم راكبون الهجن وعلى رؤوسهم عمائم بيض ولابسون برانس بيضا على اكتافهم فذهبوا الى بيت قائمقام بالازبكية فلما اصبح يوم الخميس عملوا الديوان وقرأوا المكاتبة التي حضرت مع الهجانة حاصلها ان الفرنسيس اخذوا غزة وخان يونس وأخبار مختلفة
منها انهم وجدوا ابراهيم بك ومن معه ارتحلوا من هناك وكانوا أرسلوا حريمهم واثقالهم الى جبل نابلس وقيل بل تحاربوا معهم وانهزموا وفي ذلك اليوم بعد العصر بنحو عشرين درجة حضر عدة من الفرنسيس ومعهم كبير منهم وهم راكبون الخيول وعدة من المشاة وفيهم جماعة لابسون عمائم بيضا وجماعة ايضا ببرانيط ومعهم نفير ينفخ فيه وبيدهم بيارق وهي التي كانت عند المسلمين على قلعة العريش الى أن وصلوا الى الجامع الأزهر فأصطفوا رجالا وركبانا بباب الجامع وطلبوا لشيخ الشرقاوي فسلموه تلك البيارق وأمروه برفعها ونصبها على منارات الجامع الازهر فنصبوا بيريقين ملونين علىالمنارة الكبيرة ذات الهلالين عند كل هلال بيرقين وعلى منارة اخرى بيرقا ثالثا وعند دفعهم ذلك ضربوا عدة مدافع من القلعة بهجة وسرورا وكان ذلك ليلة عيد الفطر فلما كان عند الغروب ضربوا عدة مدافع ايضا اعلاما بالعيد وبعد العشاء الاخير طاف اصحاب الشرطة ونادوا بالامان وبخروج الناس
على عادتهم لزيارة القبور بالقرافتين والاجتماع لصلاة العيد وان يلبسوا احسن ثيابهم ولما ملكوا العريش كتبوا اوراقا وأرسلوها الى البلاد ونصها فرمان عام موجه من امير الجيوش الى اهالي الشام قاطبة
بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين من طرف بونابارته امير الجيوش الفرنساوية الى حضرة المفتين والعلماء وكافة اهالي نواحي غزة والرملة ويافا حفظهم الله تعالى بعد السلام نعرفكم اننا حررنا لكم هذه السطور نعلمكم اننا حضرنا في هذا الطرف لقصد طرد المماليك وعسكر الجزار عنكم والى أي سبب حضور عسكر الجزار وتعديه على بلاد يافا وغزة التي ما كانت من حكمه والى أي سبب ايضا ارسل عساكره الى قلعة العريش بذلك هجم على اراضي مصر فلا شك كان مراده اجراء الحروب معنا ونحن حضرنا لنحاربه فاما انتم يا أهالي الاطراف المشار اليها فلم نقصد لكم أذية ولا أدنى ضرر فأنتم استمروا في محلكم ووطنكم مطمئنين ومرتاحين وأخبروا من كان خارجا عن محله ووطنه أن يرجع ويقيم في محله ووطنه ومن قبلنا عليكم ثم عليهم الامان الكافي والحماية التامة ولا أحد يتعرض لكم في مالكم وما تملكه يدكم وقصدنا ان القضاة يلازمون خدمهم ووظائفهم على ما كانوا عليه وعلى الخصوص ان دين الاسلام لم يزل معتزا ومعتبرا والجوامع عامرة بالصلاة وزيارة المؤمنين اذ كل خير يأتي من الله تعالى وهو يعطي النصر لمن يشاء ولا يخفاكم ان جميع ما تأمر به الناس ضدنا فيغدو باطلا ولا نفع لهم به لان كل ما نضع به يدنا لا بد من تمامه بالخير والذي يتظاهر بالغدر يهلك ومن كل ما حصل تفهمون جيدا اننا نقمع أعداءنا ونعضد من يحبنا وعلى الخصوص من كوننا متصفين بالرحمة والشفقة على الفقراء والمساكين
ولما أخذوا غزة أرسلوا طومارا بصورة الواقعة وبصموه نسخا وقرىء بالديوان وألصقوا نسخة المطبوعة بالاسواق وصورته
بسم الله الرحمن الرحيم ولا عدوان الا على الظالمين نخبر اهل مصر وأقاليمها انه حضر فرمان مكتوب من غزة من حضرة الجنرال اسكندر
برتبه خطابا الى حضرة سارى عسكر دوجا وكيل الجيوش بمصر يخبره فيه بان العساكر الفرنساوية باتوا ليلة تسعة عشر شهر رمضان في خان يونس وفي فجر تلك الليلة توجهوا سائرين الى ناحية غزة فكشفوا قبل الظهر بساعة عسكر المماليك وعسكر الجزار جالسين تجاه غزة فتوجه اليهم الجنرال مرارا مع عساكر الفرنساوية من خيالة ومشاة مراده اغتيال عسكر المماليك وعسكر الجزار فلما انتبهوا له فروا هاربين ووقع بينه وبين أطراف العساكر بعض مضاربة يسيرة لم ينجرح فيها الا شخصان من الفرنساوية مات عسكري واحد ومات من عسكر المماليك والجزار ناس قلائل وحين تشاغل سارى عسكر مراد بالمضاربة والمقاتلة دخل حضرة سارى عسكر كلهبر الذي كان حاكما بالاسكندرية وكان ساكنا بالازبكية الى بندر غزة وملكها من غير معارض له ووجدوا فيها حواصل مشحونة بالذخائر من بقسماط وشعير وأربعمائة قنطار بارود واثني عشر مدفعا وحاصلا كبيرا مملوا بالخيام الكثيرة وجللا وبنبات مهيئآت محضرات كصنعة الافرنج هذا ما وقع لملكهم لغزة وقد اخبرناكم على ما وقع في كيفية ملك العريش سابقا فاستقيموا عباد الله وارضوا بقضاء اله وتأدبوا في احكام مولاكم الذي خلقكم وسواكم والسلام ختام
وانقضى شهر رمضان ووقع به قبل ورود هذه الاخبار من السكون والطمأنينة وخلوا الطرقات من العسكر وعدم مرور المتخلفين منهم الا في النادر واختفائهم بالليل جملة كافية وانفتاح الاسواق والدكاكين والذهاب والمجيء وزيارة الاخوان ليلا والمشي على العادة بالفوانيس ودونها واجتماع الناس للسهر في الدور والقهاوي ووقود المساجد صلاة التراويح وطواف المسحرين والسلي بالرواية والنقول وترجي المأمول وانحلال الاسعار فيما عدا المجلوبات من الاقطار
ومنها ان الفرنساوية صاروا يدعون أعيان الناس والمشايخ والتجار للافطار والسحور ويعملون لهم الولائم ويقدمون لهم الموائد على نظام
المسلمين وعادتهم وبتولي أمر ذلك الطباخون والفراشون من المسلمين تطمينا لخواطرهم ويذهبون هم ايضا ويحضرون عندهم الموائد وياكلون معهم في وقت الافطار ويشاهدون ترتيبهم ونظامهم ويحذون حذوهم ووقع منهم من المسايرة للناس وخفض الجانب ما يتعجب منه والله اعمل
شهر شوال سنة
استهل بيوم الجمعة وفي صبح ذلك اليوم ضربوا عدة مدافع لشنك العيد واجتمع الناس لصلاة العيد في المساجد والازهر واتفق ان امام الجامع الازهر نسي قراءة الفاتحة في الركعة الثانية فلما سلم اعاد الصلاة بعد ما شنع عليه الجماعة وخرج الرجال والنساء لزيارة القبور فانتبذ بعض الحرافيش نواحي تربة باب النصر وأسرع في مشيه وهو يقول نزلت عليكم العرب يا ناس فهاجت الناس وانزعجت النساء ورمحت الجعيدية والحرافيش وخطفوا ثياب النساء وأزرهن وما صادفوه من عمائم الرجال وغير ذلك واتصل ذلك بتربة المجاورين وباب الوزير والقرافة حتى ان بعض النساء مات تحت الارجل ولم يكن لهذا الكلام صحة وانما ذلك من مخترعا الاوباش لينالوا اغراضهم من الخطف بذلك
وفيه ركب أكابر الفرنسيس وطافوا على أعيان البلد وهنوهم بالعيد وجاملهم الناس بالمدارة ايضا
وفي اوائله وردت الاخبار بان الامراء المصرية القبليين تفرقوا من بعضهم فذهب مراد بك وآخرون الى نواحي إبراهيم بك ومنهم من ذهب الى ناحية اسوان والالفي عدي بجماعته الى البر الشرقي
وفي خامسه قدم الشيخ محمد الدواخلي من ناحية القرين متمرضا وكان بصحبته الصاوي والفيومي متخلفين بالقرين وسبب تخلفهم ان كبير الفرنسيس لما ارتحل من الصالحية أرسل الى كتخدا الباشا والقاضي والجماعة الذين بصحبتهم يأمرهم بالحضور الى الصالحية لانهم كانوا يباعدون عنه مرحلة فلما ارادوا ذلك بلغهم وقوف العرب بالطريق فخافوا من المرور فذهبوا الى العرين فأقاموا هناك واتخذ عسكر الفرنسيس جمالهم فأقاموا بمكانهم فتقلق هؤلاء الثلاثة وخافوا سوء العاقبة ففارقوهم وذهبوا للقرين وتخلف عنهم الفيومي فأقام مع كتخدا الباشا والقاضي فحصل للدواخلي توعك فحضر الى مصر وبقي رفيقاه في حيرة
وفي سابعه احضر الاغا رجلا ورمى عنقه عند باب زويلة وشنق امرأة علىشباك السبيل تجاه الباب والسبب في ذلك ان الفرنساوي حاكم خط الخليفة وجهة الركيبة ويسى دلوى احضر باعة الغلال بالرميلة وصادرهم ومنعهم من دفع معتاد الوالي فاجتمعوا وذهبوا الى كبير الفرنسيس الذي يقال له شيخ البلد وشكوا اليه وكان الامير ذو الفقار حاضرا وهو يسكن تلك الجهة فعضدهم وعرف شيخ البلد عن شكواهم فأرسل شيخ البلد الى دلوى فأنتهره وأمره برد ما أخذه فأخبره اتباعه ان ذا الفقار هو الذي عضدهم وأنهى شكواهم الى كبيرهم فقام دلوى المذكور ودخل على ذي الفقار في بيته وسبه وشتمه بلغته وفزع عليه ليضربه فلما خرج من عنده قام ودهب الى كبيرهم واخبره بفعل دلوى معه فأمر باحضاره وحبسه بالقلعة ثم أخبر بعض الناس شيخ البلد ان العرض الذي وقع من دلوى لباعة الغلة انما هو باغراء خادمة وعرفه ان خادمه المذكور مولع بأمرأة رقاصة من الرميلة تأتيه باشكالها هو واضرابه وترقص لهم تلك المرأة في القهوة التي بخطهم ليلا ونهارا وتبيت معهم في البيت ويصبحون على حالهم فلما حبس أميرهم اختفوا فدلوا على الرجل والمرأة فقبضوا عليهما وفعلوا بهما ما ذكر ولا بأس بما حصل
وفي ثامنه يوم الجمعة نودى في الاسواق بموكب كسوة الكعبة المشرفة من قراميدان والتنبيه باجتماع الوجاقات وأرباب الاشاير وخلافهم على العادة في عمل الموكب فلما أصبح يوم السبت اجتمع الناس في الاسواق وطريق المرور وجلسوا للفرجة فمروا بذلك وامامها الوالي المحتسب وعليهم القفاطين والبينشات وجميع الاشاير بطبولهم وزمورهم وكاساتهم ثم برطلمين كتخدا مستحفظان وامامه نفر الينكجرية من المسلمين نحو المائتين او اكثر وعدة كثيرة من نصارى الاروام بالاسلحة والملازمين
بالبراقع وهو لابس فروة عظيمة ثم مواكب القلقات ثم موكب ناظر الكسوة وهو تابع مصطفى كتخدا الباشا وخلفه النوبة التركية فكانت هذه الركبة من أغرب المواكب واعجب العجائب لما اشتملت عليه من اختلاف الاشكال وتنوع الامثال واجتماع الملل وارتفاع السفل وكثرة الحشرات وعجائب المخلوقات واجتماع الاضداد ومخالفة الوضع المعتاد وكان نسيج الكسوة بدار مصطفى كتخدا المذكور وهو على خلاف العادة من نسجها بالقلعة
وفي يوم الاربعا ثالث عشرة حضر عدة من الفرنسيس وهم راكبون الهجن ومعهم عدة بيارق وأعلام بعد المهر وأخبروا ان الفرنسيس ملكوا قلعة يافا وبيدهم مكاتبة من سارى عسكرهم بالاخبار عما وقع فلما كان يوم الخميس واجتمع أرباب الديوان فقرأ عليهم تلك المراسلة بعد تعريبها وترصيفها علىهذه الكيفية وهي عن لسان رؤساء الديوان الى الكافة وذلك بالزامهم وأمرهم بذلك
وصورتها بسم الله الرحمن الرحيم سبحان مالك الملك يفعل في ملكه ما يريد سبحان الحكم العدل الفاعل المختار ذي البطش الشديد هذه صورة تمليك الله سبحانه وتعالى جمهور الفرنساوية لبندر يافا من الاقطار الشامية نعرف أهل مصر واقاليمها من سائر البرية ان العساكر الفرنساوية انتقلوا من غزة ثالث عشرين رمضان ووصلوا الى الرملة في الخامس والعشرين منه في أمن واطمئنان فشاهدوا عسكر احمد باشا الجزار هاربين بسرعة قائلين الفرار الفرار ثم ان الفرنساوية وجدوا في الرملة ومدينة لد مقدار كبير من مخازن البقسماط والشعير ورأوا فيها ألفا وخمسمائة قربة مجهزة جهزها الجزار يسير بها الى اقليم مصر مسكن الفقراء والمساكين ومراده ان يتوجه اليها باشرار العربان من سطح الجبل ولكن تقادير الله تفسد المكر والحيل قاصدا سفك دماء الناس مثل عوائده الشامية وتجبره وظلمه مشهور لانه تربية المماليك الظلمة المصرية ولم يعلم من خسافة عقله وسوء تدبيره ان الامر لله كل شيء
بقضائه وتدبيره وفي سادس عشرين شهر رمضان وصلت مقدمات الفرنساوية الى بندر يافا من الاراضي الشامية واحاطوا بها وحاصروها من الجهة الشرقية والغربية وأرسلوا الى حاكمها وتحيل الجزار أن يسلمهم القلعة قبل أن يحل به ويعسكره الدمار فمن خسافة رأيه وسوء تدبيره سعى في هلاكه وتدميره ولم يرد لهم جواب وخالف قانون الحرب والصواب
وفي أواخر ذلك اليوم السادس والعشرين تكاملت العساكر الفرنساوية على محاصرة يافا وصاروا كلهم مجتمعين وانقسموا على ثلاثة طوابير الطابور الاول توجه على طريق عكا بعيدا عن يافا ربع ساعات وفي السابع والعشرين من الشهر المذكور أمر حضرة ساري عسكر الكبير بحفر خنادق حول السور لاجل ان يعملوا متاريس أمينة وحصارات متقنة حصينه لانه وجد سور يافا ملآنا بالمدافع الكثيرة ومشحونة بعسكر الجزار الغزيرة
وفي تاسع عشرين الشهر لما قرب حفر الخندق الى السور مقدار مائة وخمسين خطوة امر حضرة سارى عسكر المشار اليه ان ينصب المدافع على المتاريس وان يضعوا اهوان القنبر باحكام وتأسيس وامر بنصب مدافع اخر بجانب البحر لمنع الخارجين اليهم من مراكب المينا لانه وجد في المينا بعض مراكب اعدها عسكر الجزار للهروب ولا ينفع الهروب من القدر المكتوب ولما رأت عساكر الجزار الكائنون بالقلعة المحاصرون ان عسكر الفرنساوية قلائل في رأى العين للناظرين لمداراة الفرنساوية في الخنادق وخلف المتاريس غرهم الطمع فخرجوا لهم من القلعة مسرعين مهرولين وظنوا انهم يغلبون الفرنساوية فهجم عليهم الفرنسيس وقتلوا منهم جملة كثيرة في تلك الواقعة والجؤهم للدخول ثانيا في القلعة
وفي يوم الخميس غاية شهر رمضان حصل عند سارى عسكر شفقة قلبية وخاف على اهل يافا من عسكره اذا دخلوا بالقهر والاكراه فأرسل اليهم مكتوبا من رسول مضمونه لا اله الا الله وحده لا شريك له
بسم الله الرحمن الرحيم من حضرة ساري عسكر اسكندر برتية كتخدا العسكر الفرنساوي الىحضرة حاكم يافا نخبركم ان حضرة ساري عسكر الكبير بونابارته امرنا ان نعرفك في هذا الكتاب أن سبب حضوره الى هذا الطرف اخراج عسكر الجزار فقط من هذه البلدة لانه تعدى بارسال عسكره الى العريش ومرابطته فيها والحال انها من اقليم مصر التي أنعم الله بها علينا فلا يناسبه الاقامة بالعريش لانها ليس من أرضه فقد تعدى على ملك غيره ونعرفكم يا أهل يافا ان بندركم حاصرناه من جميع اطرافه وجهاته وربطناه بأنواع الحرب وآلات المدافع الكثيرة والجلل والقنابر وفي مقدرا ساعتين ينقلب سوركم وتبطل آلاتكم وحروبكم ونخبكرم أن حضرة ساري عسكر المشار اليه لمزيد رحمته وشفقته خصوصا بالضعفاء من الرعية خاف عليكم من سطوة عسكره المحاربين اذا دخلوا عليكم بالقهر اهلكوكم اجمعين فلزمنا أننا نرسل لكم هذا الخطاب أمانا كافيا لأهل البلد والاغراب ولاجل ذلك اخر ضرب المدافع والقنابر الصاعدة عنكم ساعة فلكية واحدة واني لكم لمن الناصحين وهذا آخر جواب الكتاب فجعلوا جوابنا حبس الرسول مخالفين للقوانين الحربية والشريعة المطهرة المحمدية وحالا في الوقت والساعة هيج سارى عسكر واشتد غضبه على الجماعة وأمر بابتداء ضرب المدافع والقنابر الموجب للتدمير وبعد مضي زمان يسير تعطلت مدافع يافا المقابلة لمدافع المتاريس وانقلب عسكر الجزار في وبال وتنكيس وفي وقت الظهر من هذا اليوم انخرق سور يافا وارتج له القوم ونقب من الجهة التي ضرب فيها المدافع من شدة النار ولا راد لقضاء الله ولا مدافع وفي الحال أمر حضرة ساري عسكر بالهجوم عليهم وفي أقل من ساعة ملكت الفرنساوية جميع البندر والابراج ودار السيف في المحاربين واشتد بحر الحرب وهاج وحصل النهب فيها تلك الليلة
وفي يوم الجمعة غرة شوال وقع الصفح الجميل من حضر ساري عسكر الكبير ورق قلبه على أهل مصر من غني وفقير الذين كانوا في يافا وأعطاهم
الامان وأمرهم برجوعهم الى بلدهم مكرمين وكذلك امر اهل دمشق وحلب برجوعهم الى أوطانهم سالمين لاجل أن يعرفوا مقدار شفقته ومزيد رأفته ورحمته يعفو عند المقدرة ويصفح وقت المعذرة مع تمكينه ومزيد اتقانه وتحصينه في هذه الواقعة قتل اكثر من اربعة الاف من عسكر الجزار بالسيف والبندق لما وقع منهم من الانحراف وأما الفرنساوية فلم يقتل منهم الا القليل والمجروحون منهم ليسوا بكثير وسبب ذلك سلوكهم الى القلعة من طريق امينة خافية عن العيون وأخذوا ذخائر كثيرة وأموالا غزيرة واخذوا المراكب التي في المينة واكتسبوا امتعة غالية ثمينة ووجدوا في القلعة اكثر من ثمانين مدفع ولم يعلموا مع مقادير الله ان آلات الحرب لا تنفع فاستقيموا عباد الله وارضوا بقضاء الله ولا تعترضوا على احكام الله وعليكم بتقوى الله واعلمو ان المك لله يؤتيه من يشاء والسلام عليكم ورحمة الله
فلما تحقق الناس هذا الخبر تعجبوا وكانوا يظنون بل يتيقنون استحالة ذلك خصوصا في المدة القليلة ولكن المقضي كائن
وفي يوم الجمعة خامس عشرة شق جماعة من اتباع الشرطة في الاسواق والحمامات والقهاوي ونبهوا على الناس بترك الفضول والكلام واللغط في حق الفرنسيس ويقولون لهم من كان يؤمن بالله ورسوله واليوم الآخر فلينته ويترك الكلام في ذلك فان ذلك مما يهيج العداوة وعرفوهم انه ان بلغ الحاكم من المتجسسين عن أحد تكلم في ذلك عوقب أو قتل فلم ينتهوا وربما قبض على البعض وعاقبوه بالضرب والتغريم
وفي ذلك اليوم كان التحويل الربيعي وانتقال الشمس لبرج الحمل وهو اول شهر من شهورهم فعملوا ليلة السبت شنكا وحراقة وسواريخ وتجمعوا بدار الخلاعة نساء ورجالا وتراقصوا وتسابقوا وأوقدوا سراجا وشموعا وغير ذلك وأظهر الاقباط والشوام مزيد الفرح والسرور
وفي يوم السبت المذكور ارسلوا الاعلام والبيارق التي أحضروها من قلعة يافا وعدتها ثلاثة عشر وفيها من له طلائع فضة كبار الى الجامع
الازهر وكانوا انزلوا اعلام قلعة العريش قبل ذلك بيوم من أعلى المنارات وأرسلوا بدلها اعلام يافا وعملوا لها موكبا بطائفة من العسكر بقدمهم طبلهم وخلفهم الاغا بجماعته وطائفته والمحتسب ومدبروا الديوان وخلفهم طبل آخر يضربون عليه بأزعاج شديد وخلف ذلك الطبل جماعة من العسكر يحملون البنادق على اكتافهم كالطائفة الاولى وبعدهم عدة من العسكر على رؤوسهم عمائم بيض يحملون تلك الاعلام الكبار والبيارق المذكورة وخلفهم جماعة خيالة من كبار العسكر وآخرون راكبون على حمير المكارية فلما وصلوا الى باب الجامع الازهر رتبوا تلك الاعلام وضعوها على أعلى الباب الكبير فوق المكتب منشورة وبعضها على الباب الاخر من الجهة الاخرى عند حارة كتامة المعروفة الان بالعينية ولم يصعدوا منها عل المنارات كما صنعوا في اعلام العريش
وفي يوم الاحد سابع عشره رتبوا أوامر وكتبوها في أوراق مبصومة والصقوها بالاسواق أحداها بسبب مرض الطاعون واخرى بسبب الضيوف الاغراب ومضمون الاولى بتقاسيمه ومقالاته خطابا لاهل مصر وبلاق ومصر القديمة ونواحيها انكم تمتثلون هذه الاوامر وتحافظون عليها ولا تخالفوها وكل من خالفها وقع له مزيد من الانتقام والعقاب الاليم والقصاص العظيم وهي المحافظة من تشويش الكبة وكل من تيقنتم أو ظننتم او توهمتم او شككتم فيه ذلك في محل من المحلات أو بيت أو وكالة أو ربع يلزمهم ويتحتم عليكم ان تعملوا كرنتيلة ويجب قفل ذلك المكان ويلزم شيخ الحارة او السوق الذي فيه ذلك ان يخبر حالا قلق الفرنساوية حاكم ذلك الخط القلق يخبر شيخ البلد قائمقام مصر وأقاليمها ويكون ذلك فورا وكذلك كل ملة من سكان مصر وأقاليمها وجوانبها والاطباء اذا تحققوا وعلموا حصول ذلك المرض يتوجه كل طبيب الى قائمقام ويخبره ليأمر بما هو مناسب للصيانة والحفظ من التشويش وكل من كان عنده خبر من كبار الاخطاط او مشايخ الحارات وقلقات الجهات ولم يخبر بهذا المرض يعاقب بما يراه قائمقام ويجازى
مشايخ الحارات بمائة كرباج جزاء للتقصير وملزوم ايضا من اصابه هذا التشويش او حصل في بيته لغيره من عائلته او عشيرته وانتقل من بيته الى آخر ان يكون قصاصة الموت وهو الجاني على نفسه بسبب انتقاله وكل رئيس ملة في خط اذا لم يخبر بالكبة الواقعة في خطه او بمن مات بها ايضا حالا فوريا كان عقاب ذلك الرئيس وقصاصة الموت والمغسل ان كان رجلا او امرأة اذا رأى الميت انه مات بالكبة اوشك في موته ولم يخبر قبل مضي اربع وعشرين ساعة كان جزاؤه وقصاصةالموت وهذه الاوامر الضرورية بلزوم اغات الينكجرية وحكام البلد الفرنساوية والاسلامية تنبيه الرعية واستيقاظهم لها فانها امور مخفية وكل من خالف حصل له مزيد من الانتقام من قائمقام وعلى القلقات البحث والتفتيش عن هذه العلة الردية لاجل الصيانة والحفظ لاهل البلد والحذر من المخالفة والسلام
ومضمون الثانية الخطاب السابق من سارى عسكر دوجا الوكيل وحاكم البلد دسني قائمقام يلزم المدبرين بالديوان انهم يشهرون الاوامر وينتبهوا لها وكل من خالف يحصل له مزيد الانتقام وهو انه يتحتم ويلزم صاحب كل خمارة او وكالة او بيت الذي يدخل في محله ضيف او مسافر أو قادم من بلدة او اقليم ان يعرف عنه حالا حاكم البلد ولا يتأخر عن الاخبار الا مدة اربعة وعشرين ساعة يعرفه عن مكانه الذي قدم منه وعن سبب قدومه وعن مدة سفره ومن أي طائفة او ضيفا او تاجرا أو زائرا أو غريما مخاصما لا بد لصاحب المكان من ايضاح البيان والحذر ثم الحذر من التلبيس والخيانة واذا لم يقع تعريف عن كامل ما ذكر في شأن القادم بعد الاربعة وعشرين ساعة باظهار اسمه وبلده وسبب قدومه يكون صاحب المكان متعديا ومذنبا وموالسا مع المماليك
ونخبركم معاشر الرعايا وأرباب الخمامير والوكائل ان تكونوا ملزومين بغرامة عشرين ريالا فرانسة في المرة الاولى وأما في المرة الثانية فان الغرامة تضاعف ثلاث مرات ونخبركم ان الامر بهذه الاحكام مشترك
بينكم وبين الفرنسيس الفاتحين للخمامير والبيوت والوكائل والسلام
وفيه اجتمعوا الديوان وتفاوضوا في شأن مصطفى بك كتخدا الباشا المولى امير الحاج وهو انه لما ارتحل مع سارى عسكر وصحبته القاضي والمشايخ الذين عينوا للسفر والوجاقلية والتجار وافترق منهم عند بلبيس وتقدم هو الى الصالحية ثم انهم انتقلوا الى العرين فحضر جماعة من العساكر المسافرين فاحتاجوا الى الجمال فأخذوا جمالهم فلما واصل سارى عسكر الى وطنه أرسل يستدعيهم الى الحضور فلم يجدوا ما يحملون عليه متاعهم وبلغهم أن الطريق مخيفة من العرب فلم يمكنهم اللحاق به فأقاموا بالعرين بالعين المهملة عدة أيام وأهمل أمرهم سارى عسكر ثم ان الشيخ الصاوي والعريشي والدواخلي وآخرين خافوا عاقبة الامر ففارقوهم وذهبوا الى القرين بالقاف وحصل للدواخلي توعك وتشويش فحضر الى مصر كما تقدم ذكر ذلك وانتقل مصطفى بك المذكور والقاضي وصحبتهم الشيخ الفيومي وآخرون من التجار والوجاقلية الى كفور نجم وأقاموا هناك أياما واتفق ان الصاوي أرسل الى داره مكتوبا وذكر في ضمنه ان سبب افتراقهم من الجماعة انهم رأوا من كتخدا الباشا امور غير لائقة فلماحضر ذلك المكتوب طلبه الفرنساوية المقيمين في مصر وقرأوه وبحثوا عن الامور اللائقة فأولها بعض المشايخ انه قصر في حقهم والاعتناء بشأنهم فسكتوا وأخذوا في التفحص فظهر لهم خيانته ومخامرته عليهم واجتمع عليه الجبالي وبعض العرب العصاة واكرمهم وخلع عليهم وانتقل بصحبتهم الى منية غمر ودقدوس وبلاد الوقف وجعل يقبض منهم الاموال وحين كانوا علىالبحر مر بهم مراكب تحمل الميرة والدقيق الى الفرنسيس بدمياط فقاطعوا عليهم وأخذوا منهم ما معهم قهرا وأحضروا المراكبية بالديوان فحكوا على ما وقع لهم معه فأثبتوا خيانة مصطفى بك المذكور وعصيانه وأرسلوا هجانا باعلام سارى عسكرهم بذلك فرجع اليهم بالجواب يأمرهم فيه بان يرسلو له عسكرا ويرسلوا الى داره جماعة ويقبضون عليه ويختمون على داره ويحبسون جماعته
وفي يوم الاحد رابع عشرينه عينوا عليه عسكرا وأرسلوا الى داره
جماعة ومعهم وكلاء فقبضوا على كتخدائه الذي كان ناظرا على الكسوة وعلى ابن اخيه ومن معهم وأودعوهم السجن بالجيزة وضبطوا موجوداته وما تركه مخدومه بكر باشا بقائمة واودعوا ذلك بمكان بالقلعة فوجدوا غالب امتعة الباشا وبرقة وملابسه وعبى الخيل والسروج وغيرها شيئا كثيرا وجدوا بعض خيول وجمال اخذوها ايضا فانقبض خواطر الناس لذلك فانهم كانوا مستأنسين بوجوده ووجود القاضي ويتوسلون بشفاعتهما عند الفرنسيس وكلمتهما عندهم مقبولة وأوامرهما مسموعة ثم انهم ارسلوا أمانا للمشايخ الوجاقلية والتجار بالحضور الى مصر مكرمين ولا بأس عليهم
وفيه ورد الخبر بان السيد عمر افندي نقيب الاشراف حضر الى دمياط وصحبته جماعة من افندية الروزنامة الفارين مثل عثمان افندي العباسي وحسن افندي كاتب اشهر ومحمد افندي ثاني قلفة وباش جاجرت والشيخ قاسم المصلي وغيرهم وذلك انهم كانوا بقلعة يافا فلما حاصرها الفرنساوية وملكوا القلعة والبلد لم يتعرضوا للمصريين وطلبهم اليه وعاتبهم على نقلهم وخروجهم من مصر وألبسهم ملابس وأنزلهم في مركب وأرسلهم الى دمياط من البحر
وفي يوم الاثنين نادوا في الاسواق على المماليك والغز والاجناد الاغراب بأنهم يحضرون الى بيت الوكيل ويأخذون لهم ارواقا بعد معرفتهم والتضمين على أنفسهم ومن وجد من غير وثيقة في يده بعد ذلك يستاهل الذي يجري عليه وسبب ذلك اشاعة دخول الكثير منهم الى مصر خفية بصفة الفلاحين
وفي يوم الثلاثاء نادوا في الاسواق والشوارع بأن من اراد الحج فليحج في البحر من السويس صحبة الكسوة والصرة وذلك بعد ان عملوا مشورة في ذلك
وفيه حضر امام كتخدا الباشا ومعه مكتوب فيه الثناء على الفرنساوية وشكر صنيعهم واعتنائهم بعملهم موكب الكسوة والدعاء لهم وانه مستمر
علىمودته ومحبته معهم ويطلب منهم الاجازة بالحضور الى مصر ليسافر بصحبة الكسوة والحجاج فان الوقت ضاق ودخل أوان السفر للحج وفي آخر المكتوب وان بلغكم من المنافقين عنا شيء فهو كذب ونميمة فلا تصدقوه فقرىء كتابه بالديوان فلما فهمه الفرنسيس كذبوه ولم يصغوا اليه وقالوا ان خيانته ثبتت عندنا فلا ينفعه هذا الاعتذار ثم كتبوا له جوابا وارسلوه صحبة امامه مضمونه ان كان صادقا في مقالته فليذهب الى جهة سارى عسكر بالشام وامهلوه ست ساعات بعد وصول الجواب اليه وان تأخر زيادة عليها كان كاذبا في مقالته وأمروا العسكر بمحاربته والقبض عليه
وفيه كتبوا اوراقا ونادوا بها في الشوارع وهي يا أهل مصر نخبركم ان امير الحاج رفعوه عن سفره بالحاج بسبب ما حصل منه وان اهل مصر علماء ووجاقات ورعايا لم يخالطوه في هذا الامر ولم ينسب لهم شيء فالحمد لله الذي برأ اهل مصر من هذه الفتنة وهم حاضرون سالمون غانمون ما عليهم سوء ومن كان مراده الحج يؤهل نفسه ويسافر صحبة الصرة والكسوة في البحر والمراكب حاضرة والمعينون المحافظون من اهل مصر صحبة الحاج حاضرون يكون في علمكم ان تكونوا مطمئنين واتركوا كلام الحشاشين
وفي يوم السبت غايته حضر المشايخ والوجاقات والتجار ما خلا القاضي فانه لم يحضر وتخلف مع مصطفى كتخدا وانقضى هذا الشهر وما تجدد به من الحوادث التي منها ان الفرنساوية عملوا جسرا من مراكب مصطفة وعليها اخشاب مسمرة من بر مصر بالقرب العيني الى الروضة الى الجيزة
ومنها ان توت الفلكي رسم في فسحة دارهم العليا ببيت حسن كاشف جركس خطوط البسيطة لمعرفة فضل الدائر لنصف النهار على البلاط
المفروش بطول الفسحة ووضع لها بدل الشاخص دائرة مثقوبة بثقب عديدة في اعلى الرفوف مقابلة لعرض الشمس ينزل الشعاع من تلك الثقب ويمر على الخطوط المرسومة المقسومة ويعرف منه الباقي للزوال ومدارات البروج شهرا شهرا وعلى كل برج صورته ليعلم منه درجة الشمس ورسم ايضا مزولة بالحائط الاعلى على حوش المكان الاسفل المشترك بين الدارين بشاخص على طريق وضع المنحرفات والمزاول ولكن لساعات قبل الزوال وبعده خلاف الطريق المعروفة عندنا بوقت العصر وفضل دائر الغروب وقوس الشفق والفجر وسمت القبلة وتقسيم الدرج وامثال ذلك لاجل تحقيق اوقات العبادة وهم لا يحتاجون الى ذلك فلم يعانوه ورسم ايضا بسيطة على مربعة من نحاس أصفر منزلة بخطوط عديدة في قاعدة عامود قصير طوله اقل من قامة قايم بوسط الجنينه وشاخصها مثلث من حديد يمر ظل طرفه على الخطوط المتقاطعة وهي متقنة الرسم والصناعة وحولها معاريفها واسم واضعها بالخط الثلث العربي المجود حفرا في النحاس وفيها تنازيل الفضة على طريق اوضاع العجم وغير ذلك
ومنها انهم لما سخطوا على كتخدا الباشا وقبضوا على اتباعه وسجنوهم وفيهم كتخداه الذي كان ناظرا على الكسوة فقيدوا في النظر على مباشرة اتمامها صاحبنا السيد اسمعيل الوهبي المعروف بالخشاب احد العدول بالمحكمة فنقلها لبيت أيوب جاويش بجوار مشهد السيدة زينب وتمموها هناك واظهروا ايضا الاهتمام بتحصيل مال الصرة وشرعوا في تحرير دفتر الارسالية خاصة
واستهل شهر القعدة بيوم الاحد سنة
في سادسه يوم الجمعة حضرت هجانة من الفرنسيس ومعهم مكاتبة مضمونها انهم اخذوا حيفا وبعدها ركبوا على عكا وضربوا عليها وهدموا جانبا من سورها وانهم بعد اربعة وعشرين ساعة يملكونها وانهم استعجلوا في ارسال هذه الهجانة لطول المدة والانتظار لئلا يحصل لاصحابهم القلق فكونوا مطمئنين وبعد سبعة ايام نحضر عندكم السلام
وفيه حضرت مغاربة حجاج الى بر الجيزة فتحدث الناس وكثر لغطهم وتقولوا بانهم عشرون ألفا حضروا لينقذوا مصر من الفرنسيس فأرسل الفرنسيس للكشف عليهم فوجدوهم طائفة من خلايا وقرى فاس مثل الفلاحين فآذنوا لهم في تعدية بعض أنفار منهم لقضاء أشغالهم فحضر شخص منهم الى الفرنسيس ووشى اليهم انهم قدموا لمحاربتهم والجهاد فيهم وانهم اشتروا خيلا وسلاحا وقصدهم اثارة فتنة فأرسل الفرنسيس اليهم جماعة ينظرون في أمرهم فذهبوا اليهم وتكلموا معهم ومع كبيرهم وعن الذي نقل عنهم فقالوا انما جئنا بقصد الحج لا لغيره ثم رجعوا وصحبتهم كبير المغاربة فعملوا الديوان في صبحها وأحضروه وكذلك أحضروا الرجل الذي وشى عليهم فتكلموا مع كبير المغاربة وسألوه وناقشوه فقال انا لم نأت الا بقصد الحج فقيل له ولاي شيء تشترون الاسلحة والخيول فقال نعم لازم لنا ذلك ضرورة فقيل له انه نقل عنكم انكم تريدون محاربة الفرنساوية وتقولون الجهاد افضل من الحج فقال هذا كلام لا أصل له فقيل له ان الناقل لذلك رجل منكم فقال ان هذا رجل حرامي أمسكناه بالسرقة وضربناه فحمله الحقد على ذلك وان هذه البلاد ليست لنا ولا لسلطاننا حتى نقاتل عليها ولا يصح ان نقاتلكم بهذه الشرذمة القليلة وليس معنا الا نصف قنطار وبارود ثم اتفقوا معه على أن يجمعوا سلاحهم ويقيم كبيرهم عندهم رهينة حتى يعدي جماعته ويسافروا ويلحقهم بعد يومين بالسلاح فأجابهم الى ذلك فشكروه وأهدوا له هدية فلما كان يوم السبت خرجت عدة من العسكر الى بولاق ومعهم مدفعان ليقفوا للمغاربة حتى يعدوا البحر ويمشوا معهم الى العادلية فلما رأى الناس خروج العسكر والمدافع فزعوا في المدينة وبولاق ورمحوا كعادتهم في كرشاتهم وصياحهم وأشاعوا ان الفرنسيس خرجت لقتال المغاربة وأغلقوا غالب الاسواق والدكاكين وأمثال ذلك من تخيلاتهم فلم يعد المغاربة ذلك اليوم وعدوا في ثاني يوم ومشى معهم عسكر الفرنسيس
الى العادلية وهم يضربون الطبول وامامهم مدفع وخلفهم مدفع مع جملة من العساكر
وفي يوم الثلاثاء عاشره سافر عدة من عسكر الفرنسيس الى عرب الجزيرة فان مصطفى بك كتخدا الباشا ذهب اليهم والتجأ لهم فعينوا عليهم تلك العساكر
وفي يوم الاربعاء فرجوا عن جماعة من القليونجية وغيرهم الذين كانوا محبوسين بالقلعة وفيهم المعلم نقولا النصراني الارمني الذي كان رئيس مركب مراد بك الحربية التي أنشأها بالجيزة وأسكنوه ببيت حسن كتخدا بباب الشعرية
وفيه حضر بن شديد شيخ عرب الحويطات بأمان وكان عاصيا فأعطوه الامان وخلعوا عليه وسفروا معه قافلة دقيق وبقسماط العسكر بالشام
وفي يوم السبت حادي عشرينه حضر مجلون من الناحية القبلية وصحبته اموال البلاد والغنائم من بهائم وخلافها
وفيه عملوا كرنتيلة عند العادلية لمن يأتي من بر الشام من العسكر الى ناحية شرق اطفيح بسبب محمد بيك الالفي
وفيه حضر الذين كانوا ذهبوا الى عرب الجزيرة فضربوهم ونالوا منهم بعض النيل وأما مصطفى بك فلم تعلم عنه حقيقة حال قيل انه ذهب الى الشام
وفي خامس عشرينه وصلت مراسلة من المذكور خطابا للمشايخ مضمونها انهم يعرفون أكابر الفرنسيس انه متوجه الى ساري عسكرهم بالشام ويرجون الافراج عن قريبه وكتخدائه ويتحفظون على الامتعة التي أخذوها فانها من متعلقات الدولة فلما أطلعوهم على تلك المكاتبة قالوا لا يمكن الافراج عن المذكورين حتى تتحقق انه ذهب الى سارى عسكر ويأتينا منه خطاب في شأنه فانه من الجائز انه يكذب في قوله
وفيه ثبت ان محمد بك الالفي مر من خلف الجبل وذهب الى عرب الجزيرة ومعه من جماعته نحو المائة وقيل أكثر والتف عليه الكثير من
الغز والماليك المشردين بتلك النواحي وقدم له العربان التقادم والكف فارسل له الفرنسيس عدة من العسكر
وفي سابع عشرينه لخص الفرنساوية طومارا قرىء بالديوان وطبع منه عدة نسخ وألصقت بالاسواق على العادة وكان الناس أكثروا من اللغط بسبب انقطاع الاخبار عن الفرنسيس المحاصرين لعكا والروايات عمن بالصعيد والكيلاني والاشراف الذين معه وغير ذلك
وصورتها من محفل الديوان الكبير بمصر بسم الله الرحمن الرحيم ولا عدوان الا على الظالمين نخبر أهل مصر أجمعين أنه حضر جواب من عكا من حضرة ساري عسكر الكبير خطابا منه الى حضرة ساري عسكر الوكيل بثغر دمياط تاريخه تاسع القعدة سنة تاريخه يخبر فيه اننا أرسلنا لكم نقيرتين لدمياط الاولى ارسلناها في خمسة وعشرين شوالا والثانية في ثمانية وعشرين منه أخبرناكم فيهما عن مطلوبنا ارسال جانب جليل وذخائر الى عساكرنا المحافظين في غزة ويافا لاجل زيادة المحافظة والصيانة واما من قبل العرضي فان الجلل عندنا كثيرة والذخائر والمآكل والمشارب والخيرات غزيرة حتى انها زادت عندنا الجلل بكثرة جمعناها مما رمته الاعداء فكأن اعداءنا أعانونا وتخبركم اننا عملنا لغما مقدار عمقه ثلاثون قدما وسرنا به حتى قربناه الى السور الجواني بمسافة نحو ثمانية عشر قدما وقد قربت عساكرنا من الجهة التي تحارب فيها حتى صار بينهم وبين السور ثمانية واربعون قدما بمشيئة الله تعالى عند وصول كتابنا اليكم وقبل اتمام قراءته عليكم نكون ظافرين بملك قلعة عكا اجمعين فاننا تهيأنا الى دخولها يأتيكم خبر ذلك بعد هذا الكتاب واما بقية اقليم الشام وما يلي عكا من البلاد فانهم لنا طائعون وبالاعتناء ومزيد المحبة راغبون يأتوننا بكل خير عظيم ويحضرون لنا افواجا بالهدايا الكثيرة والحب الجسيم من القلب السليم وهذا من فضل الله علينا ومن شدة بغضهم الجزار باشا ونخبركم ايضا ان الجنرال يونوت انتصر على أربعة الاف مقاتل حضروا من الشام خيالة ومشاة
فقابلتهم بثلثمائة عسكري مشاة من عسكرنا فكسروا التجريدة المذكورة واوقع منهم نحو ستمائة نفس ما بين مقتول ومجروح وأخذ منهم خمسة بيارق وهذا أمر عجيب لم يقع نظيره في الحروب ان ثلثمائة نفس تهزم نحو اربعة آلاف نفس فعلمنا ان النصرة من عند الله لا بالقلة ولا بالكثرة هذا اخر كتاب سارى عسكر الكبير الى وكيله بدمياط وارسل الينا بالديوان حضرة الوكيل سارع عسكر دوجا الوكيل بمصر المحروسة يخبرنا بصورة هذا المكتوب ويأمرنا اننا نلزم الرعايا من اهل مصر والارياف ان يلزموا الادب والانصاف ويتركوا الكذب والخراف فان كلام الحشاشين يوقع الضرر للناس المعتبرين فان حضرة سارى عسكر دوجا الوكيل بلغة ان اهل مصر واهل الارياف يتكلمون بكلام لا أصل له من قبل الاشراف والحال ان الاشراف الذين يذكرونهم ويكذبون عليهم جاءت اخبارهم من حضرة سارى عسكر الصعيد يخبر الوكيل دوجا بان الاشراف المذكورين الذين صحبة الكيلاني قد مزقوا كل ممزق وانهزموا وتفرقوا فلم يكن الان في بلاد الصعيد شيء يخالف المراد وسلم من الفتن والعناد فأنتم يا أهل مصر ويا أهل الارياف اتركوا الامور التي توقعكم في الهلاك والتلاف وامسكوا ادبكم قبل ان يحل بكم الدمار ويلحقكم الندم والعار والاولى للعاقل اشتغاله بأمر دينه ودنياه وان يترك الكذب وان يسلم لاحكام الله وقضاه فان العاقل يقرأ العواقب وعلى نفسه يحاسب هذا شأن اهل الكمال يتركون القيل والقال ويشتغلون باصلاح الاحوال ويرجعون الى الكبير المتعال والسلام
وفي هذا الشهر كتبوا اوراقا بأوامر ونصها من محفل الديوان العمومي الى جميع سكان مصر وبولاق ومصر القديمة اننا قد تأملنا وميزنا ان الواسطة الاقرب والايمن لتلطيف او لمنع الخطر الضروري وهو تشويش الطاعون عدم المخالطة مع النساء المشهورات لانهن الواسطة الاولى للتشويش المذكور فلاجل ذلك حتمنا ورتبنا ومنعنا الى مدة ثلاثين يوما من تاريخه اعلاه لجميع الناس ان كان فرنساويا او مسلما او روميا
او نصرانيا او يهوديا من أي ملة كان كل من ادخل الى مصر او بولاق او مصر القديمة النساء المشهورات ان كان في بيوت العسكر او كل من كان داخل المدينة فيكون قصاصه بالموت كذلك من قبل النساء والبنات المشهورات بالعسكر ان دخلن من انفسهن ايضا يقاصصن بالموت
ومن حوادث هذا الشهر انه حضر الى القلزم مركبان انكليزيان وقيل أربعة ووقفوا قبالة السويس وضربوا مدافع ففر أناس من سكان السويس الى مصر واخبروا بذلك وانهم صادفوا بعض داوات تحمل البن التجارة فحجزوها ومنعوها من الدخول الى السويس
ومنها ان طائفة من عرب البحيرة يقال لهم عرب الغز جاءوا وضربوا دمنهور وقتلوا عدة من الفرنسيس وعاثوا في نواحي تلك البلاد حتى وصلوا الى الرحمانية ورشيد وهم يقتلون من يجدونه من الفرنسيس وغيرهم وينهبون البلاد والزروعات
ومنها ان الكيلاني المذكور آنفا توفي رحمه الله تعالى وتفرقت طائفته في البلاد حتى انه حضر منهم جملة الى مصر وكان أكثر من يخامر عليهم اهل بلاد الصعيد فيوهمونهم معاونتهم وعند الحروب يتخلون عنهم وبعض البلاد يضيفون ويسلط عليهم الفرنسيس فيقبضون عليهم
ومنها انه حضر الى مصر الاكثر من عسكر الفرنسيس الذين كانوا بالجهة القبلية وضربوا في حال رجوعهم بني عدي بلدة من بلاد الصعيد مشهورة وكان اهلها ممتنعين عليهم في دفع المال والكلف ويرون في انفسهم الكثرة والقوة والمنعة فخرجوا عليهم وقاتلوهم فملك عليهم الفرنسيس تلا عاليا وضربوا عليهم بالمدافع فأتلفوهم واحرقوا جرونهم ثم كبسوا عليهم وأسرفوا في قتلهم ونهبهم وأخذوا شيئا كثيرا وأموالا عظيمة وودائع جسيمة للغز وغيرهم من مساتير اهل البلاد القبلية لظن منعتهم وكذلك فعلوا بالميمون
واستهل شهر ذي الحجة بيوم الثلاثاء سنة
في ثانيه خرج نحو الالف من عسكر الفرنسيس للمحافظة على البلاد الشرقية لتجمع العرب والمماليك على الالفي وكذلك تجمع الكثير من الفرنسيس وذهبوا الى جهة دمنهور وفعلوا بها ما فعلوا في بني عدي من القتل والنهب لكونهم عصوا عليهم بسبب انه ورد عليهم رجل مغربي يدعى المهدوية ويدعو الناس ويحرضهم على الجهاد وصحبته نحو الثمانين نفرا فكان يكاتب اهل البلاد ويدعوهم الى الجهاد فاجتمع عليه اهل البحيرة وغيرهم وحضورا الى دمنهور وقاتلوا من بها من الفرنساوية واستمر اياما كثيرة تجتمع عليه اهل تلك النواحي وتفترق والمغربي المذكور تارة يغرب وتارة يشرق
وفيه اشيع ان الالفي حضر الى بلاد الشرقية وقاتل من بها من الفرنسيس ثم ارتحل الى الجزيرة
وفي سابعه حضر جماعة من فرنسيس الشام الى الكرنتيلة بالعادلية وفيهم مجاريح واخبر عنهم بعضهم ان الحرب لم تزل قائمة بينهم وبين أحمد باشا بعكا وان مهندس حروبهم المعروف بأبي خشبة عند العامة واسمه كفرللي مات وحزنوا لموته لانه كان من دهاتهم وشياطينهم وكان له معرفة بتدبير الحروب ومكايد القتال واقدام عند المصاف مع ما ينضم لذلك من معرفة الابنية وكيفية وضعها وكيفية اخذ القلاع ومحاصرتها
وفي يوم الاربعاء كان عبد النحر وكان حقه يوم الخميس وعند الغروب من تل الليلة ضربوا مدافع من القلعة اعلاما بالعيد وكذلك عند الشروق ولم يقع في ذلك العيد اضحية على العادة لعدم المواشي لكونها محجوزة في الكرنتيلة والناس في شغل عن ذلك
ومن الحوادث في ذلك اليوم ان رجلا روميا من باعة الرقيق عنده غلام مملوك ساكن في طبقة بوكالة ذي الفقار بالجمالية خرج لصلاة العيد ورجع الى طبقته فوجد ذلك الغلام متقلدا بسلاح ومتزيبا بمثل ملابس القليونجية فقال له من أين لك هذا اللباس فقال من عند جارنا فلان العسكري فأمره بنزع ذلك فلم يستمع له ولم ينزعها فشتمه ولطمه على وجهه فخرج من الطبقة وحدثته نفسه بقتل سيده ورجع يريد ذلك
فوجد عند سيده ضيفا فلم يتجاسر عليه لحضور ذلك الضيف فوقف خارج الباب ورآه سيده فعرف من عينه الغدر فلما قام ذلك الضيف قام معه وخرج واغلق الباب على الغلام فصعد الغلام على السطح وتسلق الى سطح آخر ثم تدلى بحبل الى اسفل الخان وخرج الى السوق وسيفه مسلول بيده ويقول الجهاد يا مسلمين اذبحوا الفرنسيس ونحو ذلك من الكلام ومر الى جهة الغورية فصادف ثلاثة اشخاص من الفرنسيس فقتل منهم شخصا وهرب الاثنان ورجع على اثره والناس يعدون خلفه من بعد الى ان وصل الى درب بالجمالية غير نافذ فدخله وعبر الى دار وجدها مفتوحة وربها واقف على بابها والفرنسيس تجمع منهم طائفة وظنوا ظنونا أخر وبادروا الى القلاع وحضرت منهم طائفة من القلق يسألون عن ذلك الممولك وهاجت العامة ورمحت الصغار وأغلق بعض الناس حوانيتهم ثم لم تزل الفرنسيس تسأل عن ذلك المملوك والناس يقولون لهم ذهب من هنا حتى وصلوا الى ذلك الدرب فدخلوه فلما أحس بهم نزع ثيابه وتدلى ببئر في تلك الدار فدخلوا الدار وأخرجوه من البئر واخذوه وسكنت الفتنة فسألوه عن أمره وما السبب في فعله ذلك فقال انه يوم الاضحية فاحببت ان أضحي على الفرنسيس وسألوه عن السلاح فقال انه سلاحي فحبسوه لينظروا في أمره وطلبوا سيده فوجدوه عند الشيخ المهدي وأخذوا بعض جماعة من اهل الخان ثم أطلقوهم بدون ضرر وأخذوا سيده من عند المهدي وحبسوه وحضر الاغا وبرطلمين الى الخان بعد العشاء وطلبوا البواب والخانجي والجيران وصعدوا الى الطباق وفتشوا على السلاح حتى قلعوا البلاط فلم يجدوا شيئا وأرادوا فتح الحواصل فمنعهم السيد احمد بن محمود محرم فخرجوا وأخذوا معهم الخانجي وجيران الطبقة وجملة أنفار وحبسوهم ايضا وقتلوا المملوك في ثاني يوم واستمر الجماعة في الحبس الى أن أطلقوهم بعد ايام عديدة من الحادثة
وفي ذلك اليوم ايضا مر نصراني من الشوام على المشهد الحسيني وهو
راكب على حمار فرآه ترجمان ضابط الخطة ويسمى السيد عبد الله فأمره بالنزول اجلالا للمشهد على العادة فامتنع فانتهزه وضربه والقاه على الارض فذهب ذلك النصراني الى الفرنسيس وشكا اليهم السيد عبد الله المذكور فأحضروه وحبسوه فشفع فيه مخدومه فلم يطلقوه وادعى النصراني انه كان بعيدا عن المشهد واحضر من شهد له بذلك وان السيد عبد الله متهور في فعله وادعى انه ضاع له وقت ضربه دراهم كانت في جيبه واستمر الترجمان محبوسا حتى دفع تلك الدراهم وهي ستة آلاف درهم
وفيه ارسل فرنسيس مصر الى رئيس الشام ميرة على جمال العرب نحو الثمانمائة جمل وذهب صحبتها برطلمين وطائفة من العسكر فأوصلوها الى بلبيس ورجعوا بعد يومين
وفيه حضر الى السويس تسعة داوات بها بن وبهار وبضائع تجارية وفيها لشريف مكة نحو خمسمائة فرق بن وكانت الانكليز منعتهم الحضور فكاتبهم الشريف فأطلقوهم بعد ان حددوا عليهم أياما مسافة التنقيل والشحنة وأخذوا منهم عشورا وسامح الفرنسيس بن الشريف من العشور لانه أرسل لهم مكاتبة بسبب ذلك وهدية قبل وصول المراكب الى السويس بنحو عشرين يوما وطبعوا صورتها في أوراق وألصقوها بالاسواق وهي خطاب لبوسليك
من مات في هذه السنة من الاعيان ومن له ذكر في الناس
مات الامام العمدة الفقيه العلامة المحقق الفهامة المتقن المتفنن المتجر عين أعيان الفضلاء الازهرية الشيخ احمد بن موسى بن احمد بن محمد البيلي العدوي المالكي ولد ببني عدي سنة احدى وأربعين ومائة والف وبها نشأ فقرأ القرآن وقدم الجامع الازهر ولازم الشيخ علي الصعيدي ملازمة كلية حتى تمهر في العلوم وبهر فضله في الخصوص والعموم وكان له قريحة جيدة وحافظة غريبة يملي في تقريره خلاصة ما ذكره أرباب الحواشي مع حسن سبك والطلبة يكتبون ذلك بين يديه وقد جمع من تقاريره
============ ج...7777777777777777777 من اول ج6. الي اخر ج9.======
ج7.كتاب : تاريخ عجائب الآثار في التراجم والأخبار
المؤلف : عبد الرحمن بن حسن الجبرتي
على عدة كتب كان يقرأها حتى صارت مجلدات وانتفع بها الطلبة انتفاعا عاما ودرس في حياة شيخه سنينا عديدة واشتهر بالفتوح وكان الشيخ الصعيدي يأمر الطلبة بحضوره وملازمته وكان فيه اتصاف زائد وتؤدة ومروءة وتوجه الى الحق ولديه اسرار ومعارف وفوائد وتمائم وعلم بتنزيل الاوفاق والوفق المئيني العددي والحرفي وطرائق تنزيله بالتطويق والمربعات وغير ذلك ولما توفي الشيخ محمد حسن جلس موضعه للتدريس باشارة من أهل الباطن ولما توفي الشيخ احمد الدردير ولي مشيخة رواق الصعايدة وله مؤلفات منها مسائل كل صلاة بطلت على الامام وغير ذلك ولم يزل على حالته وافادته وملازمه ودروسه والجماعة حتى توفي في هذه السنة ودفن في تربة المجاورين رحمه الله تعالى عليه
ومات العلامة الفاضل الفقيه الشيخ احمد بن ابراهيم الشرقاوي الشافعي الازهري قرأ على والده وتفقه وانجب ولم يزل ملازما لدروسه حتى توفي والده فتصدر للتدريس في محله واجتمعت عليه طلبة ابيه وغيرهم ولازم مكانه بالازهر طول النهار يملي ويفيد ويفتي على مذهبه ويأتي اليه الفلاحون من جيزة بلادهم بقضاياهم وخصوماتهم وانكحتهم فيقضي بنيهم ويكتب لهم الفتاوي في الدعاوي التي يحتاجون فيها الى المرافعة عند القاضي وربما زجر المعاند منهم وضربه وشتمه ويستمعون لقوله ويمتثلون لاحكامه وربما اتوه بهدايا ودراهم واشتهر ذكره وكان جسيما عظيم اللحية فصيح اللسان ولم يزل على حالته حتى اتهم في فتنة الفرنسيس المتقدمة ومات مع من قتل بيد الفرنساوية بالقلعة ولم يعلم له قبر
ومات الشيخ الامام العمدة الفقيه الصالح القانع الشيخ عبد الوهاب الشبراوي الشافعي الازهري تفقه على أشياخ العصر وحضر دروس الشيخ عبد الله الشبراوي والحفني والبراوي وعطية الاجهوري وغيرهم وتصدر للاقراء والتدريس والافادة بالجوهرية وبالمشهد الحسيني ويحضر درسه فيه الجم الغفير من العامة ويستفيدون منه ويقرأ به كتب الحديث كالبخارى ومسلم وكان حسن الالقاء سلس التقرير جيد الحافظة جميل
السيرة مقبلا على شأنه ولم يزل ملازما على حالته حتى اتهم في اثارة الفتنة وقتل بالقلعة شهيدا بيد الفرنسيس في اواخر جمادى الاولى من السنة ولم يعلم له قبر
ومات الشاب الصالح والنبيه الفالح الفاضل الفقيه الشيخ يوسف المصيلحي الشافعي الازهري حفظ القرآن والمتون وحضر دروس اشياخ العصر كالشيخ الصعيدي والبراوي والشيخ عطية الاجوري والشيخ احمد العروسي وحضر الكثير على الشيخ محمد المصيلحي وأنجب وأملى دروسا بجامع الكردي بسويقة اللالا وكان مهذب النفس لطيف الذات حلو الناطقة مقبول الطلعة خفيف الروح ولم يزل ملازما على حاله حتى اتهم ايضا في حادثة الفرنسيس وقتل مع من قتل شهيدا بالقلعة
ومات العمدة الشهير الشيخ سليمان الجوسقي شيخ طائفة العميان بزاويتهم المعروفة الان بالشنواني تولى شيخا على العميان المذكورين بعد وفاة الشيخ الشبراوي وسار فيهم بشهامة وصرامة وجبروت وجمع بجاههم اموالا عظيمة وعقارات فكان يشتري غلال المستحقين المعطلة بالابعاد بدون الطفيف ويخرج كشوفاتها وتحاويلها على الملتزمين ويطالبهم بها كيلا وعينا ومن عصى عليه ارسل اليه الجيوش الكثيرة من العميان فلا يجد بدا من الدفع وان كانت غلاله معطلة صالحة بما أحب من الثمن وله أعوان يرسلهم الى الملتزمين بالجهة القبلية يأتون اليه بالسفن المشحونة بالغلال والمعاوضات من السمن والعسل والسكر والزيت وغير ذلك ويبيعها في سني الغلوات بالسواحل والرقع بأقصى القيمة ويطحن منها على طواحينه دقيقا ويبيع خلاصته في البطط بحارة اليهود ويعجن نخالته خبزا لفقراء العميان يتقوتون به مع ما يجمعونه من الشحاذة في طوافهم آناء الليل وأطراف النهار بالاسواق والازقة وتغنيهم بالمدائح الخرافات وقراءة القرآن في البيوت ومساطب الشوارع وغير ذلك ومن مات منهم ورثة الشيخ المترجم المذكور وأحرز لنفسه ما جمعه ذلك الميت وفيهم من وجد له الموجود العظيم ولا يجد له معارضا في ذلك
واتفق ان الشيخ الحفني نقم عليه في شيء فأرسل اليه من أحضره موثوقا مكشوف الرأس مضروبا بالنعالات على دماغه وقفاه من بيته الى بيت الشيخ بالموسكي بين ملأ العالم ولما انقضت تلك السنون وأهلها صار المترجم من أعيان الصدور المشار اليهم في المجالس تخشى سطوته وتسمع كلمته ويقال قال الشيخ كذا وأمر الشيخ بكذا وصار يلبس الملابس والفراوي ويركب البغال واتباعه محدقة به وتزوج الكثير من النساء الغنيات الجميلات واشتر السراري البيض والحبش والسود وكان يفرض الاكابر المقادير الكثيرة من المال ليكون له عليهم الفضل والمنة ولم يزل حتى حمله التفاخر في زمن الفرنسيس على تولية كبر أثارة الفتنة التي أصابته وغيره وقتل فيمن قتل بالقلعة ولم يعلم له قبر وكان ابنه معوقا ببيت البكري فلما علم بموته قلق وكاد يخرج من عقله خوفا على ما يعلم مكانه من مال أبيه حتى خلص في ثاني يوم بشفاعة المشايخ ولم يكن مقصودا بالذات بل حضر ليعود أباه فحجزه القومه عليهم زيادة في الاحتياط
ومات الاجل المفوه العمدة الشيخ اسمعيل البراوي بن احمد البراوي الشافعي الازهري وهو ابن اخي الشيخ عيسى البراوي الشهير الذكر تصدر بعد وفاة والده في مكانه وكان قليل البضاعة الا انه تغلب عليه النباهة واللسانة والسلاطة والتداخل وذلك هو الذي أوقعه في حبائل الفرنساوية وقتل مع من قتل شهيدا ولم يعلم له قبر غفر الله لنا وله
ومات الوجيه الاجل الامثل السيد محمد كريم وخبره انه كان في اول أمره قبانيا يزن البضائع في حانوت بالثغر وعنده خفة في الحركة وتودد في المعاشرة فلم يزل يتقرب الى الناس بحسن التودد ويستجلب خواطر حواشي الدولة وغيرهم من تجار المسلمين والنصارى ومن له وجاهة وشهرة في ابناء جنسه حتى أحبه الناس واشتهر ذكره في ثغر الاسكندرية ورشيد ومصر واتصل بصالح بك حتى كان وكيلا بدار السعادة وله الكلمة النافذة في ثغر رشيد وتملكها وضواحيها واسترق أهلها وقلد
أمرها لعثمان خجا فاتحد وبمخدومه السيد محمد المذكور واتصل بمراد بك بعد صالح أغا فتقرب اليه ووافق منه الغرض ورفع شأنه على اقرانه وقلده أمر الديوان والجمارك بالثغر ونفذت كلمته واحكامه وتصدر لغالب الامور وزاد في المكوسات والجمارك ومصادرات التجار خصوصا من الإفرنج ووقع بينه وبين السيد شهبة الحادثة التي أوجبت له الاختفاء بالصهريج وموته فيه فلما حضر الفرنسيس ونزلوا الاسكندرية قبضوا على السيد محمد المذكور وطالبوه بالمال وضيقوا عليه وحبسوه في مركب ولما حضروا الى مصر وطلعوا الى قصر مراد بك وفيها مطالعته بأخبارهم وبالحث والاجتهاد على حربهم وتهوين أمرهم وتنقيصهم فاشتد غيظهم عليه فأرسلوا وأحضروه الى مصر وحبسوه فتشفع فيه ارباب الديوان عدة مرار فلم يمكن الى ان كانت ليلة الخميس فحضر اليه مجلون وقال له المطلوب منك كذا وكذا من المال وذكر له قدرا يعجز عنه واجله اثنتي عشرة ساعة وان لم يحضر ذلك القدر والا يقتل بعد مضيها فلما اصبح ارسل الى المشايخ والى السيد احمد المحروقي فحضر اليه بعضهم فترجاهم وتداخل عليهم واستغاث وصار يقول لهم اشتروني يا مسلمون وليس بيدهم ما يفتدونه به وكل انسان مشغول بنفسه ومتوقع لشيء يصيبه وذلك في مبادىء امرهم فلما كان قريب الظهر وقد انقضى الاجل اركبوه حمارا واحتاط به عدة من العسكر وبأيديهم السيوف المسلولة ويقدمهم طبل يضربون عليه وشقوا به الصليبة الى ان ذهبوا الى الرميلة وكتفوه وربطوه مشبوحا وضربوا عليه بالبنادق كعادتهم فيمن يقتلونه ثم قطعوا رأسه ورفعوها على نبرت وطافوا بها بجهات الرميلة والمنادى يقول هذا جزاء من يخالف الفرنسيس ثم ان اتباعه اخذوا رأسه ودفنوها مع جثته وانقضى أمره وذلك يوم الخميس خامس عشرى ربيع الاول
ومات الامير ابراهيم بك الصغير المعروف بالوالي وهو من مماليك محمد بك أبي الذهب وتقلد الزعامة بعد موت استاذه ثم تقلد الامارة
والصنجقية في أواخر جمادى الاولى سنة 1192 وهو اخو سليمان بك المعروف بالاغا وعندما كان هو واليا كان أخوه أغات مستحفظان واحكام مصر والشرطة بينهما وفي سنة سبع وتسعين تعصب مراد بك وابراهيم بك على المترجم واخرجوه منفيا هو واخوه سليمان بك وأيوب بك الدفتردار ولما أمروه بالخروج ركب في طوائفه ومماليكه وعدى الى بر الجيزة فركب خلفه علي بك اباظه ولاجين بك ولحقوا حملته عند المعادى فحجزوها وأخذوها وأخذوا هجنه ومتاعه وعدوا خلفه فأدركوه عند الاهرام فأحتالوا عليه وردوه الى قصر العيني ثم سفروه الى ناحية السرو ورأس الخليج فأقام بها اياما وكان أخوه سليمان بك بالمنوفية فلما أرسلوا بنفيه الى المحلة ركب بطوائفه وحضر الى مسجد الخضيري وحضر اليه أخوه المترجم وركبا معا وذهبا الى جهة البحيرة ثم ذهبا الى طندتا ثم ذهبا الى شرقية بلبيس ثم توجها من خلف الجبل الى جهة قبلي وكان أيوب بك المنصورة فلحق بهما ايضا كان بالصعيد عثمان بك الشرقاوي ومصطفى بك فالتفا عليهما وعصى الجميع وارسل مراد بك وابراهيم بك محمد كتخدا اباظة واحمد اغا شويكار الى عثمان بك ومصطفى بك يطلبانهما الى الحضور فأبيا وقالا لا نرجع الى مصر الا بصحبة اخواننا والا فنحن معهم أينما كانوا ورجع المذكوران بذلك الجواب فجهزوا لهم تجريدة وسافر بها ابراهيم بك الكبير وضمهم وصالحهم وحضر بصحبة الجميع الى مصر فحنق مراد بك ولم يزل حتى خرج مغضبا الى الجيزة ثم ذهب الى قبلي وجرى بينهما ما تقدم ذكره من ارسال الرسل ومصالحة مراد بك ورجوعه واخراج المذكورين ثانيا فخرجوا الى ناحية القليوبية وخرج مراد بك خلفهم ثم رجعوهم الى جهة الاهرام وقبض مراد بك عليهم ونفيهم الى جهة بحرى وأرسل المترجم الى طندتا ثم ذهبوا الى قبلي خلا مصطفى بك وايوب بك ثم رجعوا الى مصر بعد خروج مراد بك الى قبلي واستمر امرهم على ما ذكر حتى ورد حسن باشا وخرج الجميع وجرى ما تقدم ذكره وتولى المترجم امارة
الحاج ولم يسافر به ولما رجعوا الى مصر بعد الطاعون وموت اسمعيل بك ورجب بك صاهره ابراهيم بك الكثير وزوجه ابنته كما تقدم ولم يزل في سيادته وامارته حتى حضر الفرنساوية ووصلوا الى بر انبابة ومات هو في ذلك اليوم غريقا ولم تظهر رمته وذلك يوم السبت سابع صفر من السنة
ومات الامير علي بك الدفتردار المعروف بكتخدا الجاويشية وأصله مملوك سليمان افندي من خشداشين كتخدا ابراهيم القازدغلي وكان سيده المذكور رغب عن الامارة ورضي بحاله وقنع بالكفاف ورغب في معاشرة العلماء والصلحاء وفي الانجماع عن ابناء جنسه والتداخل في شؤونهم وكان يأتي في كل يوم الى الجامع الازهر ويحضر دروس العلماء ويستفيد من فوائدهم ولازم دروس الشيخ أحمد السليماني من الفقه الحنفي الى ان مات فتقيد بحضور تلميذه الشيخ احمد الغزي كذلك واقترن في حضوره بالشيخ عبد الرحمن العريشي وكان اذ ذاك مقتبل الشبيبة مجردا عن العلائق فكان يعيد معه الدروس فاتحد به لما رأى فيه من النجابة فجذبه الى داره وكساه وواساه واستمر يطالع معه في الفقه ويعيد معه الدروس ليلا وزوجه واغدق عليه وكان هو مبدأ زواجه ولم يزل ملازما حتى توفي سليمان افندي المذكور في سنة 1175 فتزوج المترجم بزوجة سيده واستمر هو وخشداشه الامير أحمد بمنزل استاذهما وتتوق نفس المترجم للترفع والامارة فتردد الى بيوت الامراء كغيره من الاجناد فقلده علي بك الكبير كشوفية شرق اولاد يحيى في سنة 1182 فتقلدها بشهامة وقتل البغاة واخاف الناحية وجمع منها أموالا واستمر حاكمها بها الى ان خالف محمد بك أبو الذهب على سيده علي بك وخرج من مصر الى الجهة القبلية فلما وصل الى الناحية كان المترجم أول من اقبل عليه بنفسه وما معه من المال والخيام فسر به محمد بك وقربه وادناه ولم يزل ملازما لركابه حتى جرى ما جرىوتملك محمد بك الديار المصرية فقلده اغاويه المتفرقة اياما قليلة ثم خيره في تقليده الصنجقية أو
كتخدا الجاويشية فقال له حتى استخير في ذلك وحضر الى المرحوم الشيخ الوالد وذكر له ذلك فأشار عليه بان يتقلد كتخدا الجاويشية فانه منصب جليل واسع الايراد وليس على صاحبه تعب ولا مشقة غفر ولا سفر تجاريد ولا كثرة مصايف فكان كذلك وذلك في سنة ست وثمانين وسكن ببيت سليمان اغا كتخدا الجاويشية بدرب الجماميز على بركة الفيل ونما امره واتسع حاله واشتهر وانتظم في عداد الامراء ولم يزل على ذلك الى ان مات محمد بك فاستقل بأمارة مصر ابراهيم بك ومراد بك فكان المترجم ثالثهما واتحد بابراهيم بك اتحادا عظيما حتى كان ابراهيم بك لا يقدر على مفارقته ساعة زمانية وصار معه كالاخ الشقيق والصاحب الشفيق وصار في قبول ووجاهة عظيمة وكلمة نافذة في جميع الامور ولم يزل على ذلك حتى حضر حسن باشا بالصورة المتقدمة وخرج ابراهيم بك ومراد بك وباقي الامراء فتخلف عنهم المترجم وقد كان راسل حسن باشا سرا فلما استقر حسن باشا اقبل عليه وسلمه مقاليد الامور وقلده الصنجقية واضاف اليه الدفتردارية وفوض اليه جميع الامور الكلية والجزئية فانحصرت فيه رياسة مصر وصار عزيزها واميرها ووزيرها وقائدها جيوشها ولا يتم امر الا عن مشورته ورأيه واجتمعت ببيته الدواوين وقلد الامريات والمناصب كما يختار وقرب وادنى وابعد واقصى من يختار واشتهر ذكره في اقليم مصر والشام والروم واشار بتقليد مراد كاشف الصنجقية وامارة الحاج وسموه محمد بك المبدول كراهة في اسم مراد واشتهر بالمبدول ونجزله لوازم الحاج والصرة في أيام قليلة وسافر بالحاج على النسق المعتاد وشهل ايضا التجاريد والعساكر خلف الامراء المطرودين واستمر مطلق التصرف في مملكة مصر بقية السنة
ولما استهل رمضان ارسل لجميع الامراء والاعيان البلكات والكساوي لهم ولحريمهم ومماليكهم بالاحمال وكذلك الى العلماء والمشايخ حتى الفقهاء الخاملين المحتاجين وظن ان الوقت قد صفا له ولم يزل على ذلك
حتى استقر اسمعيل بك وسافر حسن باشا وظهر له امر حسن بك الجداوي وخشداشينه أخذ يناكد المترجم ويعارضه في جميع اموره وهو يسامح له في كل ما يتعرض له فيه ويساير حاله بينهم ويكظم غيظه ويكتم قهره وهو مع ذلك وافر الحرمة واعتراه صداع في راسه وشقيقة زال ألمه بها ووجعه أشهرا وأتلف احدى عينيه وعوفى قليلا واستمر على ذلك حتى وقع الطاعون بمصر سنة خمس ومات ابن له مراهق احزنه موته وكذلك ماتت زوجته واكثر جواريه ومماليكه ومات اسمعيل بك وامراؤه ومماليكه ورضوان بك العلوي وبقي هو وحسن بك الجاوي فتجاذبا الامارة ولم يرض احدهما بالاخر فوقع الاتفاق على تأمير عثمان بك طبل تابع اسمعيل بك ظنا منهما انه يصلح لذلك وانه لا يمالىء الاعداء فكان الامر بخلاف ذلك وكره الامارة هو ايضا لمناكدة حسن بك له وراسل الامراء القبليين سرا حتى حضر واعلى الصورة المتقدمة وقصد حسن بك وعلي بك الاستعداد لحربهم وخرجوا الى ناحية طرا وتأهبوا لمبارزتهم وصار عمثان بك يثبطهما ويظهر لهما انه يدير الحيل والمكايد ولم يعلما ضميره ولم يخطر ببالهما ولا غيرهما خيانته بل كان كل منهما يظن بالآخر حتى حصل ما تقدم ذكره في محله وفر المترجم وحسن بك الى ناحية قبلي فاستمر هناك مدة ثم انفصل عن حسن بك وسافر من القصير الى بحر القلزم وطلع الى المويلح وارسل بعض ثقاته فأخذ بعض الاحتياجات سرا وذهب من هناك الى الشام واجتمع بأحمد باشا الجزار ونزل بحيفا واقام بها مدة راسل الدولة في امره فطلبوه ايهم فلما قرب من اسلامبول ارسلوا اليه من أخذه وذهب به الى برصا فأقام هناك وعينوا له كفايته في كل شهر وولد له هناك اولاد ثم احضروه في حادثة الفرنسيس واعطوه مراسيم الى ابراهيم باشا سارى عسكر في ذلك الوقت فلما وصل بيروت راسل احمد باشا واراد الاجتماع به علم احمد باشا ما بيد من المرسومات الى ابراهيم باشا فتنكر له وانحرف طبعه منه وارسل اليه يأمره بالرحيل وصادف ذلك عزل ابراهيم باشا
فارتحل مقهورا الى نابلس فمات هناك بقهره وحضر من بقى من مماليكه الى مصر وسكنوا بداره التي بها مملوكه عثمان كاشف وابنته التي تركها بمصر صغيرة وقد كبرت وتأهلت للزواج فتزوج بها خازنداره الذي حضر وهو الآن مقيم معها صحبة خشداشينه ببيتها الذي بدرب الحجر
وكان المترجم اميرا لا بأس به يميل الى فعل الخير حسن الاعتقاد ويحب اهل العلم والفضائل ويعظمهم ويكرمهم ويقبل شفاعاتهم وفيه رقة طبع وميل للخلاعة والتجاهر غفر الله له وسامحه
ومات ايضا الامير ايوب بك الدفتردار وهو من مماليك محمد بك تولى الامارة والصنجقية بعد موت استاذه وقد تقدم ذكره غير مرة وكان ذا دهاء ومكر ويتظاهر بالانتصار للحق وحب الاشراف والعلماء ويشتري المصاحف والكتب ويحب المسامرة والمذاكرة وسير المتقدمين ويواظب على الصلاة في الجماعة ويقضي حوائج السائلين والقاصدين بشهامة وصرامة وصدع للمعاند خصوصا اذا كان الحق بيده ويتعلل كثير بمرض البواسير وسمعت من لفظه رؤيا رآها قبل ورود الفرنسيس بنحو شهرين تدل على ذلك وعلى موته في حربهم
ولما حصل ذلك وحضروا الى بر انبابة عدى المترجم قبل بيومين وصار يقول انا بعت نفسي في سبيل الله فلما التقى الجمعان لبس سلاحه بعد ما توضأ وصلى ركعتين وركب في مماليكه وقال اللهم اني نويت الجهاد في سبيلك واقتحم مصاف الفرنساوية والقى نفسه في نارهم واستشهد في ذلك اليوم وهي منقبة اختص بها دون اقرانه بل ودون غيرهم من جميع أهل مصر
ومات الامير صالح بك أمير الحاج في تلك السنة وهو ايضا من مماليك محمد بك ابي الذهب وتولى زعامة مصر بعد ابراهيم بك الوالي واحسن فيها السيرة ولم يتشك منه احد ولم يتعرض لاحد بأذية وتقلد ايضا كتخدا الجاويشية عندما خرج ابراهيم بك مغاضبا لمراد بك وكان خصيصا به فلما اصطلحا ورجع ابراهيم بك وعلي اغا كتخدا الجاويشية
تقلد على منصبه كما كان واستمر المنترجم بطالا لكنه وافر الحرمة معدودا في الاعيان ولما خرجوا من مصر في حادثة حسن باشا ارسله خشداشينه الى الروم وكاد يتم لهم الامر فقبض عليه حسن باشاوكان اذ ذاك بالعرضي في السفر ولما رجعوا الى مصر بعد موت اسمعيل بك سكن ببيت البارودي وتزوج بزوجته وهي ام ايوب التي كانت سرية مراد بك ثم سافر ثانيا الى الروم بمراسلة وهدية وقضى اشغاله ورجع بالوكالة واخذ بيت الحبانية من مصطفى اغا وعزله من وكالة دار السعادة وسكن بالبيت واختص بمراد بك اختصاصا زائدا وبنى له دار بجانبه بالجيزة وصار لا يفارقه قط وصار هو بابه الاعظم في المهمات وكان فصيح اللسان مهذب الطبع يفهم بالاشارة يظن من يراه انه من اولاد العرب لطلاقة لسانه وفصاحة كلامه ويميل بطبعه الى الخلاعة وسماع الالحان والاوتار ويعرف طرقها ويباشر الضرب عليها بيده ثم ولى الصنجقية وتقلد امارة الحج سنة 1212 وتمم اشغاله وأموره ولوازمه على ما ينبغي وطلع بالحج في تلك السنة في أبهة عظيمة على القانون القديم في أمن وأمان ورخاء وسخاء وراج موسم التجار في تلك السنة الى الغاية
وفي أيام غيابه بالحج وصل الفرنساوية الى القطر المصري وطار اليهم الخبر بسطح العقبة وارسلوا من مصر مكاتبة بالأمان وحضوره بالحج في طائفة قليلة فأرسل اليهم ابراهيم بك يطلبهم الى بلبيس فعرج المترجم بالحاج الى بلبيس وجرى ما تقدم ذكره ولم يزل حتى مات بالديار الشامية وبعد مدة أرسلت زوجته فأحضرت رمته ودفنتها بمصر بتربة المجاورين
ومات العمدة الفاضل والنحرير الكامل الفقيه العلامة السيد مصطفى الدمنهوري الشافعي تفقه على أشياخ العصر وتمهر في المعقولات ولازم الشيخ عبد الله الشرقاوي ملازمة كلية واشتهر بنسبته اليه ولما ولى مشيخة الازهر صار المترجم عنده هو صاحب الحل والعقد في القضايا والمهمات والمراسلات عند الاكابر والاعيان وكان عاقلا ذكيا وفيه ملكة واستحضار جيد للفروع الفقهية وكان يكتب على الفتاوى على لسان
شيخه المذكور ويتحرى الصواب وعبارت سلسلة جيدة وكان له شغف بكتب التاريخ وسير المتقدمين واقتنى كتبا في ذلك مثل كتاب السلوك والخطط للمقريزي واجزا من تاريخ العيني والسخاوي وغير ذلك ولم يزل حتى ركب يوما بغلته وذهب لبعض أشغاله فلما كان بخطبة الموسكي قابله خيال فرنساوي يخج فرسه فجفلت بغلة السيد مصطفى المذكور والقته من على ظهرها الى الارض وصادف حافر فرس الفرنساوي أذنه فرض صماخه فلم ينطق ولم يتحرك فرفعوه في تابوت الى منزله ومات من ليلته رحمه الله
ومات عبد الله كاشف الجرف وهو عبد اسمعيل كاشف الجرف تابع عثمان بك ذي الفقار الكبير وكان معروفا بالشجاعة والاقدام كسيده وأدرك بمصر إمارة وسيادة ونفاذ كلمة واشترى المماليك الكثيرة والخيول المسومة والجواري والعبيد وعنده عدة من الاجناد والطوائف وعمر دارا عظيمة داخل الدرب المحروق ولم يزل حتى قتل يوم السبت تاسع صفر بحرب الفرنساوية بأنبابة وكان جسيما أسود ذا شهامة وفروسية مشهورة وجبروت
ثم دخلت سنة اربع عشر ومائتين وألف
استهل شهر المحرم بيوم الاربعاء فيه حضر جماعة من الفرنسيس الى العادلية فضربوا خمسة مدافع لقدومهم فلما كان في ثاني يوم عملوا الديوان وأبرزوا مكتوبا مترجما ونسخته صورة جواب من العرضي قدام عكا وفي سابع عشرين فريبال الموافق لحادي عشر شهر الحجة 1213 من بونابارته سارى عسكر أمير الجيوش الفرنساوية الى محفل ديوان مصر نخبركم عن سفره من بر الشام الى مصر فاني بغاية العجلة بحضوري لطرفكم نسافر بعد ثلاثة أيام تمضي من تاريخه ونصل عندكم بعد خمسة عشر يوما وجائب معي جملة محابيس بكثرة وبيارق ومحقت سراية الجزار وسور عكا وبالقنبر هدمت البلد ما أبقيت فيها حجرا على حجر وجميع سكانها انهزموا من البلد الى طريق البحر والجزار مجروح ودخل بجماعته داخل برج من ناحية البحر وجرحه يبلغ لخطر الموت ومن جملة ثلاثين مركبا موسوقة عساكر الذين حضروا يساعدون الجزار ثلاثة غرقت من كثرة مدافع مراكبنا واخذنا منها أربعة موقره مدافع والذي أخذ هذه الاربعة فرقاطه من بتوعنا والباقي تلف وتبهدل والغالب منهم عدم واني بغاية الشوق الى مشاهدتكم لاني بشوف انكم عملتم غاية جهدكم من كل قلبكم لكن جملة فلاتية دائرون بالفتنة لاجل ما يحركون الشر في وقت دخولي كل هذا يزول مثل ما يزول الغيم عند شروق الشمس ومنتوره مات من تشويش هذا الرجل صعب علينا جدا والسلام ومنتوره هذا ترجمان سارى عكسر وكان لبيبا متبحرا ويعرف باللغات التركية والعربية والرومية والطلبياني والفرنساوي ولما عجز الفرنساوية عن أخذ عكا وعزموا على الرجوع الى مصر ارسل بونابارته مكاتبة الى الفرنساوية المقيمين بمصر يقول فيها ان الامر الموجب للانتقال عن محاصرة عكا خمسة عشر سببا
الاول الإقامة تجاه البلدة وعدم الحرب ستة ايام الى ان جاءت الانكليز وحصنوا عكا باصطلاح الافرنج
الثاني الستة مراكب التي توجهت من الاسكندرية فيها المدافع الكبار أخذها الانكليز قدام يافا
الثالث الطعون الذي وقع في العسكر ويموت كل يوم خمسون وستون عسكريا
الرابع عدم الميرة لخراب البلاد قريب عكا
الخامس وقعة مراد بك مع الفرنساوية في الصعيد مات فيها مقدار ثلثمائة فرنساوي
السادس بلغنا توجه اهل الحجاز صحبة الجيلاني لناحية الصعيد
السابع المغربي محمد الذي صار له جيش كبير وادعى انه من سلاطين المغرب
الثامن ورود الانكليز تجاه الاسكندرية ودمياط
التاسع ورود عمارة الموسقو قدام رودس
العاشر ورود خبر نقض الصلح بين الفرنساوية والنيمساء
الحادي عشر ورود جواب مكتوب منا لتيبو احد ملوك الهند كنا ارسلناه قبل توجهنا لعكا وتيبوا هذا هو الذي كان حضر الى اسلامبول بالهدية التي من جملتها طائران يتكلمان بالهندية والسرير والمنبر من خشب العود وطلب منه الامداد والمعاونة على الانكليز المحاربين له في بلاده فوعدوه ومنوه وكتبوا له أوراقا واوامر وحضر الى مصر وذلك في سنة 1202 ايام السلطان عبد الحميد وقد سبقت الاشارة اليه في حوادث تلك السنة وهو رجل كان مقعدا تحمله اتباعه في تخت لطيف بديع الصنعة على اعناقهم ثم انه توجه الى بلاد فرنسا واجتمع بسلطانها وذلك قبل حضوره الى مصر واتفق معه على أمر في السر لم يطلع عليه أحد غيرهما ورجع الى بلاده على طريق القلزم فلما قدم الفرنساوية لمصر كاتبه كبيرهم بذلك السر لانه اطلع عليه عند قيام الجمهور وتملكه خزانة كتب السلطان ثم ان تيبوا المذكور بقي في حرب الانكليز الى ان ظفروا به في هذه السنة وقتلوه وثلاثة من اولاده فهذا ملخص معنى السبب
الثاني عشر موت كفرللي الذي عملت المتاريس بمقتضى رأيه واذا تولى امرها غيره يلزم نقضها ويطول الامر وكفرللي هذا هو المعروف بابي خشبة المهندس
الثالث عشرة سماع ان رجلا يقال له مصطفى باشا أخذه الانكليز من اسلامبول ومرادهم أن يرموه على بر مصر
الرابع عشر ان الجزار أنزل ثقله بمراكب الانكليز وعزم على انه عندما تملك البلد ينزل في مراكبهم ويهرب معهم
الخامس عشر لزوم ومحاصرة عكا ثلاثة شهور أو أربعة وهو مضر لكل ما ذكرناه من الاسباب انتهى
وفي يوم الثلاثاء سابعه حضر جماعة ايضا من العسكر بأثقالهم وحضرت
مكاتبة من كبير الفرنساوية انه وصل الى الصالحية وأرسل دوجا الوكيل ونبه على الناس بالخروج لملاقاته بموجب ورقة حضرت من عنده يأمر بذلك
فلما كان ليلة الجمعة عاشره أرسلوا الى المشايخ والوجاقات وغيرهم فاجتمعوا بالازبكية وقت الفجر بالمشاعل ودقت الطبول وحضر الحكام والقلقات بمواكب وطبول وزمور ونوبات تركية وطبول شامية وملازمون وجاويشية وغير ذلك وحضر الوكيل وقائمقام وأكابر عساكرهم وركبوا جميعا بالترتيب من الازبكية الى أن خرجوا الى العادلية فقابلوا سارى عسكر بونابارته هناك وسلموا عليه ودخل معهم الى مصر من باب النصر بموكب هائل بعساكرهم وطبولهم وزمورهم وخيولهم وعرباتهم ونسائهم وأطفالهم في نحو خمس ساعات من النهار الى ان وصل الى داره بالازبكية وانفض الجمع وضربوا عدة مدافع عند دخولهم المدينة وقد تغيرت ألوان العسكر القادمين واصفرت ألوانهم وقاسوا مشقة عظيمة من الحر والتعب وأقاموا على حصار عكا أربعة وستين يوما حربا مستقيما ليلا ونهارا وأبلى أحمد باشا وعسكره بلاء حسنا وشهد له الخصم
وفيه قبضوا على اسمعيل القلق الخربطلي وهو المتولي كتخدا العزب وكان ساكنا بخط الجمالية وأخذوا سلاحه واصعدوه الى القلعة وحبسوه والسبب في ذلك انه عمل تل الليلة وليمة ودعا أحبابه وأصدقاءه وأحضر لهم آلات اللهو والطرب وبات سهرانا بطول الليل فلما كان اخر الليل غلب عليهم السهر والسكر فناموا الى ضحوة النهار وتأخر عن الملاقاة فلما أفاق ركب ولاقاهم عند باب النصر فنقموا عليه بذلك وفعلوا معه ما ذكر ولما وصل سارى عسكر الفرنساوية الى داره بالازبكية تجمع هناك أرباب الملاهي والبهالوين وطوائف الملاعبين والحواة والقرادين والنساء الراقصات والخلابيض ونصبوا أراجيح مثل ايام الاعياد والمواسم واستمروا على ذلك ثلاثة ايام وفي كل يوم من تلك الايام يعملون شنكا وحراقات ومدافع وسواريخ ثم انفض الجمع بعد ما أعطاهم سارى عسكر دراهم وبقاشيش
وفي يوم الاحد عزلوا دستان قائمقام وتولى عوضه دوجا الذي كان وكيلا عن سارى عسكر وتهيأ المعزول للسفر الى جهة بحرى وأصبح مسافرا وصحبته نحو الآلف من العسكر وسافر ايضا منهم طائفة الى جهة البحيرة
وفيه طلبوا من طوائف النصارى دراهم سلفة مقدار مائة وعشرين ألف ريال
وفي خامس عشرة أرسلوا الى زوجات حسن بك الجداوي وختموا على دورهن ومتاعهن وطالبوهن بالمال وذلك لسبب ان حسن بك التف على مراد بك وصار يقاتل الفرنسيس معه وقد كانت الفرنسيس كاتبت حسن بك وأمتته وأقرته عل ما بيده من البلاد وان لا يخالف ويقاتل مع الاخصام فلم يقبل منهم ذلك فلما وقع لنسائه ذلك ذهبن الى الشيخ محمد المهدي ووقعن عليه فصالح عليهم بمبلغ ثلاثة آلاف فرانسة
وفي تاسع عشرة هلك مخاييل كحيل النصراني الشامي وهو من رجال الديوان الخصوصي فجأة وذلك لقهره وغمه وسبب ذلك أنهم قرروا عليه في السلفة ستة آلاف ريال فرانسة وأخذ في تحصيلها ثم بلغه أن أحمد باشا الجزار قبض على شريكه بالشام واستصفى ما وجده عنده من المال فورد عليه الخبر وهو جالس يتحدث مع اخوانه حصة من الليل فخرجت روحه في الحال
وفيه كتبوا أوراقا وطبعوها والصقوها بالاسواق وذلك بعد ان رجعوا من الشام واستقروا وهي من ترصيف وتنميق بعض الفصحاء
وصورتها من محفل الديوان الخصوصي بمحروسة مصر خطابا لاقاليم مصر الشرقية والغربية والمنوفية والقليوبية والجيزة والبحيرة النصيحة من الايمان قال تعالى في محكم القرآن ولا تتبعوا خطوات الشيطان وقال تعالى وهو اصدق القائلين في الكتاب المكنون ولا تطيعوا أمر المسرفين الذين يفسدون في الارض ولا يصلحون فعلى العاقل يتدبر في الامور قبل أن يقع في المحذور نخبركم معاشر
المؤمنين انكم لا تسمعوا كلام الكاذبين فتصبحوا على ما فعلتم نادمين وقد حضر الى محروسة مصر المحمية امير الجيوش الفرنساوية حضرة بونابارته محب الملة المحمدية ونزل بعسكره في العادلية سليما من العطب والاسقام ودخل الى مصر من باب النصر يوم الجمعة في موكب عظيم وشنك جليل فخيم وصحبته العلماء والوجاقات السلطانية وأرباب الاقلام الديوانية وأعيان التجار المصرية وكان يوما عظيما مشهودا وخرجت اهل مصر لملاقاته فوجدوه وهو الامير الاول بذاته وصفاته وظهر لهم ان الناس يكذبون عليه شرح الله صدره للاسلام والذي أشاع عنه الاخبار الكاذبة العربان الفاجرة والغز الهاربة ومرادهم بهذه الاشاعة هلاك الرعية وتدمير اهل الملة الاسلامية وتعطيل الاموال الديوانية لا يحبون راحة العبيد وقد أزال الله دولتهم من شدة ظلمهم ان بطش ربك لشديد وقد بلغنا ان الالفي توجه الى الشرقية مع بعض المجرمين من عربان بلى والعيايدة الفجرة المفسدين يسعون في الارض بالفساد وينهبون أموال المسلمين ان ربك لبالمرصاد ويزورون على الفلاحين المكاتيب الكاذبة ويدعون ان عساكر السلطان حاضرة والحال انها ليست بحاضرة فلا أصل لهذا الخبر ولا صحة لهذا الأثر وانما مرادهم وقوع الناس في الهلاك والضرر مثل ما كان يفعل ابراهيم بك في غزة حيث كان ويرسل فرمانات بالكذب والبهتان ويدعى انها من طرف السلطان ويصدقه أهل الارياف خسفاء العقول ولا يقرأون العواقب فيقعون في المصائب وأهل الصعيد طردوا الغز من بلادهم خوفا على أنفسهم وهلاك عيالهم وأولادهم فان المجرم يؤخد مع الجيران وقد غضب الله على الظلمة ونعوذ بالله من غضب الديان فكان اهل الصعيد احسن عقلا من اهل بحرى بسبب هذا الرأي السديد ونخبركم ان احمد باشا الجزار سموه بهذا الاسم لكثرة قتله الانفس ولا يفرق بين الاخبار والاشرار وقد جمع الطموش الكثيرة من العسكر والغز والعرب واسافل العشيرة وكان مراده الاستيلاء على مصر وأقاليمها واحبوا اجتماعهم عليه لاجل اخذ اموالها
وهتك حريمها ولكن لم تساعده الأقدار والله يفعل ما يشاء ويختار وقد كان ارسل بعض هذه العساكر الى قلعة العريش ومراده ان يصل الى قطيا فتوجه حضرة سارى عسكر امير الجيوش الفرنساوية وكسر عسكر الجزار الذين كانوا في العريش ونادوا الفرار الفرار بعدما حصل بعسكرهم القتل والدمار وكانوا نحو ثلاثة آلاف وملك قلعة العريش واخذ غزة وهرب من كان فيها وفروا ولما دخل غزة نادى في رعيتها بالامان وامر باقامة الشعائر الاسلامية واكرام العلماء والتجار والاعيان ثم انتقل الى الرملة واخذ ما فيها من بقسماط وارز وشعير وقرب اكثر من الفي قربة كبار كان قد جهزها الجزار لذهابه الى مصر ثم توجه الى يافا وحاصرها ثلاثة ايام ثم اخذها واخذ ما فيها من ذخائر الجزار بالتمام ومن نحوسات اهلها انهم لم يرضوا بأمانة ولم يدخلوا تحت طاعته واحسانه فدور فيهم السيف من شدة غيظه وقوة بأسه وسلطانه وقتل منهم نحو اربعة آلاف او يزيدون بعدما هدم سورها واكرم من كان بها من اهل مصر واطعمهم وكساهم وجهزهم في المراكب الى مصر وغفرهم بعسكره خوفا عليهم من العربان واجزل عطاياهم وكان في يافا نحو خمسة آلاف من عسكر الجزار هلكوا جميعا وبعضهم ما نجاه الا الفرار ثم توجه من يافا الى جبل نابلس فكسر من كان فيه من العساكر بمكان يقال له فاقوم وحرق خمسة بلاد من بلادهم وما قدر كان ثم اخرب سور عكا وهدم قلعة الجزار التي كانت حصينة لم يبق فيها حجر على حجر حتى انه يقال كان هناك مدينة وقد كان بني حصارها وشيد بنيانها في نحو عشرين من السنين وظلم في بنيانها عباد الله وهكذا عاقبة بنيان الظالمين ولما توجه اليه أهل بلاد الجزار من كل ناحية كسرهم كسرة شنيعة فهل ترى لهم من باقية نزل عليهم كصاعقة من السماء ثم توجه راجعا الى مصر المحروسة لاجل شيئين
الاول انه وعدنا برجوعه الينا بعد أربعة أشهر والوعد عند الحردين
والسبب الثاني انه بلغه ان بعض المفسدين من الغز والعربان يحركون
في غيابه الفتن والشرور في بعض الاقاليم والبلدان فلما حضر سكنت الفتنة وزالت الاشرار والفجرة من الرعية وحبه لمصر واقليمها شيء عجيب ورغبته في الخير لاهلها ونيلها بفكره وتدبيره المصيب ويرغب ان يجعل فيها احسن التحف والصناعة ولما حضر من الشام أحضر معه جملة من الاسارى من خاص وعام وجملة مدافع وبيارق اغتنمها في الحروب من الاعداء والاخصام فالويل كل الويل لمن عاداه والخير كل الخير لمن والاه فسلموا يا عباد الله وارضوا بتقدير الله وامتثلوا لاحكام الله ولا تسعوا في سفك دمائكم وهتك عيالكم ولا تتسببوا في نهب أموالكم ولا تسمعوا كلام الغز الهربانين الكاذبين ولا تقولوا ان في الفتنة اعلاه كلمة الدين حاشا الله لم يكن فيها الا الخذلان وقتل الانفس وذل أمة النبي عليه الصلاة و السلام والغز والعربان يطمعوكم ويغروكم لاجل أن يضروكم فينهبوكم واذا كانوا في بلد وقدمت عليهم الفرنسيس فروا هاربين منهم كأنهم جند ابليس ولما حضر سارى عسكر الى مصر أخبر أهل الديوان من خاص وعام انه يحب دين الاسلام ويعظم النبي عليه الصلاة و السلام ويحترم القرآن ويقرأ منه كل يوم باتقان وأمر بأقامة شعائر المساجد الاسلامية واجراء خيرات الاوقاف السلطانية واعطى عوائد الوجاقلية وسعى في حصول اقوات الرعية فانظروا هذه الالطاف والمزية ببركة نبينا اشرف البرية وعرفنا ان مراده ان يبني لنا مسجدا عظيما بمصر لا نظير له في الاقطار وانه يدخل في دين النبي المختار عليه افضل الصلاة واتم السلام انتهى بحروفه
وكان أشيع بمصر قبل مجيئهم وعودهم من الشام بان سارى عسكر يونابارته مات بحرب عكا وتناقله الناس وانهم ولو اخلافه فهذا هو السبب في قولهم في ذلك الطومار وقد حضر سليما من العطب فوجدوه هو الامير الاول بذاته وصفاته الى آخر السياق المتقدم
وفي ثاني عشرينه أرسل سارى عسكر جماعة من العسكر وقبضوا على ملا زاده ابن قاضي العسكر ونهبوا بعضا من ثيابه وكتبه وطلعوا به
الى القلعة فانزعج عليه عياله وحريمه ووالدته انزعاجا شديدا وفي صبحها اجتمع أرباب الديوان بالديوان وحضر اليهم ورقة من كبير الفرنسيس قرئت عليهم مضمونها أن سارى عسكر قبض على ابن القاضي وعزله وانه وجه اليكم أن تقترعوا وتختاروا شيخا من العلماء يكون من أهل مصر ومولودا بها يتولى القضاء ويقضي بالاحكام الشرعية كما كانت الملوك المصرية يولون القضاء برأى العلماء للعلماء فلما سمعوا ذلك أجاب الحاضرون بقولهم اننا جميعا نتشفع ونترجى عنده في العفو عن ابن القاضي فإنه انسان غريب ومن أولاد الناس الصدور وان كان والده وافق كتخدا الباشا في فعله فولده مقيم تحت أمانكم والمرجو انطلاقه وعوده الى مكانه فان والدته وجدته وعياله في وجد وحزن عظيم عليه وسارى عسكر من اهل الشفقة والرحمة وتكلم الشيخ السادات بنحو ذلك وزاد في القول بان قال وايضا انكم تقولون دائما ان الفرنساوية احباب العثمانية وهذا ابن القاضي من طرف العثملي فهذا الفعل مما يسيء الظن بالفرنساوية ويكذب قولهم وخصوصا عند العامة فاجاب الوكيل بعدما ترجم له الترجمان بقوله لا بأس بالشفاعة ولكن بعد تنفيذ امر سارى عسكر في اختيار قاض خلافه والا تكونوا مخالفين ويلحقكم الضرر بالمخالفة فامتثلوا وعملوا القرعة فطلعت الاكثرية باسم الشيخ احمد العريشي الحنفي ثم كتبوا عرضحال بصورة المجلس والشفاعة وكتب عليه الحاضرون وذهب به الوكيل الى سارى عسكر وعرفه بما حصل وبما تكلم به الشيخ السادات فتغير خاطره عليه وأمر باحضاره آخر النهار فلما حضر لامه وعاتبه فتكلم بينهما الشيخ محمد المهدي ووكيل الديوان الفرنساوي بالديوان حتى سكن غيظه وامره بالانصراف الى منزله بعد ان عوقه حصة من الليل فلما اصبح يوم الجمعة عملوا جمعية في منزل دوجا قائمقام وركبوا صحبته الى بيت سارى عسكر ومعهم الشيخ احمد العريشي فألبسه فروة مثمنة وركبوا جميعا الى المحكمة الكبيرة بين القصرين ووعدهم بالافراج عن ابن القاضي بعد اربع وعشرين ساعة
وقد كانت عياله انتقلوا من خوفهم الى دار السيد احمد المحروقي وجلسوا عنده ولما كان في ثاني يوم افرجوا عنه ونزل الى عياله وصحبته أرباب الديوان والاغا ومشوا معه في وسط المدينة ليراه الناس ويبطل القيل والقال
وفي تلك الليلة قتلوا شخصين احدهما علي جاويش رئيس الريالة الذي كان بالاسكندرية عند حضور الفرنسيس والثاني قبطان آخره فلم يزالا بمصر يحبسونهما أياما ثم يطلقونهما فحبسوهما آخرا فلم يطلقوهما حتى قتلوهما
وفي صبيحة ذلك اليوم قتلوا شخصين ايضا من الاتراك بالرميلة
وفيه افرجوا عن زوجات حسن بك الجداوي
وفي ثامن عشرينه جمعوا الوجاقلية وكتبوا أسماءهم
وفي تاسع عشرينه قبضوا على ثلاثة انفار أحدهم يسمى حسن كاشف من اتباع ايوب بك الكبير وآخر يسمى ابو كلس والثالث رجل تاجر من تجار خان الخليلي يسمى حسين مملوك الدالي ابراهيم فسجنوهم بالقلعة فتشفع الشيخ السادات في حسين التاجر المذكور فأطلقوه على خمسة آلاف فرانسة
واستهل شهر صفر الخير بيوم الجمعة سنة
فيه افرجوا عن بعض قرابة كتخدا الباشا وكان محبوسا بالجيزة ثم نقل الى القلعة مع كتخدا قريبة فانطلق وبقي الاخر
وفي يوم الاحد ثالثه حضر السيد عمر افندي نقيب الاشراف سابقا من دمياط الى مصر وكان مقيما هناك من بعد واقعة يافا ونزل مع الذين انزلوهم من يافا الى البحر وفيهم عثمان افندي العباسي وحسن افندي كاتب الشهر واخوه قاسم افندي واحمد افندي عرفة والسيد يوسف العباسي والحاج قاسم المصلي وغيرهم فمنهم من عوق بالكرنتيلة ومنهم من حضر من البرخفية فحضر بعض الاعيان لملاقاة السيد عمر وركبوا معه بعد ان مكث هنيهة بزاوية علي بك التي بساحل بولاق حتى وصل الى داره وتوجه ثاني يوم مع المهدي وقابل سارى عسكر فبش له ووعده بخير ورد اليه بعض تعلقاته واستمر مقيما بداره والناس تغدو وتروح اليه على العادة
وفي رابعة حضر ايضا حسن كتخدا الجربان بامان وكان بصحبته عثمان بك الشرقاوي وفيه اشيع ان مراد بك ذهب الى ناحية البحيرة فرار من الفرنسيس الذين بالصعيد
وفي خامسة قتلوا عبد الله آغا امير يافا وكان اخذ اسيرا وحبس ثم قتل
وفيه قتل ايضا يوسف جربجي ابو كلس ورفيقه حسن كاشف
وفي سادسه عمل الشيخ محمد المهدي وليمة عرس لزواج احد أولاده ودعا سارى عسكر وأعيان الفرنساوية فتعشوا عنده وذهبوا
وفيه أحضروا اربعة عشر مملوكا اسرى واصعدوهم الى القلعة قيل انهم كانوا لاحقين بمراد بك بالبحيرة فآوو الى قبة يستظلون بها وتركوا خيولهم مع السواس فنزل عليهم طائفة من العرب فأخذوا الخيول فمروا مشاة فدل الفلاحون عليهم عسكر الفرنسيس فمسكوهم وقيل انهم آووا الى بلده وطلبوا منهم غرامة فصالحوهم فلم يرضوا بذلك بدون ما طلبوا فوعدوهم بالدفع من الغد وكانوا أكثر من ذلك وفيهم كاشف من جماعة عثمان بك الطنبرجي فذهب الفلاحون الى الفرنسيس واعلموهم بمكانهم فحضروا اليهم ليلا وفر من فر منهم وقتل من قتل وأسر الباقي
وأما الكاشف فيسمى عثمان التجأ الى كبير الفرنسيس فحماه واخذه عنده وأحضروا الاسرى الى مصر وعليهم ثياب زرق وزعابيط وعلى رؤوسهم عراقي من لباد وغيره وأصعدوهم الى القلعة وقتلوا منهم في ثاني ليلة أشخاصا
وفي تاسعه احضروا ايضا ستة اشخاص من المماليك واصعدوهم الى القلعة وفي ذلك اليوم قتلوا أيضا نحو العشرة من الاسرى المحابيس
وفي يوم الاحد عاشره ركب في عصريته سارى عسكر وعدى الى بر الجيزة وتبعته العساكر ولم يعلم سبب ذلك ولما صاروا بالجيزة ضربوا
نجع البطران ودهشور بسبب نزول مراد بك عندهم وفي هذا اليوم ظهر ان مراد بك رجع ثانيا الى الصعيد وشاع الخبر ايضا ان عثمان بك الشرقاوي وسليمان اغا الوالي وآخرين مروا من خلف الجبل وذهبوا الى ناحية الشرق فخرج عليهم جماعة من العسكر وفيهم برطلمين يني الرومي رئيس عسكر الاروام ومعهم عدة وافرة من اخلاط العسكر اروام وقبط والمماليك المنضمة اليهم وبعض فرنساوية فأدركوهم بالقرب من بلبيس واتوهم من خلاف الطريق المسلوكة فدهموهم على حين غفلة وكان عثمان بك يغتسل فلما احسوا بهم بادروا للفرار وركبوا وركب عثمان بك بقميص واحد على جسده وطاقية فوق رأسه وهربوا وتركوا ثيابهم ومتاعهم وحملتهم وقدور الطعام على النار ولم يمت منهم الا مملوكان واسروا منهم اثنين ووجدوا على فراش عثمان بك مكاتبة من ابراهيم بك يستدعيهم الى الحضور اليه بالشام
وفي ليلة الاثنين حادي عشره وردت اخبار ومكاتيب مع السعاة لبعض الناس من الاسكندرية وابي قير واخبروا بانه وردت مراكب فيها عسكر عثمانية الى أبي قير فتبين ان حركة الفرنساوية وتعديتهم الى البر الغربي بسبب ذلك واخذوا صحبتهم جرجس الجوهري وفي ضحوة اليوم الثاني عدى الكثير من العسكر ايضا واهتم حنا بينو المتولي على بحر بولاق بجمع المراكب وشحنها بالقومانية والذخيرة وداخل الفرنساوية من ذلك وهم كبير ولما عدى كبيرهم الى بر الجيزة أقام يوم الاثنين عند الاهرام حتى تجمعت العساكر وبعث بالمقدمة وركب هو في يوم الثلاثاء ثاني عشره وأرسل مكتوبا الى ارباب الديوان بالسلام عليهم والوصية بالمحافظة وضبط البلد والرعية كما فعلوا في غيبته السابقة
وفي سادس عشره ورد الخبر بأن عثمان خجا وصل الى قلعة أبي قير صحبة السيد مصطفى باشا فضربوا على القلعة وقاتلوا من بها من الفرنساوية وملكوها وأسروا من بقي بها وعثمان خجا هذا هو الذي كان متواليا امارة رشيد من طرف صالح بك وحج معه ورجع صحبته الى الشام فلما
توفي صالح بك سافر الى الديار الرومية وحضر صحبة مصطفى باشاالمذكور فلما تحققت هذه الاخبار كثر اللغط في الناس وأظهروا البشر وتجاهروا بلعن النصارى واتفق انه تشاجر بعض المسلمين بحارة البرابرة بالقرب من كوم الشيخ سلامة مع بعض نصارى السوام فقال المسلم للنصراني ان شاء الله تعالى بعد أربعة ايام نشتقي منكم وكلام من هذا المعنى فذهب ذلك النصراني الى الفرنسيس مع عصبة من جنسه واخبروهم بالقصة وزادوا وحرفوا وعرفوهم ان قصد المسلمين اثارة فتنة فأرسل قائممقام الى الشيخ المهدي وتكلم معه في شأن ذلك وحاججه وأصبحوا فأجتمعوا بالديوان فقام المهدي خطيبا وتكلم كثيرا ونفى الريبة وكذب أقوال الاخصام وشدد في تبرئة المسلمين عما نسب اليهم وبالغ في الحطيطة والانتقاص من جانب النصارى وهذا المقام من مقاماته المحمودة ثم جمعوا مشايخ الاخطاط والحارات
وفي ثامن عشره وردت أخبار وعدة مكاتيب لكثير من الاعيان ولتجار وكلها على نسق واحد تزيد عن الماءة مضمونها بأن المسلمين وعسكر العثمانيين ومن معهم ملكوا الاسكندرية في ثالث ساعة من يوم السبت سادس عشر صفر فصار الناس يحكي بعضهم لبعض ويقول البعض أنا قرأت المكتوب الواصل الى فلان التاجر ويقول الآخر مثل ذلك ولم يكن لذلك أصل ولا صحة ولم يعلم من فعل هذه الفعلة واختلق هذه النكتة ولعلها من فعل بعض النصارى البلديين ليوقعوا بها فتنة في الناس ينشأ منها القتل فيهم والاذية لهم وسبحان الله علام الغيوب
وفي ليلة الاربعاء عشرينه اشيع أن الفرنساوية تحاربوا مع العساكر الواردين على ابي قير وظهروا عليهم وقتلوا الكثير منهم ونهبوهم وملكوا منهم قلعة أبي قير وأخذوا مصطفى باشا أسيرا وكذلك عثمان خجا وغيرهما واخبر الفرنسيس انه حضرت لهم مكاتبة بذلك من اكابرهم فلما طلع النهار ضربوا مدافع كثيرة من قلعة الجبل وباقي القلاع المحيطة وبصحن الازبكية وعملوا في ليلتها أعني ليلة الاربعاء حراقة بالازبكية
من نفوط وبارود وسواريخ تصعد في الهواء
وفي يوم الخميس ثامن عشرينه وصلت عدة مراكب وبها اسرى وعساكر جرحى وكذلك يوم الجمعة تاسع عشرينه حضرت مكاتبة من الفرنسيس بحكاية الحالة التي وقعت لم اقف على صورتها
واستهل ربيع الاول بيوم السبت سنة
في ثانيه وصلت مراكب من بحري وفيها جرحى من الفرنساوية
وفيه قبضوا على الحاج مصطفى البشتيلي الزيات من اعيان اهالي بولاق وحبسوه ببيت قائممقام والسبب في ذلك ان جماعة من جيرانه وشوا عنه بانه يدخل بعض حواصله الذي في وكالته عدة فدور مملوءة بالبارود فكبسوا على الحواصل فوجدوا بها ذلك أخبر الواشي فأخذوها وقبضوا عليه وحبسوه كما ذكر ثم نقلوه الى القلعة
وفي سادسه حضر ايضا جملة من العسكر وكثر لغط الناس على عادتهم في رواية الاخبار
وفيه حضرت حجاج المغاربة ووصلوا صحبة الحج الشامي وأخبروا انهم حجوا صحبته وأمير الحاج الشامي عبد الله باشا ابن العظم
وفي ليلة الاحد تاسعه حضر سارى عسكر الفرنساوية بونابارته ودخل الى داره بالازبكية وحضر صحبته عدة اناس من اسرى المسلمين وشاع الخبر بحضوره فذهب كثير من الناس الى الازبكية ليتحققوا الخبر على جليته فشاهدوا الاسرى وهم وقوف في وسط البركة ليراهم الناس ثم انهم صرفوهم بعد حصة من النهار فأرسلوا بعضهم الىجامع الظاهر خارج الحسينية واصعدوا باقيهم الى القلعة وأما مصطفى باشا سارى عسكر فانهم لم يقدموا به لمصر بل ارسلوه الى الجيزة مكرما وابقوا عثمان خجا بالاسكندرية ولما استقر بونابارته في منزله ذهب للسلام عليه المشايخ والاعيان وسلموا عليه فلما استقر بهم المجلس قال لهم على لسان الترجمان ان سارى عسكر يقول لكم انه لما سافر الى الشام كانت حالتكم طيبة في غيابه وأما في هذه المرة فليس كذلك لانكم كنتم تظنون أن الفرنسيس لا يرجعون بل يموتون عن آخرهم فكنتم فرحانين ومستبشرين وكنتم تعارضوا الاغا في احكامه وان المهدي والصاوي ما هم بونوأى ليسوا بطيبين ونحو ذلك وسبب كلامه هذا الحكاية المتقدمة التي حبسوا بسببها مشايخ الحارات فان الاغا الخبيث كان يريد ان يقتل في كل يوم اناسا بادنى سبب فكان المهدي والصاوي يعارضانه ويتكلمان معه في الديوان ويوبخانه ويخوفانه سوء العاقبة وهو يرسل الى سارى عسكر فيطالعه بالاخبار يشكو منهما فلما حضر عاتبهم في شأن ذلك فلاطفوه حتى انجلى خاطره وأخذ يحدثهم على ما وقع له من القادمين الى أبي قير والنصر عليهم وغير ذلك
وفي يوم الثلاثاء حادي عشره عمل المولد النبوي بالازبكية ودعا الشيخ خليل البكري سارى عسكر الكبير مع جماعة من أعيانهم وتعشوا عنده وضربوا ببركة الازبكية مدافع وعملوا حراقة وسواريخ ونادوا في ذلك اليوم بالزينة وفتح الاسواق والدكاكين ليلا واسراج قناديل واصطناع مهرجان وورد الخبر بان الفرنسيس احضروا عثمان خجا ونقلوه من الاسكندرية الى رشيد فدخلوا به البلد وهو مكشوف الرأس حافي القدمين وطافوا به البلد يزفونه بطبولهم حتى وصلوا به الى داره فقطعوا رأسه تحتها ثم رفعوا رأسه وعلقوها من شباك داره ليراها من يمر بالسوق
وفي ثالث عشره أشيع بان كبير الفرنسيس سافر الى جهة بحري ولم يعلم أحد أي جهة يريد وسئل بعض اكابرهم فأخبر ان سارى عسكر المنوفية دعاه لضيافته بمنوف حين كان متوجها الى ناحية ابي قير ووعده بالعود اليه بعد وصوله الى مصر وراج ذلك على الناس وظنوا صحته
ولما كان يوم الاثنين سادس عشره خرج مسافرا من آخر الليل وخفى امره على الناس
وفي يوم الاثنين رابع عشرينه الموافق التاسع مسرى القبطي كان وفاء النيل المبارك فنودى بوفائه على العادة وخرج النصارى البلدية من القبطة والشوم والاروام وتأهبوا للخلاعة والقصف والتفرج واللهو والطرب
وذهبوا تلك الليلة الى بولاق ومصر العتيقة والروضة واكثروا المراكب ونزلوا فيها وصحبتهم الآلات والمغاني وخرجوا في تلك الليلة عن طورهم ورفضوا الحشمة وسلكوا مسلك الامراء سابقا من النزول في المراكب الكثيرة المقاذيف وصحبتهم نساؤهم وقحابهم وشرابهم وتجاهروا بكل قبيح من الضحك والسخرية والكفريات ومحاكاة المسلمين وبعضهم تزيابزي امراء مصر ولبس سلاحاوتشبه بهم وحاكى الفاظهم على سبيل الاستهزاء والسخرية وغير ذلك واجرى الفرنساوية المراكب المزينة وعليها البيارق وفيها انواع الطبول والمزامير في البحر ووقع في تلك الليلة بالبحر وسواحله من الفواحش والتجاهر بالمعاصي والفسوق مالا يكيف ولا يوصف وسلك بعض غوغاء العامة وأسافل العلام ورعاعهم مسالك تسفل الخلاعة ورذالة الرقاعة بدون ان ينكر احد على احد من الحكام او غيرهم بل كل انسان يفعل ما تشتهيه نفسه وما يخطر بباله وان لم يكن من امثاله
واكثر الفرنسيس في تلك الليلة وصباحها من رمي المدافع والسواريخ من المراكب والسواحل وباتوا يضربون انواع الطبول والمزامير وفي الصباح ركب دوجا قائممقام وصحبته اكابر الفرنسيس واكابر اهل مصر وحضروا الى قصر السد وجلسوا به واصطفت العساكر ببر الروضة وبر مصر القديمة باسلحتهم وطبولهم وبعضهم في المراكب لضرب المدافع المتتالية الى ان انكسر السد وجرى الماء في الخليج فانصرفوا
وفي خامس عشرينه طلبوا من كل طاحون من الطواحين فرسا
وفي سادس عشرينه كتبوااوراقا والصقوها بالاسواق مضمونها ان الناس يذهبون الى بولاق يوم التاسع والعشرين ليحضروا سوق الخيل ويشتروا ما احبوا من الخيل
وفيه الصقوا اوراقا ايضا مضمونها بأن من كان عليه مال ميري ملزوم بغلاقه ومن لم يغلق ما عليه بعد مضي عشرين يوما عوقب بما يليق به ونادوا بموجب ذلك بالاسواق
وفي سابع عشرينه كتبوا اوراقا ايضا مضمونها انقضاء سنة مؤاجرات اقلام المكوس ومن اراد استثمار شيء من ذلك فليحضر الى الديوان وياخذ ما يريد بالمزاد
وفيه افرج عن الانفار التي قدم بها الفرنساوية من غزة وحبست بالقلعة على مصلحة خمسة وسبعين كيسا دفعوا بعضها وضمنهم اهل وكالة الصابون في البعض الباقي فانزلوهم من القلعة على هذا الاتفاق بشرط ان لا يسافر منهم احد الا بعد غلاق ما عليه
وفي ثامن عشرينه تشفع ارباب الديوان في اهل يافا المسجونين بالقلعة ايضا فوقع التوافق معهم على الافراج عنهم بمصلحة مائة كيس فاجتمع الرؤساء والتجار وترووا واشتوروا في مجلس خاص بينهم فاتفق الحال على تقسيطها وتاجيلها في كل عشرين يوما خمسة وعشرون كيسا فدفع التجار خمسة وعشرين كيسا وافرج عنهم من القلعة واجلوا الباقي على الشرح المذكور
وفيه ورد من بونابارته سارى عسكر الفرنساوية كتاب من الاسكندرية خطا بالاهل مصر وسكانها فأحضر قائممقام دوجا الرؤساء المصرية وقرأ عليهم الكتاب مضمونه انه سافر يوم الجمعة حادي عشرين الشهر المذكور الى بلاد الفرنساوية لاجل راحة اهل مصر وتسليك البحر فيغيب نحو ثلاثة أشهر ويقدم مع عساكره فإنه بلغه خروج عمارتهم ليصفوا له ملك مصر ويقطع دابر المفسدين وان المولى على أهل مصر وعلى رياسة الفرنساوية جميعا كلهبر سارى عسكر دمياط فتحير الناس وتعجبوا في كيفية سفره ونزوله البحر مع وجود مراكب الانكليز ووقوفهم بالثغر ورصدهم الفرنساوية من وقت قدومهم الديار المصرية صيفا وشتاء ولكيفية خلوصة وذهابه أنباء وحيل لم أقف على حقيقتها
وفي يوم السبت تاسع عشرينه قدم سارى عسكر كلهبر صبيحة ذلك اليوم فضربوا لقدومه المدافع من جميع القلاع وتلقته كبار الفرنساوية وأصاغرهم وذهب الى بيت بونابارته الذي كان ساكنا به وهو بيت الالفي
بالازبكية وسكن مكانه وفي ذلك اليوم قدمت طائفة من العسكر من جهة الشرقية وصحبتهم منهوبات كثيرة من بلد عصت عليهم فضربوها ونهبوها ومعهم نحو السبعين من الرجال والصغار وبعض النساء وهم موثقون بالحبال فسجنوهم بالقلعة
وفيه ذهب أكابر البلد من المشايخ والاعيان لمقابلة سارى عسكر الجديد للسلام عليه فلم يجتمعوا به ذلك اليوم ووعدوا الى الغد فانصرفوا وحضروا في ثاني يوم فقابلوه فلم يروا منه بشاشة ولا طلاقة وجه مثل بونابارته فإن كان بشوشا ويباسط الجلساء ويضحك معهم
واستهل شهر ربيع الثاني بيوم الاحد سنة
في اوائله ابتدأوا في عمل مولد المشهد الحسيني وقهروا الناس وكرروا المناداة بفتح الحوانيت والسهر ووقود القناديل عشر ليال متوالية آخرها ليلة الخميس ثاني عشرة
وفيه طلب سارى عسكر الجديد من نصارى القبط مائة وخمسين الف ريال فرانسة في مقابلة بواقي سنة 1212 وشرعوا في تحصيلها
وفي يوم الجمعة سادسه ركب سارى عسكر الجديد من الازبكية ومشى في وسط المدينة في موكب حافل حتى صعد الى القلعة وكان امامه نحو الخمسمائة قواس وبأيديهم النبابيت وهم يامرون الناس بالقيام والوقوف على الاقدام لمروره وكان صحبته عدة كثيرة من خياله الافرنج وبأيديهم السيوف المسلولة والوالي والاغا وبرطلمين بمواكبهم وكذلك القلقات والوجاقلية وكل من كان مولى من جهتهم ومنضما اليهم ماعدا رؤساء الديوان من الفقهاء فلم يطبلوهم للحضور ولا للمشي في ذلك الموكب ولما صعد الى القلعة ضربوا له عدة مدافع وتفرج على القلعة ثم نزل بذلك الموكب الى داره
وفي يوم السبت سابعه ركب اغاة الينكجرية في ابهة عظيمة وجبروت وامامه عدة من عسكر الفرنسيس وامامه المنادى يقول حكم مارسم سارى عسكر خطابا للاغا ان جميع الدعاوى والقضايا العامية لا تعمل الا ببيت الاغا وكل من تعدى من الرعايا او وقع منه قلة ادب يستأهل ما يجري عليه
وفيه ركب سارى عسكر الكبير في موكب دون الاول ووصل الى بيت رئيس الديوان الشيخ عبد الله الشرقاوي ثم رجع الى داره
وفي يوم الاحد ثامنه عمل سارى عسكر وليمة في بيته ودعا الاعيان والتجار والمشايخ فتعشوا عنده ثم انصرفوا الى دورهم
وفي يوم الثلاثاء عاشره وكان آخر المولد الحسيني وحضر سارى عسكر الفرنساوية مع اعيانهم الى بيت شيخ السادات بعد العصر في موكب عظيم وأمامه الاغا والوالي والمحتسب وعدة كبير من عسكرهم وبيدهم السيوف المسلولة فتعشوا هناك وركبوا بعد المغرب وشاهدوا وقود القناديل
وفي سادس عشرة نودى بنشر الحوائج وكتبوا بذلك اوراقا والصقوها بالاسواق وشددوا في ذلك بالتفتيش والنظر بجماعة من طرف مشايخ الحارات ومع كل منهم عسكرى من طرف الفرنساوية وامرأة ايضا للكشف على اماكن النساء فكان الناس يأنفون من ذلك ويستثقلونه ويستعظمونه وتحدثهم أوهامهم بأمور يتخيلونها كقولهم انما يريدون بذلك الاطلاع على أماكن الناس ومتاعهم مع أنه لم يكن شيء سوى التخوف من العفونة والوباء
وفي عشرينه نودى بعمل مولد السيد علي البكري المدفون بجامع الشرايبي بالازبكية بالقرب من الرويعي وأمروا الناس بوقود قناديل بالازقة في تلك الجهات وأذنوا لهم بالذهاب والمجيء ليلا ونهارا من غير حرج وقد تقدم ذكر بعض خبر هذا السيد وانه كان رجلا من البله وكان يمشي بالاسواق عريانا مكشوف الرأس والسوأتين غالبا وله أخ صاحب دهاء ومكر لا يلتئم به واستمر على ذلك مدة سنين ثم بدا لاخيه في أمر لما رأى من ميل الناس لاخيه واعتقادهم فيه كما هي عادة أهل مصر في أمثاله فحجر عليه ومنعه من الخروج من البيت وألبسه ثيابا وأظهر للناس
انه اذن له بذلك وانه تولى القطبانية ونحو ذلك فأقبلت الرجال والنساء على زيارته والتبرك به وسماع الفاظه والانصات الى تخليطاته وتأويلها بما في نفوسهم وطفق أخوه المذكور يرغبهم ويبث لهم في كراماته وانه يطلع على خطرات القلوب والمغيبات وينطق بما في النفوس فانهمكوا على الترداد اليه وقلد بعضهم بعضا واقبلوا عليه بالهدايا والنذور والامدادات الواسعة من كل شيء وخصوصا من نساء الامراء والاكابر وراج حال أخيه واتسعت امواله ونفقت سلعته وصادت شبكته وسمن الشيخ من كثرة الاكل والدسومة والفراغ والراحة حتى صار مثل البو العظيم فلم يزل على ذلك الى أن مات في سنة سبع بعد المائتين كما تقدم فدفنوه بمعرفة أخيه في قطعة حجر عليها من هذا المسجد من غير مبالاة ولا مانع وعمل عليه مقصورة ومقاما وواظب عنده بالمقرئين والمداحين وأرباب الاشاير والمنشدين بذكر كراماته وأوصافه في قصائدهم ومدحهم ونحو ذلك ويتواجدون ويتصارخون ويمرغون وجوههم على شباكه وأعتابه ويغرفون بأيديهم من الهواء المحيط به ويضعونه في أعبابهم وصار ذلك المسجد مجمعا وموعدا فلما حضر الفرنساوية الى مصر تشاغل عنه الناس واهمل شانه في جملة المهملات وترك مع المتروكات فلما فتح امر الموالد والجمعيات ورخص الفرنساوية ذلك للناس لما رأوا فيه من الخروج عن الشرائع واجتماع النساء واتباع الشهوات والتلاهي وفعل المحرمات أعيد هذا المولد مع جملة ما أعيد
واستهل شهر جمادى الاولى بيوم الجمعة سنة
فيه اهتم الفرنسيس بعمل عيدهم المعتاد وهو عند الاعتدال الخريفي وانتقال الشمس لبرج الميزان فنادوا بفتح الاسواق والدكاكين ووقود القناديل وشددوا في ذلك وعملوا عزائم وولائم واطعمة ثلاثة ايام آخرها يوم الاثنين ولم يعملوه على هيئة العام الماضي من الاجتماع بالازبكية عند الصارى العظيم المنتصب والكيفية المذكورة لان ذلك الصارى سقط وامتلآت البركة بالماء فلما كان يوم الاحد نبهوا على الامراء والاعيان بالبكور الى بيت سارى عسكر فاجتمع الجمع في صبح يوم الاثنين فركب سارى سكر معهم في موكب كبير وذهبوا الى قصر العيني فمكثوا هناك حصة وعرضت عليهم العساكر جميعها على اختلاف انواعها من خيالة ورجالة وهم بأسلحتهم وزينتهم ولعبوا لعبهم في ميدان الحرب وخلع سارى عسكر على الشيخ الشرقاوي والقاضي واغاة الينكجرية خلع سمور ثم رجع الى منازلهم ثم نودى في جميع الاسواق بوقود اربع قناديل على كل دكان في تلك الليلة ومن لم يفعل ذلك عوقب ثم عملوا بالازبكية حراقة نفوط ومدافع وسواريخ ولعبوا في المراكب طول ليلهم
وفي سابعه بعد عيد الصليب نقص ماء النيل وكان من اول زيادته قاصرا عن العادة وزيادته شحيحة فضج الناس وانكبوا على شراء الغلة وازدحموا في الرقع والسواحل وطلب باعة الغلة الزيادة في السعر فجمع الفرنساوية كل من كان له مدخل في تجارة الغلال وزجروهم وخوفوهم وقالوا لهم هذه الغلة الموجودة الان انما هي زراعة العام الماضي واما هذا العام 2 فلا تخرج زراعته الا في العام المستقبل فانزجروا وباعوا بالسعر الحاضر وقد كاد يقع الغلاء العظيم لولا الطاف الله ورحمته ونعمه العميمة الشاملة حصلت
وفيه ارسلوا جملة عساكر من الفرنساوية الى مراد بك بناحية الفيوم وعليهم كبير فوقع بينهم وبينه امور لم اتحقق تفصيلها وترددت بينه وبين سارى عسكر الرسل والمراسلات ووقع بينه وبينهم الهدنة والمهاداة واصطلح معهم على شروط منها تقليده امارة الصعيد تحت حكمهم وفي هذا الشهر كثرت الاشاعة باجتماع عساكر عثمانية جهة الشام فكثر اهتمام الفرنساوية باخراج الجبخانات والمدافع وآلات الحرب والقومانية والعساكر وتحصين الصالحية والفرين وبلبيس
واستهل شهر رجب بيوم الجمعة سنة
وفيه كثرت الاقوال وتواترت الاخبار بوصول الوزير الاعظم يوسف باشا الى الديار الشامية وصحبته نصوح باشا وعثمان أغا كتخدا الدولة وحسين اغا نزله امين ومصطفى افندي الدفتردار وباقي رجال الدولة وعسفوا في البلاد الشامية وضربوا عليهم الضرائب العظيمة وجبوا الاموال وفعلوا مالا خير فيه من الظلم وقتل الانفس بسبب استخلاص الاموال فلما كان في منتصفه وردت الاخبار بوصولهم الى غزة العريش وانهم حاصروا قلعة العريش وقاتلوا من بها من عسكر الفرنساوية حتى ملكوها في تاسع عشره واحتووا على ماكان فيها من الذخيرة والجبخانة وآلات الحرب وصعد مصطفى باشا الذي باشر اخذ القلعة مع جملة من العسكر وبعض الاجناد المصرية وضربت النوبة وحصل لهم الفرح العظيم فاتفق انه وقعت نار على مكان الجبخانة والبارود المخزون بالقلعة وكان شيئا كثيرا فاشتعلت وطارت القلعة بمن فيها واحترقوا وماتوا وفيهم الباشا المذكور ومن معه ومحمد اغا ارنؤد الجلفي وغيره من المصرلية ومات كثير ممن كان خارجا عنها وبقربها مما نزل عليهم من النار والاحجار المتطايرة في اسرع وقت ولما تحقق الفرنساوية اخذ العريش وان عساكر العثمانيين زاحفة الى جهة الصالحية نهيأ سارى عسكر الفرنساوية واستعد للخروج والسفر في اسرع وقت وخرج بعساكره وجنوده الى الصالحية وقد كان قبل أخذ العثمانيين قلعة العريش ارسل الفرنساوية الى سينت كبير الانكليز مراسلات ليتوسط بينهم وبين العثمانيين ثم ورد فرمان من حضرة الوزير قبل وصوله لجهة العريش خطابا الى جمهور الفرنساوية باستدعاء رجلين من رؤسائهم وعقلائهم ليتشاور معهم ويتفق معهم على أمر يكون فيه المصلحة للفريقين على ما سيشترطونه بينهم فوجهوا اليه من طرفهم بوسليك رئيس الكتاب وديزه سارى عسكر الصعيد فنزلوا في البحر على دمياط وطالت مدة غيابهم وبعث كلهبر سارى عسكر رسلا من طرفه لاستفسار الاخبار
واستهل شهر شعبان المعظم سنة
فورد الخبر بقدومهما في اثنين وعشرين فيه الى الصالحية فارسلوا لهما الخيول وما يحتاجان اليه وحضرا الى مصر وشاع أمر الصلح وحضر من طرف العثمانيين رئيس الكتاب والدفتردار لتقرير الصلح وجنح كل من الفريقين الى ذلك لما فيه من كف الحرب وحقن الدماء وأظهر الفرنساوية الخداع والخضوع حتى تم عقد الصلح على اثنين وعشرين شرطا رسمت وطبعت في طومار كبير وورد الخبر بذلك الى مصر وفرح الناس بذلك فرحاشديدا وأرسل سارى عسكر الفرنساوية مكاتبة بصورة الحال الى دوجا قائممقام فجمع اهل الديوان وقرأ عليهم ذلك
ولما ورد ذلك الطومار المتضمن لعقد الصلح والشروط وعربوه وطبعوا منه نسخا كثيرة فرقوا منها على الاعيان وألصقوا منها بالاسواق والشوارع
وصورته بما فيه من الفصول والشروط بالحرف الواحد ما عدا ترجمة الاسطر التي باللغة الفرنساوية وهذه صورة الشروط الواقعة لخلو مصر ما بين حضرة الجنرال ديزة متفرقة وحضرة بسليغ مدير الحدود العام نواب سرى العسكر العام كلهبر المفوضين بكامل السلطان وجناب سامي المقام مصطفى رشيد افندي دفتردار ومصطفى راسيسه أفندي رئيس كتاب الوكلاء المفوضين بكامل السلطان عن جناب حضرة الوزير سامي المقام ان للجيش الفرنساوي بمصر عندما قصد ان يوضح ما في نفسه من وفور الشوق لحقن الدماء ويرى نهاية الخصام المضر الذي قد حصل ما بين المشيخة الفرنساوية والباب العالي فقد ارتضى ان يسلم بخلو الاقليم المصري بحسب هذه الشروط الآتي ذكرها يأمل ان بهذا التسليم يمكن أن يتجه ذلك الى الصلح العام في بلاد المغرب قاطبة
الشرط الاول أن الجيش الفرنساوي يلزمه ان يتنحى بالاسلحة والعزال بالامتعة الى الاسكندرية ورشيد وابو قير لاجل ان يتوجه وينتقل بالمركب الى فرانسا ان كان ذلك في مراكبهم الخاص بهم ام في تلك التي يقتضي للباب العالي ان يقدمها لهم بقدر الكفاية ولاجل تجهيز المراكب المذكورة بأقرب نوال فقد وقع الاتفاق من بعد مضي شهر واحد من تقرير هذه الشروط يتوجه الى قلعة اسكندرية نائب من قبل الباب العالي وصحبته خمسون نفرا
الشرط الثاني فلا يدعن المهلة وتوقيف الحرب بمدة ثلاثة اشهر بالاقليم المصري وذلك من عهد امضاء شروط الاتفاق هذه واذا صادف الامر ان هذه المهلة تمضي قبل ان المراكب الواجب تجهيزها من قبل الباب العالي تحضر جاهزة فالمهلة المذكورة يقتضي مطاولتها الى ان ينجز الرحيل على التمام والكمال ومن الواضح انه لا بد عن اصراف الوسايط الممكنة من قبيل الفريقين لكي لا يحصل ما يمكن وقوعه من التجسس ان كان ذلك من الجيش من اهل البلاد اذا كانت هذه المهلة قد حصل الاتفاق بها لاجل راحتهم
الشرط الثالث فرحيل الجيش الفرنساوي يقتضي تدبيره بيد الوكلاء القادمين لهذه الغاية من قبل الباب الاعلى وسرى العسكر كلهبر واذا حصل خصام ما بين الوكلاء المذكورين بوقت الرحيل في هذا الصدد فلينتخب من قبل حضرة سيد نهى سميت رجل لينهى المخاصمات المذكورة بحسب قواعد السياسة البحرية السالكون عليها ببلاد الانكليز
الشرط الرابع قطية والصالحية لا بد عن خلوهما عن الجيش الفرنساوية في ثامن يوم وأعظم ما يكون في عاشر يوم من امضاء شروط الاتفاق هذه ومدينة المنصورة يكون خلوها من بعد خمسة عشر يوما واما دمياط وبلبيس من بعد عشرين يوما واما السويس فيكون خلوه ستة ايام قبل مدينه مصر واما المحلات الكائنة في الجهة الشرقية من بحر النيل فيكون خلوها في اليوم العاشر والدلطا أي الاقليم البحرية يكون خلوها خمسة عشر يوما من بعد خلو مصر والجهة الغربية وما يتعلق بها تستمر بيد الفرنسيس الى حد خلو مدينة مصر ولكن من حيث انها لا بد ان تستمر بيد الفرنساوية الى ان يكون انحدار العسكر من جهات
الصعيد فجهة الغربية وتعلقاتها كما ذكر فممكن انه لا يتيسر خلوها الا من بعد انقضاء وقت المهلة المعين اذا لم يمكن خلوها قبل هذا الميعاد والمحلات التي تترك من الجيش فتسلم الى الباب الاعلى كما هي في حالها الآن
الشرط الخامس ثم ان مدينة مصر ان امكن ذلك يكون خلوها بعد اربعين يوما واكثر ما يكون بمدة خمسة واربعين يوما من وقت امضاء الشروط المذكورة
الشرط السادس انه لقد وقع الاتفاق صريحا على ان الباب الاعلى يصرف كل اعتناء في ان الجيش الفرنساوي الموجود في الجهة الغربية من بحر النيل عندما يقصد التنحي بكامل ماله من السلاح والعزال لنحو معسكرهم لاتصير عليه مشقة ولا أحد يشوش عليه ان كان ذلك مما يتعلق بشخص كل واحد منهم او بامتعته او بكرامته وذلك اما من اهالي البلاد واما من جهة العسكر السلطاني العثملي
الشرط السابع وحفظا لاتمام الشرط المذكور اعلاه وملاحظة لمنع ما يمكن وقوعه من الخصام والمعاداة فلا بد عن استعمال الوسائط في ان عسكر الاسلام يكون دائما متباعدا عن العسكر الفرنساوي
الشرط الثامن فمن تقرير وامضاء هذه الشروط فكل من كان من الاسلام ام من باقي الطوائف من رعايا البلم الاعلى بدون تمييز الاشخاص اولئك الواقع عليها الضبط ام الذين واقع عليهم الترسيم ببلاد فرانسا أو تحت أمر الفرنساوية بمصر يعطى لهم الاطلاق والتعلق وبمثل ذلك فكل الفرنساوية المسجونين في كامل البلدان والاساكل من مملكة العثملي وكذلك كامل الاشخاص من ايما طائفة كانت اولئك الذين كانوا في تعلق خدمة المراسلات والقناصل الفرنساوية لا بد عن انعتاقهم
الشرط التاسع فترجيع الاموال والاملاك المتعلقة بسكان البلاد والرعايا من الفريقين أم دفع مبالغ اثمانها لاصحابها فيكون الشروع به حالا من بعد خلو مصر والتدبير في ذلك يكون بيد الوكلاء في اسلامبول
المقامين بوجه خاص من الفريقين لهذا المقصد
الشرط العاشر فلا يحصل التشويش لاحد من سكان الاقليم المصري من أي ملة كانت وذلك لا في اشخاصهم ولا في اموالهم نظرا الى ما يمكن ان يكون قد حصل من الاتحاد ما بينهم وبين الفرنساوية من اقامتهم بارض مصر
الشرط الحادي عشر ولا بد ان يعطى للجيش الفرنساوي ان كان من قبل الباب الاعلى او من قبل المملكتين المرتبطين معه اعني بها مملكة انكلترة ومملكة المسكوب فرمانات الاذن وأوراق المحافظة بالطريق وبمثل ذلك السفن اللازمة لرجوع الجيش المذكور بالامن والامان الى بلاد فرانسا
الشرط الثاني عشر وعند نزول الجيش الفرنساوي المذكور الكائن بمصر الان فالباب الاعلى وباقي الممالك المتحدة معه يعاهدون بأجمعهم انهم من وقت ينزلون بالمراكب الى حين وصولهم الى أراضي فرانسا لا يحصل عليهم شيء قط مما يكدرهم وبنظير ذلك فحضرة الجنرال كلهبر سرى العسكر العام يعاهد من قبله وصحبته الجيش الفرنساوي الكائن بمصر بانه لا يصدر منهم مما يؤول الى المعاداة على الاطلاق ما دامت المدة المذكورة وذلك لا ضد العمارة ولا ضد بلدة من بلدان الباب الاعلى وباقي الممالك المرتبطة معه وكذلك ان السفن التي يسافر بها الجيش المشار اليه ليس لها أن ترى في حد من الحدود الا بتلك التي تختص باراضي فرانسا ما لم يكن ذلك في حادث ما ضروري
الشرط الثالث عشر ونتيجة ما قد وقع الاتفاق عليه من الامهال المشترط أعلاه بما يلاحظ خلو الاقليم المصري فالجهات الواقع بينهم هذا الاشتراط قد اتفقوا على انه اذا حضر في حد هذه المدة المذكورة مركب من بلاد فرانسا بدون معرفة غلايين الممالك المتحدة ودخل بمينا اسكندرية فلازم عن سفره حالا وذلك من بعد ان يكون قد تحوج بالماء والزاد اللازم ويرجع الى فرانسا وذلك بسندات أوراق الاذن من قبل الممالك
المتحدة واذا صادف الامران مركبا من هذه المراكب يحتاج الى الترقيع فهذه لا غير يباح لها الاقامة الى أن ينتهي اصلاحها المذكور وفي الحال من ثم تتوجه الى بلاد فرانسا نظير التي قد تقدم القول عنها عند أول ريح يوافقها
الشرط الرابع عشر وقد يستطيع حضرة الجنرال كلهبر سرى العسكر العام أن يرسل خبرا الى آرباب الاحكام الفرنساوية في الحال ومن يصحب هذا الخبر لا بد أن تعطى له اوراق الاذن بالاطلاق كما يقتضي ليسهل بهذه الواسطة وصول الخبر الى اصحاب الحكم بفرانسا
الشرط الخامس عشر واذا قد اتضح ان الجيش الفرنساوي يحتاج الى المعاش اليومي ما دامت الثلاثة اشهر المعينة لخلو الاقليم المصري وكذلك لمعاش الثلاثة الاشهر الاخرى التي يكون مبتدأها من يوم نزولهم بالمراكب فقد وقع الاتفاق على انه يقدم له مقدار ما يلزمه من القمح واللحم والارز والشعير والتبن وذلك بموجب القائمة التي تقدمت الان من وكلاء الجمهور الفرنساوي ان كان ذلك مما يخص اقامتهم او ما يلاحظ سفرم والذي يكون قد أخذه الجيش المذكور مقدار ما كان من شؤونه وذلك من بعد امضاء هذه الشروط فينخصم مما قد لزم ذاته بتقدمته الباب الاعلى
الشرط السادس عشر ثم ان الجيش الفرنساوي منذ ابتدأ وقوع امضاء هذه الشروط المذكورة ليس له ان يفرد على البلاد فردة ما من الفرائد قطعا بالاقليم المصري لا بل وبالعكس فانه يخلى للباب الاعلى كامل فر المال وغيره مما يمكن توجيه قبضه وذلك الى حين سفرهم وبمثل ذلك الجمال والهجن والجبخانة والمدافع وغير ذلك مما يتعلق بهم ولا يريدون أن يحملوه معهم ونظير ذلك شون الغلال الوارد نعلهم من تحت المال واخيرا مخازن الخراج فهذه كلها لا بد عن الفحص عنها وتسعيرها من اناس وكلاء موجهين من قبل الباب الاعلى لهذه الغاية ومن أمين البحر الانكليزي وبرفقة الوكلاء المتصرفين بأمر الجنرال كلهبر سرى العسكر وهذه الامتعة لا بد عن قبولها من وكلاء الباب الأعلى المتقدم
ذكرهم بموجب ما وقع عليه السعر الى حد قدر مبلغ ثلاثة آلاف كيس التي تقتضي للجيش الفرنساوي المذكور لسهولة انتقاله عاجلا ونزوله بالمراكب واذا كانت الاسعار في هذه الامتعة المذكورة لا توازي المبلغ المرقوم أعلاه فالخسيس والنقص في ذلك لا بد عن دفعه بالتمام من قبل الباب الاعلى على جهة السلفة تلك التي يلزم بوفائها ارباب الاحكام الفرنساوية بأرواق التمسكات المدفوعة من الوكلاء المعنين من الجنرال كلهبر سرى العسكر العام لقبض واستلام المبلغ المذكور
الشرط السابع عشر ثم أنه اذا كانت تقتضي للجيش الفرنساوي بعض مصاريف لخلوهم مصر فلا بد ان نقبض وذلك من بعد تقرير تمسك الشروط المذكورة القدر المحدد اعلاه بالوجه الآتي ذكره أعني فمن بعد مضي خمسة عشر يوما خمسمائة كيس وفي غلاق الثلاثين يوما خمسمائة كيس اخرىوبتمام الاربعين يوما ثلثمائة كيس اخرى وعند تمام الخمسين يوما ثلثمائة كيس شرحه وعند غلاق الستين يوما ثلثمائة كيس أخرى وفي السبعين يوما ثلثمائة كيس أخرى وعند تمام الثمانين يوما ثلثمائة كيس اخرى وعند غلاق التسعين يوما خمسمائة كيس أخرى وكل هذه الاكياس المذكورة هي عن كل كيس خمسمائة غرش عثملي ويكون قبضها على سبيل السلفة من يد الوكلاء المعينين لهذه الغاية من قبل الباب الاعلى ولكي يسهل اجراء العمل بما وقع الاعتماد عليه فالباب الاعلىمن بعد وضع الامضاء علىالنسختين من الفريقين يوجه حالا الوكلاء الى مدينة مصر والى بقية البلاد المستمر بها الجيش
الشرط الثامن عشر ثم ان فرد المال الذي يكون قد قبضه الفرنساوية من بعد تاريخ تحرير الشروط المذكورة وقبل أن يكون قد اشتهر هذا الاتفاق في الجهات المختلفة بالاقليم المصري فقد تخصم من قدر مبلغ الثلاثة آلاف كيس المتقدم القول عنها
الشرط التاسع عشر ثم انه لكي يسهل خلو المحلات سريعا فالنزول في المراكب الفرنساوية المختصة بالحمولة والموجودة في المين بالاقليم
المصري مباح به ما دامت مدة الثلاثة اشهر المذكورة المعينة للمهلة وذلك من دمياط ورشيد حتى الى الاسكندري ومن اسكندرية حتى الى رشيد ودمياط
الشرط العشرون فمن حيث انه للطمأن الكلي في جهات البلاد الغربية يقتضي الاحتراس الكلي لمنع الوبا الطاعوني عن انه يتصل هناك فلا يباح ولا لشخص من المرضى او من اولئك الذين مشكوك بهم برائحة من هذا الداء الطاعوني ان ينزل بالمراكب بل ان المرضى بعلة الطاعون او بعلة اخرى اينما كانت تلك التي بسببها لا يقتضي ان يسمح بسفرهم بمدة خلو الاقليم المصري الواقع عليها الاتفاق يستمرون في بيمارستان المرضى حيث هم الآن تحت امان جناب الوزير الاعظم عالي الشأن ويعالجونهم الاطباء من الفرنساوية اولئك الذين يجاورونهم بالقرب منهم الى ان يتم شفاهم يسمح لهم بالرحيل الشيء الذي لا بد عن اقتضاء الاستعجال به بأسرع ما يمكن ويحصل لهم ويبدو ونحوه ما ذكر في الشرطين الحادي عشر والثاني عشر من هذا الاتفاق نظير ما يجري على باقي الجيش ثم ان امير الجيش الفرنساوي يبذل جهده في ابراز الاوامر الاشد صرامة لرؤساء العساكر النازلة بالمراكب بان لا يسمحوا لهم بالنزول بمينا خلاف المين التي تتعين لهم من رؤساء الاطباء تلك المين التي يتيسر لهم بها ان يقضوا أيام الكارنتينة بأوفر السهولة من حيث انها من مجرى العادة ولا بد عنها
الشرط الحادي والعشرون فكل ما يمكن حدوثه من المشاكل التي تكون مجهولة ولم يمكن الاطلاع عليها في هذه الشروط فلا بد عن نجازها بوجه الاستحباب ما بين الوكلاء المعينين لهذا لقصد من قبل الجناب الوزير الاعظم عالي الشأن وحضرة الجنرال كلهبر سرى العسكر العام بوجه يسهل ويحصل الاسراع بالخلو
الشرط الثاني والعشرون وهذه الشروط لا تعد صحيحة الا من بعد اقرار الفريقين وتبديل النسخ وذلك بمدة ثمانية أيام ومن بعد حصول هذا
الاقرار لا بد عن حفظ هذه الشروط الحفظ اليقين من الفريقين كليهما
صح وثبت وتقرر بختوماتنا الخاصة بنا بالمعسكر حيث وقعت المداولة بحد العريش في شهر يلويوز سنة ثمان من اقامة المشيخة الفرنساوية وفي رابع عشرين شهر شعبان هلالية سنة 1224 هجرية الممضين الجنرال متفرقة ذره البلدي بوسيهلغ المفوضين بكامل سلطانه الجنرال كلهبر وجناب سامي مقام مصطفى رشيد أفندي دفتردار ومصطفى راسيسه افندي رئيس الكتاب المفوضين بكامل سلطان جناب الوزير الاعظم عالي الشأن منقولة عن النسخة الاصلية الموافقة لتلك الموجهة بالفرنساويةالى الوكلاء العثملي بدلا من التي قد وجهوها باللغة التركية ممضي درزه وبوسيهلغ تقرير الجنرال سرى العسكر العام محرر في آخر السنة التركية التي بقيت محفوظة بيد الوزير الاعظم انني انا الواضع اسمي ادناه الجنرال سري العسكر العام أمير الجيش الفرنساوية بالاقليم المصري اثبت واقرر شروط الاتفاق المذكور اعلاه للحصول على اجرائه بالعمل بالنوع والصورة ان كان من اللازم ان اتيقن بان الاثنين وعشرين شرطا المشروحة الى الان هي موافقة على التدقيق باللغة الفرنساوية الممضي عليها من الوكلاء اصحاب ولاية الوزير الاعظم والمقررة من جناب عالي الشأن الترجمة التي لا بد عن الاعتماد بأجرائها كل مرة ان كان لسبب أم لآخر ممكن حصول بعض الاختلافات ومن ثم فتقلد بعض المشاكل
صح وجرى بمحل العسكر العام بالصالحية في ثامن شهر بلويوز سنة ثمان من المشيخة ممضي كلهبر عن نسخة صحيحة الجنرال متفرقة راس صاحب ختام في الجيش الفرنساوية ممضى داماس انتهى بحروفه وما فيه من خطأ او تحريف فهو طبق الاصل المطبوع بالمطبعة الفرنساوية باللغة العربية ولم أغير منه سوى ما في تواريخ الاشهر والسنين بالارقام الهندية والله أعلم
استهل شهر رمضان المعظم بيوم الاحد سنة
في ثانيه حضر سارى عسكر الفرنساوية كلهبر الى ناحية العادلية وصحبته اغا من رجال الدولة العثمانية يسمى محمد اغا فأرسل سارى عسكر الى حسن اغا نجاتي المحتسب يأمره بأن يتلقاه وينزله في بيته ويكرمه اكراما زائدا فلما كان بعد العشاء دخل ذلك الاغا الى مصر في موكب فحصل للناس ضجة عظيمة وازدحموا على مشاهدتهم له والفرجة عليه وارتفعت اصواتهم وعلا ضجيجهم وركبوا على مصاطب الدكاكين والسقائف وانطلقت النساء والزغاريت من الطيقان واختلفت آراؤهم في ذلك القادم ولم يعلموا ما هو فدخل من باب النصر وشق القاهر ولم يزل سائرا حتى وصل الى بيت حسن اغا بسويقة اللالا فنزل هناك فلما استقر به الجلوس ازدحم الناس والاعيان للسلام عليه ولمشاهدته بالمشاعل والفوانيس فلما كان صبح تلك الليلة عمل ديوانا وجمع العلماء والوجاقلية واعيان الناس وكبار النصارى من الاقباط والشوام فلما تكاملوا ابرز لهم فرمانا من الوزير فقرىء عليهم بالمجلس فدل مضمونه على انه اغات الجمارك أي المكوس بمصر بولاق ومصر القديمة وفيه التحكير على جميع الواردات من اصناف الاقوات فيشتريها بالثمن الذي يسعره هو بمعرفة المحتسب ويودعه في المخازن وابرز فرمانا آخر قرى بالمجلس مضمونه ان الوزير اقام مصطفى باشا الذي كان اسر بأبي قير وكيلا عنه وقائممقام بمصر الى حين حضوره وان السيد أحمد المحروقي كبير التجار ملزوم ومقيد بتحصيل الثلاثة آلاف كيس المعينة لترحيل الفرنساوية
وانفض المجلس على ذلك وأخذ السيد احمد المحروقي في تحصيل ذلك القدر من الناس وفرضوه عل التجار وأهل الاسواق والحرف وشرعوا في تحكير الاقوات فغلت أسعارها وضاقت مؤن الناس ودهى الناس من أول احكامهم بهاتين الداهيتين وكان أول قادم منهم أمير المكوسات ومحكر الاقوات وأول مطلوبهم مصادرة الناس وأخذ المال منهم وتغريمهم واجتهد السيد احمد الحروقي في توزيع ذلك وجمعه في ايام قليلة فكان كل من توجه عليه مقدار من ذلك اجتهد في تحصيله واخرجه عن طيف قلب وانشراح خاطر وبادر بالدفع من غير تأخير لعلمه ان ذلك لترحيل الفرنساوية ويقول سنه مباركة ويوم سعيد بذهاب الكلاب الكفرة كل ذلك بمشاهدة الفرنسيس ومسمعهم وهم يحقدون ذلك عليهم وحضر مصطفى باشا من الجيزة وسكن ببيت عبد الرحمن كتخدا بحارة عابدين
وارسل الوزير فرامانات الى البلاد وعين المعينين والمباشرين بطلب المال والغلال والكلف من الاقاليم وأرسل الى البنادر وجعل في كل بندر اميرا ووكيلا لجمع الغلال والمطلوبات من الذخيرة وجمعها بالحواصل ولا يخفي ما يحصل في ضمن ذلك من الجزئيات التي سيتضح بعضها فيما بعد وأما الرعايا وهمج الناس من اهل مصر فانهم استولى عليهم سلطان الغفلة ونظروا للفرنسيس بعين الاحتقار وأنزلوهم عن درجة الاعتبار وكشفوا نقاب الحياء معهم بالكلية وتطاولوا عليهم بالسبب واللعن والسخرية ولم يفكروا في عواقب الامور ولم يتركوا معهم للصلح مكانا حتى ان فقهاء المكاتب كانوا يجمعون الاطفال ويمشون بهم فرقا وطوائف حسبة وهم يجهرون ويقولون كلاما مقفى بأعلى أصواتهم بلعن النصارى وأعوانهم وافراد رؤسائهم كقولهم الله ينصر السلطان ويهلك فرط الرمان ونحو ذلك وظنوا فروغ القضية ولم يملكوا لانفسهم صبرا حتى تنقضي الايام المشروطة على ان ذلك لم يثمر الا الحقد والعداوة التي تأسست في قلوب الفرنسيس وأوجبت ما حصل بعد ذلك من وقوع العذاب البئيس
وقال الشعبي من جملة كلام وصادفنا فتنة لم نكن فيها بررة أتقياء ولا فجرة أقوياء وأخذ الفرنساوية في اهبة الرحيل وشرعوا في مبيع امتعتهم وما فضل عن سلاحهم ودوابهم وسلموا غالب الثغور والقلاع كالصلحية وبلبيس ودمياط والسويس ثم ان العثمانين تدرجوا في دخول
مصر وصار في كل يوم يدخل منهم جماعة بعد جماعة واخذوا يشاركون الناس في صناعاتهم وحرفهم مثل القهوجية والحمامية والخياطين والمزينين وغيرهم فاجتمع العامة واصحاب الحرف الى مصطفى باشا قائمقام وشكوا اليه فلم يلتفت لشكواهم لان ذلك من سنن عساكرهم وطرائفهم القبيحة
وورود الخبر بوصول حضرة الوزير الى بلبيس وصحبته الامراء المصرية وارسلوا الى مراد بك ومن معه بالحضور الى العرضي فأجاب بالاعتذار عن الحضور لانه في الصعيد فلم يقبلوا عذره فأكدوا عليه بالحضور فاستأذن الفرنساوية سرا فاستأذنوا له في المقابلة وكان سفيره في ذلك عثمان بك البرديسي ثم انه حضر وقابل الوزير بصحبة ابراهيم بك وخلع عليهما ورجع مراد بك فخيم جهة العادلية وحضر حسن أغا نزله أمين ودخل مصر واخلى الفرنساوية قلعة الجبل وباقي القلاع التي احدثوها ونزلوا منها فلم يطلع اليها احد من العثمانيين ولم يلتفتوا لتحصينها ولا ربطها بالعساكر والجبخانة واعرضوا عن المحاذرة وركبهم الغرور لاجل نفاذ المقدور وحضر ايضا غالب المصريين الفارين من مصر وقت مجيء الفرنساوية اليها من الاغوات والوجاقلية والافندية والكتبة مثل ابراهيم افندي الروزنامجي وثاني قلفة وغيرهما بنسائهم وأولادهم يظنون فروغ القضية والذي خافوا منه وقعوا فيه كما ستراه وأرسل ابراهيم بك الى السيد احمد المحروقي يطلب كساوى وثيابا وطرابيش وسراويل للمماليك ولخاصة نفسه فأرسل اليه مطلوبه وأخرجت لهم الخيام والتراتيب والنظام وهيأت نساء الامراء والاجناد احتياجاتهم وترتيباتهم وجروا على عادتهم في الثغالى ولازمت الخدم والفراشون الغدو والرواح الى خيم ساداتهم وهم راكبون البغال والرهونات والحمير الفارهة وفي حجورهم تعابي الثياب والبقج المزركشة بالذهب والفضة وكذلك الخدم الذين يحملون الخوانات وطبالي الاطبخة والاطعمة وعليها الاغطية الحرير والوشي الملون وهم يتغنون برفع أصواتهم ويتجاوبون بكلام وسخريات ولعن للنصارى
البلدية والفرنسيس بمرآى منهم ومسمع الى غير ذلك مما يحرك الحفائظ ويوغر الصدور
ولما استقر الوزير بمدينة بلبيس وذلك في الثاني والعشرين من شهر رمضان استأذن العلماء والتجار والاعيان المصرية مصطفى باشا في التوجه للسلام فاستأذن ثم اذن لهم فذهبوا ايضا الى سارى عسكر كلهبر واستأذنوه فأذن لهم ايضا فذهبوا عند ذلك للسلام عليه فوصلوا الى نصوح باشا والي مصر وسلموا عليه وباتوا بوطاقه فلما وصلوا اليه واستقر بهم الجلوس سأل عن أسمائهم وكذلك عن التجار واكابر النصارى ثم خلع عليهم خلعا وانصرفوا من عنده فطافوا على اكابر الدولة بالعرضي وكذلك على الامراء المصرية ورجعوا الى مصر ودخلوها وعليهم تلك الخلع وصحبتهم قاضي العسكر وهو لابس قبوط اسود ووصل نصوح باشا والامراء الى جهة الخانكاه ثم الى المطرية
وفيه حضر درويش باشا والي الصعيد الى خارج القاهرة جهة الشيخ قمر فمكث اياما ثم توجه الى قبلي وصحبته نحو المائة نفر وكذلك ذهبت طائفة الى السويس والى دمياط والمنصورة وانبثوا في البلاد ودخلوا مصر شيئا فشيئا
واستهل شهر شوال سنة
في سابعه وقعت حادثة بين عسكر الفرنساوية والعثمانية وهي اول الحوادث التي حصلت بينهم وهو ان جماعة من عسكر العثمانية تشاجروا مع جماعة من عسكر الفرنساوية فقتل بينهم شخص فرنساوي ووقعت في الناس زعجة وكرشة واغلقوا الحوانيت وعمل العثمانية متاريس وتترسوا بها بناحية الجمالية وما والاها واجتمعوا هناك ووقع بينهم مناوشة قتل فيها اشخاص قليلة من الفريقين وكادت تكون فتنة وباتوا ليلتهم عازمين على الحرب فتوسطت بينهم كبراء العسكر في تمهيد ذلك وازالوا المتاريس وانكف الفريقان وبحث مصطفى باشا عمن اثار الفتنة وهم ستة انفار فقتلهم وارسلهم الى سارى عسكر الفرنساوية فلم يطب خاطره بذلك وقال لا بد من خروج عسكرهم الى عرضيهم حتى تنقضي الايام المشروطة واذا دخل منهم احد الى المدينة لا يدخلون الا بطريقة وبدون سلاح فعند ذلك أمر مصطفى باشا بخروج الداخلين من العساكر ولا يبقى منهم احد ووقف جماعة من الفرنساوية خارج باب النصر فاذا اراد احد من العسكر او من اعيان العثمانية الدخول الى المدينة فعند وصوله اليهم ينزل عندهم وينزع ما عليه من السلاح ويدخل وصحبته شخص او شخصان موكلان به يمشيان امامه حتى يقضي شغله ويرجع فاذا وصل الى الفرنساوية الملازمين خارج البلد اعطوه سلاحه فيلبسه ويمضي الى اصحابه فكان هذا شأنهم
وفي منتصفه توجه جماعة من اعيان الفرنساوية الى الاسكندرية بمتاعهم واثقالهم وفيهم قائممقام وديزه سارى عسكر الصعيد وبوسليك رئيس الكتاب ومدير الحدود ونزل جماعة منهم الى البحر يريدون السفر الى بلادهم فتعرض لهم الانكليز يريدون معاكستهم فأرسلوا الى سارى عسكر بمصر وعرفوه الحال فأرسل بذلك الى الوزير فأجابه بجواب لم يرتضه واصبح زاحفا الى سطح الخانكاه وكان ذلك آخر ايام المهلة المتفق عليها في دخول الوزير الى مصر وخروج الفرنساوية منها فلما رأوا ذلك طلبوا ثمانية ايام اجلة زيادة على ايام المهلة فأجيبوا الى ذلك ووصل الامراء المصرية وعرضي نصوح باشا وجملة من العساكر العثمانية الى ناحية المطرية ونصبوا خيامهم ووطاقهم هناك ثم ان الفرنساوية جعلوا الثمانية ايام المذكورة ظرفا لجمع عساكرهم وطوائفهم من البلاد القبلية والبحرية ونصبوا وطاقهم بساحل البحر متصلا باطراف مصر ممتدا من مصر القديمة الى شبرا وترددوا الى نواحي القلاع وهي لم يكن بها احد وشرعوا واجتهدوا في رد الجبخانة والذخيرة وآلات الحرب والبارود والجلل والمدافع والبنب على العربات ليلا ونهارا والناس يتعجبون من ذلك ومصطفى باشا قائممقام ومن معه يشاهدون ذلك ولا يقولون شيئا والبعض يقول ان الوزير أرسل اليهم وأمرهم برد ذلك كما كان ونحو
ذلك من الخرافات التي لا تروج على الفطن ويقال ان الفرنساوية أرسل اليهم بعض اصدقائهم من الانكليز وعرفوهم ان الوزير اتفع مع الانكليز على الاحاطة بالفرنساوية اذا صاروا بظاهر البحر فلما حصل منهم معهم ما سبقت الاشارة اليه تحققوا ذلك وارسلوا ليوسف باشا بذلك فلم يجبهم بجواب شاف وعجل بالرحيل والقدوم الى ناحية مصر وقد كان الفرنساوية عندما تراسلوا وترددوا جهة والعرضي تفرسوا في عرضي العثمانيين وعساكرهم وأوضاعهم وتحققوا حالهم وعلموا ضعفهم عن مقاومتهم فلما حصل ما ذكر تأهبوا للمقاومة والمحاربة وردوا آلاتهم الى القلاع فلما تمموا أمر ذلك وحصنوا الجهات وأبقوا من ابقوه وقيدوه بها من عساكرهم واستوثقوا من ذلك خرجوا بأجمعهم الى ظاهر المدينة جهة قبة النصر وانتشروا في تلك النواحي ولم يبق بداخل المدينة منهم الا من كان بداخل القلاع وأشخاص ببيت الالفي بالازبكية وبعض بيوت الازبكية وغلب على ظن الناس أنهم برزوا للرحيل
وفي العشرين منه طلبوا مصطفى باشا وحسن أغا نزله امين فلما حضرا اليهم أرسلوهما للجيزة فلما كان اليوم الثالث والعشرين من شوال ركب سارى عسكر كلهبر قبل طلوع الفجر بعساكره وصحبتهم المدافع وآلات الحرب وقسم عساكره طوابير فمنهم من توجه الى عرضي الوزير ومنهم من مال على جهة المطرية فضربوا عليهم فلم يسعهم الا الجلاء والفرار وتركوا خيامهم ووطاقهم وركب نصوح باشا ومن كان معه وطلبوا جهة مصر فتركهم الفرنساوية ولحقوا بالذاهبين من اخوانهم الى جهة العرضي فلما قاربوه ارسلوا الى الوزير يأمرونه بالرحيل بعد أربع ساعات فلم يسعه الا الارتحال والفرنساوية في أثره وغالب عساكره مفرقون ومنتشرون في البلاد والقرى والنواحي لجمع المال ومقررات الفرض وظلم الفقراء
وأما أهل مصر فانهم لما سمعوا صوت المدافع كثر فيهم اللغط والقيل والقال ولم يدركو حقيقة الحال فهاجوا ورمحوا الى أطارف البلد وقتلوا أشخاصا من الفرنساوية صادفوهم خارجين من البلد ليذهبوا الى أصحابهم
وذهبت شرذمة من عامة أهل مصر فانتهبت الخشب وبعض ما وجدوه من نحاس وغيره حيث كان عرضي الفرنساويةوخرج السيد عمر افندي نقيب الاشراف والسيد احمد المحروقي وانضم اليهم اتراك خان الخليلي والمغاربة الذين بمصر وكذلك حسين أغا شتن أخو ايوب بك الصغير وتبعهم كثير من عامة اهل البلد وتجمعوا على التلول خارج باب النصر وبأيدي الكثير منهم النبابيت والعصي والقليل معه السلاح وكذلك تحزب كثير من طوائف العامة والاوباش والحشرات وجعلوا يطوفون بالازقة وأطارف البلد ولهم صياح وضجيج وتجاوب بكلمات يقفونها من اختراعاتهم وخرافاتهم وقاموا على ساق وخرج الكثير منهم الى خارج البلدة على تلك الصورة فلما تضحى النهار حضر بعض الاجناد المصريين ودخلوا مصر وفيهم المجاريح وطفق الناس يسألونهم فلم يخبروهم بشيء لجهلهم ايضا حقيقة الحال ثم لم يزل الحال كذلك الى أن دخل وقت العصر فوصل جمع عظيم من العامة ممن كان خارج البلدة ولهم صياح وجلبة على الشرح المتقدم وخلفهم ابراهيم بك ثم اخرى وخلفهم سليم أغا ثم اخرى كذلك وخلفهم عثمان كتخدا الدولة ثم نصوح باشا ومعه عدة وافرة من عساكرهم وصحبتهم السيد عمر النقيب والسيد أحمد المحروقي وحسن بك الجداوي وعثمان بك المرادي وعثمان بك الاشقر وعثمان بك الشرقاوي وعثمان أغا الخازندار وابراهيم كتخدا مراد بك المعروف بالسنارى وصحبتهم مماليكهم واتباعهم فدخلوا من باب النصر وباب الفتوح ومروا على الجمالية حتى وصلوا الى وكالة ذي الفقار فقال نصوح باشا عند ذلك للعامة اقتلوا النصارى وجاهدوا فيهم فعندما سمعوا منه ذلك القول صاحوا وهاجوا ورفعوا أصواتهم ومروا مسرعين يقتلون من يصادفونه من نصارى القبط والشوام وغيرهم فذهبت طائفة الى حارات النصارى وبيوتهم التي بناحية بين الصورين وباب الشعرية وجهة الموسكي فصاروا يكبسون الدور ويقتلون من يصادفونه من الرجال والنساء والصبيان وينهبون ويأسرون حتى اتصل ذلك بالمسلمين المجاورين لهم فتحزبت
النصارى واحترسوا وجمع كل منهم ما قدر عليه من العسكر الفرنساوي والاروام وقد كانوا قبل ذلك محترسين وعندهم الاسلحة والبارود والمقاتلون لظنهم وقوع هذا الامر فوقع الحرب بين الفريقين وصارت النصارى تقاتل وترمى بالبندق والقرابين من طبقات الدور على المجتمعين بالازقة من العامة والعسكر ويحامون عن أنفسهم والاخرون يرمون من اسفل ويكبسون الدور ويتسورون عليها وبات نصوح باشا وكتخدا الدولة وابراهيم بك وبعض من صناجق مصر والكشاف والاتباع وطوائف من العسكر بخط الجمالية بوكالة الجمالية بوكالة ذي الفقار فلما أصبح الصباح ارسلوا الى المطرية وأحضروا منها ثلاثة مدافع فوجدوها مسدودة الفالية فعالجوها حتى فتحوها وقام ناصف باشا وشمر عن ساعديه وشد وسطه ومشى وصحيته الامراء المصرية على أقدامهم وجروا امامهم الثلاثة مدافع وسحبوها الى الازبكية وضربوا منها على بيت الالفي وكان به اشخاص مرابطون من عساكر الفرنساوية فضربوهم ايضا بالمدافع والبنادق واستمر الحرب بين الفريقين الى آخر النهار فسكن الحرب وباتوا ينادون بالسهر وفي هذا اليوم وضع أهل مصر والعسكر متاريس بالاطراف كلها وبجهة الازبكية وشرعوا في بناء بعض جهات السور واجتهدوا في تحصين البلد بقدر الطاقة وبات الناس في هذه الليلة خلف المتاريس فلما اظلم الليل اطلق الفرنساوية المدافع والبنب على البلد من القلاع ووالوا الضرب بالخصوص على خط الجمالية لكون المعظم مجتمعا بها فلما عاين ذلك الجميع اجمع رأى الكبراء والرؤساء على الخروج من البلد في تلك الليلة لعجزهم عن المقاومة وعدم آلات الحرب عزة الاقوات والقلاع بيد الفرنساوية ومصر لا يمكن محاصرتها لاتساعها وكثرة اهلها وربما مطال الحال فلا يجدون الأقوات لان غالب قوت اهلها يجلب من قراها في كل يوم وربما امتنع وصول ذلك اذا تجسمت الفتنة فاتفقوا على الخروج بالليل وتسامح الناس بذلك فتجهز المعظم للخروج وغصت خطة الجمالية وما والاها من الاخطاط بازدحام الناس الذين يريدون الخروج من المدينة
وركب بعضهم بعضا وازدحمت تلك النواحي بالحمير والبغال والخيول والهجن المحملة بالاثقال وباتوا على تلك الصورة ووقع للناس في هذه الليلة من الكرب والمشقة والانزعاج والخوف مالا يوصف وتسامع اهل خان الخليلي من الالداشات وبعض مغاربة الفجامين والغورية ذلك فجاءوا للجمالية وشنعوا على من يريد الخروج وعضدهم طائفة عساكر الينكجرية وعمدوا الى خيول الامراء فحبسوها ببيت القاضي والوكائل واغلقوا باب النصر وبات في تلك الليلة معظم الناس على مساطب الحوانيت وبعض الاعيان في بيوت اصحابهم بالجمالية وفي ازقة الحارات ايضا وكل متهيء للخروج
فلما حصل ذلك واصبح يوم السبت فتهيأ كبراء العساكر والعساكر ومعظم أهل مصر ماعدا الضعيف الذي لاقوه له للحرب وذهب المعظم الى جهة الازبكية وسكن الكثير في البيوت الخالية والبعض خلف المتاريس واخذوا عدة مدافع زيادة عن الثلاثة المتقدمة وجدت مدفونة في بعض بيوت الامراء واحضروا من حوانيت العطارين من المثقلات التي يزنون بها البضائع من حديد واحجار استعملوها عوضا عن الجلل للمدافع وصاروا يضربون بها بيت سارى عسكر بالازبكية واستمر عثمان كتخدا بوكالة ذي الفقار بالجمالية وكان كل من قبض على نصراني ويهودي او فرنساوي اخذه وذهب به الى الجمالية حيث عثمان كتخدا ويأخذ عليه البقشيش فيحبس البعض حتى يظهر امره ويقتل البعض ظلما وربما قتل العامة من قتلوه واتوا برأسه لاجل البقشيش وكذلك كل من قطع راسا من رؤوس الفرنساوية يذهب بها اما لنصوح باشا بالازبكية واما العثمان كتخدا بالجمالية ويأخذوا في مقابلة ذلك الدراهم وبعد ايام اغلقوا باب القرافة وباب البرقية وباقي الابواب التي في اطراف البلد وزاد الناس في اصطناع المتاريس وفي الاحتراس وجلس عثمان بك الاشقر عند متاريس باب اللوق وناحية المدابغ وعثمان بك طبل عند متاريس المحجر ومحمد بك المبدول عند الشيخ ريحان ومحمد كاشف ايوب وجماعة ايوب
بك الكبير والصغير عند الناصرية ومصطفى بك الكبير بقناطر السباع وسليمان كاشف المحمودي عند سوق السلاح واولاد القرافة والعامة وزعر الحسينية والعطوف عند باب النصر مع طائفة من الينكجرية وباب الحديد وباب القرافة وجماعة خان الخليلي والجمالية عند باب البرقية المعروف الآن بالغريب وبالجملة كل من كان في حارة من اطراف البلد انضم الى العسكر الذي بجهته بحيث صار جميع اهل مصر والعساكر كلها واقفة باطراف البلد عند الابواب والمتاريس والاسوار وبعض عساكر من العثمانية وما انضم اليهم من اهل مصر المتسلحين مكثت بالجمالية اذا جاء صارخ من جهة من الجهات بطائفة من هؤلاء وصار جميع اهل مصر اما بالازقة ليلا ونهارا وهو من لا يمكنه القتال واما بالاطراف وراء المتاريس وهو من عنده اقدام وتمكن من الحرب ولم ينم احد ببيته سوى الضعيف والجبان والخائف وناصف باشا وابراهيم بك وجماعاتهم وعسكر من الينكجرية والارنؤد والدلاة وغيرهم جهة الازبكية ناحية باب الهواء والرحبة الواسعة التي عند جامع ازبك والعتبة الزرقا وانشأ عثمان كتخدا معملا للبارود ببيت قائد اغا بخط الخرنفش واحضر القندفجية والعربجية والحدادين والسباكين لانشاء مدافع وبنبات واصلاح المدافع التي وجدوها في بعض البيوت وعمل العجل والعربات والجلل وغير ذلك من المهمات الجزئيه واحضروا لهم ما يحتاجون اليه من الاخشاب وفروع الاشجار والحديد وجمعوا الى ذلك الحدادين والنجارين والسباكين وارباب الصنائع الذين يعرفون ذلك فصار هذا كله يصنع ببيت القاضي والخان الذي بجانبه والرحبة التي عند بيت القاضي من جهة المشهد الحسيني واهتم لذلك اهتماما زائدا وانفق اموالا جمة وارسلوا فأحضروا المدافع الكائنة بالمطرية فكانوا كلما ادخلوا مدفعا ادخلوه بجمع عظيم من الاوباش والحرافيش والاطفال ولهم صياح ونباح وتجاوب بكلمات مثل قولهم الله ينصر السلطان ويهلك فرط الرمان وغير ذلك وحضر محمد بك الالفي في ثاني يوم وتترس بناحية السويقة
التي عند درب عبد الحق وعطفه البيدق وصحبته طوائفه ومماليكه واشخاص من العثمانية وبذل الهمة وظهرت منه ومن مماليكه شجاعة وكذلك كشافة وخصوصا اسمعيل كاشف المعروف بأبي قطية فانه لم يزل يحارب ويزحف حتى ملك ناحية رصيف الخشاب وبيت مراد بك الذي اصله بيت حسن بك الازبكاوي وبيت احمد اغا شويكار وتترس فيهما وحسن بك الجداوي تترس بناحية الرويعي وربما فارق متراسه في بعض الليالي لنصرة جهة اخرى وحضر ايضا رجل مغربي يقال انه الذي كان يحارب الفرنسيس بجهة البحيرة سابقا والتف عليه طائفة من المغاربة البلدية وجماعة من الحجازية ممن كان قدم صحبة الجيلاني الذي تقدم ذكره وفعل ذلك الرجل المغربي امورا تنكر عليه لان غالب ما وقع من النهب وقتل من لا يجوز قتله يكون صدوره عنه فكان يتجسس على البيوت التي بها الفرنسيس والنصارى فيكبس عليهم ومعه جمع من العوام والعسكر فيقتلون من يجدونه منهم وينهبون الدار ويسحبون النساء ويسلبون ما عليهم من الحلي والثياب ومنهم من قطع رأس البنية الصغيرة طمعا فيما على رأسها وشعرها من الذهب وتتبع الناس عورات بعضهم البعض وما دعتهم اليه حظوظ أنفسهم وحقدهم وضغائنهم واتهم الشيخ خليل البكري بأنه يوالي الفرنسيس ويرسل اليهم الاطعمة فهجم عليه طائفة من العسكر مع بعض اوباش العامة ونهبوا داره وسجنوه مع اولاده وحريمه واحضروه الى الجمالية وهو ماش على اقدامه ورأسه مكشوفة وحصلت له اهانة بالغة وسمع من العامة كلاما مؤلما وشتما فلما مثلوه بين يدي عثمان كتخدا هالة ذلك واغتم غما شديدا ووعده بخير وطيب خاطره واخذه سيدي احمد بن محمود محرم التاجر مع حريمه الى داره اكرمهم وكساهم واقاموا عنده حتى انقضت الحادثة وباشر السيد احمد المحروقي وباقي التجار ومساتير الناس الكلف والنفقات والمآكل والمشارب وكذلك جميع اهل مصر كل انسان سمح بنفسه وبجميع ما يملكه وأعان بعضهم بعضا وفعلوا ما في وسعهم وطاقتهم من المعونة
وأما الفرنساوية فانهم تحصنوا بالقلاع المحيطة بالبلد وبيت الالفي وما والاه من البيوت الخاصة بهم وبيوت القبطة المجاورين لهم واستمر الناس بعد دخول الباشا والامراء ومن معهم من العسكر الى مصر اياما قليلة وهم يدخلون ويخرجون من باب الفتوح وباب العدوى وأهل الارياف القريبة تأتي بالميرة والاحتياجات من السمن والجبن واللبن والغلة والتبن والغنم فيبيعونه على اهل مصر ثم يرجعون الى بلادهم كل ذلك ولم يعلم احد حقيقة حال الفرنساوية المتوجهين مع كبيرهم للحرب واختلفت الروايات والاخبار وأما الوزير فأنه لما ارتحل بالعرضي تخلف عنه ببلبيس جملة من العسكر وأما عثمان بك حسن وسليم بك أبو دياب ومن معهما فأنهما تقاتلا مع الفرنساوية ثم رجعا الى بلبيس فحاصروا من بها وكان عثمان بك وسليم بك وعلي باشا الطرابلسي وبعض وجاقلية خرجوا منها وذهبوا الى ناحية العرضي فحارب الفرنساوية من بلبيس من العسكر ولم يكن لهم بهم طاقة فطلبوا الامان فأمنوهم وأخذوا سلاحهم واخرجوهم حيث شاؤا فذهبوا اشتاتا في الارياف يتكففون الناس ويأوون الى المساجد الخربة ومات اكثرهم من العرى والجوع ثم لما لحق عثمان بك ومن معه بالعرضي ناحية الصالحية وتكلموا مع الوزير واوجعوه بالكلام فاعتذر اليهم باعذار ومنها عدم الاستعداد للحرب وتركه معظم الجبخانة والمدافع الكبار بالعريش اتكالا على امر الصلح الواقع بين الفريقين وظنه غفلة الفرنساوية عما دبره عليهم مع لانكليز فقال له عثمان بك ارسل معنا العساكر وانتظرنا هنا فخاطب العسكر وبذل لهم الرغائب فامتنعوا ولم يمتثل منهم الا المطيع والمتطوع وهم نحو الالف وعادوا على أثرهم وجمعوا منهم من كان مشتتا ومنتشرا في البلاد ورجعوا يريدون محاربة الفرنساوية فنزلوا بوهدة بالقرب من القرين لكونهم نظروه في قلة من عسكره وعلمهم بقرب من ذكر منهم فضاربوهم بالنبابيت والحجارة وأصيب سرج سارى عسكر بنبوت فانكسر وسقط ترجمانة الى الارض وتسامع المسلمون فركبوا لنجدتهم واستصرخ
الفرنساوية عساكرهم فلحقوا بهم ووقع الحرب بين الفريقين حتى حال بينهما الليل فانكف الفريقان وانحاز كل فريق ناحية فلما دخل الليل واشتد الظلام احاط العسكر الفرنساوي بعساكر المسلمين فاصبح المسلمون وقد رأوا احاطة العسكر بهم من كل جانب فركبت الخيالة وتبعتهم المشاة واخترقوا تلك الدائرة وسلم منهم من سلم وعطب من عطب ورجعوا على اثرهم الى الصالحية فعند ذلك ارتحل الوزير ورجع الى الشام واما مراد بك فان بمجرد ما عاين هجوم الفرنسيس على الباش والامراء بالمطرية وكان هو بناحية الجبل ركب من ساعته هو ومن معه ومروا من سفح الجبل وذهب الى ناحية دير الطين ينتظر ما يحصل من الامور واقام مطمئنا على نفسه واعتزل الفريقين واستمر على صلحه مع الفرنساوية هذا حاصل خبر الشرقيين ولما تحقق الباشا والامراء الذين انحصروا بمصر ذلك اخفوه بينهم واشاعوا خلافة لئلا تنحل عزائم الناس عن القتال وتضعف نفوسهم واستمر الباشا يظهر كتابة المراسلات وارسال السعاة في طلب النجدة والمعونة وربما افتعلوا اجوبة فزوروها على الناس فتزوج عليهم وتسرى في غفلتهم ويقولون للناس في كل وقت ان حضرة الصدر الاعظم مجتهد في محاربة الفرنسيس وفي غد او بعد غد يقوم بالعساكر والجنود بعد قطع العدو وعند حضوره ووصوله يحصل تمام الفتح وتهدم العساكر القلاع وتقلبها على من يبقى من الفرنساوية وبعد ذلك ينظم البلاد ويريح العباد واجتهدوا فيما انتم فيه وتابعوا المناداة على الناس والعسكر باللسان العربي والتركي بالتحريض والاجتهاد والحرص على لصبر والقتال وملاقاة العدو ونحو ذلك ووصل طائفة من عسكر الفرنساوية ورجعوا من عرضيهم نجدة لاصحابهم الذين بمصر فقويت بهم نفوس الكائنين بمصر ووقفت منهم طائفة خارج باب النصر وخارج باب الحسينية ونهبوا زاوية الدمرداش وما حولها كقبة الغوري والمنيل وحضر نحو خمسمائة من عسكر الارنؤد وهم الذين كان الوزير وجههم الى القرى لقبض الكلف والفرض فلما قربوا من مصر عارضهم عسكر الفرنساوية الواقفة على التلول
الخارجة فحاموا ودافعوا عن انفسهم وخلصوا منهم ودخلوا الى مصر وفرح الناس لقدومهم وضجت القلعة بحضورهم واشتدت قواهم واتفقوا ان يقولوا للناس اذا سئلوا انهم حاضرون مددا وسيأتي في اثرهم عشرون الفا وعليهم كبير ونحو ذلك واما بولاق فانها قامت على ساق واحد وتحزم الحاج مصطفى البشتيلي وامثاله وهيجوا العامة وهيأوا عصيهم واسلحتهم ورمحوا وصفحوا واول ما بدؤا به انهم ذهبوا الى وطاق الفرنسيس الذي تركوه بساحل البحر وعنده حرسية منهم فقلتوا من ادركون منهم ونهبوا جميع ما فيه من خيام ومتاع وغيره ورجعوا الى البلد وفتحوا مخازن الغلال والودائع التي للفرنساوية واخذوا ما احبوا منها وعملوا كرانك حوالي البلد ومتاريس واستعدوا للحرب والجهاد وقوى في رأسهم العناد واستطالوا على من كان ساكنا ببولاق من نصارى القبط والشوام فأوقعوا بهم بعض النهب وربما قتل منهم اشخاص هذا ما كان من امر هؤلاء واما ما كان من امر سارى عسكر الفرنساوية ومن معه فانه لما استوثق بهزيمة والوزير وعدم عوده ونجاته بنفسه لم يزل خلفه حتى بعد عن الصالحية فأبقى بها بعضا من عسكر الفرنسيس محافظين وكذلك بالقرين وبليس ورجع الى مصر وقد بلغت الاخبار بما حصل من دخول ناصف باشا والامراء وقيام الرعية فلم يزل حتى وصل الى داره بالازبكية واحاطت العساكر الفرنساوية بالمدينة وبولاق من خارج ومنعوا الداخل من الدخول والخارج من الخروج وذلك بعد ثمانية ايام من ابتداء الحركة وقطعوا الجالب عن البلدين واحاطوا بها احاطة السوار بالمعصم فكانت جماعة من المفوضين لهم المحصورين داخل المدينة كبعض القبطة ونصارى الشوام وغيرهم يهربون اليهم ويتسلقون من الاسوار والحيطان بحريمهم واولادهم فعند ذلك اشتد الحرب وعظم الكرب واكثروا من الرمي المتتابع بالمكاحل والمدافع واكثروا وأوصلوا وقع القنابر والبنبات من اعالي التلول والقلعات خصوصا البنبات الكبار على الدوام والاستمرار آناء الليل واطراف النهار في الغدو والبكور
والاسحار وعدمت الاقوات وغلت اسعار المبيعات وعزت المأكوت وفقدت الحبوب والغلات وارتفع وجود الخبز من الاسواق وامتنع الطوافون به على الاطباق وصارت العساكر الذين مع الناس بالبلد يحفظون ما يجدونه بأيدي الناس من المأكل والمشارب وغلا سعر الماء المأخوذ من الآبار او الاسبلة حتى بلغ سعر القربة نيفا وستين نصفا واما البحر فلا يكاد يصل اليه احد وتكفل التجار ومساتير الناس والاعيان بكلف العساكر المقيمين بالمتاريس المجاورة لهم فألزموا الشيخ السادات بكلفة الذين عند قناطر السباع وهم مصطفى بك ومن معه من العساكر واما اكابر القبط مثل جرجس الجوهري وفلتيوس وملطي فانهم طلبوا الامان من المتكلمين من المسلمين لكونهم انحصروا في دورهم وهم في وسطهم وخافوا على نهب دورهم اذا خرجوا فارين فارسلوا اليهم الامان فحضروا وقابلوا الباشا والكتخدا والامراء وأعانوهم بالمال واللوازم وأما يعقوب فانه كرنك في داره بالدرب الواسع جهة الرويعي واستعد استعدادا كبيرا بالسلاح والعسكر المحاربين وتحصن بقلعته التي كان شيدها بعد الواقعة الاولى فكان معظم حرب حسن بك الجداوي معه هذا والمناداة في كل وقت بالعربي والتركي على الناس بالجهاد والمحافظة على المتاريس وانهم مصطفى أغا مستحفظان بموالاته للفرنساوية وانه عنده في بيته جماعة من الفرنسيس فهجمت العساكر على داره بدرب الحجر فوجدوا انفارا قليلة من الفرنسيس فقاتلوا وحاموا عن أنفسهم وقتل منهم البعض وهرب البعض على حمية حتى خلصوا الى الناصرية وأما الاغا فأنهم قبضوا عليه واحضروه بين يدي عثمان كتخدا ثم تسلمه الانكشارية وخنقوه ليلا بالوكالة التي عند باب النصر ورموا جيفته على مزبلة خارج البلد واستقر عوضه شاهين كاشف الساكن بالخرنفش فاجتهد وشدد على الناس وكرر المناداة ومنعهم من دخول الدور وكل من وجده داخل داره مقته وضربه فكان الناس يبيتون بالازقة والاسواق حتى الامراء والاعيان وهلكت البهائم من الجوع لعدم وجود العلف من التين والفول والشعير والدريس
بحيث صار ينادي على الحمار او البغل المعدد الجذى قيمته ثلاثون ريالا وأكثر بمائة نصف فضة او ريال واحدا واقل ولا يوجد من يشتريه وفي كل يوم يتضاعف الحال وتعظم الاهوال وزحف المسلمون على جهة رصيف الخشاب وترامى الفريقان بالمدافع والنيران حتى احترق ما بينهم من الدور وكان اسمعيل كاشف الالفي تحصن ببيت أحمد أغا شويكار الذي كان بيته وقد كان الفرنساوية جعلوا به لعما بالبارود المدفون فاشتعل ذلك اللغم ورفع ما فوقه من الابنية والناس وطاروا في الهواء واحترقوا عن آخرهم وفيهم اسمعيل كاشف المذكور وانهدم جميع ما هناك من الدور والمباني العظيمة والقصور المطلة على البركة واحترق جميع البيوت التي من عند بين المفارق بقرب جامع عثمان كتخدا الى رصيف الخشاب والخطة المعروفة بالساكت بأجمعها الى الرحبة المقابلة لبيت الالفي سكن سارى عسكر الفرنساوية وكذلك خطة الفوالة بأسرها وكذلك خط الروبعي بالسباط العظيمين وما في ضمن ذلك من البيوت الى حد حارة النصارى وصارت كلها تلالا وخرائب كأنها لم تكن مغني صبابات ولا مواطن أنس ونزاهات وقد جنت عليها ايدي الزمان وطوارق الحدثان حتى تبدلت محاسنها وأفقرت مساكنها وهكذا عقبى سوء ما عملوا فتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا
وارسلوا الى مراد بك يطلبونه للحضور او يرسل الامراء والاجناد التي عنده فأرسل يعتذر عن الحضور ويقول انه محافظ عل الجهة التي هو فيه فأرسلوا اليه بالارسال والاستكشاف عن امر الوزير فأرسل يخبر أنه ارسل هجانا الى الشرق من نحو عشرة ايام والى الآن لم يحضر وان الفرنساوية اذا ظفروا بالعثمانية لا يقتلونهم ولا يضربونهم وانتم كذلك معهم فأقبلوا نصحي واطلبوا الصلح معهم واخرجوا سالمين فلما بلغهم تلك الرسالة حنق حسن بك الجداوي وعثمان بك الاشقر وغيرهم وسفهوا رأية وقالوا كيف يصح هذا الأمر وقد دخلنا الى البلد وملكناها فكيف نخرج منها طائعين ونحو ذلك هذا مما لا يكون ابدا فأشار
ابراهيم بك برجوع البرديسي وصحبته عثمان بك الاشقر ليقول الاشقر لمراد بك ما يقوله فلما اجتمع به ورجع لم يرجع على ما كان عليه حال ذهابه وفترت همته وجنح لراي مراد بك واستمر الحال على ما هو عليه من اشتعال نيران الحرب وشدة البلاء والكرب ووقوع البنبات على الدور والمساكن من القلاع والهدم والحرق وصراخ النساء من البيوت والصغار من الخوف والجزع والهلع مع القحط وفقد المآكل والمشارب وغلق الحوانيت والطوابين والمخابز ووقوف حال الناس من البيع والشراء وتفليس الناس وعدم وجدان ما ينفقونه ان وجدوا شيئا واستمر ضرب المدافع والقنابر والبنادق والنيران ليلا ونهارا حتى كان الناس لا يهنأ لهم نوم ولا راحة ولا جلوس لحظة لطيفة من الزمن ومقامهم دائما ابدا بالازقة والاسواق وكأنما على رؤوس الجميع الطير واما النساء والصبيان فمقامهم بأسفل الحواصل والعقودات تحت طباق الابنية الى غير ذلك
وفي اثناء ذلك فرضوا على الناس من اهل الاسواق وغيرهم مائة كيس فردوها على بعض الناس كالسادات والصارى وصار مؤونة غالب الناس الارز ويطبخونه بالعسل وباللبن ويبيعون ذلك في طشوت واوان بالاسواق وفي كل ساعة تهجم العساكر الفرنساوية على جهة من الجهات ويحاربون الذين بها ويملكون منهم بعض المتاريس فيصيحون على بعضهم بالمناداة يتسامع الناس ويصرخون على بعضهم البعض ويقولون عليكم بالجهة الفلانية الحقوا اخوانكم المسلمين فيرمحون الى تلك الخطة والمتاريس حتى يجلوهم عنها وينتقلون الى غيرها فيفعلون كذلك وكان المتحمل لغالب هذه المدافعات حسن بك الجداوي فإنه كان عند ما يبلغه زحف الفرنساوية على جهة من الجهات يبادر هو ومن معه للذهاب لنصرة تلك الجهة ورأى الناس من اقدامه وشجاعته وصبره على مجالدة العدو ليلا ونهارا ما ينبىء عن فضيل نفس وقوة قلب وسمو همة وقل ان وقع حرب في جهة من الجهات الا وهو مدير رحاها ورئيس كماتها هذا والاغا والوالي يكررون المناداة وكذلك المشايخ والفقهاء والسيد احمد
المحروقي والسيد عمر النقيب يمرون كل وقت ويأمرون الناس بالقتال ويحرضونهم على الجهاد وكذلك بعض العثمانية يطوفون مع اتباع الشرطة وينادون باللغة التركية مثل ذلك وجرىعلى الناس مالا يسطر في كتاب ولم يكن لاحد في حساب ولا يمكن الوقوف على كلياته فضلا عن جزئياته منها عدم النوم ليلا ونهارا وعدم الطمأنينة وغلو الاقوات وفقد الكثير منها خصوصا الادهان وتوقع الهلاك كل لحظة والتكليف بما لا يطاق ومغالبة الجهلاء على العقلاء وتطاول السفهاء على الرؤساء وتهور العامة ولفط الحرافيش وغير ذلك مما لا يمكن حصره ولم يزل الحال على هذا المنوال الى نحو عشرة ايام وكل هذا والرسل من قبل الفرنساوية وهم عثمان بك البرديسي تارة ومصطفى كاشف ورستم تارة اخرى والاثنان من اتباع مراد بك يترددون في شأن الصلح وخروج العساكر العثمانية من مصر والتهديد بحرقها وهدمها اذا لم يتم هذا الغرض واستمروا على هذا العناد ثم نصب الفرنساوية في وسط البركة فساطا لطيفا وأقاموا عليه علما وأبطلوا الرمي تلك الليلة وأرسلوا رسولا من قبلهم الى الباشا والكتخدا والامراء يطلبون المشايخ يتكلمون معهم في شأن هذا الامر فأرسلوا الشرقاوي والمهدي والسرسي والفيومي وغيرهم فلما وصلوا الى سارى عسكر وجلسوا خاطبهم على لسان الترجمان بما حاصله أن سارى عسكر قد أمن اهل مصر أمانا شافيا وان الباشا والكتخدا ومن معهما من العساكر العثمانية يخرجون من مصر ويلحقون بالعرضي وعلى الفرنساوية القيام بما يحتاجون اليه من المؤونة والذخيرة حتى يصلوا الى معسكرهم وأما الاجناد المصرية الداخلة معهم فمن اراد منهم المقام بمصر من المماليك والغز الداخلين معهم فليقم وله الاكرام ومن اراد الخروج فليخرج والجرحى من العثملي يجردون من سلاحهم وان كان يأخذه الكتخدا فليأخذه وعلينا ان نداويهم حتى يبرأوا ومن اقام بعد البرء منهم فعلينا مؤونته ومن اراد الخروج بعد برئه فليخرج وعلى اهل مصر الامان فانهم رعيتنا وتوافقوا على ذلك وتراضوا عليه ولما كان
الغد وشاع امر الموادعة واستفيض أمر الصلح على هذا قالوا لهم لأي شيء تفعلون هذا الفعل وهذه المحاربات والوزير ولى مهزوما ورجع هاربا ولا يمكن عوده في هذا الحين الا أن يكون بعد ستة أشهر فاعتذروا له بأن هذا من فعل ناصف باشا وكتخدا الدولة وابراهيم بك ومن معهم فانهم هم الذين اثاروا الفتنة وهيجوا الرعايا ومنوا الناس الاماني الكاذبة والعامة لا عقول لهم فقالوا لهم بعد كلام طويل قولوا لهم يتركون القتال ويخرجون فيلحقون بوزيرهم فانهم لا طاقة لهم على حربنا ويكونون سببا لهلاك الرعية وحرق البلدين مصر وبولاق فقالوا له نخشى انهم اذا امتثلوا وجنحوا للموادعة وخرجوا وذهبوا الى سارى عسكرهم تنتقمون منا ومن الرعايا بعد ذلك فقالو لا نفعل ذلك فانهم اذا رضوا ومنعوا الحرب اجتمعنا معكم واياهم وعقدنا صلحا ولا نطالبكم بشيء والذي قتل منا في نظير الذي قتل منكم وزودناهم واعطيناهم ما يحتاجون من خيل وجمال وأصبحنا معهم من يوصلهم الى مأمنهم من عسكرنا ولا نضر أحدا بعد ذلك فلما رجع المشايخ بهذا الكلام وسمعه الانكشارية والناس قاموا عليهم وسبوهم وشتموهم وضربوا الشرقاوي والسرسي ورموا عمائهم وأسمعوهم قبيح الكلام وصاروا يقولون هؤلاء المشايخ ارتدوا وعملوا فرنسيس ومرادهم خذرن المسلمين وانهم اخذوا دراهم من الفرنسيس وتكلم السفلة والغوغاء من امثال هذا الفضول وتشدد في ذلك الرجل المغربي الملتف عليه اخلاط العالم ونادى من عند نفسه الصلح منقوض وعليكم بالجهاد ومن تأخر عنه ضرب عنقه وكان السادات ببيت الصارى فتحير واحتال بان خرج وامامه شخص ينادى بقوله الزموا المتاريس ليقي بذلك نفسه من العامة ووافق ذلك اغراض العامة لعدم ادراكهم لعواقب الامور فألتفوا عليه وتعضد كل بالآخر وان غرضه هو في دوام الفتنة فان بها يتوصل لما يريد من النهب والسلب والتصور بصورة الامارة باجتماع الاوغاد عليه وتكفل الناس له بالمأكل والمشرب هو ومن انضم اليه واشتطاط في المأكل مع فقد الناس لا دون ما يؤكل حتى انه
كان اذا نزل جهة من جهات المدينة لاظهار انه يريد المعونة او الحرس فيقدمون له بالطعام فيقول لا آكل الا الفراخ ويظهر أنه صائم فيكلف أهل تلك الجهة انواع المشتقات والتكلفات بتعنته في هذه الشدة بطلب أفحش المأكولات وما هو مفقود ثم هو مع ذلك لا يغني شيئا بل اذا دهم العدو تلك الجهة التي هو فيها فارقها وانتقل لغيرها وهكذا كان ديدنه ثم هو ليس ممن له في مصر ما يخاف عليه من مسكن أو اهل أو مال أو غير ذلك بل كما قيل لا ناقتي فيها ولاجملي فإذا قدر ما قدر تخلص مع حزبه الى بعض الجهات والتحق بالريف أو غيره وحينئذ يكون كآحاد الناس ويرجع لحالته الاولى وتبطل الهيئة الاجتماعية التي جعلها لجلب الدنيا فخا منصوبا ومخرق بها على سخاف العقول وإخفاء الاحلام وهكذا حال الفتن تكثر فيها الدجاجلة ولو أن نيته ممحضة لخصوص الجهاد لكانت شواهد علانيته اظهر من نار على علم او اقتحم كغيره ممن سمعنا عنهم من المخلصين في الجهات وفي بيع انفسهم في مرضاة رب العباد لظا الهيجاء ولم يتعنت على الفقراء ولم يجعل همته في السلب مصروفة وحال سلوكه عند الناس ليست معروفة ... ومهما تكن عند امرىء من خليقة ... وان خالها تخفى على الناس تعلم ...
وبالجملة فكان هذا الرجل سببا في تهدم أغلب المنازل بالازبكية ومن جملةما رميت به مصر من البلاء وكان ممن ينادى به عليه حين اشيع امر الصلح وتكلم به الاشياخ الصلح منقوض وعليكم بالجهاد ومن تأخر ضرب عنقه وهذا منه افتيات وفضول ودخول فيما لا يعني حيث كان في البلد مثل الباشا والكتخدا والامراء المصرية فما قدر هذا الاهوج حتى ينقض صلحا أو يبرمه وأي شيء يكون هو حتى ينادي او ينصب نفسه بدو ان ينصبه احد لذلك لكنها الفتن يستنسر بها البغات سيما عند هيجان العامة وثوران الرعاع والغوغاء اذ كان ذلك مما يوافق أغراضهم عل ان المشايخ لم يأمروا بشيء ولم يذكروا صلحا ولا غيره انما بلغوا صورة المجلس الذي طلبوا لاجله لحضرة الكتخدا فبمجرد ذلك قامت عليهم
العامة هذا المقام وسبوهم وشتموهم بل وضربوهم وبعضهم رموا بعمامته الى الارض واسمعوهم قبيح الكلام وفعلوا معهم ما فعلوا وصاروا يقولون لولا ان الكفرة الملاعين تبين لهم الغلب والعجز ما طلبوا المصالحة والموادعة وأن بارودهم وذخيرتهم فرغت ونحو ذلك من الظنون الفاسدة ولم يردوا عليهم جوابا بل ضربوا بالمدافع والبنادق فأرسلوا ايضا رسلا يسالونهم عن الجواب الذي توجه به المشايخ فأرسل اليهم الباشا والكتخدا يقولان لهم ان العساكر لم يرضوا بذلك ويقولون لا نرجع عن حربهم حتى نظفر بهم أو نموت عن خرنا وليس في قدرتنا قهرهم على الصلح فأرسل الفرنساوية جواب ذلك في ورق يقولون في ضمنها قد عجبنا من قولكم ان العساكر لم ترض بالصلح وكيف يكون الامير أميرا على جيش ولا ينفذ أمره فيهم ونحو لك وأرسلوا ايضا رسولا الى أهل بولاق يطلبونهم للصلح وترك الحرب ويحذرونهم عاقبة ذلك فلم يرضوا وصمموا على العناد فكرروا عليهم المراسلة وهم لا يزدادون الا مخالفة وشغبا فأرسلوا في خامس مرة فرنساويا يقول أمان أمان سواسوا وبيده ورق من سارى عسكر فأنزلوه من على فرسه وقتلوه وظن كامل أهل مصر انهم انما يطلبون صلحهم عن عجز وضعف واشعلوا نيران القتال وجدوا في الحرب من غير انفصال والفرنساوية لم يقصروا كذلك وراسلوا رمي المدافع والقنابر والبندق المتكاثر وحضر الالفي الى عثمان كتخدا برأي ابتدعه ظن ان فيه الصواب وهو ان يرفعوا على هلالات المنارات اعلاما نهارا ويوقدون عليها القناديل ليلا ليرى ذلك العسكر القادم فيهتدي ويعلمون ان البلد بيد المسلمين وانهم منصورون وكذلك صنع معهم أهل بولاق وذلك لغلبة ظن الناس ان هناك عسكرا قادمين لنجدتهم
وظن اهل بولاق ان الباعث على ذلك نصرتهم فصمموا على ذلك للحرب واستمر هذا الحال بين الفريقين الى يوم الخميس ثاني عشرينه
الموافق لعاشر برموده القبطي وسادس نيسان الرومي فغيمت السماء غيما كثيفا وارعدت رعدا مزعجا عنيفا وامطرت مطرا غزيرا وسيلت سيلا كثيرا فسالت المياه في الجهات وتوحلت جميع السكك والطرقات فاشتغل الناس بتجفيف المياه والاوحال ولطخت الامراء والعساكر بسراويلهم ومراكيبهم بالطين والفرنساوية هجموا على مصر وبولاق من كل ناحية ولم يبالوا بالأمطار لانهم في خارج الافنية وهي لا تتأثر بالمياه كداخل الانية وعندهم الاستعداد والتحفظ والخفة في ملابسهم وما على رؤوسهم وكذلك اسلحتهم وعددهم وصنائعهم بخلاف المسلمين فلما حصل ذلك اغتنموا الفرصة وهجموا على البلدين من كل ناحية وعملوا فتائل مغمسة بالزيت والقطران وكعكات غليظة ملوية على اعناقهم معمولة بالنفط والمياه المصنوعة المقطرة التي تشتعل ويقوى لهبها بالماء وكان معظم كبستهم من ناحية الحديد وكوم ابي الريش وجهة بركة الرطلي وقنطرة الحاجب وجهة الحسينية والرميلة فكانوا يرمون المدافع والبنبات من قلعة جامع الظاهر وقلعة قنطرة الليمون ويهجمون ايضا وامامهم المدافع وطائفة خلفهم بواردية يقال لهم السلطات يرمون بالبندق المتتابع وطائفة بأيديهم الفتائل والكعكات المشتعلة بالنيران يلهبون بها السقائف وضرف الحوانيت وشبابيك الدور ويزحفون على هذه الصورة شيئا فشيئا والمسلمون ايضا بذلوا جهدهم وقاتلوا بشدة همتهم وعزمهم وتحول الاغا واكثر الناس الى تلك الجهة وزلزلوا في ذلك اليوم والليلة زلزالا شديدا وهاجت العامة وصرخت النساء والصبيان ونطوا من الحيطان والنيران تأخذ المتوسطين بين الفئتين من كل جهة هذا والامطار تسح حصة من النهار وكذلك بالليل من ليلة الجمعة وكذلك الرعد والبرق وعثمان بك الاشقر الابراهيمي وعثمان بك البرديسي المرادى ومصطفى كاشف رستم يذهبون ويجيئون من الفرنسيس الى المسلمين ومن الفرنسيس اليهم ويسعون في الصلح بين الفريقين
ثم انهم هجموا عل بولاق من ناحية البحر ومن ناحية بوابة ابي العلا بالطريقة المذكورة بعضها وقاتل اهل بولاق جهدهم ورموا بأنفسهم في النيران حتى غلب الفرنسيس عليهم وحصروهم من كل جهة وقتلوا منهم بالحرق والقتل وبلوا بالنهب والسلب وملكوا بولاق وفعلو بأهلها ما يشيب من هوله النواصي وصارت القتلى مطروحة في الطرقات والازقة واحترقت الابنية والدور والقصور وخصوصا البيوت والرباع المطلة على البحر وكذلك الاطارف وهرب كثير من الناس عند ما أيقنوا بالغلبة فنجوا بأنفسهم الى الجهة القبلية ثم احاطوا بالبلد ومنعوا من يخرج منها واستولوا على الخانات والوكائل والحواصل والودائع والبضائع وملكوا الدور وما بها من الامتعة والاموال والنساء والخوندات والصبيان والبنات ومخازن الغلال والسكر والكتان والقطن والاباريز والارز والادهان والاصناف العطرية وما لاتسعه السطور ولا يحيط به كتاب ولا منشور والذي وجدوه منعكفا في داره أو طبقته ولم يقاتل ولم يجدوا عنده سلاحا نهبوا متاعه وعروه من ثيابه ومضوا وتركوه حيا وأصبح من بقي من ضعفاء اهل بولاق واهلها واعيانها الذين لم يقاتلوا فقراء لا يملكون ما يستر عوراتهم وذلك يوم الجمعة ثالث عشرينه وكان محمد الطويل كاتب الفرنساوية اخذ منهم أمانا لنفسه وأوهم اصحابه أنه يحارب معهم وفي وقت هجوم العساكر انفصل اليهم واختفى البشتيلي فدلوا عليه وقبضوا على وكيله وعلى لرؤساء فحبسوا البشتيلي بالقلعة والباقي ببيت سارى عسكر وضيقوا عليهم حتى منعوهم البول وفي اليوم الثالث اطلقوهم وجمعوا عصبة البشتيلي من العامة وسلموهم البشتيلي وأمروهم ان يقتلوه بأيديهم لدعواهم انه هو الذي كان يحرك الفتنة ويمنعهم الصلح وانه كاتب عثمان كتخدا بمكتوب قال فيه ان الكلب دعانا للصلح فأبينا منه وأرسله مع رجل ليوصله الى الكتخدا فوقع في يد سارى عسكر كلهبر فحركه ذلك على أخذ بولاق وفعله فيها الذي
فعله وقوبل على ذلك بان اسلم الى عصبته وأمروا ان يطوفوا به البلد ثم يقتلوه ففعلو ذلك وقتلوه بالنبابيت وألزم أهل بولاق بان يرتبوا ديوانا لفصل الاحكام وقيدوا فيه تسعة من رؤسائهم ثم بعد مضي يومين الزموا بغرامة مائتي ألف ريال وأما المدينة فلم يزل الحال بها على النسق المتقدم من الحرب والكرب والنهب ولاسلب الى سادس عشرينه حتى ضاق خناق الناس من استمرار الانزعاج والحريق والسهر وعدم الراحة لحظة من الليل والنهار مع ما هم فيه من عدم القوت حتى هلكت الناس وخصوصا الفقراء والدواب وايذاء عسكر العثمانلي للرعية وخطفهم ما يجدونه معهم حتى تمنوا زوالهم ورجوع الفرنسيس على حالتهم التي كانوا عليها والحال كل وقت في الزيادة وأمر المسلمين في ضعف لعدم المير والمدد والفرنساوية بالعكس وفي كل يوم يزحفون الى قدام والمسلمون الى وراء فدخلوا من ناحية باب الحديد وناحية كوم ابي الريش وقنطرة الحاجب وتلك النواحي وهم يحرقون بالفتائل والنيران الموقدة ويملكون المتاريس الى ان وصلوا من ناحية قنطرة الحروبي وناحية باب الحديد الى قرب باب الشعرية
وكان شاهين أغا هناك عند المتاريس فأصابته جراحه فقام من مكانه ورجع القهقري فعند رجوعه وقعت الهزيمة ورجع الناس يدوسون بعضهم البعض
وملك الفرنساوية كوم ابي الريش وصاروا يحاربون من كوم ابي الريش وهم في العلو والمسلمون اسفل منهم وان المحروقي زور كتابا على لسان الوزير وجاء به رجل يقول انه اختفى في طريق خفية ونط من السور وان الوزير يقدم بعد يومين او ثلاثة وانه تركه بالصالحية وان ذلك كذب لا اصل له وان يكتب جوابا عن فرمان كتبوه على لسان المشايخ والتجار وارسلوه الى الوزير في اثناء الواقعة
هذا والبرديسي ومصطفى كاشف والاشقر يسعون في أمر الصلح الى
ان تموه على كف الحرب وان الفرنساوية يمهلون العثمانية والامراء ثلاثة ايام حتى يقضوا اشغالهم ويذهبون حيث اتوا وجعلوا الخليج حدا بين الفريقين لا يتعدى احد من الفريقين بر الخليج الآخر وابطلوا الحرب واخمدوا النيران وتركوا القتال واخذ العثمانية والامراء والعسكر في أهبة الرحيل وقضاء اشغالهم وزودهم الفرنساوية واعطوهم دراهم وجمالا وغير ذلك وكتبوا بعقد الصلح فرمانا مضمونه انهم يعوقون عندهم عثمان بك البرديسي وعثمان بك الاشقر ويرسلون ثلاثة انفار من اعيالهم يكونون بصحبة عثمان كتخدا حتى يصل الى الصالحية وان يوصلهم سارى عسكر داماس بثلثمائة من العسكر خوفا عليهم من العرب وان من جاء منهم من جهة يرجع اليها ومن اراد الخروج من أهل مصر معكم فليخرج ما عدا عثمان بك الاشقر فانه اذا رجع الثلاثة مع الفرنساوية يذهب مع البرديسي الى مراد بك بالصعيد وأرسلوا الثلاثة مع الفرنساوية يذهب مع البرديسي الى مراد بك بالصعيد وأرسلوا الثلاثة المذكورين الى وكالة ذي الفقار بالجمالية وأجلسوهم بمسجد الجمالي صحبة نصوح باشا الخان ومنع نصوح باشا العامة من الهجوم على المسجد وركب المغربي فتوجه الى الحسينية وطلب محاربة الفرنسيس فحضر اهل الحسينية الى عثمان كتخدا يستأذنونه في موافقة ذلك المغربي أو منعه فأمر بمنعه وكفهم عن القتال وركب المحروقي عند ذلك ومر بسوق الخشب وقدامه المناداة بان لا صلح ولزوم المتاريس ثم فتح باب الوكالة وخرج منها عسكر بالعصي فهاجوا في العامة ففرو وسكن الحال
واستهل شهر ذي الحجة بيوم الجمعة سنة
فيه خرج العثمانية وعساكره وابراهيم بك وامراؤه ومماليكه والالفي واجناده ومعهم السيد عمر مكرم النقيب والسيد احمد المحروقي الشاه بندر وكثيرون من اهل مصر ركبانا ومشاة الى الصالحية وكذلك حسن بك الجداوي واجناده واما عثمان بك حسن ومن معه فرجعوا صحبة الوزير فلم يسع ابراهيم بك وحسن بك ترك جماعتهما خلفهما وذهابهم بأنفسهم الى قبلي بل رجعا بجماعتهما على اثرهما وذاقوا وبال أمرهم وانكشف الغبار عن تعسة المسلمين وخيبة امل الذاهبين والمتخلفين وما استفاد الناس من هذه العمارة وما جرى من الغارة الا الخراب والسخام والهباب فكانت مدة الحرب والحصر بما فيها من الثلاثة ايام الهدنة سبعة وثلاثين يوما وقع بها من الحروب والكروب والانزعاج والشتات والهياج وخراب الدور وعظائم الامور وقتل الرجال ونهب الاموال وتسلط الاشرار وهتك الاحرار وخصوصا ما أوقع الفرنساوية بالناس بعد ذلك مما سيتلى عليك بعضه وخرب في هذه الواقعة عدة جهات من أخطاط مصر الجليلة مثل جهة الازبكية الشرقية من حد جامع عثمان والفوالة وحارة كتخدا رصيف الخشاب وخطة الساكت الى بيت سارى عسكر بالقرب من قنطرة الدكة وكذلك جهة باب الهواء الى حارة النصارى من الجهة القبلية وأما بركة الرطلي وما حولها من الدور والمنتزهات والبساتين فانها صارت كلها تلالا وخرائب وكيمان اتربة وقد كانت هذه البركة من اجل منتزهات مصر قديما وحديثا وبالقرب منها المقصف المعروف بدهليز الملك والبرنج والجسر وكانت تعرف ببركة الطوابين ثم عرفت ببركة الحاجب منسوبة للامير بكتمر الحاجب من امراء الملك الناصر محمد بن قلاوون لانه هو الذي احتفرها واجرى اليها الماء من الخليج الناصري وبنى القنطرة المنسوبة اليه وعمر عليها الدور والمناظر وبنى على الجسر الفاصل بينها وبين الخليج دورا بهية وكان هذا الجسر من أجل المنتزهات وقد خربت منازله في القرن العاشر في واقعة السلطان سليم خان مع الغوري وصار محله بستانا عظيما قطع اشجاره وغالب نخيلة الفرنساوية
ومما تخرب ايضا حارة المقس من قبل سوق الخشب الى باب الحديد وجميع مافي ضمن ذلك من الحارات والدور صارت كلها خرائب متهدمة
محترقة تسكب عند مشاهدتها العبرات ويتذكر بها ما يتلى في حق الظالمين من الآيات فتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا ان في ذلك لاية لقوم يعقلون وقال تعالى وكم أهلكنا من قرية بطرت معيشتها فتلك مساكنهم لم تسكن من بعدهم الا قليلا وكنا نحن الوارثين وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث في أمها رسولا يتلو عليهم آياتنا وما كنا مهلكي القرى الا واهلها ظالمون
وقال تعالى واذا اردنا ان نهلك قرية امرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا
ودخل الفرنساوية الى المدينة يسعون والى الناس بعين الحقد ينظرون واستولوا على ما كان اصطنعه واعده العثمانية من المدافع والقنابر والبارود وآلات الحرب جميعها وقيل انهم حاسبوهم على كلفته ومصاريفه وقبضوا ذلك من الفرنساوية
وركب المشايخ والاعيان عصر ذلك اليوم وذهبوا الى كبير الفرنسيس فلما وصلوا الى داره ودخلوا عليه وجلسوا ساعة ابرز اليهم ورقة مكتوب فيها النصرة لله الذي يريد ان المنصور يعمل بالشفقة والرحمة مع الناس وبناء على ذلك سارى عسكر العام يريد ان ينعم بالعفو العام والخاص على أهل مصر وعلى اهل بر مصر ولو كانوا يخالطون العثملي في الحروب وانهم يشتغلون بمعايشهم وصنائعهم ثم نبه عليه بحضورهم الى قبة النصر بكرة تاريخه
ثم قاموا من عنده وشقوا المدينة وطافوا بالاسواق وبين ايديهم المناداة للرعية بالاطمئنان والامان فلما اصبح ذلك اليوم ركبت المشايخ والوجاقلية وذهبوا الى خارج باب النصر وخرج ايضا القلقات والنصارى القبط والشوام وغيرهم فلما تكامل حضور الجميع رتبوا موكبا وسادوا ودخلوا من باب النصر وقدامهم جماعة من القواسة يأمرون الناس بالقيام وبعض فرنساوية راكبين خيلا وبأيديهم سيوف مسلولة ينهرون الناس
ويأمرونهم بالوقوف على اقدامهم ومن تباطأ في القيام أهانوه فاستمرت الناس وقوفا من ابتداء سير الموكب الى انتهائه ثم تلا الطائفة الآمرة للناس بالوقوف جمع كثير من الخيالة الفرنساوية بأيديهم سيوف مسلولة وكلهم لابسون جوخا أحمر وعلى رؤوسهم طراطير من الفراوي على غير هيئة خيالتهم ومشاتهم ثم تتالى بعد هؤلاء طوائف العساكر ببوقاتهم وطبولهم وزمورهم واختلاف اشكالهم واجناسهم وملابسهم من خيالة ورجالة ثم الاعيان والمشايخ والوجاقلية واتباعهم الى ان قدم سارى عسكر الفرنساوية وخلف ظهره عثمان بك البرديسي وعثمان بك الاشقر وخلفهم طوائف من خيالة الفرنسيس
ولما انقضى امر الموكب نادوا بالزينة فزينت البلد ثلاثة ايام آخرها يوم الثلاثاء مع السهر ووقود القناديل ليلا ثم دعاهم في يوم الاربعاء وعمل لهم سماطا عظيما على طريقة المصرلية
وقلدوا في ذلك اليوم محمد اغا الطناني اغات مستحفظان وركب ونادى بالامان واعطواالبكري بيت عثمان كاشف كتخدا الحج وهو بيت البارودي الثاني فسكن به وشرع في تنظيمه وفرشه ولبسوه في ذلك اليوم فروة سمور فقاموا من عنده فرحين مطمئنين مستبشرين
فلما كان يوم الخميس سابعه ذهب الى مراد بك بجزيرة الذهب باستدعاء فمد لهم اسمطة عظيمة وانبسط معنم وافتخر افتخارا زائدا واهدى الى بعضهم هدايا جليلة وتقادم عظيمة واعطاه ما كان ارسله درويش باشا معونة للباشا والامراء من الاغنام وغيرها وكانت نحو الاربعة آلاف رأس وولوه امارة الصعيد من جرجا الى اسنا ورجع عائدا الى داره بالازبكية
فلما كان في صبحها يوم الجمعة ثامنه بكروا بالذهاب الى بيت سارى عسكر ولبسوا افخر ثيابهم واحسن هيآتهم وطمع كل واحد منهم وظن ان سارى عسكر يقلده في هذا اليوم اجل المناصب او ربما حصل التغيير
والتبديل في أهل الديوان فيكون في الديوان الخصوصي فلما استقر بهم الجلوس في الديوان الخارج اهملوا حصة طويلة لم يؤذن لهم ولم يخاطبهم أحد ثم فتح باب المجلس الداخل وطلبوا الى الدخول فيه فدخلوا وجلسوا حصة مثل الاولى ثم خرج اليهم سارى عسكر وصحبته الترجمان وجماعة من اعيانهم فوضع له كرسي في وسط المجلس وجلس عليه ووقف الترجمان واصحابه حواليه واصطف الوجاقلية والحكام من ناحية واعيان النصارى والتجار من ناحية وعثمان بك الاشقر والبرديسي ايضا حاضران وكلم سارى عسكر الترجمان كلاما طويلا بلغتهم حتى فرغ فالتفت الترجمان الى الجماعة وشرع يفسر لهم مقالة سارى عسكر ويترجم عنها بالعربي والجماعة يسمعون فكان ملخص ذلك القول ان سارى عسكر يطلب منكم عشرة آلاف الف الى اخر العبارة الاتية واما هذه العبارة فانه قالها المهدي فقط اننا لما حضرنا الى بلدكم هذه نظرنا ان اهل العلم هم اعقل الناس والناس بهم يقتدون ولامرهم يمتثلون ثم انكم اظهرتم لنا المحبة والمودة وصدقنا ظاهر حالكم فاصطفيناكم وميزناكم على غيركم واخترناكم لتدبير الامور وصلاح الجمهور فرتبنا لكم الديوان وغمرناكم بالاحسان وخفضنا لكم جناح الطاعة وجعلناكم مسموعين القول مقبولين الشفاعة وأوهمتونا أن الرعية لكم ينقادون ولامركم ونهيكم يرجعون فلما حضر العثملي فرحتم لقدومهم وقمتم لنصرتهم وثبت عند ذلك نفاقكم لنا فقالوا له نحن ما قمنا مع العثملي الا عن أمركم لانكم عرفتمونا اننا صرنا في حكم العثملي من ثاني شهر رمضان وان البلاد والاموال صارت له وخصوصا وهو سلطاننا القديم وسلطان المسلمين وما شعرنا الا بحدوث هذا الحادث بينكم وبينهم على حين غفلة ووجدنا انفسنا في وسطهم فلم يمكننا التخلف عنهم فرد عليهم الترجمان ذلك الجواب ثم اجابهم بقوله ولاي شيء لم تمنعوا الرعية عما فعلوه من قيامهم ومحاربتهم بنا فقالو لا يمكننا ذلك خصوصا
وقد تقووا علينا بغيرنا وسمعتم ما فعلوه معنا من ضربنا وبهدلتنا عندما أشرنا عليهم بالصلح وترك القتال فقال لهم واذا كان الامر كما ذكرتم ولا يخرج من يدكم تسكين الفتنة ولا غير ذلك فما فائدة رياستكم وايش يكون نفعكم الا الضرر لانكم اذا حضر اخصامنا قمتم معهم وكنتم واياهم علينا واذا ذهبوا رجعتم الينا معتذرين فكان جزاؤكم ان نفعل معكم كما فعلنا مع أهل بولاق من قتلكم عن آخركم وحرق بلدكم وسبي حريمكم وأولادكم ولكن حيث اننا أعطيناكم الامان فلا تنقض اماننا ولا نقتلكم وانما نأخذ منكم الاموال فالمطلوب منكم عشرة آلاف الف فرنك عن كل فرنك ثماينة وعشرون فضة يكون فيها ألف ألف فرانسة عنها خمس عشرة خزنة رومي بثلاث عشرة خزنة مصري منها خمسمائة الف فرانسة على مائتين على الشيخ السادات خاصة من ذلك خمسمائة وخمسة وثلاثون الفا والشيخ محمد بن الجوهري خمسون ألفا وأخيه الشيخ فتوح خمسون الفا والشيخ مصطفى الصاوي خمسون ألفا والشيخ العناني مائتان وخمسون الفا تقتطعها من ذلك نظير نهب دور الفارين مع العثملي مثل المحروقي والسيد عمر مكرم وحسين أغا شتن وما بقى تدبرون رايكم فيه وتوزعونه على أهل البلد وتتركون عندنا منكم خمسة عشر شخصا انظروا من يكون فيكم رهينة عندنا حتى تغلقوا ذلك المبلغ وقام من فوره ودخل مع اصحابه الى داخل وأغلق بينه وبينهم الباب
ووقف الحرس على الباب الاخر يمنعون من يخرج من الجالسين فبهت الجماعة وامتقعت وجوههم ونظروا الى بعضهم البعض وتحيرت أفكارهم ولم يخرج عن هذا الامر الا البكري والمهدي لكون البكري حصل له ما حصل في صحائفهم والمهدي حرق بيته بمرأى منهم وكان قبل ذلك نقل جميع ما فيه بداره بالخرنفش ولم يترك به الا بعض الحصر ولم يكن به غير بعض الخدم وكان يستعمل المداهنة وينافق الطرفين بصناعته وعادته ولم تزل الجماعة في حيرتهم وسكرتهم وتمنى كل منهم انه لم
يكن شيئا مذكورا ولم يزالوا على ذلك الحال الى قرب العصر حتى بال اكثرهم على ثيابه وبعضهم شرشر ببوله من شباك المكان وصاروا يدخلون على نصارى القبط ويقعون في عرضهم فالذي انحشر فيهم ولم يكن معدودا من الرؤساء أخرجوه بحجة او سبب وبعضهم ترك مداسه وخرج حافيا وما صدق بخلاص نفسه
هذا والنصارى والمهدي يتشاورون في تقسيم ذلك وتوزيعه وتدبيره وترتيبه في قوائم حتى وزعوها على الملتزمين وأصحاب الحرف حتى على الحواة والقردتية والمخمظين والتجار وأهل الغورية وخان الخليلي والصاغة والنحاسين والدلالين والقبانية وقضاة المحاكم وغيرهم كل طائفة مبلغ له صورة مثل ثلاثين ألف فرانسا واربعين ألفا وكذلك بياعون التنباك والدخان والصابون والخردجية والعطارون والزياتون والشواؤن والجزارون والمزينون وجميع الصنائع والحرف وعملوا على اجرة الاملاك والعقار والدور اجرة سنة كاملة ثم انهم استأذنوا للمشايخ الخالص يتوجه حيث اراد والمشبوك يلزمون به جماعة من العسكر حتى يغلق المطلوب منه فأما الصاوي وفتوح بن الجوهري فحبسوهما ببيت قائممقام والعناني هرب فلم يجدوه وداره احترقت فاضافوا غرامته على غرامة الشيخ السادات كملت بها مائة وخمسون الف فراسنة وانفض المجلس على ذلك وركب سارى عسكر من يومه ذلك وذهب الى الجيزة ووكل يعقوب القبطي يفعل في المسلمين ما يشاء وقائممقام والخازندار لرد الجوابات وقبض ما يتحصل وتدبير الامور والرهونات ونزل الشيخ السادات وركب الى داره فذهب معه عشرة من العسكر وجلسوا على باب داره فلما مضت حصة من الليل حضر اليه مقدار عشرة من العسكر ايضا فأركبوه وطلعوا به الى القلعة وحبسوه في مكان فارسل الى عثمان بك البرديسي وتداخل عليه فشفع فيه فقالوا له اما القتل فلا نقتله لشفاعتك واما المال فلا بد من دفعه ولا بد من حبسه وعقوبته حتى يدفعه وقبضوا على فراشه ومقدمه
وحبسوهما ثم انزلوه الى بيت قائممقام فمكث به يومين ثم اصعدوه الى القلعة ثانيا وحبسوه في حاصل ينام على التراب ويتوسد بحجر وضربوه تلك الليلة فاقام كذلك يومين ثم طلب زين الفقار كتخدا فطلع اليه هو وبرطلمان فقال لهم انزلوني الى داري حتى اسعى وابيع متاعي واشهل حالي فاستأذنوا له وانزلوه الى داره فأحضر ما وجده من الدراهم فكانت تسعة آلاف ريال معاملة عنها ستة الاف ريال فرانسة ثم قوموا ما وجدوه من المصاغ والفضيات والفراوي والملابس وغير ذلك بأبخس الثمن فبلغ ذلك خمسة عشر الف فرانسة فبلغ المدفوع بالنقدية والمقومات احدا وعشرين الف فرانسة والمحافظون عليه من العسكر ملازمونه ولا يتركونه يطلع الى حريمه ولا الى غيره وكان وزع حريمه وابنه الى مكان آخر وبعد ان فرغوا من الموجودات جاسوا خلال الدار يفتشون ويحفرون الارض على الخبايا حتى فتحوا الكنيفات ونزلوا فيها فلم يجدوا شيئا ثم نقلوه الى بيت قائممقام ماشيا وصاروا يضربونه خمسة عشر عصا في الصباح ومثلها في الليل وطلبوا زوجته وابنه فلم يجدوهما فأحضروا محمد السندوبي تابعه وقرروه حتى عاين الموت حتى عرفهم بمكانهما فاحضروهما واودعوا ابنه عند اغات الانكشارية وحبسوا زوجته معه فكانوا يضربونه بحضرتها وهي تبكي وتصيح وذلك زيادة في الانكاء ثم ان المشايخ وهم الشرقاوي والفيومي والمهدي والشيخ محمد الامير وزين الفقار كتخدا تشفعوا في نقلها من عنده فنقلوها الى بيت الفيومي وبقي الشيخ على حاله واخذوا مقدمه وفراشه وحبسوهما وتغيب اكثر اتباعه واختفوا ثم وقعت المراجعة والشفاعة في غرامة الشيخ فتوح الجوهري والصاوي فاضعفوها وجعلوها على كل واحد منها خمسة عشر الف فرانسة ورد الباقي على القردة العامة
واما الشيخ محمد ابن الجوهري فانه اختفى فلم يجدوه فنهبوا داره ودار نسيبه المعروف بالشويخ ثم انه توسل بالست نفيسة زوجة مراد بك
فأرسلت الى مراد بك وهو بالقرب من الفشن فأرسل من عنده كاشفا وتشفع فيه فقبلوا شفاعته ورفعوها عنه وردوها ايضا على الفردة العامة ثم انهم وكلوا بالفردة العامة وجميع المال يعقوب القبطي وتكفل بذلك وعمل الديوان لذلك ببيت البارودي والزموا الاغا بعدة طوائف كتبوها في قائمة بأسماء اربابها واعطوه عسكرا وامره بتحصيلها من اربابها وكذلك علي اغا الوالي الشعراوي وحسن اغا المحتسب وعلي كتخدا سليمان بك فنهبوا على الناس بذلك وبثوا الاعوان بطلب الناس وحبسهم وضربهم فدهى الناس بهذه النازلة التي لم يصابوا بمثلها ولا ما يقاربها
ومضى عيد النحر ولم يلتفت اليه أحد بل ولم يشعروا به ونزل بهم من البلاء والذل ما لا يوصف فان احد الناس غنيا كان او فقيرا لا بد وان يكون من ذوي الصنائع أو الحرف فيلزمه دفع ما وزع عليه في حرفته أو في حرفتين وأجرة داره أيضا سنة كاملة فكان يأتي على الشخص غرامتان أو ثلاثة ونحو ذلك وفرغت الدراهم من عند الناس واحتاج كل الى القرض فلم يجد الدائن من يدينه لشغل كل فرد بشأنه ومصيبته فلزمهم بيع المتاع فلم يوجد من يشتري واذا أعطوهم ذلك لا يقبلونه فضاق خناق الناس وتمنوا الموت فلم يجدوه ثم وقع الترجي في قبول المصاغات والفضيات فأحضر الناس ما عندهم فيقوم بأبخس الاثمان واما اثاثات البيوت من فرش ونحاس وملبوس فلا يوجد من يأخذه وامروا بجمع البغال ومنعوا المسلمين من ركوبها مطلقا سوى خمسة انفار من المسلمين وهم الشرقاوي والمهدي والفيومي والامير وابن محرم والنصارى المترجمين وخلافهم لا حرج عليهم وفي كل وقت وحين يشتد الطلب وتنبث المعينون والعسكر في طلب الناس وهجم الدور وجرجرة الناس حتى النساء من أكابر وأصاغر وبهدلتهم وحبسهم وضربهم والذي لم يجدوه لكونه فر وهرب يقبضون على قريبة او حريمه او ينهبون داره فان لم يجدوا شيئا
ردوا غرامته على ابناء جنسه واهل حرفته
وتطاولت النصارى من القبط والنصارى الشوام على المسلمين بالسب والضرب ونالوا منهم اغراضهم واظهروا حقدهم ولم يبقوا للصلح مكانا وصرحوا بانقضاء ملة المسلمين وايام الموحدين هذا والكتبة والمهندسون والبناؤن يطوفون ويحررون اجر الاماكن والعقارات والوكائل والحمامات ويكتبون اسماء اربابها وقيمتها
وخرجت الناس من المدينة وجلوا عنها وهربوا الى القرى والارياف وكان ممن خرج من مصر صاحبنا النبيه العلامة الشيخ حسن المشار اليه فيما تقدم فتوجه لجهة الصعيد واقام باسيوط فاقام بها نحو ثمانية عشر شهرا
ثم ان اكثر الفارين رجع الى مصر لضيق القرى وعدم ما يتعيشون به فيها وانزعاج الريف بقطاع الطريق والعرب والمناسر بالليل والنهار والقتل فيما بينهم وتعدى القوى على الضعيف واستمرت الطرق محفرة والاسواق معفرة والحوانيت مقفولة والعقول مخبولة والنفوس مطبوقة والغرامات نازلة والارزاق عاطلة والمطالب عظيمة والمصائب عميمة والعكوسات مقصودة والشفاعات مردودة واذا أراد الانسان ان يفر الى ابعد مكان وينجو بنفسه ويرضى بغير أبناء جنسه لا يجد طريقا للذهاب وخصوصا من الملاعين الاعراب الذين هم أقبح الاجناس وأعظم بلاء محيط بالناس وبالجملة فالامر عظيم والخطب جسيم ولا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم وكذلك أخذ ربك اذا أخذ القرى وهي ظالمة ان اخذه أليم شديد
وفي عشرينه انتقلوا بديوان الفردة من بيت البارودي الى بيت القيسرلي بالميدان ووقع التشديد في الطلب والانتقام بأدنى سبب وانقضى هذا العام وما جرى فيه من الحوادث العظام بأقليم مصر والشام والروم والبيت الحرام
فمنها وهو أعظمها تعطيل الثغور ومنع المسافرين برا وبحرا ووقوف
الانكليز بثغر الاسكندرية ودمياط يمنعون الصادر والوارد وتخطوا ايضا بمراكبهم الى بحر القلزم
ومنها انقطاع الحج المصري في هذا العام ايضا حتى لم يرجع المحمل بل كان مودوعا بالقدس فلما حضر العساكر الاسلامية احضروه صحبتهم الى بلبيس
فيقال ان السيد بذرا ورجع به الى جبل الخليل
ومنها وقوف العرب وقطاع الطريق بجميع الجهات القبلية والبحرية والشرقية والغربية والمنوفية والقليوبية والدقهلية وسائر النواحي فمنعوا السبيل ولو بالخفارة وقطعوا طريق السفار ونهبوا المارين من ابناء السبيل والتجار وتسلطوا على القرى والفلاحين وأهالي البلاد والحرف بالعري والخطف للمتاع والمواشي من البقر والغنم والجمال والحمير وافساد المزارع ورعيها حتى كان اهل البلاد لايمكنهم الخروج ببهائمهم الى خارج القرية للرعي أو للسقي لترصد العرب لذلك ووثب اهل القرى على بعضهم بالعرب فداخلوهم وتطاولوا عليهم وضربوا عليهم الضرائب وتلبسوا بانواع الشرور واستعان بعضهم على بعض وقوى القوى على الضعيف وطمعت العرب في أهل البلاد وطلبوهم بالثارات والعوائد القديمة الكاذبة وآن وقت الحصاد فاضطروا لمسالمتهم لقلة الضم فلما انقضت حروب الفرنسيس نزلوا الى البلاد واحتجوا عليهم بمصادقتهم العرب فضربوهم ونهبوهم وسبوهم وطالبوهم بالمغارم والكلف الشاقة فاذا انقضوا وانتقلوا عنهم رجعت العرب على اثرهم وهكذا كان حالهم وما ان ربك ليهلك القرى بظلم واهلها مصلحون
ومنها ان النيل قصر مدة في هذه السنة فشرقت البلاد وارتحل اهل البحيرة الى المنوفية والغربية فاستحسن رحيل عربان البحيرة لانه بقي لهم في الحي نخيل
ومنها انه لما حضرت العثمانية وشاع امر الصلح وخضوع الفرنساوية
لهم نزل طائفة من الفرنسيس الىالموفية وطلبوا من اهلها كلفة لرحيلهم فلما مروا بالمحلة الكبيرة تعصب اهلها واجتمعوا الى قاضيها وخرجوا لحربهم فاكمن الفرنسيس لهم وضربوا عليهم طلقا بالمدافع والبنادق فقتلوا منهم نيفا وستمائة انسان ومنهم القاضي وغيره ولم ينج منهم الا من فر وكان طويل العمر وكذلك اهل طنتداء عند حضورهم اليهم وصل اليهم رجل من الجزارين المنتسبين للعثمانية من جهة الشرق لزيارة سيدي احمد البدوي وهو راكب على فرس وحوله نحو الخمسة انفار وكان بعض الفرنسيس بداخل البلدة يقضون بعض اشغالهم فصاحت السوقة والبياعون عند رؤية ذلك الرجل بقولهم نصر الله دين الاسلام وهاجوا وماجوا ولقلقت النساء بالسنتهن وصاحت الصبيان وسخروا بالفرنسيس وتراموا بما على رؤوسهم وضربوهم وجرحوهم وطردوهم فتسحبوا من عندهم فغابوا ثلاثة أيام ورجعوا بجميع عسكرهم ومعهم الآلات من المدافع فاحتاطوا بالبلدة وضربوا عليهم مدفعا ارتحوا له ثم هجموا عليهم ودخلوا اليهم وبايديهم السيوف المسلولة ويقدمهم طبلهم وطلبوا خدمة الضريح الذين يقال لهم أولاد الخادم وهم ملتزموا البلدة واكابرها ومتهمون بكثرة الاموال من قديم الزمان وكانوا قبل ذلك بنحو ثلاثة أشهر قبضوا عليهم باغراء القبط وأخذوا منهم خمسة عشر الف ريال فرانسة بحجة مسالمتهم للعرب فلما وصلوا الى دورهم طلبوهم فلم يمكنهم التغيب خوفا على نهب الدور وغير ذلك فظهروا لهم فأخذوهم الى خارج البلد وقيدوهم وأقاموا نحو خمسة ايام خارجها يأخذون في كل يوم ستمائة ريال سوى الاغنام والكلف ثم ارتحلوا وأخذوا المذكورين صحبتهم الى منوف وحبسوهم اياما ثم نقلوهم الى الجيزة أيام الحرابة بمصر
فلما انقضت تلك الايام وسرحوا في البلاد نزلت طائفة الى طنتداء وهم بصحبتهم وقرروا عليهم أحدا وخمسين الف ريال فرانسة وعلى اهل
البلدة كذلك بل أزيد واقاموا حول البلد محافظين عليهم واطلقوا بعضهم وحجزوا المسمى بمصطفى الخادم لانه صاحب الاكثر في الوظيفة والالتزام وطالبوه بالمال وفي كل وقت ينوعون عليه العقاب والعذاب والضرب حتى على كفوف يديه ورجليه ويربطونه في الشمس في قوة الحر والوقت مصيف وهو رجل جسيم كبير الكرش فخرجت له نفاخات في جسده ثم اخذوا خليفة المقام ايضا وذهبوا به الى منوف ثم ردوه وولوه رئاسة جمع الدراهم المطلوبة من البلد فوزعت على الدور والحوانيت والمعاصر وغير ذلك واستمروا على ذلك الى انقضاء العام حتى اخذوا عساكر المقام وكانت من ذهب خالص زنتها نحو خمسة الاف مثقال واما المحلة الكبرى فانهم رجعوا عليها وقرروا عليها نيفا ومائة الف ريال فرانسة واخذوا في تحصيلها وتوزيعها وهجموا دورها وتتبع المياسير من اهلها كل ذلك مع استمرار طلب الكلف الشاقة في كل يوم منها ومن طنتدا والتعنت عليهم وتسلط طوائف الكشوفية التابعين لهم الذين هم اقبح في الظلم من الفرنسيس بل ومن العرب فانهم معظم البلاد ايضا فانهم هم الذين يعرفون دسائس اهل البلاد ويشيعون احولهم ويتجسسون على عوراتهم ويغرون بهم
واستمروا على ذلك ايضا ولو ان اهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والارض ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون
ومنها انه لما وقع الصلح بين العثمانية والفرنساوية ارسل الوزير فرمانات للثغور باطلاق الاسافيل وحضور المراكب والتجار بالبضائع وغيرها الى ثغر الاسكندرية وصحبتها ثلاثة غلايين سلطانية وسفن مشحونة بالذخيرة لحضرة الوزير ولوازم العسكر العثماني فلما قربوا من الثغر أقاموا البنديرات وضربوا مدافع للشنك فطمعهم الفرنساوية وأظهروا لهم المسالمة وأظهروا لهم بنديرة العثماني فدخلوا الى المينا ورموا مراسيم ووقعوا في فخ الفرنسيس فأستولوا على الجميع وأخذوا مدافعهم وسلاحهم وحبسوا
القبابطين وأعيان التجار وأخذوا الملاحين والمتسببين من البحرية والنصارى الاروام وهم عدة وافرة أعطوهم سلاحا وزيوهم بزيهم واضافوهم الى عسكرهم وارسلوهم الى مصر فكانوا اقبح مذكور في تسلطهم على ايذاء المسلمين ثم اخرجوا شحنة المراكب من بضائع ويميش وحازوه بأجمعه لانفسهم وبقى الامر على ذلك وكان ذلك في اواسط شهر القعدة
ومنها انه بعد نقض الصلح ارسل الفرنسيس عسكرا الى متسلم السويس الذي كان تولاها من طرف العثمانية فتعصب معه اهل البندر فحاربوهم فغلبهم الفرنسيس وقتلوهم عن آخرهم ونهبوا البندر وما فيه من البن والبهار بحواصل التجار وغير ذلك
ومنها ان مراد بك عند توجهه للصعيد بعد انقضاء الصلح اخذ ما جمعه درويس باشا من الصعيد من اغنام وخيول وميرة وكان شيئا كثيرا فتسلم الجميع منه وعدى درويش باشا الى الجهة الشرقية متوجها الى الشام وارسل مراد بك جميع ذلك للفرنساوية بمصر
ومنها ايضا انه بعد انقضاء المحاربة واستيلاء الفرنسيس على المخازن والغلال التي كان جمعها العثمانية من البلاد الشرقية وبعض البلا الغربية والقليوبية وكذلك الشعير والاتبان طلب الفرنساوية مثل ذلك من البلاد وقرروا على النواحي غلالا وشعيرا وفولا وتبنا وزادوا خيلا وجمالا فوقع على كل اقليم زيادة عن الف فرس والف جمل سوى ما يدفع مصالحة على قبولها للوسائط وهو ونحو ثمنا او ازيد وكذلك التعنت في نقض الغلال وغربلتها وغير ذلك وكل ذلك بارشاد القبطة وطوائف البلاد لانهم هم الذين تقلدوا المناصب الجليلة وتقاسموا الاقاليم والتزموا لهم بجمع الاموال ونزل كل كبير منهم الى أقليم واقام بسر الاقليم مثل الامير والعساكر والفرنساوية وهو في أبهة عظيمة وصحبته الكتبة والصيارف والاتباع والاجناد من الغز البطالة وغيرهم والخيام والخدم والفراشون والطباخون والحجاب وتقاد بين يديه الجنائب والبغال
والرهونات والخيول المسومة والقواسة والمقدمون وبأيديهم الحراب المفضضة والمذهبة والاسلحة الكاملة والجمال الحاملة ويرسل الى ولايات الاقليم من جهته المستوفين من القبط ايضا بمنزلة الكشاف ومعهم العسكر من الفرنساوية والطوائف الجاويشية والصارفين والمقدمين على الشرح المذكور فينزلون على البلاد والقرى ويطلبون المال والكلف الشاقة بالعسف ويؤجلونهم بالساعات فان مضت ولم يوفوهم المطلوب حل بهم ما حل من الحرق والنهب والسلب والسبي وخصوصا اذا فر مشايخ البلدة من خوفهم وعدم قدرتهم والا قبضوا عليهم وضربوهم بالمقارع والكسارات على مفاصلم وركبهم وسحبوهم معهم في الحبال واذاقوهم انواع النكال وخاف من بقي فصانعوهم واتباعهم بالبراطيل والرشوات وانضم اليهم الاسافل من القبط والاراطل من المنافقين وتقربوا اليهم بما يستميلون قلوبهم به وما يستجلبونه لهم من المنافع والمظالم وأجهدوا انفسهم في التشفي من بعضهم وما يوجب الحقد والتحاسد الكامن في قلوبهم الى غير ذلك مما يتعذر ضبطه وما كنا مهلكي القرى الا واهلها ظالمون
من مات في هذه السنة
ممن له ذكر مات الامام الفاضل الصالح العلامة الشيخ عبد العليم ابن محمد بن محمد بن عثمان المالكي الأزهري الضرير حضر دروس الشيخ علي الصعيدي رواية ودراية فسمع عليه جملة من الصحيح والموطأ والشمائل والجامع الصغير ومسلسلات بن عقيلة وروى عن كل من الملوى والجوهري والبلدي والسقاط والمنير والدردير والتاودي بن سودة حين حج ودرس وأفاد وكل من البكائين عند ذكر الله سريع الدمعة كثير الخشية وكان يعرف أشياء في الرقي والخواص وفوائد القرينة وام الصبيان ثم ترك ذلك لرؤيا منامية رآها واخبرني بها توفي في هذه السنة ودفن ببستان المجاورين ومات العمدة الفاضل والنبيه الكامل صاحبنا العلامة الوجيه الشيخ شامل احمد بن رمضان بن مسعود الطرابلسي المقرى الازهري حضر من بلده طرابلس الغرب الى مصر في سنة احدى وتسعين وجاور بالازهر وكان فيه استعداد وحضر دروس الشيخ أحمد الدردير والبيلي والشيخ ابي الحسن الغلقي وسمع على شيخنا السيد مرتضى المسلسل بالاولية وغير المسلسل ايضا واخذ منه الاجازة في سنة اثنتين وتسعين ولما مات الخواجا حسن البناني من تجار المغاربة فتوصل الى ان تزوج بزوجته بنت الغرياني وسكن بدارها الواسعة بالكعكبين وتجمل بالملابس وتودد للناس بحسن المعاشرة ومكارم الاخلاق وكان سموح النفس جدا دمت الطباع والاخلاق جميل العشرة ولما عزل السيد عبد الرحمن السفاقسي الضرير من مشيخة رواقهم كان المترجم هو المتعين لذلك دون غيره فتولى مشيخة الرواق بشهامة وكرم ونوه بذكره وزادت شهرته وكان وجيها طويل القامة بهى الطلعة بشوشا ولما حصلت واقعة الفرنسيس خرج تلك الليلة مع الفارين وذهب الى بيت المقدس وتوفي هناك في هذه السنة
ومات السيد الافضل والسند الاكمل المقرى بن المقرى والفهامة الذي بكل فن على التحقيق يدري بدر أضاء في سماء العرفان وعارف وضح دقائق المشكلات باتقان فلله دره من فاضل أبرز درر اللطائف من كنوزها وكشف عن مخدرات الفهوم لثامها فأظهر الانفس من نفيسها والاعز من عزيزها فلا غرو فانه بذلك حقيق كيف لا وما ذكر من بعض صفاته التي به تليق العلامة الشريف الحسن بن علي البدري العوضي ربي في حجر ابيه وحفظ القرآن والمتون وأخذ عن أبيه علم القراءات واتقن القراءات الاربعة عشر بعد ان اتقن العربية والفقه وباقي العلوم وحضر أشياخ الوقت وتمهر وأنجب وقرأ الدروس ونظم الشعر الجيد وشهد له الفضلاء وله ديوان مشهور بأيدي الناس وامتدح الاعيان وبينه بين الصلاحي وقاسم ابن عطاء الله مطارحات ذكرنا منها طرفا في ترجمتهما وله ايضا تآليف
وتقييدات وتحقيقات ورسائل في فنون شتى ورسالة بليغة في قوله تعالى استكبرت أم كنت من العالين وكان الباعث له على تأليفها مناقشة حصلت بينه وبين الشيخ احمد يونس الخليفي في تفسير الآية بمجلس علي بك الدفتردار فظهر بها على الشيخ المذكور واجاره الامير المذكور بان رتب له تدريسا بالمشهد الحسيني ورتب له معلوما بوقته وقدره كل يوم عشرة انصاف فضة يستغلها من جانب الوقف في كل شهر واستمر بقبضها حتى مات في شعبان من هذه السنة رحمه الله ولم يخلف بعده مثله في الفضائل والمعارف
ثم دخلت سنة خمس عشر ومائتين والف
كان ابتداء المحرم يوم الاحد في خامسه اصعدوا الشيخ السادات الى القلعة وكان أرسل الى كبار القبط بان يسعوا في قضيته ورهن حصصه ويغلق الذي عليه فردوا عليه بانه لا بد من تشهيل قدر نصف الباقي اولا ولا يمكن غير ذلك واما الحصص فليست في تصرفه ولما تكرر ارساله للنصارى وغيرهم نقلوهم الى القلعة ومنعوه الاجتماع بالناس وهي المرة الثالثة
وفيه اشيع حضور مراكب وغلايين من ناحية الروم الى ثغر سكندرية وسافر سارى عسكر كلهبر وصحبته العساكر الفرنساوية فغاب اياما ثم عاد الى مصر ولم يظهر لهذا الخبر اثر
وفيه طلبوا عسكر من القبط فجمعوا منهم طائفة وزيوهم بزيهم وقيدوا بهم من يعلمهم كيفية حربهم ويدربهم على ذلك وارسلوا الى الصعيد فجمعوا من شبانهم نحو الالفين واحضروهم الى مصر واضافوهم الى العسكر
وفي حادي عشرينه اعادوا الشيخ احمد العريشي الى القضاء كما كان وعملوا له موكبا وركب معه أعيان الفرنسيس وسوارى عساكرهم بطبولهم وزمورهم والمشايخ والتجار والاعيان وبجانبه قائممقام عبد الله منو الذي كان سارى عسكر برشيد فلم يزالوا معه حتى اوصلوه الى المحكمة الكبرى بعد ان شقوا به المدينة
وفي ذلك اليوم اعني يوم السبت وقعت نادرة عجيبة وهو ان سارى عسكر كلهبر كان مع كبير المهندسين يسيران بداخل البستان الذي بداره بالازبكية فدخل عليه شخص حلبي وقصده فاشار اليه بالرجوع وقال له ما فيش وكررها فلم يرجع وأوهمه ان له حاجة وهو مضطر في قضائها فلما دنا منه مد اليه يده اليسار كأنه يريد تقبيل يده فمد اليه الآخر يده فقبض عليه وضربه بخنجر كان اعده في يده اليمنى أربع ضربات متوالية فشق بطنه وسقط الى الارض صارخا فصاح رفيقه المهندس فذهب اليه وضربه ايضا ضربات وهرب فسمع العسكر الذين خارج الباب صرخة المهندس فدخلوا مسرعين فوجدوا كلهبر مطروحا وبه بعض الرمق ولم يجدوا القاتل فانزعجوا وضربوا طبلهم وخرجوا مسرعين وجروا من كل ناحية يفتشون على القاتل واجتمع رؤساؤهم وارسلوا العساكر الى الحصون والقلاع وظنوا انها من فعل اهل مصر فاحتاطوا بالبلد وعمروا المدافع وحرروا القنابر وقالوا لا بد من قتل اهل مصر عن آخرهم ووقعت هوجة عظيمة في الناس وكرشة وشدة انزعاج واكثرهم لا يدري حقيقة الحال ولم يزالوا يفتشون على ذلك القاتل حتى وجدوه منزويا في البستان المجاور لبيت سارى عسكر لمعروف بغيط مصباح بجانب حائط منهدم فقبضوا عليه فوجدوه شاميا فاحضروه وسألوه عن اسمه وعمره وبلده فوجدوه حلبيا واسمه سليمان فسألوه عن محل ماواه فأخبرهم انه يأوي ويبيت بالجامع الازهر فسألوه عن معارفه ورفقائه وهل اخبر احد بفعله وهل شاركه احد في رأيه واقره عل فعله او نهاه عن ذلك وكم له بمصر من الايام او الشهور وعن صنعته وملته وعاقبوه حتى اخبرهم بحقيقة الحال فعند ذلك علموا ببراءة اهل مصر من ذلك وتركوا ما كانوا عزموا عليه من محاربة اهل البلد وقد كانوا ارسلوا اشخاصا من ثقاتهم تفرقوا في الجهات
والنواحي يتفرسون في الناس فلم يجدوا فيهم قرائن دالة على علمهم بذلك ورأوهم يسألون من الفرنسيس عن الخبر فتحققوا من ذلك برائتهم من ذلك ثم انهم أمروا باحضار الشيخ عبد الله الشرقاوي والشيخ احمد العريشي القاضي وأعلموهم بذلك وعوقوهم الى نصف الليل والزموهم بأحضار الجماعة الذين ذكرهم القاتل وانه أخبرهم بفعله فركبوا وصحبتهم الاغا وحضروا الى الجامع الازهر وطلبوا الجماعة فوجدوا ثلاثة منهم ولم يجدوا الرابع فأخذهم الاغا وحبسهم ببيت قائممقام بالازبكية ثم انهم رتبوا صورة محاكمة على طريقتهم في دعاوى القصاص وحكموا بقتل الثلاثة أنفار المذكورين مع القاتل وأطلقوا مصطفى افندي البوصلي لكونه لم يخبره بعزمه وقصده فقتلوا الثلاثة المذكورين لكونه اخبرهم بأنه عازم على قصده صبح تاريخه ولم يخبروا عنه الفرنسيس فكأنهم شاركوه في الفعل وانقضت الحكومة على ذلك وألقوا في شأن ذلك أرواقا ذكروا فيها صورة الواقعة وكيفيتها وطبعوا منها نسخا كثيرة باللغات الثلاث الفرنساوية والتركية والعربية وقد كنت أعرضت عن ذكرها لطولها وركاكة تركيبها لقصورهم في اللغة ثم رايت كثيرا من الناس تتشوق نفسه الى الاطلاع عليها لتضمينها خبر الواقعة وكيفية الحكومة ولما فيها من الاعتبار وضبط الاحكام من هؤلاء الطائفة الذين يحكمون العقل ولا يتدينون بدين وكيف وقد تجارى على كبيرهم ويعسو بهم رجل آفاقي أهوج وغدره وقبضوا عليه وقرروه ولم يعجلوا بقتله وقتل من أخبر عنهم بمجرد الاقرار بعد ان عثروا عليه ووجدوا معه آلة القتل مضمخة بدم سارى عسكرهم وأميرهم بل رتبوا حكومة ومحاكمة وأحضروا القاتل وكرروا عليه السؤال والاستفهام مرة بالقول ومرة بالعقوبة ثم أحضروا من اخبر عنهم وسألوهم على انفرادهم ومجمعين ثم نفذوا الحكومة فيهم بما اقتضاه التحكيم وأطلقوا مصطفى افندي البوصلي الخطاط حيث لم يلزمه حكم ولم يتوجه عليه قصاص كما يفهم جميع ذلك من فحوى المسطور بخلاف ما رأيناه
بعد ذلك من افعال اوباش العساكر الذين يدعون الاسلام ويزعمون انهم مجاهدون وقتلهم الانفس وتجاريهم على هدم البنية الانسانية بمجرد شهواتهم الحيوانية مما سيتلى عليك بعضه بعد
وصورة ترجمة الاوراق المذكورة
بيان شرح الاطلاع على جسم سارى عسكر العام كلهبر يوم الخامس والعشرين من شهر برريال من السنة الثامنة من انتشار الجمهور الفرنساوي نحن الواضعون اسماءنا وخطنا فيه باش حكيم والجرايحي من اول مرتبة الذي صار مرتبة باش جرايحي في غيبته انتهينا حصة ساعتين بعد الظهر الى بيت سارى عسكر العام في الازبكية بمدينة مصر وكان سبب روحتنا هو اننا سمعنا دقة الطبل وغاغة الناس التي كانت تخبران سارى عسكر العام كلهبر انغدر وقتل وصلنا له فرأيناه في اخر نفس فحصنا عن جروحاته فتحقق لنا انه قد انضرب بسلاح مدبب وله حد وجروحاته كانت اربعة الاول منها تحت البز في الشقة اليمنى الثاني اوطى من الاول جنب السوة الثالث في الذراع الشمال نافذ من شقة لشقة والرابع في الخد اليمين فهذا حررنا البيان بالشرح في حضور الدفنزادر سارتلون الذي وضع اسمه فيه كمثلنا لاجل ان يسلم البيان المذكور الى سارى عسكر مدير الجيوش تحريرا في سراية سارى عسكر العام في النهار والسنة بعد الظهر بامضاء باش حكيم وخط الجرايحي من اول مرتبة كازابيانكا والدفتردار سارتلون شرح جروحات الستوين بروتاين المهندس نهار تاريخه خمسة وعشرين من شهر برريال السنة الثامنة من انتشار الجمهور الفرنساوي في الساعة الثالثة بعد الظهر نحن الواضعون اسماءنا وخطنا فيه باش حكيم وجرايحي من اول مرتبة الذي صار مرتبة باش جرايحي في غيبته انطلبنا من الدفتردار سارتلون اننا نعمل بيان شرح جروحات الستوين بروتاين المهندس وعضو من اعضاء مدرسة العلماء في بر مصر الذي انغدر هو ايضا في جنب سارى عسكر العام كلهبر مدبر الجيوش ومضروب ستة امرار بسلاح مدبب وله حد وهذا بيان الجروحات الاول في جنب الصدغ الثاني في الكف في عظمة الاصبع الخنصر الثالث بين الضلوع الشمالية الخامس في الشدق الشمالي والسادس في الصدر من الشقة الشمالية وشق نحو العرق ثم الى تأييد ذلك وضعنا اسماءنا وخطنا فيه برفقة الدفتردار سارتلون تحريرا في سراية سارى عسكر مدير الجيوش في اليوم والشهر والساعة المرقومة اعلاه بامضاء باش حكيم وخط الجرايحي من اول مرتبة كازابيانكا والدفتردار سارتلون عن
اول فحص سليمان الحلبي
نهار تاريخه خمسة وعشرين في شهر برريال من السنة الثامنة من انتشار الجمهور الفرنساوي في بيت سارى عسكر داماس مدبر الجيوش واحد فسيال من ملازمين بيت سارى عسكر العام حضر وبيده ماسك راجل من اهل البلد مدعيا ان هذا هو الذي قتل سارى عسكر العام كلهبر المنهوم المذكور انعرف من الستوين بروتاين المهندس الذي كان مع سارى عسكر حين انغدر لأنه ايضا انضرب برفقته بالخنجر ذاته وانجرح بعض جروحات
ثانيا المتهوم المذكور انشاف بين جماعة سارى عسكر من حد الجيزة وانوجد مخبى في الجنينة التي حصل فيها القتل وفي الجنينة نفسها انوجد الخنجر الذي به انجرح سارى عسكر وبعض حوائج ايضا بتوع المتهوم فحالا بدىء الفحص بحضور سارى عسكر منو الذي هو اقدم اقرانه في العسكر وتسلم في مدينة مصر والفحص المذكور صار بواسطة الخواجا براشويش كاتم سر وترجمان سارى عسكر العام ومحرر من يد الدفتردار سارتلون الذي احضره سارى عسكر منو لاجل ذلك المتهوم المذكور
سئل عن اسمه وعمره ومسكنه وصنعته فجاوب انه يسمى سليمان ولادة بر الشام وعمره اربعة وعشرون سنة ثم صنعته كاتب عربي وكانت سكنته في حلب سئل كم زمان له في مصر فجاوب انه بقي له خمسة اشهر وانه حضر في قافلة وشيخها يسمى سليمان بوريجي
سئل عن ملته فجاوب انه من ملة محمد وانه كان سابقا سكن ثلاث سنين في مصر وثلاث سنين اخرى في مكة والمدينة
سئل هل يعرف الوزير الاعظم وهل له مدة ما شافه فجاوب انه ابن عرب ومثله ليس يعرف الوزير الاعظم
وسئل عن معارفه في مدينة مصر فجاوب انه لم يعرف احدا واكثر قعاده في الجامع الازهر وجملة ناس تعرفه واكثرهم يشهدون في مشيه الطيب
سئل هل راح صباح تاريخه الجيزة فجاوب نعم وانه كان قاصد ينشبك كاتب عند أحد ولكن ما قسم له نصيب
سئل عن الناس الذين كتب لهم أمس فجاوب ان كلهم سافروا
سئل كيف يمكن انه لم يعرف احد من الذين كتب لهم في الايام الماضية وكيف يكونون كلهم سافروا فجاوب انه ليس يعرف الذين كان يكتب لهم وان غير ممكن ان يتفكر اسماهم
سئل من هو الآخر في الذين كتب لهم فجاوب انه يسمى محمد مغر السويسي بياع عرقسوس وانه ما كتب لاحد في الجيزة
سئل ثانيا عن سبب روحته للجيزة فجاوب دائما انه كان قاصدا ان ينشبك كاتبا
سئل كيف مسكوه في جنينة سارى عسكر فجاوب انه ما انمسك في الجنينة بل في عارض الطريق فذاك الوقت انقال له انه ما ينجيك الا الصحيح لان عسكر الملازمين مسكوه في الجنينة وفي المحل ذاته انوجدت السكينة وفي الوقت انعرضت عليه فجاوب صحيح انه كان في الجنينة ولكن ماكان مستخبي بل قاعد لان الخيالة كانت ماسكة الطرق وما كان يقدر ان يروح للمدينة وان ما كان عنده سكينة ولم يعرف ان كان هذا موجود في الجنينة
سئل لاي سبب كان تابع سارى عسكر من الصبح فجاوب انه كان مراده فقط يشوفه
سئل هل يعرف حنة قماش خضرة التي باينة مقطوعة من لبسه وكانت انوجدت في المحل الذي انغدر فيه سارى عسكر فجاوب بان هذه ما هي تعلقه
سئل ان كان تحدث مع احد في الجيزة وفي أي محل نام فجاوب انه ما تكلم مع ناس الا لاجل مشترى بعض مصالح وانه نام في الجيزة في جامع فاشاروا له على جروحاته التي ظاهرة في دماغه وقيل له ان هذه الجروحات بينت انه هو الذي غدر سارى عسكر لان ايضا الستوين بروتاين الذي كان معه عرفه وضربه كم عصاية الذين جرحوه فجاوب انه ما انجرح الا ساعة ما مسكوه
سئل هل كان تحدث نهار تاريخه مع حسين كاشف او مع ممالكيه فجاوب انه ما شافهم ولا كلمهم فلما أن كان المتهوم لم يصدق في جواباته امر سارى عسكر انهم يضربونه حكم عوائد البلاد فحالا انضرب لحد انه طلب العفو ووعد انه يقر بالصحيح فارتفع عنه الضرب وانفكت له سواعده وصار يحكي من اول وجديد كما هو مشروح
سئل كم يوم له في مدينة مصر فجاوب انه له واحد وثلاثين يوما وانه حضر من غزة في ستة ايام على هجين
سئل لاي سبب حضر من غزة فجاوب لاجل ان يقتل سارى عسكر العام
سئل من الذي ارسله لاجل ان يفعل هذا الامر فجاوب انه ارسل من طرف اغات الينكجرية وانه حين رجع عساكر العثملي من مصر الى بر الشام ارسلوا الى حلب بطلب شخص يكون قادرا على قتل سارى عسكر العام الفرنساوي ووعدوا لكل من يقدر على هذه المادة ان يقدموه في الوجاقات ويعطوه دراهم ولاجل ذلك هو تقدم وعرض روحه لهذا
سئل من هم الناس الذين تصدروا له في هذه المادة في بر مصر وهل
سارر احدا على نيته فجاوب ان ما احد تصدر له وانه راح سكن في الجامع الازهر وهناك شاف السيد محمد الغزي والسيد احمد الوالي والشيخ عبد الله الغزي والسيد عبد القادر الغزي الذين ساكنون في الجامع المذكور فبلغهم على مراده فهم أشاروا عليه انه يرجع عن ذلك لان غير ممكن ان يطلع من يده ويموت فرط وان كان لازم يشخصوا واحدا غيره في قضاء هذه المادة ثم انه كل يوم كان يتكلم معهم في الشغل المذكور وان امس تاريخه قال لهم انه رائح يقضي مقصوده ويقتل سارى عسكر وانه توجه الى الجيزة حتى ينظر ان كان يطلع من يده وان هناك قابل النواتية بنوع قنجة سارى عسكر فاستخبر عليه منهم ان كان يخرج برا فسالوه ايش طالب منه فقال لهم ان مقصوده يتحدث معه فقالوا له انه كل ليلة ينزل في جنينة ثم صباح تاريخه شاف سارى عسكر معديا للمقياس وبعده ماشي الى المدينة فتبعه لحين ما غدره هذا الفحص صار من حضرة سارى عسكر منو بحضور باقي سوارى العساكر الكبار وملازمين ببيت سارى عسكر العام ثم انختم بامضاء سارى منو والدفتردار سارتلون في اليوم والشهر والسنة المحررة اعلاه ثم انقرا على المتهوم وهو ايضا خط يده واسمه بالعربي سليمان امضاء سارى عسكر عبد الله منو امضاء سارى عسكر داماس امضاء الجنرال والتين امضاء الجنرال موراند امضاء الجنرال مارتينه امضاء دفتر دار البحر لروا امضاء الدفتردار سارتلون امضاء الترجمان لو ما كان امضاء الترجمان حنا روكه امضاء داميانوس براشويش كاتم السر وترجمان سارى عسكر العام
فحص الثلاثة مشايخ
المتهمين نهار تاريخه خمسة وعشرين في شهر برريال السنة الثامنة من انتشار الجمهور الفرنساوي في الساعة الثامنة بعد الظهر حضروا في منزل سارى عسكر العام منو امير الجيوش الفرنساوية السيد عبد الله الغزي ومحمد الغزي والسيد احمد الوالي وهم الثلاثة متهومين في قتل سارى عسكر العام كلهبر فسارى عسكر منو أمر بفحصهم فبدىء ذلك حالا في حضور بعض سوارى العساكر المجتمعين لذلك وبواسطة الستوين لوما كا الترجمان كما يذكر ادناه السيد عبد الله الغزي هو الذي سئل اولا لوحده
سئل عن اسمه وعن مسكنه وصنعته فجاوب انه يسمى السيد عبد الله الغزي ولادة غزة ومسكنه في مصر في الجامع الازهر وهناك كان كاره مقرىء القرآن وانه لم يعرف كم عمره ولكن تخمينه يجيء ثلاثين سنة
سئل ان كانت سكنته في الجامع الازهر هل يعرف جميع الغرباء الذين يدخلونه فجاوب انه ساكن ليل ونهار ويعرف الغرباء الذين فيه
سئل هل يعرف رجلا حضر من بر الشام من مدة شهر فجاوب ان من مدة خمسين يوم ما شاف احدا حضر من بر الشام فقيل له ان رجلا من طرف عرضي الوزير حضر من مدة ثلاثين يوما قال انه يعرفك والظاهر انك لم تكلم بالصدق فجاوب انه ملهى دائما في وظيفته وانه ما شاف احدا من بر الشام بل سمع أن قافلة كانت وصلت من ناحية الشرق فقيل له ايضا ان ناسا حضروا من بر السام يقولون انهم تكلموا معه ويعرفون فجاوب ان هذا غير ممكن وانهم يقابلوه مع الذي فتن عليه
سئل هل يعرف واحد اسمه سليمان كاتب عربي حضر من حلب من مدة ثلاثين يوما فجاوب لا فقيل له ان هذا الرجل يحقق انه شافه وانه أخبره ببعض أشياء لازمة فجاوب انه ما شافه وان هذا الرجل كذاب وانه يريد ان يموت ان كان ما يحكي الصحيح فحالا سارى عسكر نده الى محمد الغزي الذي هو ايضا متهوم في قتل سارى عسكر وبدىء الفحص كما يذكر
سئل عن اسمه وعمره ومسكنه وصنعته فجاوب انه يسمى الشيخ محمد الغزي وعمره نحو خمسة وعشرين سنة ولادة غزة وسكن بمصر في الجامع الازهر ثم صنعته مقرىء القرآن من مدة خمس سنين وما يخرج من الجامع
الالكي يشتري ما يأكل
سئل هل يعرف الغرباء الذين يجيئون يسكنون في الجامع فجاوب ان في بعض الاوقات يحضر ناس غرباء واما البواب فهوالذي يقارشهم ومن قبله ينام بعض ليالي في الجامع والبعض في بيت الشيخ الشرقاوي
سئل هل يعرف رجلا يسمى سليمان حضر من بر الشام من مدة ثلاثين يوما فجاوب انه لم يعرفه وانه غير ممكن ان يشوف كل الناس لان الجامع كبير قوي
سئل انه يحكي على الذي تكلم به معه سليمان فان المذكور يحقق انه تكلم معه في الجامع فجاوب انه يعرفه من مدة ثلاث سنين وانه كان عند خبر انه راح مكةواما من بعده ما شافه ولم يعرف ان كان رجع ام لا
سئل هل السيد عبد الله العزي يعرفه ايضا فجاوب نعم فقيل له محقق ان امس تاريخه سليمان المذكور تحدث معه حصة طيبة وان الشواهد موجودة فجاوب ان هذا صحيح سئل لاي سبب كان بدأ يقول انه ما شافه فجاوب ان تخمينه ما قال هذا وان المترجمين غلطوا
سئل هل سليمان المذكور مابلغه عن شيء مذنب قوى وتحقيا لذلك معلوم عندنا انه كان قصده يحوشه فجاوب انه لم يعرف هذا الامر وان سلميان المذكور راح وجاء كام مرة الى مصر وبقي له هنا مقدار شهر فقيل له انه موجود شواهد ان سليمان المذكور كان أخبره ان مراده لن يغدر سارى عسكر العام وانه اراد أن يمنعه فجاوب انه ما بلغه عن هذا الامر بل امس تاريخه قال له انه رائح ويمكن ان ما بقي يرجع فبعده احضرنا عبد الله الغزي لاجل يتفحص ثانيا كما يذكر ادناه
سئل لاي سبب قال انه لم يعرف سليمان الحلبي حين سألوه عنه بحيث ان موجودة شواهد ان هذا له في مصر واحد وثلاثون يوما وانه تقابل واياه جملة مرار وتحدث معه اكثر الايام فجاوب حقا انه لم يعرفه
سئل هل يعرف واحد يسمى محمد الغزي الذي هو مثله مقرى القرآن
في جامع الازهر فجاوب نعم
سئل السيد عبد الله المذكور لاي سبب انكر ذلك فجاوب انهم لخبطوا عليه السؤال وان هذا الوقت بحيث انهم سالوه عن سليمان الذي من حلب فيقر انه يعرفه فقيل له انه معلوم عندنا انه شافه مرارا كثيرة وتحدث معه فجاوب انه بقي له ثلاثة ايام ما شافه
سئل هل انه ما قصد يمنعه عن قتل سارى عسكر العام فجاوب انه ما قال له ابدا على هذا الامر وانه لو كان بلغه منه ذلك كان منعه بكل قدرته
سئل لأي سبب ما يحكى الصحيح بحيث انه موجودة عليه شواهد فجاوب انه غير ممكن يوجد عليه شواهد وانه ما شاف سليمان المذكور الا لاجل ان يسلموا على بعض حين تقابلوا
سئل هل سليمان ما أخبره ابدا عن سبب مجيئه الى مصر فجاوب حاشا فبعد ذلك اخروا الاثنين المذكورين واحضروا السيد احمد الوالي الذي هو متهوم وسئل كما يذكر
سئل عن اسمه وعمره ومسكنه وصنعته فجاوب انه يسمى السيد احمد الوالي ولادة غزة وصنعته مقرى القرآن في الجامع الازهر من مدة عشر سنين ولم يعرف كم عمره
سئل هل يعرف الغرباء الذين يدخلون في الجامع فجاوب ان وظيفته يقرأ ولا ينتبه الى الغرباء فقيل له ان بعض الغرباء الذين حضروا هناك عن قريب يقولون انهم شافوه في الجامع فجاوب انه ما شاف احدا
سئل هل شاف رجلا حضر من بر الشام من طرف الوزير وهذا الرجل قال انه يعرفه فجاوب لا وان كانوا يقدروا يحضروا هذا الرجل حتى يقابله
سئل هل يعرف سليمان الحلبي فجاوب انه يعرف واحدا يسمى سليمان الذي كان يروح يقرأ عند واحد افندي وكان طالب انه يستقيم في الجامع وان هذا الرجل قال انه من حلب ومن مدة عشرين يوما كان شافه وبعدها
ما قابله ثم كان قال له ان الوزير في يافا وان عساكره ما كان عندهم دراهم وكانوا يفوتوه
سئل هل هذا الرجل المذكور ما هو تحت حمايته فجاوب انه لم يعرفه طيبا حتى يضمنه
سئل هل الاثنان الاخران المتهومان معارفه وهل ان الثلاثة تحدثوا سواء عن قريب ام امس تاريخه مع سليمان المذكور فجاوب لا بل انه يعرف ان سليمان المذكور كان حضر لزيارة الجامع وانه وضع في الجامع جملة اوراق مضمونها انه كان قوي متعبد لخالقه
سئل هل المذكور امس ايضا ما وضع اوراقا في الجامع فجاوب ان ما عنده خبر بذلك
سئل هل ما منع سليمان عن فعل ذنب بليغ فجاوب انه ايدا ما حدثه بهذا الشيء ولكن قال له ان مراده يفعل شيء جنون وانه عمل كل جهده حتى يرجعه
سئل ايش هو الجنان الذي قاصد يعمله وحدثه عليه فجاوب انه قال له انه كان مراده يغازي في سبيل الله وان هذه المغازاة هي قتل واحد نصراني وليكن ما اخبره باسمه وانه قصد يمنعه بقوله ان ربنا اعطى القوة للفرنساوية ما احد يقدر يمنعهم حكم البلاد فبعد هذا المتهوم المذكور انشال لمحله وهذا الفحص تحتم بحضور سوارى العساكر المجموعين بامضاء سارى عسكر منو والدفتردار سارتلون الذي هو ذاته حرر هذا الفحص بأمر سارى عسكر منو ثم بعد قراءته على المتهومين وضعوا اسماءهم وخطهم بالعربي تحريرا في اليوم والشهر والسنة المحرر اعلاه ثلاث امضاآت بالعربي امضاء سارى عسكر منو امضاء الدفتردار سارتلون امضاء الترجمان لو ما كا سارى عسكر العام منو امير الجيوش الفرنساوية في مصر
المادة الاولى أن ينشأ ديوان قضاة لاجل أن يشرعوا على الذين غدروا سارى عسكر العام كلهبر في اليوم الخامس والعشرين من شهر برريال
المادة الثانية القضاة المذكورون يكونوا تسعة وهم سارى عسكر رينيه سارى عسكر فرياند سارى عسكر روبين الجنرال موراند رئيس المعمار بربراند الوكيل رجينيه دفتردار البحر لرو والدفتردار سارتلون في وظيفة مبلغ والوكيل لبهر في وظيفة وكيل الجمهور
المادة الثالثة القضاة المذكورون ينظر لهم كاتم سر
المادة الرابعة القضاةالمذكورين مفوضون الامر في الكشف والتفتيش وحوش كل من يريدوا حتى انهم يطلعوا على الذين لهم حصة في الذنب المذكور او يكون عندهم خبرة
المادة الخامسة القضاة المذكورون يتفقوا على العذاب اللائق الى موت القاتل ورفقائه
المادة السادسة القضاة المذكورون يجتمعوا من نهار تاريخه الذي هو السادس والعشرون من شهر برريال لحد خلاص الشريعة المذكورة امضاء سارى عسكر منو وهذه نسخة من الاصل امضاء الجنرال رنة كتخدا مدبر الجيوش
شرح اجتماع القضاة في السنة الثامنة من انتشار الجمهور الفرنساوي
في اليوم السادس والعشرين من شهر برريال حكم أمر سارى عسكر العام منو أمير الجيوش الفرنساوي المحرر في نهار تاريخه اجتمعوا في بيت ساري عسكر رينيه المذكور وساري عسكر وبين ودفتردار البحر لو والجنرال مارتينه عوضا عن سارى عسكر فرياند حكم أمر سارى عسكر منو ثم الجنرال موراند ورئيس العسكر جرجه ورئيس العمارة برتراند ورئيس المدافع فاورو الوكيل رجيه والدفتردار سارتلون في رتبة مبلغ والوكيل ابهر في وظيفة وكيل الجمهور لاجل قضاء شريعة قتل سارى عسكر العام كلهبر الذي انغدر امس تاريخه القضاة المذكورون اجتمعوا مع شيخهم سارى عسكر رينيه وعلى قرار أمر سارى عسكر منو المشروح أعلاه وحكم المادة الثالثة المحررة فيه استخصوا كاتم السرلهم الوكيل بينه الذي حلف كما هي العوائد ولزم وظيفته ثم القضاة المذكورون وكلوا سارى عسكر رينيه والمبلغ الدفتردار سارتلون في التفتيش والحبس لكل من اكتشفوا عليه حكم ما هو محرر في المادة الرابعة المحررة اعلاه وهذا لكي يظهروا رفقاء القاتل ثم ان السكينة التي وجدت مع القاتل حين انمسك تبقى عند كاتم السر لاجل يظهرها في الوقت الذي يلزم ثم وعدوا المجلس لصباح تاريخه في الساعة الرابعة قبل الظهر ثم حرروا خط يدهم مع كاتم السر امضاء الوكيل رجنيه امضاء رئيس المعمار بريراند امضاء رئيس المدافع فاور امضاء رئيس العسكر جرجه امضاء الجنرال موراند امضاء الجنرال مارتينه امضاء دفتردار البحر لرو امضاء سارى عسكر روبين امضاء سارى عسكر رينيه امضاء كاتم السر بينه اقرار الشهود نهار تاريخه في ستة وعشرين شهر برريال السنة الثامنة من انتشار الجمهور الفرنساوي نحن الواضعون اسماءنا فيه الدفتردار سارتلون المسمى من حضرة سارى عسكر العام منو أمير الجيوش وفي وظيفة مبلغ حكم الامر الذي خرج من طرفه
انتشار القضاة في شرع القاتلين سارى عسكر العام كلهبر والسيتوين بينه المسمى من القضاة المذكورين في مرتبة كاتم السر انه حضر بين يدنا يوسف برين عسكرى خيال من الطبجية الملازمين بيت سارى عسكر العام وقال لنا هو ورفيقه خيال ايضا يسمى روبرت مسكوا المسلم سليمان المتهوم في غدر سارى عسكر العام وانهم وجدوه في الجنينة التي معمول فيها الحمامان الفرنساويان الملتزقان بجنينة سارى عسكر وانهم رأوه مخبأ بين حيطان الجنينة المهدودة وان الحيطان المذكورة كانت ملغمطة بدم في بعض نواحي وان سليمان المذكور كان ايضا ملغمطا بدم وانهم مسكوه في هذه الحالة وان بعده التزموا يضربوه بالسيف لاجل يمشوه ثم برين المذكور قال بعد حوشة سليمان بساعة في الموضع ذاته الذي
كان مخبأ فيه شاف سكينة بدمها وانه سلم السكينة في بيت سارى عسكر العام فقربنا اليه اقراره هذا وسألناه هل فيه شيء زائد أم ناقص فجاوب ان هذا كل الذي فعله وعاينه ثم حرر خط يده معنا امضاء برين الخيال امضاء سارتلون امضاء كاتم السر بينه ثم حرر ايضا بين أيدينا الشاهد الثاني وهو السيتوين روبرت الخيال أحد الطبجية الملازمين وقال انه حين كان يفتش على الذي قتل سارى عسكر دخل في الجنينة التي فيها الحمامان الفرنساويان لزق جنينة سارى عسكر العام وهناك شاف برفقة برين المذكور سليمان الحلبي مستخبى في ركن حيطان مهدودة وكان ملغمط دم وفي رأسه شرموطة زرقاء وان في هذه الحالة عرفت ان هذا هو القاتل وان الحيطان التي كان فات عليها كانت ايضا ملغمطة دم وان حين مسكوه بان منه وهم وان بعد حوشته بساعة شاف برفقة السيتوين برين في الموضع ذاته سكينة بدمها وانهم سلموها في بيت سارى عسكر العام والسكينة المذكورة كانت مخبية تحت الارض فقرأنا عليه اقراره هذا ثم سألناه ان كان ما فيه زائد ام ناقص فجاوب ان هذا هو الذي فعله وشافه ثم حرر خط يده معنا حرر بمدينة مصر في النهار والشهر والساعة المحررة أعلاه امضاء روبرت الخيال امضاء سارتلون امضاء كاتم السر بينه انا الدفتردار سارتلون المبلغ رحت الى بيت السيتوين بروتاين لانه كان راقدا بسبب جروحاته ثم استلمت منه التبليغ الآتي أدناه انا حنا قسطنطين بروتاين المهندس وعضو من أعضاء مدرسة العلم في بر مصر انني كنت أتمشور تحت التكعيبة الكبيرة التي في جنينة سارى عسكر وتطل على بركة الازبكية وكنت برفقة سارى عسكر العام فنظرت رجلا لابسا عثملي خارج من مبتدأ التكعيبة من جنب الساقية فانا كنت بعيد كام خطوة عن سارى عسكر انادى على الغفراء فانتبهت لاجل أشوف السيرة رأيت ان الرجل المذكور يضرب سارى عسكر بالسيكنة ذاتها كام مرة فارتميت على الارض وفي الوقت سمعت سارى عسكر يصرخ ثانيا فهميت ورحت قريبا من سارى عسكر فرايت الرجل
يضربه فهو ضربني ثانيا كام سكينة التي رمتني وغيبت صوابي وما وعدت نظرت شيا غير انني اعرف طبيب اننا قعدنا مقدار ستة دقائق قبل ما أحد يسعفنا فبعده قريت هذا الإقرار على السيتوين بروتاين وسألته هل فيه زائد ام ناقص فجاوب ان هذا الذي فعله وعاينه ثم حرر خط يده معنا إمضاء بروتاين امضاء سارتلون امضاء كاتم السربينه والسيتوين بروتاين بعد ما ختم الورقة أعلاه قال ان مقصوده يضيف عليها ان بعد غدر سارى عسكر بزمان قليل حين شاف سليمان الحلبي الذي هو ذاته الذي كان ضرب سارى عسكر وبعده ضربه سليمان المذكور كام سكينة غيبت صوابه فقرينا عليه ايضا هذه الاضافة فجاوب انها حاوية الحق وما فيها زائد ولا ناقص ثم ختمها معنا أمضاء بروتاين سارتلون امضاء كاتم السر بينه نهار تاريخه سنة وعشرين في شهر برريال السنة الثامنة من انتشار الجمهور الفرنساوي انا الواضع اسمي فيه مبلغ القضاة المأمور في شرع قتلة سارى عسكر العام كلهبر ذهبت الى مساعدين سارى عسكر المذكور لاجل ان اسمع اقرارهم ثم كان معي كاتم السر بينه وهم قالوا لنا كما يذكر أدناه السيتوين فورتونه دهوج ابن اربعة وعشرين سنة فسيال في طابور الخيالة ومساعد عند سارى عسكر كلهبر قال انه في اليوم الخامس والعشرين من شهر برريال كان سارى عسكر العام حين حضر الى الازبكية يشوف بيته الذي كان داير فيه العمارة وانه شاف رجلا بعمة خضراء ودلق وحش وكان دائما تابع سارى عسكر حين كان دائر يتفرج على المحلات وانه هو وخلافه حسبوا هذا الرجل من جملة الفعلة فما أحد سأله ولكن حين نزل سارى عسكر من بيته الى الجنينة لاجل ينفذ الى جنينة سارى عسكر داماس السيتوين دهوج شاف الرجل المذكور مدسوس بين جماعة سارى عسكر فنهره وطرده برا فبعد ساعتين حين انغدر سارى عسكر السيتوين دهوج المذكور عرف دلق الخائن لانه كان رماه جنب سارى عسكر وبعده حين انمسك الرجل
فعرفه انه هو الذي قبل بشويه طرده من الجنينة ثم قرىء هذا المضمون على السيتوين دهوج المذكور لاجل بيان هل يوجد شيء خلافه يزيد ام ينقص فجاوب ان هذا الحق حكم ما عاين وفعل ثم حرر خط يده مع كاتم السر تحريرا في اليوم والشهر والسنة والمحررة أعلاه امضاء السيتوين دهوج امضاء سارتلون امضاء بينه كاتم السر
ثاني فحص سليمان الحلبي
نهار تاريخه سنة وعشرين من شهر برريال السنة الثامنة من انتشار الجمهور الفرنساوي نحن الواضعون اسماءنا فيه الدفتردار سارتلون برتبة مبلغ والوكيل بينه في رتبة كاتم سر القضاة المنقامين الى شرع كل من هو متهوم في غدر سارى عسكر العام كلهبر احضر سليمان الحلبي لاجل نساله من اول وجديد عن صورة غدر وقتل سارى عسكر وهذا صار بواسطة السيتوين براشويش كاتم سر وترجمان سارى عسكر العام كما يذكر ادناه
سئل المذكور عن قصة سارى عسكر فجاوب انه حضر من غزة مع قافلة حاملة صابون ودخان وانه كان راكب هجين وبحيث ان القافلة كانت خائفة ان تنزل بمصر توجهت الى ريف يسمى الغيظة في ناحية الالفية وهناك استكرى حمارا من واحد فلاح وحضر لمصر ولكن لم يعرف الفلاح صاحب الحمار ثم ان احمد اغا وياسين اغا من اغوات الينكجرية بحلب وكلوه في قتل سارى عسكر العام بسبب انه يعرف مصر طيب بحيث انه سكن فيها سابق ثلاث سنوات وانهم كانوا وصوه أنه يروح ويسكن في الجامع الازهر وأن لا يعطي سره لاحد كليا بل يوعي لروحه ويكب الفرصة في قضاء شفله لانها دعوة تحب السر والنباهة ثم يعمل كل جهده حتى يقتل سارى عسكر لكن حين وصل الى مصر التزم يسارر الاربعة مشايخ الذين أخبر عنهم لانه لو كان ما قال لهم فما كانوا يسكنونه في الجامع وانه كان كل يوم يتحدث معهم في هذا الامر وان المشايخ المذكورين قصدوا يغيروا عقله عن هذا الفعل بقولهم انه ما يقدر عليه وهو ما دعاهم لمساعدته لانه كان يعرفه بليدين وان اليوم الذي قصد التوجه فيه ليقتل سارى عسكر قابل احدهم الذي هو محمد الغزى فعرفه ان مقصوده ان يتوجه الى الجيزة ليفعل هذا الغدر وان تخمينه انه مثل المجنون من حين اراد ان يقضي هذا الامر لانه لو كان له عقل ما حضر من غزة لهذا الامر وان الاوراق التي وضعها هي بعض آيات من القرآن لانه عوائد الكتبة اولاد العرب وضعوا ذلك في الجامع وانه ما أخذ دراهم من احد في مصر لان الاغوات كانوا أعطوا له كفايته وان الافندي الذي كان يروح يقرأ عنده يسمى مصطفى افندي وكان يقرأ عليه نهار الاثنين والخميس تبع العادة ولكن ما اخبره بسر خوفا ان ينشهر واما من قبل الاربعة مشايخ المذكورين صحيح انه قال لهم كل شيء لانهم من اولاد بلاده ثم حقق لهم انه ناوى ان يغازى في سبيل الله
سئل اين كان هو حين رجع الوزير من بر مصر في ابتداء شهر جرمنيال الموافق لشهر الاسلام ذي القعدة فجاوب انه كان في القدس حاجج من حين كان الوزير اخذ العريش
سئل اين شاف احمد اغا الذي يقول انه عرض عليه مادة قتل سارى عسكر وفي أي يوم قال له ذلك فجاوب انه حين انكسر الوزير رجع الى العريش وغزة في أواخر شوال او في اوائل شهر ذي القعدة الموافق لشهر جرمنيال الفرنساوي وان احمد اغا المذكور هو من جملة اغوات الوزير ولكن كان رسم عليه في غزة من حين اخذ العريش وحين رجع ارسله الى القدس في بيت المتسلم ثم انه يوم وصوله توجه سلم عليه في بيت المتسلم وشكا له من ابراهيم باشا متسلم حلب الذي كان يظلم اباه الذي يسمى الحاج محمد امين بياع سمن وحططوه غرامات زائدة ومن الجملة واحدة قبل سفر الوزير من الشام ثم وقع بعرضه بشأن ذلك ثم انه رجع عند احمد اغا ثاني يوم وان الاغا في وقتها قال له انه محب ابراهيم باشا وانه ما يقصر ويوصيه في راحة ابيه ولكن بشرط انه يروح يقتل امير الجيوش الفرنساوية
ثم في ثالث ورابع يوم كرر عليه ايضا هذا السؤال وحالا ارسله الى ياسين اغا في غزة لاجل ان يعطي له مصروفه وانه من بعد هذا الكلام بأربعة ايام سافر من القدس الى الخليل وهناك قعد كام يوم وما وصله ولا مكتوب من احمد اغا واما احمد اغا المذكور كان ارسل خداما الى غزة لاجل يخبر ياسين اغا بالذي اتفقوا عليه
سئل كام يوم قعد في الخليل فجاوب عشرين يوما
سئل لاي سبب قعد عشرين يوما في الخليل وهل في هذه المدة ما وصله مكاتيب من الاثنين الاغوات فجاوب ان السكة كانت ملانة عرب وأنه خائف منهم فالتزم يستنظر سفر القافلة التي سافر برفقتها وانه كان في غزة في اواخر شهر ذي القعدة الموافق لغرة شهر فلوريال الفرنساوي
سئل ايش عمل في غزة وآيش قال له ياسين اغا فجاوب ان ثاني يوم وصوله راح شاف الاغا والمذكور قال له انه يعرف الشغل الذي هو سبب مشواره هذا وانه اسكنه في الجامع الكبير وهناك مرار عديدة كان يروح يشوفه ليلا ونهارا ويتحدث معه في هذا الامر ووعده انه يرفع الغرائم عن ابيه وانه دائما يجعل نظره عليه في كل ما يلزمه ثم بلغه عن كل الذي كان لازم يفعله كما شرح اعلاه وهذا صار سرا بينهم ثم اعطى له اربعين قرشا لمصروف السفر وبعد عشرة ايام سافر من غزة راكب هجين ووصل هنا بعد ستة ايام كما عرف سابقا وان سفره من غزة كان في اوائل شهر ذي الحجة الموافق الى نصف شهر فلوريال الفرنساوي فبقى باين أنه حين غدر سارى عسكر كان له واحد وثلاثون يوما في مدينة مصر
سئل هل يعرف الخنجر الملغمط دم الذي قتل به سارى عسكر فجاوب نعم يعرفه
سئل من اين احضر هذا الخنجر وهل أحد من الاغوات اعطاه له أم احد خلافهم فجاوب انه ما احد اعطاه له وانما بحيث انه كان قصد قتل سارى عسكر توجه الى سوق غزة واشترى اول سلاح شافه
سئل هل ان احمد أغا او ياسين اغا ما حدثاه اصلا عن الوزير وعشموه بشيء من طرفه ان كان يقدر يقتل سارى عسكر فجاوب لا بل انهم ذاتهم وعدوه انهم يساعدوه في كل ما يلزمه ان كان يخرج هذا الشيء من يده
سئل هل ان الوزير نادى في تلك النواحي بقتل الفرنساوية فجاوب انه لا يعلم بل يعرف ان الوزير كان ارسل طاهر باشا لاجل يعين الذين كانوا بمصر وانه رجع حين شاف العثملي مقبلين لبر الشام من مصر
سئل هل هو فقط الذي توكل في هذه الارسالية فجاوب ان تخمينه هكذا لان هذا الكلام قد حصل سرا ما بينه وبين الاغوات
سئل كيف كان يعمل حتى انه كان يعرف الاغوات بالذي فعله فجاوب انه كان قصده يروح هو بنفسه يخبرهم او يرسل لهم حالا ساعي فبعد خلاص الفحص المذكور انقرأ على المتهوم وهو حرر خط يده مع المبلغ وكاتم السر والترجمان حرر بمصر في اليوم والشهر والسنة والمحررة اعلاه أمضاء سليمان الحلبي بالعربي امضاء كاتم السر بينه
مقابلة المتهمين مع بعضهم نهار تاريخه ستة وعشرين من شهر برريال السنة الثامنة من انتشار الجمهور الفرنساوي انا الواضع اسمي فيه مبلغ القضاة المنقامين لشرع كل من هو متهوم في قتل سارى عسكر العام كلهبر أحضرنا الشيخ محمد الغزي لاجل تجدد فحصه ونقابله مع سليمان الحلبي قاتل سارى عسكر ولهذا كان موجود معنا السيتوين بينه كاتم سر القضاة المذكورين وصار كما يذكر ادناه
سئل الشيخ محمد الغزي هل يعرف سليمان الحلبي الموجود ههنا فجاوب نعم
سئل سليمان الحلبي هل يعرف الشيخ محمد الغزي الموجود ههنا فجاوب نعم
سئل محمد الغزي هل ان سليمان الحلبي ما قال له من قيمة واحد وثلاثين يوما انه حضر من بر الشام من طرف احمد اغا وياسين الاغا لاجل يقتل سارى
عسكر العام وهو كل يوم ماحدثه في هذا الشغل حتى انه في آخر يوم قال له انه رائح الى الجيزة حتى يغدر سارى عسكر فجاوب ان هذا ما له اصل لكن حين شافوا بعضا وقع بينهم سلام فقط ومن قبل آخر يوم الذي نوى فيه سليمان على الرواح الى الجيزة جاب له ورق وحبر وقال له انه ما يرجع الا غدا فقيل انه ما يخبر بالصحيح لان سليمان يحقق انه اخبره بهذه السيرة كل يوم وان عشية قبل غدر سارى عسكر كان قال له انه رائح لقضاء هذا الامر فجاوب ان هذا الرجل يكذب
سئل هل كان يروح مرارا عديدة يبيت عند الشيخ الشرقاوي وهل في الايام الاخيرة ما راح بات عنده فجاوب ان من حين دخول الفرنساوية ما راح ابدا بات عنده واما قبل دخول الفرنساوية كان يبيت عنده بعض مرار فقيل له انه ما يحكي الصحيح لان في فحص امس قال انه كان يروح مرارا عديدة يبيت عند الشيخ الشرقاوي فجاوب انه ما قال ذلك
سئل سليمان الحلبي هل يقدر يثبت على الشيخ محمد الحاضر بانه كل يوم كان يخبره على نيته في قتل سارى عسكر وخصوصا عشية النهار الذي صباحه صار القتل فجاوب نعم وانه ما قال الا الصحيح وان الشيخ محمد الغزى ما كان يقر بالحق امرنا بضربه كعادة البلد فحالا انضرب لحد انه طلب العفو ووعد انه يحكي على كل شيء فارتفع عنه الضرب
سئل هل سليمان اخبره على ضميره في قتل سارى عسكر فجاوب ان سليمان كان قال له انه حضر من غزة لاجل انه يغازي في سبيل الله بقتل الكفرة الفرنساوية وانه منعه عن ذلك بقوله انه يحصل له من ذلك ضرر وما عرفه انه مراده يغدر سارى عسكر الا الليلة التي راح فيها الى الجيزة وصباحها قتله
سئل لاي سبب ما حضر أخبرنا على سليمان المذكور فجاوب انه ابدا ما كان يصدق ان واحدا مثل هذا يقدر على قتل سارى عسكر والذي الوزير بذاته ما قدر عليه
سئل هل اخبر بالذي قال له عليه سليمان لاحد من المدينة وخصوصا الى الشيخ الشرقاوي فجاوب انه ما اخبر أحدا بذلك وحتى اذا وضعوه تحت القتل ما يقول بذلك
سئل هل يعرف احدا خلاف سليمان حضر لاجل غدر الفرنساوية واين هم قاعدين فجاوب انه ما يعرف وان سليمان ما قال له على احد
سئل سليمان المذكور انه يشهر رفقاءه فجاوب انه لم يعرف احد في مصر وان تخمينه ما فيه غيره الذي قاصد قتله الفرنساوية فبعد هذا صرفنا محمد الغزي المذكور لحبسه وابقينا سليمان لاجل نقابله مع السيد احمد الوالي الذي حالا احضرناه لاجل ذلك
سئل هل يعرف سليمان الحلبي الموجود ههنا فجاوب نعم
سئل ايضا سليمان هل يعرف السيد احمد الوالي الموجود ههنا فجاوب هو ايضا نعم
سئل السيد احمد الولاي هل ان سليمان ما أخبره على نيته في قتل سارى عسكر وخصوصا في العشية التي قصد بها التوجه لذلك فجاوب ان سليمان حين وصل من مدة ثلاثين يوما كان قال له انه حضر حتى يغازي في الكفرة وانه نصحه عن ذلك بقوله ان هذا شيء غير مناسب وما أخبره على سيرة سارى عسكر
سئل سليمان المذكور انه يبين هل حدثه احمد الوالي في قتل سارى عسكر وكم يوم له ما حدثه فجاوب ان في أوائل وصوله قال له انه حضر بقصد الغزو في الكفار وان السيد احمد ما رضي له بذلك ثم بعد ستة ايام اخبره على نيته في قتل سارى عسكر ومن بعدما عاد حدثه بذلك وقبل الغدر بأربعة أيام ما كان قابله فقيل للسيد احمد الوالي انه لم يصدق في قوله لانه ينكر ان سليمان ما أخبره بأنه كان ناوي بقتل سارى عسكر فجاوب الان لما فكره سليمان افتكر انه اخبره
سئل لاي سبب ما اشهر سليمان المذكور فجاوب انه ما اشهره لسببين
الاول انه كان يخمن انه يكذب والثاني ما كان مستعنيه في فعل مادة مثل هذه
سئل هل سليمان ما عرفه برفقائه وهل هو ما تحدث مع احد بذلك وخصوصا مع شيخ الجامع الذي هو ملزوم يخبر بكل ما يجري فجاوب ان سليمان ما قال له على رفقائه وهو ما اخبر بذلك احدا ولا ايضا شيخ الجامع
سئل هل يعرف الامر الذي خرج من سارى عسكر العام بأن كل من شاف عثملي في البلد يخبر عنه فجاوب انه ما درى بذلك
سئل هل سكن سليمان بالجامع لسبب انه قال له على مراده في قتل سارى عسكر فجاوب لا لان كل أهل الاسلام تقدر تسكن في الجامع
سئل سليمان هل انه ما قال بأنهم ما كانوا يريدوا يسكنوه لولا انه قال لهم على سبب مجيه لمصر فجاوب ان كامل الغرباء لازم يخبروا عن سبب حضورهم واما هو يقول الحق ان ما احد من المشايخ ارتضى على مقصوده فبعد هذا ارسلنا السيد احمد الوالي الى حبسه وبقي سليمان الحلبي لاجل مقابلة السيد عبد الله الغزي الذي احضرناه في الحال
سئل سليمان هل يعرف السيد عبد الله الغزي الموجود ههنا فجاوب نعم
سئل السيد عبد الله الغزي هل ما بلغه نية سليمان في قتل سارى عسكر فجاوب واقر ان يوم حضور سليمان عرفه انه حضر يغازي في الكفرة وانه مراده يقتل سارى عسكر وانه قصد يمنعه عن ذلك
سئل لاي سبب ما شكاه فجاوب انه كان يظن ان سليمان المذكور يتوجه عند المشايخ الكبار وان المذكورين كانوا يمنعوه ولكن من الان صار يخبر بالذين يحضرون بهذه النية
سئل هل يعرف ان سليمان اخبر احدا خلافه في مصر فجاوب ان ما عنده علم بذلك
سئل هل يعرف ان موجود بمصر ناس خلاف سليمان متوكلين في قتل الفرنساوية فجاوب ان ما عنده خبر وان تخمينه لم يوجد احد
فبعد ذلك انقرأ هذا الفحص على الاربعة المتهومين وهم سليمان الحلبي ومحمد الغزىوالسيد احمد الولاي والسيد عبد الله الغزى وسألوهم هل جواباتهم هذه صحيحة ولافيها زائد ولا ناقص فأربعتهم جاوبوا لاثم حرروا خط يدهم معنا بالعربي برفقة الاثنين المترجمين وكاتم السر حرر بمدينة مصر في اليوم والشهر والسنة المحررة اعلاه امضاء المتهومين بالعربي امضاء الترجمان لو ما كان امضاء دمياسومر برا شويش كاتم السر وترجمان سارى عسكر العام امضاء المبلغ سارتلون امضاء كاتم السر بينه بعد خلاص الفحص المشروح اعلاه انا المبلغ سارتلون سالت الاربعة المتهومين المذكورين انهم يختاروا لهم واحدا ليتكلم عنهم قدام القضاة ويحامي عنهم والمذكورون قالوا ان ما هم عارفون من يختاروا فأورينا لهم الترجمان لوماكا لاجل يمشي لهم في ذلك
بيان فحص مصطفى افندي
نهار تاريخه ستة وعشرين شهر برريال السنة الثامنة من انتشار الجمهور الفرنساوي أنا المبلغ سارتلون وبينه كاتم سر القضاة المنتشرين لشرع كل من كان له جرة في قتل سارى عسكر العام كلهبر أحضرنا مصطفى افندي لكي تفحص منه على الذي قد حصل
سئل عن اسمه وعمره ومسكنه وصنعته فجاوب بانه يسمى مصطفى أفندي ولادة برصة في بر أناضول وعمره واحد وثمانون سنة وساكن في مصر ثم صنعته معلم كتاب
سئل هل من مدة شهر شاف سليمان الحلبي فجاوب ان هذا الرجل مشدود من مدة ثلاث سنين وانه من مدة عشرة أو عشرين يوما حضر عنده وبات ليلة ومن حيث انه رجل فقير قال له يروح يفتش له على محل غيره
سئل هل سليمان المذكور ما أخبره أنه حضر من بر الشام حتى يقتل سارى عسكر العام فجاوب لا بل حضر عنده ليسلم عليه فقط لكونه معلمة من قديم
سئل هل سليمان ما عرفه عن سبب حضوره لهذا الطرف وهل هو نفسه ما استخبر عن ذلك فجاوب ان كل اجتهاده كان في انه يصرفه من عنده بحيث انه رجل فقير بل سأله عن سبب حضوره فأخبره لاجل يتقن القراءة
سئل هل يعرف بان سليمان راح عند ناس من البلد وخصوصا عند أحد من المشايخ الكبار فجاوب انه لا يعرف شيئا لانه ما شافه الا قليلا وانه لم يقدر يخرج كثيرا من بيته بسبب ضعفه وكبره
سئل هل انه ما يعلم القرآن الا مشاديده فجاوب نعم
سئل هل ان القرآن يرضي بالمغازاة ويأمر بقتل الكفرة فجاوب انه ما يعرف ايش هي المغازاة التي القرآن ينبي عنها
سئل هل يعمل مشاديده هذه الأشياء فجاوب واحد اختيار مثله ماله دعوة في هذه الاشياء بل انه يعرف ان القرآن ينبي عن المغازاة وان كل من قتل كافرا يكسب اجرا
سئل هل علم هذا الغرض لسليمان فجاوب انه ما علمه الا الكتابة فقط
سئل هل عنده خبر ان أمس تاريخه رجل مسلم قتل سارى عسكر الفرنساوية الذي ما هو من ملته وهل بموجب تعليم القرآن هذا الرجل فعل طيب ومقبول عند النبي محمد فجاوب ان القاتل يقتل واما هو يظن ان شرف الفرنساوية هو من شرف الاسلام واذا كان القرآن يقول غيره شيا هو ما له علاقة فحالا قدمنا سليمان المذكور وقابلناه بمصطفى أفندي ثم سالناه هل شاف مصطفى أفندي مرارا كثيرة وهل بلغه عن نيته فجاوب انه ما شافه سوى مرة واحدة لاجل انه يسلم عليه بحيث انه معلمه القديم
وبما انه رجل اختيار وضعيف قوي ما رأى مناسب يخبره عن ضميره
سئل هل هو من ملة المغازين وهل ان المشايخ سمحوا له في قتل الكفار في مصر ليكتب له أجر ويقبل عند النبي محمد فجاوب انه ما فتح سيرة المغازاة
الا الى الاربعة مشايخ فقط الذين سماهم
سئل هل انه ما تحدث مع الشيخ الشرقاوي فجاوب انه ما شاف هذا الشيخ لانه ما هو من ملته بسبب ان الشيخ الشرقاوي شافعي وهو حنفي فبعد هذا قرينا على سليمان ومصطفى افندي اقرارهم هذا فجاوبوا ان هذا هو الحق وما عندهم ما يزيدوا ولا ينقصوا ثم حرروا خط يدهم برفقة الترجمان ونحن حرر بمصر في اليوم والشهر والسنة والمحررة اعلاه امضاء الاثنين المتهومين بالعربي امضاء لوماكا الترجمان امضاء سارتلون امضاء كاتم السر بينه
هذه الرواية المنقولة في اليوم السابع والعشرين من شهر برريال السنة الثامنة من اقامة الجمهور الفرنساوي عن الوكيل سارتلون بحضور مجمع القضاة المفوضين لمحاكمة قاتل سارى عسكر العام كلهبر وايضا لمحاكمة شركاء القاتل المذكور يا ايها القضاة ان المناحة العامة والحزن العظيم الذي نحن مشتملون بهما الآن يخبران بعظم الخسران الذي حصل الان بعسكرنا لان سارى عسكرنا في وسط نصراته ومماجده ارتفع بغتة من بيننا تحديد قاتل رذيل ومن يد مستأجره من كبراء ذوي الخيانة والغيرة الخبيثة والان أنا معين ومأمور لاستدعاء الانتقام للمقتول وذلك بموجب الشريعة من القاتل المسفور وشركائه كمثل أشنع المخلوقات لكن دعوني ولو لحظة خالطا فيض دموع عيني وحسراتي بدموعكم ولوعاتكم التي سببها هذا المفدى الاسيف والمكرم المنيف فقلبي احتسب جدا اهتياجه لتأدية تلك الجزية لمستحقها فوظيفتي كأنها ليست في الرؤية الا الما بتغريق المهيب بماء هذه المصنوعة الشنيعة التي بوقوعها ارتبكت سمعتم الان قراءة اعلام وفحص المتهمين وباقي المكتوبات عما جرى منهم وقط ما ظهر سيئة أظهر من هذه السيئة التي أنتم محاكمون فيها من صفة الغدارين ببيان الشهود واقرار القاتل وشركائه والحاصل كل شيء متحد ورامي الضياء المهيب لمناورة ذا القتل الكريه اني أنا راوي لكم سرعة الاعمال جاهد نفسي أن ظفرت لمنع غضبي منهم منها فلتعلم
بلاد الروم والدنيا بكمالها ان الوزير الاعظم سلطنة العثمانية ورؤساء جنود جنود عسكرها رذلوا أنفسهم حتى ارسلوا قتال معدوم العرض الى الجريء والا نجب كلهبر الذي لا استطاعوا بتقهيره وكذلك ضعوا الى عيوب مغلوبيتهم المجرم الظالم بالذي ترأسوا قبل السماء والارض تذكروا جملتكم تلك الدول العثمانية المحاربين من اسلامبول ومن أقاصي أرض الروم وأناضول واصلين منذ ثلاثة شهور بواسطة الوزير لتسخير وضبط بر مصر وطالبين تخليتها بموجب الشروط الذي بمتفقيتهم بذاتهم مانعوا اجراءها والوزير أرق بر مصر وبر الشام بمناداته مستدعي بها قتل عام الفرنساوية وعلى الخصوص هو عطشان لانتقامه لقتل سر عسكرهم وفي لحظة الذين هم اهالي مصر محتفين باغويات الوزير كانوا محرومين شفقات ومكارم نصيرهم وفي دقيقة الذين هم اسارى ومجروحين العثملية هم مقبولين ومرعبين في دور ضيوفنا وضعفائنا تقيد الوزير بكل وجوه بتكميل سوء غفارته تلوه منذ زمان طويل واستخدم لذلك أغا مغضوبا منه ووعد له اعادة لطفه وحفظ رأسه الذي كان بالخطر ان كان يرتضي بذا الصنع الشنيع وهذا المغوى هو احمد اغا المحبوس بغزة منذ ما ضبط العريش وذهب للقدس بعد انهزام الوزير في أوائل شهر جرمينال الماضي والاغا المرقوم محبوس هناك بدار متسلم البلد وفي ذلك الملجأ فهو مفتكر باجراء السوء الخبيث الذي يستثقل التقدير لافهيم ولا معه تدبير سيما هو عامل شيء لاجراء انتقام الوزير وسليمان الحلبي شب مجنون وعمره أربعة وعشرون سنة وقد كان بلا ريب متدنس بالخطايا ظهر عند ذا الاغا يوم وصوله القدس وبترجى صيانته لحراسة أبيه تاجر بحلب من اذيات ابراهيم باشا والى حلب يرجع له سليمان يوم غدره فقد كان استفتش الاغا عن احتيال اصل وفصل ذا الشب المجنون وعلم انه مشتغل بجامع بين قراء القرآن وانه هو الان بالقدس للزيارة وانه قد حج سابقا بالحرمين وان العته النسكي هو منصوب في اعلى رأسه المضطرب من زيغاته وجهالاته بكمالة
اسلامه وباعتمده ان المسمى منه جهاد وتهليك الغير المؤمنين فمما انهى وأيقن ان هذا هوالايمان ومن ذلك الان مارما بقي تردد أحمد اغا في بين ما نوى منه فوعد له حمايته وانعامه وفي الحال ارسله الى ياسين اغا ضابط مقدار من جيوش الوزير بغزة وبعثه بعد أيام لمعاملته واقبضه الدراهم اللازمة له وسليمان قد امتلأ من خباثته وسلك بالطرق فمكث واحد وعشرين يوم في بلد الخليل يجبرون منتظر فيه قبيلة لذهاب البادية وكل مستعجل ووصل غزة في اوائل شهر فلوريال الماضي وياسين اغا مسكنه بالجامع لاستحكام غيرته والمجنون يواجهه مرارا وتكرارا بالنهار والليل مدة عشرة أياما مكثه بغزة يعلمه وبعد ما اعطاه أربعين غرشا أسديا ركبه بعقبيه الهجين الذي وصل مصر بعد ستة ايام وممتن بخنجر دخل بأواسط شهر فلوريال الى مصر التي قد سكنها سابقا ثلاث سنين وسكن بموجب تربياته بالجامع الكبير ويتحضر فيه للسيئة التي هو مبعوث لها ويستدعي الرب تعالى بالمناداة وكتب المناجاة وتعليقها بالسور مكانه بالجامع المذكور علاه وتأنس مع الاربعة مشايخ الذين قرأ والقرآن مثله وهم مثل مولودين ببر الشام وسليمان أخبرهم بسبب مراسلته وكان كل ساعة معهم متؤامرين به لكن ممنوعين بصعوبة ومخطرات الوحدة محمد الغزي والسيد احمد الوالي وعبد الله الغزي وعبد القادر الغزي هم معتمدين سليمان بارتهان ما نواه ولا عاملوا شيء لممانعته او لبيانه وعن مداومة سكونهم به صاروا مسامحين ومشتركين في قبحة القاتل هو منتظر واحد وثلاثين يوم معدودة بمصر فعقبة جزم توجهه الى الجيزة وبذاك اليوم اعقد سره الى الشركاء المذكورين اعلاه وكان كل شيء صار سهل جزم القاتل بمصنوعته الشنيعة وبيوم الغدوة طلع السر عسكر من الجيزة متوجها مصر وسليمان طوى الطرق ولحقه هلقدو حتى لزم ان يطروده مرارا مختلفة لكن هو المكار عقيب غدرا تعداه وفي يوم الخامس والعشرين من شهرنا الجاري وصل واختفى في جنينة السر عسكر لتقبيل يده فالسر عسكر لا أبي عن قيافة
فقره وفي حال ما السر عسكر ترك له يده ضربه سليمان بخنجرة ثلاث جروح وقصد الستوين بروتاين الذي هو رئيس المعمار ومصاحب العرفاء وجاهد لحماية السر عسكر لكن ما نفع جسارته فهو بذاته وقع ايضا مجروح عن يد القاتل المسفور بستة جروحات وبقي لا مستطيع شيء وهكذا وقع بلا صيانة وهو الذي كان من الاماجد في الحرب ومخاطرات الغزا وهو اول الذين مضوا برياسة عسكر دولة الجمهور الفرنساوي المنصور الرهن الرهين وهو فتح ثانيا بر مصر حينئذ بهجوم سحائب من العثمانية فكيف اقتدر واضم الوجع العميق الجملة الى دموع الاجناد الى لوعات الرؤساء وجميع الجنرالية أصحابه بالمجاهدة والمماجدة بالمناحة وموالهة العسكر انتم جميعا تنعوه والمحاسنات تستأهله وتنبغي له القاتل سليمان ما قدر يهرب من مغاشاة الجيوش غضوبين له الدم ظاهر في ثيابه وخنجره واضطرابه ووحشة وجهه وحاله كشفوا جرمه وهو بالذات مقر بذنبه بلسانه ومسمى شركاه وهو كمادح نفسه للقتل الكريه صنع يديه وهو مستريح بجواباته للمسائل وينظر محاضر سياسات عذابه بعين رفيعة والرفاهية هي الثمر المحصول من العصمة والتفاوه فكيف تظهر بوجوه الآثمين ومسامحينهم شركاء سليمان الاثيم كانوا مرتهنين سره للقتل الذي حصل من غفلتهم وسكوتهم قالوا باطلا انهم ما صدقوا سليمان هو مستعدد بذا الاثم وقالوا باطلا ايضا ان لو كانوا صدقوا ذا المجنون كانوا في الحال شايعين خيانته لكن الاعمال شهود تزور وتنبيء انهم قابلوا القاتل وما غيروا له نية الا خوف مهلكتهم ومصممين تهلكة غيرهم ولا هم مستعذرين وجها من الوجوه لا حكى لهم شيء من مصطفى افندي بما ان لا ظهر شيء عند ذاك الشيب يثبت معاقرته بشكل العذاب اللائق للمذنبين هو تحت اصطفاكم بموجب الامر من الذي أنتم مأمورن بعقيبه لمحاكمة السيئين وأظن ان يليق ان تصنعوا لهم من العذابات العادية ببلاد مصر ولكن عظمة الاثم تستدعي ان يصير عذابه مهيبا فان سألتوني أجبت انه يستحق الخوزقة وان قبل كل شيء تحرق
يد ذا الرجل الاثيم وانه هو يموت بتعذيبه ويبقى جسده لمأكول الطيور وبجهة المسامحين له يستحقون الموت لكن بغير عقوبة كما قلت لكم ونبهت فليعلم الوزير والعملية الظالمين تحت امره حد جزاء الآثمين الذين ارتكبوا بقصد انتقامهم لعدم المروءة انهم عدموا من عسكرنا واحد مقدام سبب دائمي دموعنا ولوعتنا الابدية فلا يحسبوا ولا يأملوا بأقلال جزائنا انما خليفة السر عسكر المرحوم هو رجل قد شهر شجاعة ومضى قدماه بصفاء ضمير منير وهو مشار اليه بالبنان لمعرفة بتدبير الجنود والجمهور المنصور وهو يهدينا بالنصرة وأما اولئك المعدومون القلب والعرض فلا احمرت وجوههم بانتقامهم وانهزامهم باق ثم عدم اعتبارهم بالتواريخ لا بد أنهم باقين بالرذالة لا نفع لهم قدام العالم الا اكتساب خجالتهم ولعدم المبالاة حالا كشفتها لهم اثبت محاكمات كما يأتي بيانها
اولا أن سليمان الحلبي مثبت اسمه الكريه بقتل السرعسكر كلهبر فلهذا هو يكون مدحوضا بتحريق يده اليمنى وبتحريقه حتى يموت فوق خازوقه وجيفته باقية فيه لمأكولات الطيور
ثانيا ان الثلاثة مشايخ المسمين محمد الغزى وعبد الله الغزي واحمد الغزي يكونون متبينين منكم انهم شركاء لهذا القاتل فلذلك يكونون مدحوضين بقطع رؤسهم
ثالثا ان الشيخ عبد القادر الغزي يكون مدحوضا بذلك العذاب
رابعا ان اجراء عذابهم يصير بعودة المجتمعين لدفن السر عسكر وامام العسكر وناس البلد لذاك الفعل موجودين فيه
خامسا ان مصطفى افندي تبين غير مثبوت مسامحته وهو مطلوق الى مانرى
سادسا ان ذا الاعلام وبيناته وما جرى بطبع في خمس نسخ ويؤول من لسان الفرنساوي بالعربي والتركي لتلزيقها بمحلات بلاد بر مصر بكمالها بموجب المأمور حرر بمصر القاهرة في اليوم السابع وعشرين من
شهرنا برريال سنة ثمانية من اقامة الجمهور المنصور ممضى سارتلون
الفتوى الخارجة من طرف ديوان القضاة المنتشرين بأمر سارى عسكر العام منو
امير الجيوش الفرنساوية في مصر
لاجل شرعية كل من له جرة في غدر وقتل سارى عسكر العام كلهبر في السنة الثامنة من انتشار الجمهور الفرنساوي وفي اليوم السابع وعشرين من شهر برريال اجتمعوا في بيت سارى عسكر رينيه المذكور وسارى عسكر روبين ودفتردار البحرلرو والجنرال مارتينه والجنرال مورانه ورئيس العسكر جوجه ورئيس المدافع فاور ورئيس المسار برترنه والوكيل رجينه والدفتردار سارتلون في رتبة مبلغ والوكيل لبهر في رتبة وكيل الجمهور والوكيل بينه في رتبة كاتم السر وهذا ما صار حكم أمر سارى عسكر العام منو أمير الجيوش الفرنساوية الذي صدر أمس وأقام القضاة المذكورين لكي يشرعوا على الذي قتل سارى عسكر العام كلهبر في اليوم الخامس والعشرين من الشهر ولكي يحكموا عليه بمعرفتهم فحين اجتمعوا القضاة المذكورون وسارى عسكر رينيه الذي هو شيخهم أمر بقراءة الامر المذكور أعلاه الخارج من يد سارى عسكر منو ثم بعده المبلغ قرأ كامل الفحص والتفتيش الذي صدر منه في حق المتهومين وهم سليمان الحلبي والسيد عبد القادر الغزي ومحمد الغزي وعبد الله الغزي واحمد الوالي ومصطفى أفندي فبعد قراءة ذلك أمر سارى عسكر رينيه بحضور المتهومين المذكورين قدام القضاة وهم من غير قيد ولا رباط بحضور وكيلهم والابواب مفتحة قدام كامل الموجودين فحين حضروا سارى عسكر رينيه وكامل القضاة سألوهم جملة سؤالات وهذا بواسطة الخواجا براشويش الترجمان فهم ما جاوبوا آلا بالذي كانوا قالوه حين انفحصوا فسارى عسكر رينيه سالهم أيضا ان كان مرادهم يقولوا شيأ مناسبا لتبرئتهم فاجاوبوه بشيء فحالا سارى عسكر المذكور أمر بردهم الى الحبس مع الخفراء عليهم ثم ان سارى عسكر رينيه التفت الى القضاة وسالهم ايش رأيهم في عدم حديث المتهومين وأمر بخروج كامل الناس من الديوان وقفل المحل عليهم لأجل يستشارو بعضهم من غير ان احدا يسمعهم ثم انوضع اول سؤال وقال
سليمان الحلبي ابن أربعة وعشرين سنة وساكن بحلب منهم بقتل سارى عسكر العام وجرح السيتوين بروتاين المهندس وهذا صار في جنينة سارى عسكر العام في خمسة وعشرين من الشهر الجاري فهل هو مذنب فالقضاة المذكورون ردوا كل واحد منهم لوحده والجميع بقول واحد ان سليمان الحلبي مذنب
السؤال الثاني السيد عبد القادر الغزى مقرى قرآن في الجامع الازهر ولادة غزة وساكن في مصر متهوم انه بلغه بالسر في غدر سارى عسكر العام وما بلغ ذلك وقصد الهروب فهل هو مذنب فالقضاة جاوبوا تماما انه مذنب
ثم وضع السؤال الثالث وقال محمد الغزى ابن خمسة وعشرين سنة ولادة غزة وساكن في مصر مقرى قرآن في الجامع الازهر متهوم انه بلغه بالسر في غدر سارى عسكر وانه حين ذلك الغادر كان نوى الرواح لقضاء فعله بلغه أيضا وهو ما عرف أحدا بذلك فهل هو مذنب فالقضاة جاوبوا تماما انه مذنب
السؤال الرابع عبد الله الغزى ابن ثلاثين سنة ولادة عزة ومقرى قرآن في الجامع الازهر متهوم انه كان يعرف في غدر سارى عسكر وانه ما بلغ أحدا بذلك فهو هو مذنب فالقضاة جاوبوا تماما انه مذنب
السؤال الخامس احمد الوالي ولادة غزة مقرى قرآن في جامع الازهر متهوم أن عنده خبر في غدر سارى عسكر وانه ما بلغ أحدا بذلك فهل هو مذنب فالقضاة جاوبوا تماما انه مذنب
السؤال السادس مصطفى أفندي ولادة برصة في براناضول عمره واحد وثمانين سنة ساكن في مصر معلم كتاب ما عنده خبر بغدر سارى عسكر فهل هو مذنب فالقضاة تماما جاوبوا بانه غير مذنب وأمروا باطلاقه
فبعد ذلك القاضي وكيل الجمهور طلب انهم يفتوا بالموت على المذنبين المشروحين أعلاه فالقضاة تشاوروا مع بعضهم ليعتمدوا على جنس عذاب لائق لموت المذنبين أعلاه ثم بدؤا بقراءة خامس مادة من الامر الذي اخرجه امس سارى عسكر منو بسبب ذل والذي بموجبه أقامهم قضاة في فحص وموت كل من كان له جرة في غدر وقتل سارى عسكر العام كلهبر ثم اتفقوا جميعهم ان يعذبوا المذنبين ويكون لائق للذنب الذي صدر وأفتوا ان سليمان الحلبي تحرق يده اليمين وبعده يتخوزق ويبقى على الخازوق لحين تأكل رمته الطيور وهذا يكون فوق التل الذي برا قاسم بك ويسمى تل العقارب وبعد دفن سارى عسكر العام كلهبر وقدام كامل العسكر وأهل البلد الموجودين في المشهد ثم افتوا بموت السيد عبد الغادر الغزى مذنب ايضا كما ذكر اعلاه وكل ما تحكم يده عليه يكون حلال للجمهور الفرنساوي ثم هذه الفتوى الشرعية تكتب وتوضع فوق البيت الذي مختص بوضع رأسه وأيضا افتوا على محمد الغزى وعبد الله وأحمد الوالي ان تقطع رؤسهم وتوضع على نبابيت وجسمهم يحرق بالنار وهذا يصير في المحل المعين اعلاه ويكون ذلك قدام سليمان الحلبي قبل أن يجري فيه شيء هذه الشريعة والفتوى لازم ان ينطبعا باللغة التركية والعربية والفرنساوية من كل لغة قدر خمسمائة نسخة لكي يرسلوا ويعلقوا في المحلات اللازمة والمبلغ يكن مشهل في هذه الفتوى تحريرا في مدينة مصر في اليوم والشهر والسنة المحررة اعلاه ثم ان القضاة حطوا خط يدهم باسمائهم برفقة كاتم السر ممضى في اصله ثم هذه الشريعة والفتوى انقرت وتفسرت على المذنبين بواسطة السيتوين لو ما كان الترجمان قبل قصاصهم فهم جاوبوا ان ما عندهم شيء يزيدوا ولا ينقصوا على الذي أقروا به في الاول فحالا قضوا امرهم في ثمانية وعشرين من شهر برريال حكم الاتفاق وقبل نصف النهار بساعة واحدة حرر بمصر في ثمانية وعشرين برريال السنة الثامنة من انتشار الجمهور الفرنساوي ثم ختموا باصله الدفتردار سارتلون وكاتم
السر بينه وهذه نسخة من الاصل امضاء بينه كاتم السر آه وهذا آخر ما كتبوه في خصوص هذه القضية ورسموه وطبعوه بالحرف الواحد ولم اغير شيئا مما رقم اذ لست ممن يحرف الكلم وما فيه من تحريف فهو كما في الاصل والله اعلم واحكم
ولما فرغوا من ذلك اشتغلوا بامر عسكرهم المقتول وذلك بعد موته بثلاثة ايام كما ذكر ونصبوا مكانه عبد الله جاك منو ونادوا ليلة الرابع من قتلته وهي ليلة الثلاثاء خامس عشرين المحرم في المدينة بالكنس والرش في جهات حكام الشرطة فلما اصبحوا اجتمع عساكرهم واكابرهم وطائفة عينها القبط والشوام وخرجوا بموكب مشهده ركبانا ومشاة وقد وضعوه في صندوق من رصاص مسنم الغطاء ووضعوا ذلك الصندوق على عربة وعليه برنيطته وسيفه والخنجر الذي قتل به وهو مغموس بدمه وعملوا على العربة اربعة بيارق صغار في اركانها معمولة بشعر أسود ويضربون بطبولهم بغير الطريقة المعتادة وعلى الطبول خرق سود والعسكر بايديهم البنادق وهي منكسة الى اسفل وكل شخص منهم معصب ذراعه بخرقة حرير سوداء ولبسوا ذلك الصندوق بالقطيفة السوداء وعليها قصب مخيش وضربوا عند خروج الجنازة مدافع وبنادق كثيرة وخرجوا من بيت الازبكية على باب الخرق الى درب الجماميز الى جهة الناصرية فلما وصلوا الى تل العقارب حيث القلعة التي بنوها هناك ضربوا عدة مدافع وكانوا أحضروا سليمان الحلبي والثلاثة المذكورين فأمضوا فيهم ما قدر عليهم ثم ساروا بالجنازة الى أن وصلوا باب قصر العيني فرفعوا ذلك الصندوق ووضعوه على علوة من التراب يوسط تخشيبة صنعوها وأعدوها لذلك وعملوا حولها داربزين وفوقه كساء ابيض وزرعوا حوله اعواد سرو ووقف عند بابها شخصان من العسكر ببنادقهما ملازمان ليلا ونهارا يتناوبان الملازمة على الدوام وانقضى أمره واستقر عوضه في السر عسكرية قائممقام عبد الله جاك منو وهو الذي كان متوليا على رشيد من قدومهم وقد كان أظهر انه
اسلم تسمى بعبدالله وتزوج بامرأة مسلمة وقلدوا عوضه في قائمقامية بليار فلما أصبح ثاني يوم حضر قائممقام والاغا الى الازهر ودخلا اليه وشقا في جهاته وأروقته وزواياه بحضرة المشايخ
وفي يوم الخميس حضر سارى عسكر عبد الله جاك منو وقائمقام لو الاغا وطافوا به ايضا وأرادوا حفر أماكن للتفتيش على السلاح ونحو ذلك ثم ذهبوا فشرعت المجاورون به في نقل امتعتهم منه هو نقل كتبهم واخلاء الاروقة ونقلوا الكتب الموقوفة بها الى اماكن خارجة عن الجامع وكتبوا أسماء المجاورين في ورقة وامروهم ان لا يبيت عندهم غريب ولا يؤوا اليهم آفاقيا مطلقا وأخرجوا منه المجاورين من طائفة الترك ثم ان الشيخ الشرقاوي والمهدي والصاوي توجهوا في عصريتها عند كبير الفرنسيس منو واستأذنوه في قفل الجامع وتسميره فقال بعض القبطة الحاضرين للاشياخ هذا لا يصح ولا يتفق فحنق عليه الشيخ الشرقاوي وقال اكفونا شر دسائسكم ياقبطة وقصد المشايخ من ذلك منع الريبة بالكلية فان للازهر سعة لا يمكن الاحاطة بمن يدخل فربما دس العدو من يبيت به واحتج بذلك على انجاز غرضه ونيل مراده من المسلمين والفقهاء ولا يمكن الاحتراس من ذلك فاذن كبير الفرنسيس بذلك لما فيه من موافقة غرضه باطنا فلما اصبحوا قفلوه وسمروا أبوابه من سائر الجهات
وفي غايته جمعوا الوجاقلية وأمروهم باحضار ما عندهم من الاسلحة فأحضروا ما أحضروه فشددوا عليهم في ذلك فقالوا لم يكن عندنا غير الذي احضرناه فقالوا وأين الذي كنا نرى لمعانه عند متاريسكم فقالوا تلك اسلحة العساكر العثمانية والاجناد المصرية وقد سافروا بها
واستهل شهر صفر بيوم الثلاثاء سنة
في اوائله سافر بعض الاعيان من المشايخ وغيرهم الى بلاد الارياف بعيالهم وحريمهم وبعضهم بحث حريمه واقام هو مسافر الشيخ محمد الحريري وصحب معه حريم الشيخ السحيمي وصهره الشيخ المهدي فلما رآهم الناس عزم الكثير منهم على الرحلة واكثروا المراكب والجمال وغير ذلك فلما اشيع ذلك كتب الفرنسيس أوراقا ونادوا في الاسواق بعدم انتقال الناس ورجوع المسافرين ومن لم يرجع بعد خمسة عشر يوما نهبت داره فرجع أكثر الناس ممن سافر او عزم على السفر الا من اخذ له ورقة بالاذن من مشاهير الناس احتج بعذر كائن في خدمة لهم او قبض خراج أو مال أو غلال من التزامه
وفيه قرروا فردة أخرى وقدرها أربعة ملايين وقدر المليون مائة وستة وثمانون الف فرانسة وكان الناس ما صدقوا قرب تمام الفردة الاولى بعد ما قاسوا من الشدائد ما لا يوصف ومات اكثرهم في الحبوس وتحت العقوبة وهرب الكثير منهم وخرجوا على وجوههم الى البلاد ثم دهوا بهذه الداهية أيضا فقرروا على العقار والدور مائتي الف فرانسة وعلى الملتزمين مائة وستين ألفا وعلى التجار مائتي ألف وعلى ارباب الحرف المستورين ستين ألفا واسقطوا في نظير المنهوبات مائة ألف وقسموا البلدة ثمانية اخطاط وجعلوا على كل خطة منها خمسةوعشرين ألف ريال ووكلوا بقبض ذلك مشايخ الحارات والامير الساكن بتلك الخطة مثل المحتسب بجهة الحنفي وعمر شاه وسويقة السباعين ودرب الحجر ومثل ذي الفقار كتخدا جهة المشهد الحسيني وخان الخليلي والغورية والصنادقية والاشرفيةوحسن كاشف جهة الصليبة والخليفة وما في ضمن كل من الجهات والعطف والبيوت فشرعوا في توزيع ذلك على الدور الساكنة وغير الساكنة وقسموها عال وأوسط ودون وجعلوا العال ستين ريالا والوسط اربعين والدون عشرين ويدفع المستأجر قدر ما يدفع المالك والدار التي يجدونها مغلقة وصاحبها غائب عنها ياخذون ما عليها من جيرانها
وفي سادس عشرينه أفرجوا عن الشيخ السادات ونزل الى بيته بعد ان غلق الذي تقرر عليه واستولوا على حصصه وأقطاعه وقطعوا مرتباته وكذلك
جهات حريمه والحصص الموقوفة على زاوية أسلافه وشرطوا عليه عدم الاجتماع بالناس وأن لا يركب بدون اذن منهم ويقتصد في أمور معاشه ويقلل اتباعه
شهر ربيع الاول سنة
فيه نادوا على الناس الخارجين من مصر من خوف الفردة وغيرها بان من لم يحضر من بعد اثنين وثلاثين يوما من وقت المناداة نهبت داره واحيط بموجوده وكان من المذنبين واشتد الامر بالناس وضاقت منافسهم وتابعوا نهب الدور بأدنى شبهة ولا شفيع تقبل شفاعته أو متكلم تسمع كلمته واحتجب سارى عسكر عن الناس وامتنع من مقابلة المسلمين وكذلك عظماء الجنرالات وانحرفت طباعهم عن المسلمين زيادة عن أول واستوحشوا منهم ونزل بالرعية الذل والهوان وتطاولت عليهم الفرنساوية وأعوانهم وأنصارهم من نصارى البلد الاقباط والشوام والاروام بالاهانة حتى صاروا يامرونهم بالقيام اليهم عند مرورهم ثم شددوا في ذلك حتى كان اذا مر بعض عظمائهم بالشارع ولم يقم اليه بعض الناس على أقدامه رجعت اليه الاعوان وقبضوا عليه وأصعدوه الى الحبس بالقلعة وضربوه واستمر عدة أيام في الاعتقال ثم يطلق بشفاعة بعض الاعيان
وفيه أنزلوا مصطفى باشا من الحبس وأهدوا اليه هدايا وأمتعة وأرسلوه الى دمياط فأقام بها أياما وتوفي الى رحمة الله تعالى
شهر ربيع الثاني سنة
فيه اشتد أمر المطالبة بالمال وعين لذلك رجل نصراني قبطي يسمى شكر الله فنزل بالناس منه مالا يوصف فكان يدخل الى دار أي شخص كان لطلب المال وصحبته العسكر من الفرنساوية والفعلة وبأيديهم القزم فيأمرهم بهدم الدار ان لم يدفعوا له المقرر وقت تاريخه من غير تأخير الى غير ذلك وخصوصا ما فعله ببولاق فانه كان يحبس الرجال مع النساء ويدخن عليهم بالقطن والمشاق وينوع عليهم العذاب ثم رجع الى مصر يفعل كذلك وفيه اغلقوا جميع الوكائل والخانات على حين غفلة في يوم واحد وختموا على جميعها ثم كانوا يفتحونها وينهبون ما فيها من جميع البضائع والاقمشة والعطر والدخان خانا بعد خان فاذا فتحوا حاصلا من الحواصل قوموا ما فيه بما احبوا بابخس الاثمان وحسبوا غرامته فان بقى لهم شيء أخذوه من حاصل جاره وان زاد له شيء أحالوه علىجاره الاخر كذلك وهكذا ونقلوا البضائع على الجمال والحمير والبغال وأصحابها تنظر وقلوبهم تنقطع حسرة على مالهم واذا فتحوا مخزنا دخله امناؤهم ووكلاؤهم فيأخذون من الودائع الخفيفة أو الدراهم وصاحب المحل لا يقدر على التكلم بل ربما هرب أو كان غائبا
وفيه حرروا دفاتر العشور وأحصوا جميع الاشياء الجليلة والحقيرة ورتبوها بدفاتر وجعلوها اقلاما يتقلدها من يقوم بدفع مالها المحرر وجعلوا جامع أزبك الذي بالازبكية سوقا لمزاد ذلك بكيفية بطول شرحها وأقاموا على ذلك أياما كثيرة يجتمعون لذلك في كل يوم ويشترك الاثنان فاكثر في القلم الواحد وفي الاقلام المتعددة
وفيه كثر الهدم في الدور وخصوصا في دور الامراء ومن فر من الناس وكذلك كثر الاهتمام بتعمير القلاع وتحصينها وانشاء قلاع في عدة جهات وبنوا بها المخازن والمساكن وصهاريج الماء وحواصل الجبخانات حتى ببلاد الصعيد القبلية
واستهل شهر جمادى الاولى سنة
والامور من أنواع ذلك تتضاعف والظلومات تتكاثف وشرعوا في هدم اخطاط الحسينية وخارج باب الفتوح وباب النصر من الحارات والدور والبيوت والمساكن والمساجد والحمامات والحوانيت والاضرحة فكانوا اذا دهموا دارا وركبوها للهدم لا يمكنون أهلها من نقل متاعهم ولا أخذ شيء من أنقاض دارهم فينهبونها ويهدمونها وينقلون الانقاض النافعة من الاخشاب والبلاط الى حيث عمارتهم وأبنيتهم وما بقى يبيعون منه ما أحبوا بأبخس الاثمان ولوقود النيران وما بقى من كسارات الخشب يحزمه الفعلة حزما ويبيعونه على الناس باغلى الاثمان لعدم حطب الوقود ويباشر غالب هذه الافاعيل النصارى البلدية فهدم للناس من الاملاك والعقار مالا يقدر قدره وذلك مع مطالبتهم بما قرر على أملاكهم ودورهم من الفردة فيجتمع على الشخص الواحد النهب والهدم والمطالبة في آن واحد وبعد أن يدفع ما على داره أو عقاره وماصدق أنه غلق ما عليه الا وقد دهموه بالهدم فيستغيث فلا يغاث فترى الناس سكارى وحيارى ثم بعد ذلك كله يطالب بالمنكسر من الفردة وذلك أنهم لما قسموا الاخطاط كما تقدم وتولى ذلك أمير الخطة وشيخ الحارة والكتبة والاعوان وزعوا ذلك برأيهم ومقتضى أغراضهم فاول ما يجتمعون بديوانهم يشرع الكتبة في كتابة التنابيه وهي اوراق صغار باسم الشخص والقدر المقرر عليه وعلى عقاره بحسب اجتهادهم ورأيهم وعلى هامشها كراء طريق المعينين ويعطون لكل واحد من اولئك القراسة عدة من تلك الاوراق فقبل ان يفتح الانسان عينيه ما يشعر الا والمعين واقف بابه وبيده ذلك التنبيه فيوعدوه حتى ينظر في حاله فلا يحد بدا من دفع حق الطريق فما هو الا ان يفارقه حتى يأتيه المعين الثاني بتنبيه آخر فيفعل معه كالاول وهكذا على عدد الساعات فإن لم يوجد المطلوب وقف ذلك القواس على داره ورفع صوته وشتم حريمه أو خادمه فيسعى الشخص جهده حتى يغلق ما تقرر عليه بشفاعة ذي وجاهة أو نصراني وما يظن انه خلص الا والطلب لاحقه ايضا بمعين وتنبيه فيقول ما هذا فيقال له ان الفردة لم تكمل وبقى منها كذا وكذا وجعلنا على العشرة خمسة او ثلاثة أو ما سولت لهم أنفسهم فيرى الشخص أن لا بد من ذلك فما هو الا أن خلص ايضا الاوكرة أخرى وهكذا أمرا مستمرا ومثل ذلك ما قرر على الملتزمين فكانت هذه الكسورات من أعظم الدواهي المقلقة ونكسات الحمى المطبعة
وفي خامسة كان عيد الصليب وهو انتقال الشمس لبرج الميزان والاعتدال
الخريفي وهو أول سنة الفرنسيس وهي السنة التاسعة من تاريخ قيامهم ويسمى عندهم هذا الشهر وتدميير وذلك يوم عيدهم السنوي فنادوا بالزينة بالنهار والوقدة بالليل وعملوا شنكات ومدافع وحراقات ووقدات بالازبكية والقلاع وخرجوا صبح ذلك اليوم بمواكبهم وعساكرهم وطبولهم وزمورهم الى خارج باب النصر وعملوا مصافهم فقرىء عليهم كلام بلغتهم على عادتهم وكأنه مواعظ حربية ثم رجعوا بعد الظهر
وفي هذه السنة زاد النيل زيادة مفرطة لم يعهد مثلها فيما رأينا حتى انقطعت الطرقات وغرقت البلدان وطف الماء من بركة الفيل وسال الى درب الشمسي وكذلك حارة الناصرية وسقطت عدة دور من المطلة على الخليج ومكث زائدا الى آخر توت
واستهل شهر جمادى الثانية سنة
فيه قرروا على مشايخ البلدان مقررات يقومون بدفعها في كل سنة أعلى وأواسط وأدنى فالاعلى وهو ما كانت بلده ألف فدان فأكثر خمسمائة ريال والأوسط وهو ما كانت خمسمائة فأزيد ثلثمائة ريال والادنى مائة وخمسون ريالا وجعلوا الشيخ سليمان الفيومي وكيلا في ذلك فيكون عبارة عن شيخ المشايخ وعليه حساب ذلك وهو من تحت يد الوكيل الفرنساوي الذي يقال له يريدون فلما شاع ذلك ضجت مشايخ البلاد لان منهم من لا يملك عشاءه فاتفقوا على أن وزعوا ذلك على الاطيان وزادت في الخراج واستملوا البلاد والكفور من القبطة فأملوها عليهم حتى الكفور التي خربت من مدة سنين بل سموا اسماء من غير مسميات
وفيه شرعوا في ترتيب الديوان على نسق غير الاول من تسعة أنفار فيه خصوصي وعمومي على ما سبق شرحه بل هو ديوان واحد مركب من الشيخ الأمير والشيخ الصاوي وكاتبه والشيخ موسى السرسي والشيخ تسعة رؤساء هم الشيخ الشرقاوي رئيس الديوان والمهدي كاتب السر خليل البكري والسيد علي الرشيدي نسيب سارى عسكر والشيخ الفيومي والقاضي الشيخ اسمعيل الزرقاني وكاتب سلسلة التاريخ السيد اسمعيل الخشاب والشيخ علي كاتب عربي وقاسم افندي كاتب رومي وترجمان كبير القس رفائيل وترجمان صغير الياس فخر الشامي والوكيل الكمثارى فوريه ويقال له مدير سياسة الاحكام الشرعية ومقدم وخمسة قواسه متعممين لا غير وليس فيهم قبطي ولا وجاقلي ولا شامي ولا غير ذلك وليس واختاروا لذلك بيت رشوان بك الذي بحارة عابدين وكان يسكنه برطلمان فانتقل منه الى بيت الجلفي بالخرنفش وعمر وبيض وفرشت قاعة الحريم بمجلس الديوان فرشا فاخرا وعينوا عشر جلسات في كل شهر وانتقل اليها فوريه وسكنها بأتباعه واعدوا للمترجمين والكتبة من الفرنساوية مكانا خاصا يجلسون به في غير وقت الديوان على الدوام لترجمة اوراق الوقائع وغيرها وجعلوا لها خزائن للسجلات وفتحوا ايضا بجانبها دارا نفذوها اليها وشرعوا في تعميرها وتأنيقها وسموها بمحكمة المتجر واخذوا يرتبون انفارا من تجار المسلمين والنصارى يجلسون بها للنظر في القضايا المتعلقة بقوانين التجار والكبير على ذلك كله فوريه ولم يتم ذلك المكان الثاني
وفي خامس عشره شرعوا في جلسة الديوان وصورته انه اذا تكامل حضور المشايخ يخرج اليهم الوكيل فوريه وصحبته المترجمون فيقومون له فيجلس معهم ويقف الترجمان الكبير رفائيل ويجتمع ارباب الدعاوي فيقفون خلف الحاجز عند آخر الديوان وهو من خشب مقفص وله باب كذلك وعنده الجاويش يمنع الداخلين خلاف ارباب الحوائج ويدخلهم بالترتيب الاسق فالاسبق فيحكي صاحب الدعوة قضية فيترجمها له الترجمان فان كانت من القضايا الشرعية فإما ان يتمها قاضي الديوان بما يراه العلماء أو يرسلوها الى القاضي الكبير بالمحكمة ان احتاج الحال فيها الى كتابة حجج او كشف من السجل وان كانت من غير جنس القضايا الشرعية كأمور الالتزام أو نحو ذلك يقول الوكيل ليس هذا من شغل
الديوان فان ألح على أرباب الديوان في ذلك يقول اكتبوا عرضا لسارى عسكر فيكتب الكاتب العربي والسيد اسمعيل يكتب عنده في سجله كل ما قال المدعي والمدعى عليه وما وقع في ذلك من المناقشة وربما تكلم قاضي الديوان في بعض ما يتعلق بالامور الشرعية ومدة الجلسة من قبيل الظهر بنحو ثلاث ساعات الى الاذان أو بعده بقليل بحسب الاقتضاء ورتبوا لكل شخص من مشايخ الديوان التسعة أربعة عشر ألف فضة في كل شهر عن كل يوم أربعمائة نصف فضة وللقاضي والمقيد والكاتب العربي والمترجمين وباقي الخدم مقادير متفاوتة تكفيهم وتغنيهم عن الارتشاء وفي اول جلسة من ذلك اليوم عملت المقارعة لرئيس الديوان وكاتب السر فطلعت للشرقاوي والمهدي على عادتهما وكذلك الجاويشية والترجمان وكتبت تذكرة من أهل الديوان خطأ بالسارى عسكر يخبرونه فيها بما حصل من تنظيم الديوان وترتيبه وسر الناس بذلك لظنهم انه انفتح لهم باب الفرج بهذا لديوان ولما كانت الجلسة الثانية ازدحم الديوان بكثرة الناس وأتوا اليه من كل فج يشكون
وفي ثالث عشرينه أمروا بجمع الشحاذين أي السؤال بمكان وينفق عليهم نظار الاوقاف
وفيه ايضا أمروا بضبط ايراد الاوقاف وجمعوا المباشرين لذلك وكذلك الرزق الاحباسية والاطيان المرصدة على مصالح المساجد والزوايا وأرسلوا بذلك الى حكام البلاد والاقاليم
وفي غايته حضر رجل الى الديوان مستغيث بأهله وأن قلق الفرنسيس قبض على ولده وحبسه عند قائممقام وهو رجل زيات وسبب ذلك ان امرأة جاءت اليه لتشتري سمنا فقال لها لم يكن عندي سمن فكررت عليه حتى حنق منها فقالت له كأنك تدخره حتى تبيعه على العثملي تريد بذلك السخرية فقال لها نعم رغما عن انفك وانوف الفرنسيس فنقل عنه مقالته غلام كان معها حتى أنهوه الى قائممقام فأحضره وحبسه ويقول أبوه اخاف
أن يقتلوه فقال الوكيل لا لا يقتل بمجرد هذا القول وكن مطمئنا فان الفرنساوية لا يظلمون كل هذا الظلم فلما كان في اليوم الثاني قتل ذلك الرجل ومعه اربعة لا يدري ذنبهم وذهبوا كيوم مضى
واستهل شهر رجب الفرج سنة
والطلب والنهب والهدم مستمر ومتزايد وأبرزوا أوامر ايضا بتقرير مليون على الصنائع والحرف يقومون بدفعه في كل سنة قدره مائة الف وستة وثمانون ألف ريال فرانسة ويكون الدفع على ثلاث مرات كل أربعة أشهر يدفع من المقرر الثلث وهو اثنان وستون ألف فرانسة فدهى الناس وتحيرت افكارهم واختلطت اذهانهم وزادت وساوسهم واشيع ان يعقوب القبطي تكفل بقبض ذلك من المسلمين ويقلد في ذلك شكر الله واضرابه من شيطاين اقباط النصارى واختلفت الروايات فقيل ان قصده ان يجعلها على العقار والدور وقيل بل قصده توزيعها بحسب الفردة وذلك عشرها لان الفردة كانت عشرة ملايين فالذي دفع عشرة يقوم بدفع واحد على الدوام ولاستمرار ثم قيدوا لذلك رجلا فرنساويا يقال له دناويل وسموه مدبر الحرف فجمع الحرف وفرض عليهم كل عشرة اربعة فمن دفع عشرة في الفردة يدفع اربعة الآن فعورض في ذلك بأن هذا غير المنقول فقال هذا باعتبار من خرج من البلد ومن لم يدخل في هذه الفردة كالمشايخ والفارين فان الذي جعل عليهم أضيف على من بقي فاجتمع التجاروتشاورا فيما بينهم في شأن ذلك فرأوا ان هذا شيء لا طاقة للناس به من وجوه الاول وقف الحال وكساد البضائع وانقطاع الاسفار وقلت ذات اليد وذهاب البقية التي كانت في ايدي الناس في الفرد والدواهي المتتابعة الثاني ان الموكلين بالفردة السابقة وزعوا على التجار والمتسببين وكل من كان له اسم في الدفتر من مدة سنين ثم ذهب ما في يده وافتقر حاله وخلا حانوته وكيسه فالزموه بشقص من ذلك وكلفوه به وكتب اسمه في دفتر الدافعين ويلزمه ما يلزمهم وليس ذلك في الامكان الثالث أن الحرفة التي دفعت مثلا ثلاثين الفا يلزمها ثلاثة آلاف في السنة على الرأي الاول وعلى الثاني اثنا عشر الفا وقد قل عددهم وغلقت اكثر حوانيتهم لفقرهم وهجاجهم وخصوصا اذا ألزموا بذلك المليون فيفر الباقي ويبقى من لا يمكنه الفرار ولا قدرة للبعض بما يلزم الكل
وفيه أمر الوكيل بتحرير قائمة تتضمن اسماء الذين تقلدوا قضاء البلاد من طرف القاضي والذين لم يتقلدوا وأخبر أن السر في ذلك أن مناصب الاحكام الشرعية استقر النظر فيها له وانه لا بد من استئناف ولايات القضاة حتى قاضي مصر بالقرعة من ابتداء سنة الفرنساوية ويكتب لمن تطلع له القرعة تقليد من سارى عسكر الكبير فكتبت له القائمة كما أشار
وفي رابعه قتل جماعة بالرميلة وغيرها ونودى عليهم هذا جزاء من يتداخل في الفرنسيس والعثملي
وفي سادسه عملت القرعة على طهابل زاد تكرارها ثلاث مرات لقاضي مصر واستقرت للعريشي على ما هو عليه وخرج له التقليد بعد مدة طويلة
وفي ثامنه قتل غلام وجارية بباب الشعرية ونودي عليهما هذا جزاء من خان وغش وسعى بالفساد فيقال انهما كانا يخدمان فرنساويا فدسا له سما وقتلاه
وفي تاسعه حضر جماعة من الوجاقلية الى الديوان وهم يوسف باشا جاويش ومحمد اغا سليم كاتب الجاويشية وعلي أغا يحيى باشجاويش الجراكسة ومصطفى اغا ابطال ومصطفى كتخدا الرزاز وذكروا انهم كانوا تعهدوا بباقي الفردة المطلوبة من الملتزمين وقدرها خمسة وعشرين ألف ريال وقد استدانوا لذلك قدرا من البن بخمسة وثلاثين ألف ريال فرانسة ليوفوا ما عليهم من الديوان وانهم أرسلوا الى حصصهم يطالبون الفلاحين بماعليهم من الخراج فامتنع الفلاحون من الدفع وأخبروا ان الفرنساوية خرجوا عليهم ومنعوهم من دفع المال للملتزمين فكتب لهم عرض حال في شأن ذلك وارسل الى سارى عسكر ولم يرجع جوابه
وفي رابع عشره صنع الجرنال بليار المعروف بقائم مقام عزومة لمشايخ
الدويان والوجاقلية وأعيان التجار وأكابر نصارى القبط والشوام ومد لهم اسمطة حافلة وتعشوا عنده ثم ذهبوا الى بيوتهم
وفي ثاني عشرينه طيف بأمرأتين في شوارع مصر بين يدي الحاكم ينادى عليهما هذا جزاء من يبيع الاحرار وذلك انهما باعتا امراة لبعض نصارى الاروام بتسعة ريالات
وفيه طلب الخواجة الفرنسيسي المعروف بموسى كافو من الوجاقلية بقية الفردة المتقدم ذكرها فأجابوا بأن سبب عجزهم عن غلاقها توقف الفلاحين عن دفع المال بأمر الفرنساوية وعدم تحصيلهم المال من بلادهم ثم احيلوا بعد كلام طويل على استيفاء الخازندار لان ذلك من وظائفه لا من وظائف الديوان
وفي سابع عشرنيه حضر الوجاقلية ومعهم بعض الاعيان وحريمات ملتزمان يستغيثون بأرباب الديوان ويقولون انه بلغنا ان جمهور الفرنساوية يريدون وضع أيديهم على جميع الالتزام المفروج عنه الذي دفعوا حلوانه ومغارمه ولا يرفع أيدي الملتزمين عن التصرف في الالتزام جملة كافيةوقد كان قبل ذلك أنهى الملتزمون الذين لم يفرجوا لهم عن حصصهم اما لفرارهم وعودهم بالامان واما لقصر أيديهم عن الحلوان واما لشراقي بلادهم واما لانتظارهم الفرج وعود العثمانيين فيتكرر عليهم لحلوان والمغارم فلما طال المطال وضاق حال الناس عرضوا أمرهم وطلبوا من مراحم الفرنساوية الافراج عن بعض ما كان بأيديهم ليتعيشوا به ووقع في ذلك بحث طويل ومناقشات يطول شرحها ثم ما كفى حتى بلغهم أن القصد نزع المفروج عنه ايضا ونزع ايدي المسلمين بالكلية وانه يستشفعون بأهل الديوان عند سارى عسكر بان يبقى عليهم التزامهم يتعيشون به ويقضون ديونهم التي استدانوها في الحلوان ومغارم الفردة فقال فوريه الوكيل هل بلغكم ذلك من طريق صحيح فقالوا نعم بلغنا من بعض الفرنساوية وقال الشيخ خليل البكري وانا سمعته من الخازندار وقال
الشيخ المهدي مثل ذلك وانهم يريدون تعويضهم من أطيان الجمهور فقال الملتزمون ان بيدنا الفرمانات والتمسكات من سلفكم بونابارته ومن السلاطين السابقين ونوابهم وقائمون بدفع الخراج وانهم ورثوا ذلك عن آبائهم وأسلافهم وأسيادهم واذا اخذ منهم الالتزام اضطروا الى الخروج من البلد والهجاج وخراب دورهم ويصبحون صعاليك ولا يأتمنهم الناس وطالب البحث في ذلك والوكيل مع هذا كله ينكر وقوع ذلك مرة ويناقش اخرى الى أن انتهى الكلام بقوله له ان هذا الكلام في هذا وأمثاله ليس من وظيفتي فإني حاكم سياسة الشريعة لا مدبر أمر البلاد نعم من وظيفتي المعاونة والنصح فقط
وفي خامس عشرينه اتفق ان جماعة من أولاد البلد خرجوا الى النزهة جهة الشيخ قمر ومعهم جماعة الآتية يغنون ويضحكون فنزل اليهم جماعة من العسكر الفرنساوية المقيمين بالقلعة خارج الحسينية وقبضوا عليهم وحبسوهم وأرسلوا شخصا منهم الى شيخ البلد بليار وأخبروه بمكانهم ليستفسر عن شأنهم فلقيه ثم رده الى القلعة الظاهرية تانيا فبات عند اصحابه ثم طلبهم في ثاني يوم فذهبوا وصحبتهم جماعة من العسكر بالبندق تحرسهم فقابلوه ومن عليهم بالاطلاق وذهبوا الى منازلهم
وفيه منعوا الاغا والوالي والمحتسب من عوائدهم على الحرف والمتسببين فانها اندرجت في أقلام العشور ورتبوا لهم جامكية من صندوق الجمهور يقبضونها في كل شهر
واستهل شهر شعبان سنة
فيه أجيب الملتزمون بابقاء التزامهم عليهم وأنكروا ما قيل في رفع أيديهم وعوتب من صدق هذه الاكذوبة وان كانت صدرت من الخازندار فانما كانت على سبيل الهزل او يكون التحريف من الترجمان أو الناقل
وفيه حضر التجار الى الديوان وذكروا أمر المليون وان قصدهم أن يجعلوه موزعا على الرؤوس ولا يمكن غير ذلك وطال الكلام والبحث شأن ذلك ثم انحط الامر على تفويض ذلك لرأي عقلاء المسلمين وانهم يجتمعون ويدبرون ويعملون رأيهم في ذلك بشرط أن لا يتداخل معهم في هذا الامر نصراني أو قبطي وهم الضامنون لتحصيله بشرط عدم الظلم وأن لا يجعلوا على النساء ولا الصبيان ولا الفقهاء ولا الخدامين شيئا وكذلك الفقراء ويراعي في ذلك حال الناس وقدرتهم وصناعتهم ومكاسبهم ثم قالوا نرجو ان تضيفوا الينا بولاق ومصر القديمة فلم يجابوا الى ذلك لكونهم جعلوهما مستقلين وقرروا عليهما قدرا آخر خلاف الذي قرروه على مصر
وفيه لخصوا عرضا ولطفوا فيه العبارة لسارى عسكر فأجيبوا الى طلبهم ما عدا بولاق ومصر القديمة وأخرجوا من أرباب الحرف الصيارفة والكيالين والقبانية وجعلوا عليهم بمفردهم ستين الف ريال خلاف ما يأتي عليهم من المليون ايضا يقومون بدفعها في كل سنة والسر في تخصيص الثلاث حرف المذكورة دون غيرها أن صناعتهم من غير رأس مال
وفيه افدروا ديوانا لذلك ببيت داود كاشف خلف جامع الغورية وتقيد لذلك السيد احمد الزرو وأحمد بن محمود محرم وابراهيم أفندي كاتب البهار وطائفة من الكتبة وشرعوا في تحرير دفاتر باسماء الناس وصناعاتهم وجعلوها طبقات فيقولون فلان من نمرة عشرة أو خمسة أو ثلاثة او اثنين أو واحد ومشوا على هذا الاصطلاح
وفيه أبطلوا عشور الحرير الذي يتوجه من دمياط الى المحلة الكبرى
وفيه أرسل سارى عسكر يسأل المشايخ عن الذين يدورون في الاسواق ويكشفون عوراتهم ويصيحون ويصرخون ويدعون الولاية وتعتقدهم العامة ولا يصلون صلاة المسلمين ولا يصومون هذا جائز عندكم في دينكم أو هو محرم فأجابوه بأن ذلك حرام ومخالف لديننا وشرعنا وسنتنا فشكرهم على ذلك وأمر الحكام بمنعهم والقبض على من يرونه كذلك فان كان مجنونا ربط بالمارستان أو غير مجنون فإما أن يرجع عن حالته
وفيه أرسل رئيس الاطباء الفرنساوي نسخا من رسالة ألفها في علاج الجدري لارباب الديوان لكل واحد نسخة على سبيل المحبة والهدية ليتناقلها الناس ويستعملوا ما اشار اليه فيها من العلاجات لهذا الداء العضال فقبلوا منه ذلك وأرسلوا له جوابا شكر له على ذلك وهي رسالة لا بأس بها في بابها
وفي حادي عشره وجدت امرأة مقتولة بغيط عمر كاشف بالقرب من قناطر السباع فتوجه بسبب الكشف عليها رسول القاضي والاغا وأخذوا الغيطانية وحبسوهم وكان بصحبتهم ايضا القبطان الحاكم بالخط ولم يظهر القاتل ثم أطلقوا الغيطانية بعد أيام
وفيه كمل المكان الذي أنشؤوه بالازبكية عند المكان المعروف بباب الهواء وهو المسمى في لغتهم بالكمرى وهو عبارة عن محل يجتمعون به كل عشر ليال ليلة واحدة يتفرجون به على ملاعيب يلعبها جماعة منهم بقصد التسلي والملاهي مقدار أربع ساعات من الليل وذلك بلغتهم ولا يدخل أحد اليه الا بورقة معلومة وهيئة مخصوصة
وفي سادس عشرة ذكروا في الديوان أن سارى عسكر امر وكيل الديوان ان يذكر لمشايخ الديوان ان قصده ضبط واحصاء من يموت ومن يولد من المسلمين وأخبرهم ان سارى عسكر بونابارته كان في عزمه ذلك وان يقيد له من يتصدى لذلك ويرتبه ويدبره ويعمل له جامكية وافرة فلم يتم مرامه والان يريد تتميم ذلك ويطلب منهم التدبير في ذلك وكيف يكون وذكر لهم ان في ذلك حكما وفوائد منها ضبط الانساب ومعرفة الاعمار فقال بعض الحاضرين وفيه معرفة انقضاء عدة الازواج ايضا ثم اتفق الرأي على ان يعلموا بذلك قلقات الحارات واخطاط وهم يقيدون على مشايخ الحارات والاخطاط بالتفحص عن ذلك من خدمة الموتى والمغسلين والنساء القوابل وما في معنى ذلك ثم ذكر الوكيل ان سارى عسكر ولد له مولود
فينبغي أن تكتبوا له تهنئة بذلك المولود الذي ولد له من المرأة المسلمة الرشيدية وجوابا عن هذا الرأي فكتبوا ذلك في ورقة كبيرة وأوصلها اليه الوكيل فوريه
وفي غايته سقطت منارة جامع قوصون سقط نصفها الاعلى فهدم جانبا من بوائك الجامع ونصفها الاسفل مال على الاماكن المقابلة له بعطفة الدرب النافذ لدرب الاغوات وبقي مسندا كذلك قطعة واحدة الى يومنا هذا واظن ان سقوطها من فعل الفرنسيس بالبارود
واستهل شهر رمضان سنة
ثبت هلاله ليلة الجمعة وعملت الرؤية وركب المحتسب ومشايخ الحرف بالطبول والزمور عل العادة وأطلقوا له خمسين ألف درهم لذلك نظير عوائده التي كان يصرفها في لوازم الركبة
وفي خامسه وقع السؤال والفحص عن كسوة الكعبة التي كانت صنعت على يد مصطفى أغا كتخدا الباشا وكملت بمباسرة حضرة صاحبنا العمدة الفاضل الاريب الاديب الناظم الناثر السيد اسمعيل الشهير بالخشاب ووضعت في مكانها المعتاد بالمسجد الحسيني وأهمل امرها الى حد تاريخه وربما تلف بعضها من رطوبة المكان وخرير السقف من المطر فقال الوكيل ان سارى عسكر قصده التوجه بصحبتكم يوم الخميس قبل الظهر بنصف ساعة الى المسجد الحسيني ويكشف عنها فان وجد بها خللا أصلعه ثم يعيدها كما كانت وبعد ذلك يشرع في ارسالها الى مكانها بمكة وتكسى بها الكعبة على اسم المشيخة الفرنساوية فقالوا له شأنكم وما تريدون وقرىء في المجلس فرمان بمضمون ذلك
وفي ذلك اليوم قرىء فرمان مضمونه انه وردت مكاتبات من فرانسا بوقوع الصلح بينهم وبين أهل الجزائر وتونس بشروط ممضاة مرضية وقد أطلقوا الأذن للتجار من اهل الجهتين بالسفر للتجارة فمن سافر له الحماية والصيانة في ذهابه وايابه وقامته باسم دولة الجمهور الفرنساوية الى آخره ولم يظهر لذلك أثر
وفيه قرىء تقليد الشيخ احمد العريشي بقضاء مصر ووصل ايضا تقليد القضاء بدمياط لاحمد أفندي عبد القادر وأبيار للعلامة الشيخ رضوان نجا ومحلة مرحوم للشيخ عبد الرحمن طاهر الرشيدي وذلك على موجب القرعة السابقة من مدة شهرين أو اكثر وقرى ذلك بالديوان ولم يحصل بعد ذلك غيرهم فلما كان صبح ذلك اليوم أرسل شيخ البلد بليار الى العريشي ومشايخ الديوان والوجاقلية فلما تكاملوا خلع على القاضي العريشي فروة سمور بولايته القضاء وركب بصحبته الجميع وجملة من العساكر الفرناسوية وشيخ البلد بجانبه ومشوا من وسط المدينة الى أن وصلوا المحكمة بين القصرين فجلسوا ساعة من النهار وقرىء تقليده بحضرة الجميع ووكيل الديوان فوريه ثم رجعوا الى منازلهم
وفي يوم الخميس الموعود بذكره توجه الوكيل ومشايخ الديوان الى المشهد الحسيني لانتظار حضور سارى عسكر الفرنسيس بسبب الكشف على الكسوة وازدحم الناس زيادة على عاتهم في الازدحام في رمضان فلما حضر ونزل عن فرسه عند الباب وأراد العبور للمسجد رأى ذلك الازدحام فهاب الدخول وخاف من العبور وسأل ممن معه عن سبب هذا الازدحام فقالوا له هذه عادة الناس في نهار رمضان يزدحمون دائما على هذه الصورة في المسجد ولو حصل منكم تنبيه كنا أخرجناهم قبل حضوركم فركب فرسه ثانيا وكر راجعا وقال نأتي في يوم آخر وانصرف حيث جاء وانصرفوا
وفي ليلة السبت تاسعه حصلت كائنة سيدي محمود وأخيه سيدي محمد المعروف بابي دفية وذلك ان سيدي محمود المذكور كان بينه وبين علي باشا الطرابلسي صداقة ومحبة ايام اقامته بالجيزة وحج صحبته في سنة تسع ومائتين وألف فلما وقعت حادثة الفرنساوية وخرج علي باشا
المذكور مع من خرج الى الشام ووردت العساكر العثمانية صحبة يوسف باشا الوزير في العام الماضي وصحبته علي باشا المذكور وله به مزيد الوصلة والعناية والمرجع في المشورة لخبرته بالاقطار المصرية ومعرفته أهالي البلاد استشاره في شخص يعرفه يكون عينا بمصر ليراسله ويطالعه بالاخبار فأشار عليه بمحمود افندي المذكور فكانوا يراسلونه ويطالعهم بالاخبار سرا فلما قدموا الى مصر في السنة الماضية وجرى ما جرى من نقض الصلح ورجوع الوزير ولم يزل سيدي محمود تأتيه المراسلات بواسطة السيد احمد المحروقي ايضا ولان علي باشا ارتحل الى الديار الرومية فيطالعهم كذلك بالاخبار مع شدة الحذر خوفا من سطوة الفرنساوية وتجسس عيونهم المقيدة لذلك فكان يذهب القاصد ويرد له الجواب فلما كان في التاريخ ورد عليه رسول ومعه جواب وأربعة أوراق مكتوبة باللغة الفرنساوية وفيها الامر بتوزيعها ووضعها في أماكن معينة حيث سكن الفرنساوية فوزع اثنين وقصد وضع الثالثة في موضع جمعيتهم فلم يمكنه ذلك الا ليلا فأعطاها خادمة وأمره أن يشكها بمسمار في حائط ذلك المكان وهو بالقرب من الحمام المعروف بحمام الكلاب ففعل وتلكأ في الذهاب فأطلع عليه بعض الفرنسيس من أعلى الدار فنزل اليه وأخذ الورقة وقبضوا على ذلك الخادم وصادف ذلك مرور حسن القلق وهو يتوقع نكتة تكون له بها الوجاهة عند الفرنساوية فأغتنم هذه الفرصة وقبض على الخادم مع الفرنساوية وسيده ينظر اليه من بعيد وعلم انه وقع في خطب لا ينجيه منه الا الفرار فرفع الى داره وتناجى مع أخيه وأستشاره فيما وقع فيه وكيف يكون العمل فأشار عليه بالاختفاء ويستمر أخوه بالمنزل مستهدفا للقضاء وليكون وقاية على منزله وعرضه وليس هو مقصودا بالذات فكان كذلك وتغيب سيدي محمود وأصبح الطلب قاصده فلما لم يجده قبضوا على أخيه سيدي محمد أفندي ومن كان معه بالبيت وهو الشيخ خليل المنير وقرابته اسمعيل حلبي ونسيبه البرنوسي والسقاء وشيخ
حارتهم وحبسوهم ببيت قائممقام وهم سبعة أنفار بالخادم المقبوض عليه اولا واوقفوا حرسا بدراهم واجتهدوا في الفحص عن سيدي محمود وتكرار السؤال عليه من أخيه ورفقائه اياما فلما لم يقفوا له على خبر أحاطوا بالدار ونهبوا ما فيها وصحبتهم الخادم يدلهم على المتاع والمخبأت ثم أصعدوهم الى القلعة وضيقوا عليهم وأرسلوا خلف الشواربي شيخ قليوب ومن كان ينتقل عندهم وألزموهم بأحضاره فانكروه وجحدوه ثم أطلقوا خادمه بعد أن أعطوه خمسين ريالا فرانسة وجعلوا له ألفان إن دلهم عليه وقيدوا به عينا يتبعه أينما توجه فأستمر أياما يغدو ويروح في مظناته لم يقع له على خبر فردوه الى السجن ثانيا عند أصحابه ولم يزالوا حتى فرج الله عنهم وأما المطلوب فوقع له مزيد المشقة في مدة اختفائه وتبرأ منه غالب أصحابه ومعارفه من العربان وغيرهم وتنكروا منه ولم يزل حتى استقر عند شيخ العرب موسى أبي حلاوة وأولاده بناحية أمييه بالقليوبية باطلاع الشواربي فأكرموه وواسوه وأخفوا أمره ولم يزل مقيما عندهم في غاية الاكرام حتى فرج الله عنه
ولما كان يوم الخميس رابع عشره تقيد للحضور بسبب الكشف على الكسوة استوفو خازندار الجمهور وفوريه وكيل الديوان فحضر صحبتهم المشايخ والقاضي والاغا والوالي والمحتسب بعدما أخلى المسجد من الناس وأحضروا خدامين الكسوة الاقدمين وحلوارباطاتها وكشفوا عليها فوجدوا بها بعض خلل فأمروا بإصلاحه ورسموا لذلك ثلاثة آلاف فضة وكذلك رسموا للخدمة الذين يخدمونها ألف نصف فضة ولخدمة الضريح ألف نصف ثم ركبوا الى منازلهم ثم طويت ووضعت في مكانها بعد اصلاحها
وفي رابع عشرينه ضربت مدافع كثيرة بسبب ورود مركبين عظيمين من فرانسا فيهما عساكر وآلات حرب واخبار بأن بونابارته أغار على بلاد النيمسا وحاربهم وحاصرهم وضايقهم وانهم نزلوا على حكمه وبقى الامر بينهم وبينه على شروط الصلح وانه استغنى عن هذه الاشياء المرسلة
وسيأتي في أثرهم مركبان آخران فيهما أخبار تمام الصلح ويستدل بذلك على أن مملكة مصر صارت في حكم الفرنسيس لا يشركهم غيرهم فيها هكذا قالوا في ورقة بالديوان
واستهل شهر شوال سنة
فيه بدا أمر الطاعون فانزعج الفرنساوية من ذلك وجردوا مجالسهم من الفرش وكنسوها وغسلوها وشرعوا في عمل كرنتينات ومحافظات
وفي ثامنه قال وكيل الديوان للمشايخ ان حضرة سارى عسكر بعث الى كتابا معناه ايضاح ما يتعلق بأمر الكرنتينه ويرى رأيكم في ذلك وهل توافقون على رأي الفرنساوي أم تخالفون فقالوا حتى تنظر ما هو المقصود فقال حضرة أرباب الديوان يجب عليهم أن يعملوا الطريق الذي يكون سببا لانقطاع هذه العلة فاننا نبغي لهم ولغيرهم الخير فإن أجابوا فذاك والا فليزموا ولو قهرا وربما استعملنا القصاص ولو بالموت عند المخالفة ومن الذي يتغافل عما يكون سببا لقطع هذا الداء فان رأينا قدانعقد على ذلك ويجب أن يتفق معنا أرباب الديوان لان حفظ الصحة واجب ولذا نرى كثيرا من الناس ولا سيما المتشرعون يستعمل الطبيب عند المرض وغايته حفظ الصحة وما نحن فيه من ذلك ونذكر لكم أن بلاد الغرب قد اعتمدوا فعل الكرنتينة الآن فعلماء القاهرة أولى بأن لا يتأخروا عن استعمال الوسائط اذ قد ربطت الاسباب بالمسببات فقيل له وما الذي تأمرون به أن يفعل فقال هو الحذر لا غير وهو الغاية والنتيجة وهو انه اذا دخل الطاعون بيتا الا يدخل فيه أحد ولا يخرج منه أحد مع ما يترتب على ذلك من القوانين المختصة به وخدمة المريض وعلاجه وسيوضح لكم ذلك فيما بعد يعني أن تذعنوا للطاعة وعدم المخالفة وظل البحث والمناقشة في ذلك بين أرباب الديوان والوكيل وانفض المجلس على ان الوكيل سيفاوض سارى عسكر في ذلك ثم يدبرون أمرا وطريقة يكون فيها الراحة للناس البلدية والفرنساوية فان ذلك فيه مشقة على أهل البلد لعدم الفتهم لهذه الامور
وفي ثالث عشرة ضربت عدة مدافع من القلاع لا يدري سببها
وفي رابع عشر قرىء فرمان من سارى عسكر بالديوان وألصقت منه نسخ في مفارق الطرق والاسواق
ونصه بعد البسملة والحمدلة من عبد الله جاك منوسر عسكر أمير عام جيوش دولة جمهور الفرنساوية بالشرق ومظاهر حكومتها ببر مصر حالا الى كامل الاهالي كبير وصغير غني وفقير المقيمين حالا بمحروسة مصر وبملكة مصر الناس الذين هم من الاشقياء والمفسدين ولا يفتشون الا على الاضرار بالناس واضراركم يظهرون في وسط المدينة بينكم أخبارا رديئة تزويرا لتخويفكم وتخويف المملكةوكل ذلك كذب وافتراء فانما نحن نخبركم جميعا ان كلا من الاهالي المذكورة من أي طائفة وملة كان الذي يثبت عليه بالاشها أو النشر من نفسه بينكم تلك الاخبار الرديئة المكذوبة تخويفا لكم واضلالا بالناس ففي الحال ذلك الرجل يمسك وترمى رقبته بوسط واحدة طرق مصر ويا أهالي مصر انتبهوا وتذكروا هذه الكلمات وكونوا مسترحين البال ومترفهين الحال انما دولة الجمهور الفرنساوي حاضرة لحمايتكم وصيانتكم ولكن ناظر كذلك الى تعذيب العصاة والسلام على من اتبع الهدى والصدق والاستقامة تحرير في شهر وافتور سنة تسع الموافق لحادي عشر شهر شوال انتهى
فعلم الناس من ذلك الفرمان ورودشىء وحصول شيء على حد كاد المرتاب أن يقول خذني وليس للناس ذكر ولا فكر الا في بواقي الفردة وما لزمهم في المليون ولا شغل لكل فرد الا بتحصيل ما فرض عليه ولعل ذلك بسبب الاوراق الواصلة على يد سيدي محمود أبي دفية باللغة الفرنساوية التي تقدم ذكرها واشتهر ايضا أنه وردت عليهم أخبار بوصول مراكب انكليز جهة أبي قير وفي ذلك المجلس سئل الوكيل عن ضرب المدافع لاي شيء فقال لابد وان أحيط علمكم ببعض ذلك في هذا المجلس وهو ان
الفرنساوية كانت تحارب القرانات والآن وقع صلح بينهم وبين القرانات ما عدا الانكليز فإنه الآن مضيق عليه وربما كان ذلك سببا لرضاه بالدخول في الصلح وقد خرج من فرانسا عمارة ربما توجهت على الهند وربما أنهم يقدمون الى مصر وقد وصل لسارى عسكر أمر من المشيخة بوصول مراكب الموسقو التي تحمل الذخائر الى الفرنساوية وأن يمكنهم من دخول اسكندرية وقد خرج سنة غلايين من فرانسا الى بحر الهند فربما قدموا بعد ذلك الى جهة السويس وبورود هذه الاخبار تعين خلوص مصر الى جمهور الفرنساوية وفي سالف الزمان كانت جميع القرانات التي بالجهة الشمالية ضدا للفرنساوية وقد زالت الان هذه الضدية ومتى انقضى أمر الحرب عمت الرحمة والرأفة والنظر بالملاطفة للرعية والذي أوجب الاغتصاب والعسف انما هو الحرب ولو دامت المسالمة لما وقع شيء من هذا فقال بعض أهل الديوان سنة الملوك العفو والصفح وما مضى لابعاد فارحموا واعفوا عما سلف فقال الوكيل قد وقع الامتحان ولم يبق الا السلم والمسامحة
وفيه قبضوا على القلق المعروف بعمر أغا وهو أغات المغاربة المرتبة عندهم عسكرا وعلى شخصين آخرين يدعى أحدهما علي جلبي والاخر مصطفى جلبي وسجنا بالقلعة وسبب ذلك انه حضر الى مصطفى جلبي مكتوب من نسبيه بجهة الشام يطلب منه بعض حوائج فقرىء ذلك المكتوب بحضرة عمر القلق ورفيقه الاخر فوشي بهم رجل قواس فقبضوا على الجميع وكان مصطفى جلبي المذكور سكن ببيته محمد افندي ثاني قلفة فدخلوا يفتشون عليه في الدار فلم يجدوه فالزموا به محمد أفندي المذكور وأزعجوه وأحاط به عدة من العسكر ولم يمكنوه من القيام من مجلسه ولا من اجتماعه بأحد وبعد ان وجدوا ذلك الانسان لم يفرجوا عن محمد أفندي بل استمر معهم في الترسيم ووجدوا مكانا بالدار به أسلحة وأمتعة فنهبوه وانتهبت الدار والحارة وحصل عندهم غاية الكرب والمشقة حتى ان بعض جيران ذلك المحل كبر عنده الخوف وغلب عليه الوهم فمات
فجأة رحمه الله ثم فرج الله عن محمد افندي بعد ثلاثة ايام وأطلق عمر القلق لظهور براءته ولم يكن له جرم غير العلم والسكوت وانتقل محمد افندي من تلك الدار وما صدق بخلاصة مها وبقي علي جلبي ومصطفى جلبي في الحبس وفي سابع عشره استفيضت الاخبار بوصول مراكب الى أبي قير كما تقدم
وفي ثامن عشره خرج جملة من العسكر الفرنساوية وسافروا الى الجهة البحرية برا وبحرا
وفي عشرينه اجتمع اهل الديوان فيه على العادة فبدأ الوكيل يقول انه كان يظن انه يكون حرب ولكن وردت اخبار ان المراكب التي حضرت الى اسكندرية وهي نحو مائة وعشرين مركبا قد رجعت فقيل له وما هذه المراكب فقال مراكب فيها طائفة من الانكليز وصحبتهم جماعة من الاروام ليس فيها مراكب كبار الا قليل جدا وباقيها صغار تحمل الذخيرة ثم قال ان حضرة سارى عسكر قد كان وجه اليكم فرمانا في شأن ذلك قبل أن يتبين الأمر وهو وان كان قد فات موضعه من حيث انه كان يظن ان هناك حرب ولكن من حيث كونه قد برز الى الوجود فينبغي أن يتلى على مسامعكم ثم أمر رفائيل الترجمان بقراءته ونصه من عبد الله جاك منو سر عسكر أمير عام جيوش دولة جمهور الفرنساوية بالشرق ومظاهر حكومتها ببر مصر حالا الى جميع الكبير والصغير الاغنياء والفقراء المشايخ والعلماء وجميعهم الذين يتبعون الدين الحق والحاصل لجميع اهالي بر مصر سلمهم الله بمقام السر عسكر الكبير بمصر في أربعة عشر شهر ونتور سنة تسع من قيام الجمهور الفرنساوية واحد ولا ينقسم ثم كتب تحت ذلك البسملة ولفظ الجلالة وتحته ان الله هو هادي الجنود ويعطي النصرة لمن يشاء والسيف الصقيل في يد ملاكه يسابق دائما الفرنساوية ويضمحل أعداؤهم ان الانكليزية الذين يظلمون كل جنس للشرفي كل المواضع فهم ظهروا في السواحل وأن كانوا يتجرؤا يضعوا أرجلهم في البر فيرتدوا في
الحال على اعقابهم في البحر والعثمانيين متحركين كهؤلاء الانكليزية يعلمون ايضا بعض حركات فان كان يقدموا ففي الحال يرتدوا وينقلعوا في غبار وعفار البادية فأنتم يا أهالي مملكة ومحروسة مصراني أنا أخبركم ان كان تسلكوا في طريق الخائفين الله وتبقوا مستريحين في بيوتكم ومقيمين كما كنتم في أشغالكم وأغراضكم فحينئذ لا خوف عليكم ولكن ان كان واحد منكم يسلك للفساد واضلالكم بالعداوة ضد دولة الجمهور الفرنساوي فأقسمت بالله العظيم وبرسوله الكريم ان رأس ذلك المفسد ترمي تلك الساعة فتذكروا في كل المواقع حين محاصرة مصر الاخيرة وجرى دماء آبائكم ونسائكم وأولادكم في كل مملكة مصر وخصوصا محروسة مصر وخواصكم انتهبوا تحت الغارات وطرحوا علكيم فردة قوية غير المعتاد فأدخلوا في عقولكم واذهانكم كل ما قلت لكم الآن والسلام على كل من هو في طريق الخير فالويل ثم الويل على كل من يبعد من طريق الخير ممضي خالص الفؤاد عبد الله جاك منو
وفي ذلك اليوم عملوا شنكا وضربوا عدة مدافع من القلاع فارتاع الناس لذلك واضطربوا شديدا فسئل من الفرنسيس فأخبروا ان ذلك سرور بقدوم مركبين من فرانسة الى اسكندرية
وفي ذلك اليوم ايضا وقع بمجلس الديوان بين الوكيل والمشايخ مفاوضة ومناقشة وذلك أنه لما أشيع خبر ورود المراكب الى أبي قير شحت الغلال وارتفعت من الرقع على العادة وزادت أثمانها فتفاوضوا في شأن ذلك وأنه لا بد من الاعتناء من الحكام وزجر الباعة وطواف المحتسب وشيخ البلد على الرقع والسواحل ولما قرىء الفرمان المذكور قال بعض الحاضرين العقلاء لا يسعون في الفساد واذا تحركت فتنة لزموا بيوتهم فقال الوكيل ينبغي للعقلاء ولامثالكم نصيحة المفسدين فان البلاء يعم المفسد وغيره فقال بعضهم هذا ليس بجيد بل العقاب لا يكون الا على المذنب قال تعالى كل نفس بما كسبت رهينة وقال آخر من أهل المجلس
ولا تزروا وزرة وزر أخرى فقال الوكيل المفسدون فيما وقدم هاجوا الفتنة فعمت العقوبة والمدافع والبنبات لا عقل لها حتى تمير بين المفسد والمصلح فانه لا تقرأ القرآن وقال اخر المخلص نيته تخلصه فقال الوكيل ان المصلح من يشمل صلاحه الرعية فإن صلاحه في حد ذاته يخصه فقط والثاني أكثر نفعا وطال البحث والمناقشة في نحو ذلك فلما كان عصر ذلك اليوم ورد فرمان من سارى عسكر الى وكيل الديوان فأرسل خلف الشيخ اسمعيل الزرقاني فاستدعاه وسلمه اليه وأمره أن يطوف به على مشايخ الديوان في بيوتهم فيقرؤه وهو مبنى على جواب المناقشة المذكورة وصورته بعد البسملة والجلالة من عبد الله جاك منو سر عسكر أمير عام جيوش دولة جمهور الفرنساوية بالشرق ومظاهر حكومتها ببر مصر حالا الى كافة المشايخ والعلماء الكرام المقيمين بمحفل الديوان المنيف بمحروسة مصر أدام الله تعالى فضائلهم وألهمهم الحكمة الواجبة لاجراء فرائضهم نرسل لحضراتكم يا مشايخ ويا علماء الكرام نداء جديد خطابا الى جميع أهالي مملكة مصر وخصوصا أهل محروسة مصر ولا شبهة لي في تقييدكم لتنبيههم بكل ما هو محرر فيها وغير ذلك تذكروا ان هذا التنبيه هو غرضكم انما حضراتكم ههنا رجال دولة الجمهور الفرنساوي فيبقى في عقولكم وأذهانكم كل وما وقع حين قصاص مصر الاخيرة تفهموا بناء على ذلك كيف هو واجب الى أمنيتكم وراحتكم ضبط الخلائق لانه ان كان يصير أصغر الحركات فلا بدا ثقلها يقع على رؤسكم وغير ذلك ورد لنا في الحال اخبار من فرانسا انه كملت المصالحة مع امبراطور النيمسا وان قيصر الروسيا بيزو أقام المحاربة ضد دولة العثمانية والسلام
ولما أصبح ثاني يوم اجتمع المشايخ ببيت الشيخ عبد الله الشرقاوي وحضر الاغا والوالي والمحتسب وأحضروا مشايخ الحارات وكبراء الاخطاط ونصحوهم وأنذروهم وأمروهم بضبط من دونهم وأن لا يغفلوا أمر عامتهم وحذروهم وخوفوهم العاقبة وما يترتب على قيام المفسدين وجهل
الجاهلين وانهم هم المأخوذون بذلك كما أن من فوقهم مأخوذ عنهم فالعاقل يشتغل بما يعنيه على انه لم يبق في الناس الا رسوم هافتة وانفصلوا على ذلك هذا وديوان المليون يعملون فيه بالجد والاجتهاد وبث المعينين من القواسة والفرنساوية في المطالبة بالثلث والكسرة الباقية من الفردة والتشديد في أمر الكرنتينة وازعاج الناس من ذلك وخوفهم من حصول الطاعون وأشاعوا فيما بينهم أن من أصابه هذا الداء في مكان كشفوا عليه فان كان مريضا بذلك الداء أخذوا ذلك المصاب الى الكرنتينة عندهم وانقطع خبره عن أهله الا أن كان له أجل باق ويشفى من ذلك ويعود اليهم صحيحا والا فلا يراه أهله بعد ذلك أصلا ولا يدري خبره لانه اذا مات أخذه الموكلون بالكرنتينة ودفنوه بثيابه في حفرة وردموا عليه التراب وأما داره فلا يدخلها أحد ولا يخرج منها مدة أربعة أيام ويحرقون ثيابه التي تختص به ويقف على بابه حرس فان مر احد ولمس الباب أو الحد المحدود قبضوا عليه وأدخلوه الدار وكرتنوه وان مات الشخص في بيته وظهر انه مطعون جمعوا ثيابه وفرشه وأحرقوها وغسله الغاسل وحمله الحمالون لا غير وأخرجوه من غير مشهد وامامه ناس تمنع المارين من التقرب منه فان قرب منه أحد كرتنوه في الحال وبعد دفنه يكرتنون على كل من باشره بغسل أو حمل أو دفن فلا يخرجون الا لخدمة أخرىمثلها بشري لامساس فهال الناس هذا الفعل واستبشعوه وأخذوا في الهرب والخروج من مصر الى الارياف لذلك والتوهم وقوع الفتنة بورود أخبار المراكب الى أبي قير وتحذر الفرنساوية واستعدادهم وتأهبهم ونقل أمتعتهم الى القلعة
وفي تاسع عشرة خرجت عساكر كثير بحمولهم وفرشهم وذهبوا الى جهة الشرق وأشيع حضور عرضي العثمانية ووصولهم الى العريش صحبة يوسف باشا الوزير
وفيه أصعدوا الشيخ السادات الى القلعة من غير أهانة
وفي يوم الثلاثاء رابع عشرينه قبضوا ايضا على حسن اغا المحتسب وأصعدوه الى القلعة ايضا بشخص يخدمه فحبسوه بالبرج الكبير فأما الشيخ السادات فسأل الموكل به عن ذنبه وجرمه الموجب لحبسه فقال لم يكن الا الحذر من اثارة تلك الفتن في البلد واهاجه العامة لبغضك الفرنسيس لما سبق لك منهم من الايذاء وأما المحتسب فإن الشيخ البكري والسيد احمد الزرو ذهبا الى قائمقام والى سارى عسكر وتكلما في شأنه فأجابهما بان هذا لم يكن من شغلكما وقيل للسيد احمد انك رجل تاجروذاك أمير وليس من جنسك حتى تشفع فيه فقال اننا محتاجون اليه لاجل مساعدته معنا في قبض المليون ولا نعرف له ذنبا يوجب حبسه لانه ناصح في خدمة الفرنسيس فقالا على لسان الترجمان الله يعلم ذنبه وسارى عسكر وهو ايضا يعلم ذلك من نفسه ولما سجنوه لم يقلدوا مكانه غيره فكان كتخداه يركب مع الاغا وأمامهم الميزان ونوبة الحسبة وفيه نادوا في الاسواق بالامان وعدم الانزعاج من أمر الكرنتينه وان من مات لاتحرق الا ثيابه التي على بدنه لا غير وكان أشيع في الناس ما تقدم وزادوا على ذلك حرق الدار التي يموت فيها ايضا وأن قصدهم ايضا عمل كرنتينه على البلد بتمامها فحصل من هذا المشاع في الناس كرب عظيم ووهم جسيم فنودي بذلك ليسكن روع الناس
وفي يوم الخميس سادس عشرينه ارسل كبير الفرنسيس وطلب رؤساء الديوان والتجار فحضروا الى منزله فأعلمهم أنه مسافر الى بحري وترك بمصر قائمقام بليار وجملة من العسكر والكتبة والمهندسين وأوصاهم بأن يكون نظرهم على البلد وكان في العزم حبسهم رهينة فاستشار في ذلك فاقتضى رأيهم تأخير ذلك وركب من فوره مسافرا ولم يرجع من هذه السفرة الى مصر وحضر الجماعة الى الديوان واجتمعوا بالوكيل فوريه فأخبرهم أنه حضر الى ناحية أبي قير طائفة من الانكليز وصحبتهم طائفة من المالطية وأخرى نابلطية وطلعوا الى قطعة ارض رخوة بين
سلسولين من الماء وان الفرنساوية محيطون بهم من كل جهة
وفي سابع عشرينه رجعت العساكر التي كانت توجهت الى جهة الشرق بحمولهم وأثقالهم وصحبتهم سارى عسكر الشرقية رينه فسافروا من يومهم ولحقوا بكبيرهم برا وبحرا أو أخبروا عنهم لم يزالوا سائرين حتى وصلوا الى الصالحية وأرسلوا هجانة الى العريش فلم يجدوا أحدا فكروا راجعين وأشاعوا أن الجهة الشرقية لم يأت اليها أحد مطلقا وأصل الخبر أن سارى عسكر رينه كاشف القليوبية والشرقية أخبره بعض عربان المويلح بانهم شاهدوا مراكب انكليزية ترددت بالقلزم فأرسل بخبر ذلك الى سارى عسكر منو ويقول له في ضمن ذلك ويشير عليه بأن يتوجه صحبة جانب من العسكر ويحصن نواحي الاسكندرية خوفا من ورود الانكليز تلك الناحية وان رينه يتكفل له بمن يرد الى ناحية الشرق وأكد عليه في ذلك فأجابه سارى عسكر بقوله ان الانكليز لا يأتون من هذه الناحية وانهم يأتون من ساحل الشام ويأمره بالارتحال والذهاب الى الصالحية يرابط فيها فتواني في الحركة وأرسل اليه ثانيا بمعنى الجواب الاول ويحثه على تحصين ثغور الاسكندرية وترددت بينهما المراسلات في ذلك ومضت ايام فيما بين ذلك فورد الخبر للفرنساوية بورود مراكب الانكليز وتردادها تجاه الاسكندرية ثم رجوعها فكتب سارى عسكر منو يقول لرينه انهم تراؤا ليوهموا بأن قصدهم ورود الاسكندرية ثم غابوا وانهم رجعوا ليطلعوا بناحية الطينة ويستحثه على الرحلة والذهاب الى الصالحية فلم يسعه الا الامتثال والارتحال وكتب اليه كتابا يقول فيه انهم لا يريدون الا ثغر الاسكندرية وانما لم يسعفهم الريح فلا تغتر برجوعهم وانه رحل امتثالا للامر ويشير عليه هو ايضا بعدم تأخره عن الذهاب الى الاسكندرية ويقبل اشارته فلم يستمع وتأخر عن ذلك ورحل رينه الى جهة البركة ولم يستعجل الذهاب ثم انتقل الى الزوامل ثم الى بلبيس وفي كل يوم ووقت يرسل
اليه سارى عسكر منو ويأمره بالذهاب الى الصالحية وهو يتلكأ في الرحيل ثم أرسل له آخرا يقول له انه وردت علينا أخبار بأن يوسف باشا الوزير متحرك الى القدوم ويحتم عليه في الرحيل الى الصالحية فعند ذلك جمع رينه سوارى عسكره وعرض عليهم ذلك وسفه رأيه وان هذا الخبر لا اصل له وانا اعلم اننا لا نصل الى الصالحية حتى يأتي الخبر بخلاف ذلك ويأتينا الامر بالرجوع والذهاب الى الاسكندرية فلا نستفيد الا التعب والمشقة وارتحل بمن معه من غير استعجال فوصلوا الى القرين في ثلاثة ايام واذا بمراسلة سارى عسكر منو الى رينه يخبره بان الانكليز وصلوا الى أبي قير وطلعوا الى البر وتحاربوا مع أمير الاسكندرية ومن معه من الفرنساوية وظهروا عليهم ويستعجله في الرجوع والذهاب الى الاسكندرية فقال رينه هذا ما كنت أخمنه وأظنه وارتحل راجعا وعدي على برانبابة بعساكره وتقدم سارى عسكر منو وسبقه الى الاسكندرية
شهر القعدة سنة
في ثالثه أمر وكيل الديوان أرباب الديوان بان يكتبوا السارى عسكر مكتوبا بالسلام ففعلوا ما أمروا به
وفي سادسه توفي محمد أغا مستحفظان مطعونا مرض يوم السبت وتوفي ليلة الاحد فوضعوه في نعش وخرج به الحمالون لا غير وامامه الطرادون ولم يعملوا له مشهدا ولا جماعة وكرتنوا داره واغلقوها على من فيها ولم يقلدوا عواضه احدا بل اذنوا لعبد العال أن يركب عوضا عنه وذلك بمعونة نصر الله النصراني ترجمان قائممقام فاستقر عبد العال المذكور أغات مستحفظان ومحتسبا فكان ذلك من جملة النوادر والعبر فان عبد العال هذا كان من اسافل العامة وكان أجبر البعض نصارى الشوام بخان الحمزاوي يخدمه ثم توسط بمصطفى اغا السابق بسبب معرفته للنصارى المترجمين حتى تقدم بوساطته وقلدوه الاغاوية فجعله كتخداه ومشيره فلما تولى محمد آغا تقيد معه كما كان مع مصطفى آغا ولكن دون الحالة التي كان عليها مع ذلك لصلاحية محمد أغا المقتول فلما توفي في هذا الوقت ترك لعبد العال أمر المنصب لاشغال الفرنساوية بما هو الاهم من انفتاح الحروب والطاعون وغير ذلك
وفي يوم الثلاثاء تاسعه اشيع في الناس وصول العثمانيين الى ناحية غزة وان جواسيسهم وصلوا الى العريش وقدمت الهجانة الى الفرنساوية بالخبر فلما كان عشاء تلك الليلة طلبوا المشايخ الى الديوان فلما تكامل حضورهم حضر فورية الوكيل وصحبته آخر من الفرنسيس من طرف قائمقام فتكلم فوريه كلاما كثيرا ليزيل عنهم الوهم ويؤانسهم يزخرف القول كقوله انه يحب المسلمين ويميل بطبعه اليهم وخصوصا العلماء وأهل الفضائل ويفرح لفرحهم ويغتم لغمهم ولا يحب لهم الا الخير وسياسة الاحكام تقتضي بعض الامور المخالفة للمزاج وان سارى عسكر قبل ذهابه رسم لهم رسوما وأمرهم بأجرائها والمشي عليها في أوقاتها وانه عند سفره قصد ان يعوق المشايخ واعيان الناس ويتركهم في الترسيم رهينة عن المسلمين فلما ظهر له وتحقق ان الذين وردوا الى أبي قير ليسوا من المسلمين وانما هم انكليزية ونابلطية واعداء للفرنساوية وللمسلمين ايضا وليسوا من ملتهم حتى يتعصبوا من أجلهم والآن بلغنا أن يوسف باشا الوزير وعساكر العثمانية تحركوا الى هذا الطرف فلزم الامر لتعويق بعض الاعيان وذلك من قوانين الحروب عندنا بل وعندكم ولا يكون عندكم تكدر ولا هم بسبب ذلك فليس الا الاعزاز والاكرام أينما كنتم والوكيل دائما نظره معهم ولا يغفل عن تعليل مزاجهم في كل وقت ويوم ثم انتهى الكلام وانقضى المجلسن على تعويق أربعة اشخاص من المشايخ وهم الشيخ الشرقاوي والشيخ المهدي والشيخ الصاوي والشيخ الفيومي فأصعدوهم الى القلعة في الساعة الرابعة من الليل مكرمين وأجلسوهم بجامع سارية ونقلوا الى مكانهم الشيخ السادات فاستمر معهم بالمسجد وأمروا الاربعة الباقية من أعضاء
الديوان وهم البكرى والامير والسرسى وكاتبه ان يكون نظرهم على البلد ويجتمعون بشيخ البلد ولا ينقطعون عنه وان المشايخ المحجوزين لا خوف عليهم ولا ضرروهم معززون مكرمون وأطلقوا لكل شيخ منهم خادما يطلع اليه وينزل ليقضي له أشغاله وما يحتاج اليه من منزله والذي يريد من احبابهم وأصحابهم زيارتهم يأخذ له ورقة بالاذن من قائمقام ويطلع بها فلا يمنع وكذلك اصعدوا ابراهيم أفندي كاتب البهارا وأحمد ابن محمود محرم وحسين قرا ابراهيم ويوسف باشجاويش تفكجيان وعلي كتخدا يحيى آغات الجراكسة ومصطفى آغا ابطال وعلي كتخدا النجدلي ومحمد افندي سليم ومصطفى أفندي جمليان ورضوان كاشف الشعراوي وغيرهم وأمروا المشايخ الباقية والذين لم يحبسوا بتقيدهم ونظرهم الى البلد والعامة وانهم يترددون على بليار قائمقام ويعلمونه بالامور التي ينشأ عنها الشرور والفتن وأهمل ديوان المليون والمطالبة بثلثه وكذلك كسرة الفردة ونفس الله عن الناس وكذلك تسوهل في أمر الكرنتينة واجازة الاموات وعدم الكشف عليهم وتصديق الناس بما يخبرون به في مرض من يموت وذلك لكثرة اشغالهم وحركاتهم وتحصنهم ونقل متاعهم وصناديقهم وفرشهم وذخائرهم الى القلعة الكبيرة على الجمال والحمير ليلا ونهارا والطاعون متعلق فيهم ويموت منهم العدة الكثيرة في كل يوم
وفي حادي عشرة افرجوا عن الشيخ سليمان الفيومي وأنزلوه من القلعة ليكون مع من لم يحبس وأمرهم الوكيل بالتقيد والحضور الى الديوان على عادتهم ولا يهملونه فكانوا يحضرون ويجلسون حصة يتحدثون مع بعضهم ولا يرد عليهم الا القليل من الدعاوي ثم ينصرفون الى منازلهم وكذلك أمروا الشيخ أحمد العريشي القاضي بان يحضر ويجلس من غير سابقة له بذلك وذلك حفظا للناموس لا غير
وفي ثالث عشرة نقل الكمثارى فوريه الوكيل متاعه الى القلعة
وصعد اليها فلم ينزل وارسل الى الشيخ سليمان الفيومي تذكرة يأمره فيها بأن ينقل فراش المجلس ويودعه في مكان بداره ففعل ما أمره به ولم يتركوا به الا الحصر وامر بحضور ارباب الديوان على عادتهم فكانوا يفرشون سجاجيدهم ويجلسون عليها حصة الجلوس ثم ينصرفون
وفي رابع عشره نقلوا حسن آغا المحتسب من البرج الى جامع سارية صحبة المشايخ وكذلك فوريه الوكيل جعل سكنه الجامع المذكور وأظهر ان قصده مؤانستهم وليس الا لضيق مساكن القلعة وازدحام الفرنسيس وكثرة ما نقلوه اليها من الامتعة والذخائر والفلال والاحطاب مع ما هدموه من أماكنها حتى انهم سدوا ابواب الميدان وجعلوه من جملة حقوقها فكانوا ينزلون اليه ويصعدون منه من باب السبع حدرات
وفي تاسع عشره ورد مكتوب من كبير الفرنسيس من ناحية اسكندرية مؤرخ بثالث عشر القعدة وهو جواب عن المكتوب المرسل اليه السابق ذكره وصورته بعد الصدر المعتاد من عبد الله جاك منو سر عسكر أمير عام جيوش الفرنساوية بالشرق ومظاهر حكومتها ببر مصر حالا الى كامل المشايخ والعلماء الكرام المقيمين بالديوان المنيف بمحروسة مصر أدام الله فضائلهم ورد لنا مكتوبكم العزيز ورأينا بكامل السرور كل ما فصلتم لنا به وثبت من مفهومنا صدق ودادكم لنا ولعساكر دولة جمهور الفرنساوية ودمتم حضراتكم وكافة أهالي مصر بالحمية والاستقامة الموعودة ومعلوم على فضائلكم أن الله يهدي كلا فما النصر الا منه ووضعت عليه اعتمادي وما توفيقي الا به وبرسوله الكريم عليه السلام الدائم وان ابتغيت النصرة فما هو الا لسهول خيراتي الى بر مصر وسكان ولايتها وخير أمور اهلها والله تعالى يكون دائما معكم ويكرم وجوهكم بالسلامة
وفيه سمع ونقل عن بعض الفرنسيس انه وقع الحرب بين الفرنساوية والانكليزية وكانت الهزيمة على الفرنساوية وقتل بينهم مقتلة كبيرة
وانحازوا الى داخل الاسكندرية ووقع بينهم الاختلاف وانهم منوسارى عسكر رينه وداماص ورابه منهما ما رابه وكان سببا لهزيمته فيما يظن ويعتقد فقبض عليهما وعزلهما من امارتهما وذلك أن رينه وداماص لما ذهبا على الصورة المتقدمة ونظر رينه وأرسل من كشف على متاريس الانكليز فوجدها في غاية الوضع والاتقان فأجتمعوا للمشورة على عادتهم ودبروا بينهم أمر المحاربة فرأى سارى عسكر منو رأيه فلم يعجب رينه ذلك الرأي وان فعلنا ذلك وقعت الغلبة علينا وانما الرأي عندي كذا وكذا ووافقه على ذلك داماص وكثير من عقلائم فلم يرض بذلك منو وقال انا سارى عسكر وقد رأيت رايي فلم يسعهم مخالفته وفعلوا ما أمر به فوقعت عليهم الهزيمة وقتل منهم في تلك الليلة خمسة عشر ألفا وتنحى رينه وداماص ناحية ولم يدخلا في الحرب بعسكرهما فاغتاظ منه ونسبهما للخيانة والمخامرة عليه وتسفيههم لرايه وأكذ ذلك عنده انهما لما حضرا الى الاسكندرية أخذا معهما أثقالهما وما كان لهما بمصر لعلمهما عاقبة الامر وسوء رأى كبيرهما فاشتد انكاره عليهما وعزل عنهما العسكر وحبسهما ثم اطلقهما ونزلا الى المراكب مع عدة من اكابرهم وسافر الى بلادهما وان منو أرسل الى بونابارته يخبر عن ورود الانكليز ويستنجده فأرسل اليه عسكرا فصادفوا الجماعة المذكورين في الطريق فأخبروهم عن الواقع وردوهم من اثناء الطريق وقد أشاروا لذلك في بعض مكاتباتهم واخبر ايضا المخبرون ان الانكليز اطلقوا حبوس المياه الملحة حتى اغرقت طرق الاسكندرية وصارت جميعها لجة ماء ولم يبق لهم طريق مسلوك الا من جهة العجمي الى البرية وأن الانكليز تترسو اقبالهم من جهة الباب الغربي
وفيه ورد الخبر بأن حسين باشا القبطان ورد بعساكره جهة أبي قير وطلع عسكره من المراكب الى البر وقويت القرائن الدالة على صحة هذه الاخبار وظهرت لوائح ذلك الفرنسيس مع شدة تجلدهم وكتمان
امرهم وتنميق كلامهم
وفيه سدوا باب البرقية المعروف بباب الغريب وبنوه فضاق خناق الناس بسبب الخروج الى القرافة بالاموات فكان الذي مدفنه ببستان المجاورين يخرج بجنازته من باب النصر ويمرون بها من خلف السور المسافة الطويلة حتى ينتهوا الى مدفنهم فحصل للناس مشقة شديدة وخصوصا مع كثرة الاموات فكلم يوم الاحد حادى عشرينه بعض المشايخ قائمقام في شان ذلك فأرسل الى قبطان الحنطة ففتح بابا صغيرا من حائط السور جهة كفر الطماعين على قدر النعش والحمالين والمشاة
وفي ثاني عشرينه سافر جماعة من أعيان الفرنساوية الى جهة بحرى وهم استوف الخازندار العام ومدبر الحدود وفوريه وكيل الديوان وشنانيلو مدبر املاك الجمهور وبرنار وكيل دار الدرب وريج خازندار دار الضرب ولابرت رئيس مدرسة المكتب وحافظ سجلاتهم وكتبهم واخذوا معهم طائفة من رؤساء القبط وفيهم جرجس الجوهري وأشيع في الناس بأن سفرهما لتقرير الصلح وليس كذلك
وفي ثالث عشرينه توكل بحضور الديوان كمثارى يقال له جيرار وحضر يوم الجمعة سادس عشرينه بصحبة كاتب سلسلة التاريخ محبنا الفاضل العمدة السيد اسمعيل المعروف بالخشاب وحضرة قاسم افندي امين الدين كاتب الديوان فلما استقر به الجلوس أخبر أنه ورد كتاب من كبيرهم جاك منو باللغة الفرنساوية مضمونه انه مقيم بسكندرية وهو مؤرخ بعشرين القعدة ومثل ذلك من الكلام الفارغ
وفيه قدم ثلاثة أنفار من العرب صحبة جماعة من الفرنسيس وذهبوا بهم الى بيت قائمقام فاستفسر منهم فاختل كلامهم وتبين كذبهم فأمر بحبسهم
وفيه حضر جماعة من الفرنسيس من جهة الشرق ومعهم دواب كثيرة وآلات حرب ومروا في شارع المدينة ومنعوا الناس من شرب الدخان
خوفا على البارود من النار ولم يعلم سبب قدومهم ثم تبين انهم الذين كانوا محافظين بالصالحية وبعد أيام حضر ايضا الذين كانوا بالقرين وكذلك الذين كانوا ببلبيس وناحية الشرق شيئا بعد شيء
شهر ذي الحجة الحرام سنة
فيه حصل الاجتماع بالديوان وأخبر الوكيل ان كبيرهم قد بعث أخبارا بالامس منها انه قد مات جماعة من كبراء الانكليز وان اكثر عساكرهم مريضون بمرض الزحير والرمد وربما يحصل الصلح عن قريب ويرجعون الى بلادهم وان العطش مضاررهم وبعثوا عدة مراكب لتأتيهم بالماء فتعذر عليهم ذلك ثم سأل عن أحوال البلد وسكون الرعية والغلال والأقوات فأجيب بأن البلد مطمئنة والرعية ساكنة والغلال موجودة فقال لا بد من اعتنائكم بجميع هذه الامور الموجبة للراحة
وفيه أشيع ان الانكليز ومن معهم من العثمانية ملكوا ثغر رشيد وابراجها وحاربوا من كان بها من الفرنسيس حتى اجلوهم عنها ودخلوها
وفي ذلك اليوم قبضوا على نيف وستين من مغاربة الفحامين وطولون والغورية ونفوهم وذلك من فعل عبد العال الآغا
وفيه أمر بليار قائمقام بركوب احد المشايخ صحبة عبد العال ويمرون بشوارع المدينة فكان يركب معه مرة الشيخ محمد الامير ومرة الشيخ سليمان الفيومي وذلك لتطمئن الرعية
وفي سادسه قرىء مكتوب زعموا أنه حضر من سارى عسكر منو من جهة الاسكندرية وصورته بعد البسملة والجلالة والصدر المعتاد الى حضرات كافة المشايخ والعلماء الكرام المستشارين بمحفل الديوان المنيف بمحروسه مصر أدام الله تعالى فضائلهم وما النصرة الا من الله وبشفاعة رسوله الكريم عليه السلام الدائم العساكر الفرنساوية والانكليزية هما الى هذا الان حصيران قبلهما فحصنا أطرافنا بمتاريس وخنادق لا تغلب ولا تهجن وغير ذلك يلزم نخبر حضراتكم لتهدية تمشياتكم ولاجل انتظامها ان سلطان الروسية المحمية اعلن بواسطة مرسله الى حضرة السلطان سليم أذعن الامر الى عساكره لاجل ما يتجانبوا ويتراووا ويخلو من بر مصر جميعا والا لابد من سلطان الروسيات الجمعية الاقامة بالمحاربة بمعية مائة ألف عسكرية ضد العثمانية وضد قسطنطينية فبناء على ذلك أرسل السلطان سليم أوامره بفرمانه خطابه الى عساكره لتخلية بر مصر ولكامل من بالبر المذكور لكي وثم ولكن ذهب الانكليزية كفا للارتشاء بعض من مقدار العسكر العثمانية وبتقديم امتثالهم الى أوامر سلطانهم فاعلنوا وأخبروا كل ذلك ألى أهالي مصر فانتظموا كما كنتم دائما بالخير واعتمدوا واعتنوا بحماية وصيانة دولة الجمهور الفرنساوية والله تعالى يديم فضائلكم عن الالهام بالخير والسلامات حرر في الخامس والعشرين من شهر جرمينيال سنة تسعة الموافق لثلاثة ذي الحجة سنة ألف ومائتين وخمسة عشر وكتب بألفاظه وحروفه من خط منشئه لوما كالترجمان ثم قال الترجمان ان الفرنساوي الذي حمل هذا الكتاب نقل لي عن سر عسكر انه ناشر لكم ألوية الشكر على قيامكم بوظائفكم فدوموا على ذلك فأجيب السمع والطاعة تم ان بعض الحاضرين من المشايخ أخبر بأن رجلا من المنوفية يقال له موسى خالد كان الفرنساوية أحسنوا اليه وقدموه على أقرانه فلما خرجوا من المنوفية أفسد في البلاد وقطع الطريق ولا يتمكن أحد من أهل هذه الجهة أن يخرج من بلده لتحصيل معاشه وانه قبض على الشيخ عابدين القاضي وصادره في نحو ثلاثة آلاف ريال وكذلك صادر كثيرا من أغنياء منوف وغيرها وأخذ أموالهم فقال الوكيل ستسكن الفتنة ويعاقب المفسدون ثم أمر بكتابة مكاتيب ممضاة من مشايخ الديوان خطابا للتجار والمتسببين ولمشايخ البلاد يأمرونهم بارسال الغلال والاقوات الى مصر فكتبوا للمحلة الكبرى منوف والمنصورة والفشن وبني سويف
وفيه كتبوا جوابا من مشايخ الديوان لكبير الفرنسيس جوابا عن
================ج888888888888888888888=============
ج8.كتاب : تاريخ عجائب الآثار في التراجم والأخبار
المؤلف : عبد الرحمن بن حسن الجبرتي
المكتوب المذكور آنفا
وفيه ذكر قائمقام بليار لبعض الرؤساء انه اذا رجع سارى عسكر منصورا ودامت أهل البلد على طاعتهم وسكونهم رفع عنهم نصف المليون والظلم
وفي عاشره افرجوا عن ابن محرم التاجر بتوسل والدته بقائمقام بليار على مصلحة الفين ريال فرانسة
وفيه خرج عبد العال الى ناحية أبي زعبل ورجع ومعه ثلاثة أشخاص من الفلاحين ضرب عنق أحدهم
وفي ثاني عشرة قبض عبد العال على أناس من الغورية والصاغة ومرجوش وغيرهم وألزمهم بمال وسئل عن ذلك فقال لم أفعله من قبل نفسي بل عن أمر من الفرنسيس
وفيه حفروا خندقا عند تلال البرقية فكان الذين يخرجون بالاموات يصعدون بهم من فوق التل ثم ينزلون ويمرون عل سقالة من الخشب على الخندق المحفور فحصل للناس غاية المشقة واتفق ان ميتا سقط من على رقاب الحمالين وتدحرج الى أسفل التل
وفيه ورد الخبر بموت مراد بك بالوجه القبلي بالطاعون وكان موته رابع الشهر ودفن بسوهاج عند الشيخ العارف وأقيم عزاؤه عند زوجته الست نفيسة وبنت له قبرا بمدفن على بك واسمعيل بك بالقرافة بالقرب من قبة الامام الشافعي رضي الله تعالى عنه وأشيع نقله اليه ثم ترك ذلك وبطل وكان الفرنساوية عند ما اصطلح معهم وأعطوه امارة الصعيد رتبوا لزوجته المذكورة في كل شهر مائة ألف فضة واستمرت تقبض ذلك حتى أخرج الفرنساوية جوابات الى الامراء المرادية يعزونهم في استاذهم وتقريرا الى عثمان بك الجوخدار المعروف بالطنبرجي بان يكون أميرا ورئيسا على خشداشينه وعوضا عن مراد بك ويستمرون على امريتهم وطاعتهم
وفيه حضرت جوابات المراسلات التي أرسلت الى البلاد بسبب
الغلال والاقوات بان المتسببين والتجار أجابوا بالسمع والطاعة غير ان المانع لهم قطاع الطريق وتعدى العرب ومنعهم السبيل وان أبواب البلدان مغلوقة بحيث لا يمكن الخروج منها فاذا أمنت الطرق حضر المطلوب وكلام هذا معناه وأما الساعي المرسل الى المنصورة فانه رجع من اثناء الطريق ولم يمكنه الوصول اليها لان العساكر القادمة قد دخلوها وصارت في حكمهم
وفيه أي في هذا الشهر زاد أمر الطاعون وطعن مصطفى أغا ابطال بالقلعة فلما ظهر فيه ذلك رفعوه بطريق مهانة وأنزلوه الى الكرنتينه بباب العزب وألقوه بها ثم تكلم في شأنه ارباب الديوان فانزلوه الى داره فمات بها وكذلك وقع لحسين قرأ ابراهيم التاجر وعلى كتخدا النجدلي وذلك في اوائله وفي كل يوم يموت من الفرنسيس الكائنين بالقلعة الثلاثون والاربعون وينزلون بهم من كرنتينة القلعة على الاخشاب مثل الابواب كل ثلاثة أو أربعة سواء يحملهم الحمالون وامامهم اثنان من الفرنسيس يمنعون الناس ويباعدونهم عن القرب منهم الى أن يخرجوا بهم من باب القرافة فيلقوهم في حفر عميقة قد اعدها الحفارون ويهيلون عليهم التراب حتى يعلوهم ثم يلقون صفا آخر ويغطونهم بالتراب وهكذا حتى تمتلىء الحفرة ويبقى بينها وبين الارض نحو الذراع فيكبسونها بالتراب والاحجار ويحفرون أخرى غيرها كذلك فيكون في الحفرة الواحد اثنا عشر وستة عشر وأكثر فوق بعضهم البعض وبينهم التراب ويرمونهم بثيابهم وأغطيتهم وتواسيمهم التي في أرجلهم وذلك المكان الذي يدفنون به في العلوة الكائنة خارج مزار القادرية بين الطريقين الموصلين الى جهة مزار الامام الشافعي رضي الله عنه
وفيه انهى مشايخ الديوان تعرض عبد العال لمصادرة الناس وطلب المال بعد تأمينهم وتبشيرهم برفع نصف المليون عنهم فأجيبوا بأن ذلك على سبيل القرض لتعطل المال الميري واحتياج العسكر الى النفقة وقيل
لهم ايضا ان كان يمكنكم ان تكتبوا الى البلاد بدفع الميري رفعنا الطلب عن الناس فقالوا هذا غير ممكن لحصول البلاد في حيازة القادمين وقطع الطريق من وقوف العرب بها وعدم الانتظام وانما القصد الملاطفة والرفق فان وظيفتنا النصح والوساطة في الخير
وفي يوم الخميس سادس الحجة حضر استوف الخازندار وجرجس الجوهري ومن معهما من القبطة وغيرهم ما عدا الفرنسيس الذين ذهبوا معهم فارسلت اوراق بحضور مشايخ الديوان والتجار والاعيان من الغد فلما كان في صبحها حصلت الجمعية واحضر الخازندار والوكيل وعبد العال وعلى أغا الوالي وبعض التجار كالسيد احمد الزرو والحاج عبد الله التاودي شيخ الغورية والحاج عمر الملطيلي التاجر بخان الخليلي ومحمود حسن وكليمان الترجمان فتكلم استوف وترجم عنه الترجمان بقوله ان سارى عسكر الكبير منو يقرئكم السلام ويثنى عليكم كثيرا وسينجلى هذا الحادث ان شاء الله تعالى ويقدم في خير ويرى أهل مصر ما يسرهم وقد هلك من الانكليز خلق كثير وباقيهم أكثرهم مرمودون الاعين وبمرض الزحير وجاءت طائفة منهم الى الفرنساوية وانضموا اليهم من جوعهم وعطشهم ولتعلموا أن الفرنساوية لم يسلموا في رشيد قهرا عنهم بل تركوها قصدا وكذلك أخلينا دمياط لاجل ان يطمعوا ويدخلوا الى البلاد وتتفرق عساكرهم فتتمكن عند ذلك من اسئصالهم ونخبركم انه قد وردت الى اسكندرية مركب من فرانسا وأخبرت ان الصلح قد تم مع كامل القرانات ما عدا الانكليز فأنهم لم يدخلوا في الصلح وقصدهم عدم سكون الحرب والفتن ليستولوا على أموال الناس واعلموا ان المشايخ المحبوسين بالقلعة وغيرهم لا بأس عليهم وانما القصد من تعويفهم وحبسهم رفع الفتن والخوف عليهم وشريعة الفرنساوية اقتضت ذلك ولا يمكن مخالفتها ومخالفتها كمخالفة القرآن العظيم عندكم وقد بلغنا ان السلطان العثملي أرسل الى عسكره بالكف عن الفرنساوية والرجوع
عن قتالهم فخالف عليه بعض السفهاء منهم وخرجوا عن طاعته وأقاموا الحرب بدون اذنه فأجابه بعض الحاضرين بقوله ان القصد حصول الراحة والصلح والفرنساوية عندنا أحسن حالا من الانكليز لاننا قد عرفنا أخلاقهم ونعلم أن الانكليز انما يريدون بانضمامهم الى العثملية تنفيذ أغراضهم فقط فانهم يدلون العثملي ويغرونه حتى يوقعوه في المهالك ثم يتركوه كما فعلوا سابقا ثم قال الخازندار ان الفرنساوية لا يحبون الكذب ولم يعهد عليهم فلازم أن تصدقوا كل ما أخبروكم به فقال بعض الحاضرين انما يكذب الحشاشون والفرنساوية لا يأكلون الحشيش ثم قال الخازندار ان وقع من أهل مصر فشل أو فساد عوقبوا أكثر من عام اول واعلموا أن الفرنساوية لا يتركون الديار المصرية ولا يخرجون منها أبدا لانها صارت بلادهم وداخله في حكمهم وعلى الفرض والتقدير اذا غلبوا على مصر فانهم يخرجون منها الى الصعيد ثم يرجعون اليها ثانيا ولا يخطر في بالكم قلة عساكرهم فانهم على قلب رجل واحد واذا اجتمعوا كانوا كثيرا وطال الكلام في مثل هذه التمويهات والخرافات وأجوبة الحاضرين بحسب المقتضيات ثم قال الخازندار القصد منكم معاونة الفرنساوية ومساعدتهم وغلاق نصف المليون ولشفع بعد ذلك عند سارى عسكر في فوات النصف الثاني حكم ما عرفكم قائمقام بليار فاجتهدوا في غلاقه من الاغنياء واتركوا الفقراء فأجابوا في آخر الكلام بالسمع والطاعة فقال لكن ينبغي التعجيل فان الامر لازم لاجل نفقه العسكر ثم قال لهم ينبغي ان تكتبوا جوابا بالسارى عسكر تعرفونه فيه عن راحة اهل البلد وسكون الحال وقيامكم بوظائفكم وهو ان شاء الله يحضر اليكم عن قريب وانفض المجلس وكتب الجواب المأمورية وارسل
وفيه ورد الخبر بوصول طاهر باشا الارنؤدي بجملة من العساكر الارنؤدية الى أبي زعبل
وفيه خرج عدة من عساكر الفرنساوية وضربوا أربع قرى من الريف بعلة موالاة العرب وقطاع الطريق فنهبوهم وحضروا الى مصر بمتاعهم ومواشيهم
وفيه ارسل بليار قائمقام يطلب من الوجاقلية بقية ما عليهم من المال المتأخر من فردة الملتزمين وقدره اثنا عشر ألف ريال وان تأخروا عن الدفع احاط العسكر بيوتهم ونقلهم الى أضيق الحبوس بل واستعملهم في شيل الاحجار فاعتذروا بضيق ذات يدهم وحبسهم فتصدر اليهم السيد احمد الزرو وتشفع عند قائمقام بأن يقوموا بدفع أربعة آلاف ريال ويؤجلوا بالباقي وينزلوا من القلعة لتحصيل ذلك فأجابه وأنزل علي أغا يحيى اغات الجراكسة ويوسف باشجاويش الى بيت عبد العال وحبسهم بمكان بداره وحبس معهم مصطفى كتخدا الرزار فكان يتهددهم ويرسل اليهم أعوانه يقولون لهم شهلوا ما عليكم والا ضربكم الاغا بالكرابيج فسبحان الفعال لما يريد فان عبد العال هذا الذي يتهددهم ربما كان لا يقدر على الوصول الى الوقوف بين يدي بعض اتباعهم فضلا عنهم
وفيه أحاط الفرنسيس بمنزل حسن أغا لوكيل المتوفي قبل تاريخه وذلك بسبب انه وجد ببيته غلام فرنساوي مختف أسلم وحلق رأسه وقبضوا على أحد خشداشينه وحبسوه لكونه علم ذلك ولم يخبر به
وفيه حضرت رسل من طرف عرضي الوزير لقائمقام بليار فاجتمعوا به وخلا بهم ووجههم من ليلتهم فلما حصلت الجمعية بالديوان سئل الوكيل عن ذلك فقال نعم انهم أرسلوا يطلبون الصلح
وفي ثامن عشره أفرجوا عن ابراهيم افندي كاتب البهار ليساعد في قبض نصف المليون
وفي رابع عشرينه قبضوا على أبي القاسم المغربي شيخ رواق المغاربة وحبسوه بالقلعة بسبب انه كان يتكلم في بعض المجالس ويقول أنا شيخ المغاربة وأحكم عليهم ويتباهى بمثل هذا القول فنقل عنه ذلك إلى
عبد العال والفرنسيس وظنوا صحة قوله وانه ربما أثار فتنة فقبضا عليه وحبسوه وكذلك حبسوا محمد افندي يوسف ثاني قلفه وآخر يقال له عبيد السكري
وفي خامس عشرينه أبرزوا مكتوبا وزعموا انه حضر من سارى عسكرهم وقرىء بالديوان وصورته بعد الصدر خطابا الى كافة العلماء والمشايخ الكرام بمحفل الديوان المنيف بمحروسة مصر حالا أدام الله تعالى فضائلهم ورد لنا مكتوبكم وانشرح قلبي من كل ما شهدتم لنا فيه بانه يثبت عقلكم السليم وصدقكم وتقييد قلوبكم في طارق الدستور فدوموا مهتدين بهذه الملكة ولا بد لفضائلكم من دولة جمهورنا كامل الوفاء من حسن رضا واطمئنان عليكم منها ومن طرف عمدة أصحاب الجراءة والشجاعة حضرة القونصل أولها بونابارته وعلى الخصوص من طرفنا وكان ضد اوامري ان الستويان فوريه الذي كنت وضعته قرب فضائلكم ترك ذلك الموضع وتوجه الى اسكندرية وما تلك الفعلة الا من نقص جسارته في ذي الوقعة فبدلناه جنب فضائلكم بالستويان جيرار رجل واجب الاستوصاء لاجل عرضه وفضله وخصوصا لاجل غيرته وجسارته فلذلك هو كسب اعتمادي فاعتمدوا الى كل ما هو قائل بفضائلكم من جانبنا وبمنه وعونه تعالى عن قريب نواجهكم بمصر بخير وسلامة ودوموا حسب تدبيراتكم لتنظيم البلد ومماسكة الطاعة بين الامة الحامدة والسياسة بين غيرهم وكذلك نرجو من رب الاجناد بحرمة سيد العباد ان تشدوا قلوبكم توكلا له لان عوننا اسمه العظيم حرر في ثلاثة عشر فلوريال سنة تسعة موافقا لثمانية عشر ذي الحجة سنة ألف ومائتين وخمسة عشر ممضي عبد الله جاك منو انتهى بالفاظه وحروفه
وفي سادس عشرينه أعادوا فرش الديوان بأمر الوكيل جيرار
وفيه أفرجوا عن محمد كاشف سليم الشعراوي بشفاعة حسين كاشف وسافر الى جهة الصعيد
وفي ثامن عشرينه وردت الاخبار بوصول ركاب الوزير يوسف باشا الى مدينة بلبيس وذلك يوم الجمعة رابع عشرينه
وفيه أخبر وكيل الديوان ان سارى عسكر ارسل كتابا الى الست نفيسة بالتعزية ورتب لها في كل شهر مائة الف نصف وأربعين وانقضت هذه السنة بحوادثها وما حصل فيها فمنها توالى الهدم والخراب وتغيير المعالم وتنويع المظالم وعم الخراب خطة الحسينية خارج باب الفتوح والخروبي فهدموا تلك الاخطاط والجهات والحارات والدروب والحمامات والمساجد والمزارات والزوايا والتكايا وبركة جناق وما بها من الدور والقصور المزخرفة وجامع الجنبلاطية العظيم بباب النصر وما كان به من القباب العظام المعقودة من الحجر المنحوت المربعة الاركان الشبيهة بالاهرام والمنارة العظيمة ذات الهلالين واتصل هدم خارج باب النصر بخارج باب الفتوح وباب القوس الى باب الحديد حتى بقي ذلك كله خرابا متصلا واحدا وبقي سور المدينة الاصلي ظاهرا مكشوفا فعمروه ورموا ماتشعث منه وأوصلوا بعضه ببعض بالبناء ورفعوا بنيانه في العلو وعملوا عند كل باب كرانك وبدنات عظاما وأبوابا داخلة وخارجه وأخشابا مغروسة بالارض مشبكة بكيفيه مخصوصة وركزوا عند كل باب عدة من العسكر مقيمين وملازمين ليلا ونهارا ثم سدوا باب الفتوح بالبناء وكذلك باب البرقية وباب المحروق وأنشؤا عدة قلاع فوق التلال البرقية ورتبوا فيها العساكر وآلات الحرب والذخيرة وصهاريج الماء وذلك من حد باب النصر الى باب الوزير وناحية الصوة طولا فمهدوا أعالي التلال وأصلحوا طرقها وجعلوا لها مزالق وانحدارات لسهولة الصعود والهبوط بقياسات وتحريرات هندسية على زوايا قائمة ومنفرجة وبنوا تلك القلاع بمقادير بين أبعادها وهدموا أبنية رأس الصوة حيث الحطابة وباب الوزير تحت القلعة الكبيرة وما بذلك من المدارس القديمة المشيدة والقباب المرتفعة وهدموا أعالي المدرسة النظامية ومنارتها وكانت في غاية من
الحسن وجعلوها قلعة ونبشوا ما بها من القبور فوجدوا الموتى في توابيت من الخشب فظنوا داخلها دراهم فكسروا بعضها فوجدوا بها عظام الموتى فأنزلوا تلك التوابيت وألقوها الى خارج فاجتمع أهل تلك الجهة وحملوها وعملوا لها مشهدا بجمع من الناس ودفنوها داخل التكية المجاورة لباب المدرج وجعلوا تلك المدرسة قلعة أيضا بعد أن هدموا منارتها أيضا وكذلك هدموا مدرسة القانبية والجامع المعروف بالسبع سلاطين وجامع الجركسي وجامع خوند بركة الناصرية خارج باب البرقية وكذلك أبنية باب القرافة ومدارسها ومساجدها وسدوا الباب وعملوا الجامع الناصري الملاصق له قلعة بعد أن هدموا منارته وقبابه وسدوا أبواب الميدان من ناحية الرميلة وناحية عرب اليسار وأوصلوا سهور باب القرافة بجامع الزمر وجعلوا ذلك الجامع قلعة وكذلك عدة قلاع متصلة بالمجراة التي كانت تنقل الماء الى القلعة الكبيرة وسدوا عيونها وبواكيها وجعلوها سورا بذاتها ولم يبقوا منها الا قوصرة واحدة من ناحية الطبي جهة مصر القديمة جعلوها بابا ومسلكا وعليها الكرنك والغفر والعسكر الملازمين الاقامة بها ولقبض المكس من الخارج والداخل وسدوا الجهة المسلوكة من ناحية قنطرة السد بحاجز خشب مقفص وعليه باب يقفل مقفص أيضا وعليه حوسجية ملازمون القيام عليه وذلك حيث سواقي المجراة التي كانت تنقل الماء الى القلعة وحفروا خلف ذلك خندقا
وأما ما أنشؤه وعمروه من الابراج والقلاع والحصون بناحية ثغر الاسكندرية ورشيد ودمياط وبلاد الصعيد فشيء كثير جدا وذلك كله في زمن قليل
ومنها تخريب دور الازبكية وردم رصيفاتها بالاتربة وتبديل اوضاعها وهدم خطة قنطرة الموسكي وما جاورها من أول القنطرة المقابلة للحمام الى البوابة المعروفة بالعتبة الزرقاء حيث جامع أزبك وما كان في ضمن
ذلك من الدور والحوانيت والوكائل وكوم الشيخ سلامة فيسلك المار من على القنطرة في رحبة متسعة تنتهي الى رحبة الجامع الازبكي وهدموا بيت الصابونجي ووصلوه بجسر عريض ممتد ممهد حتى ينتهي الى قنطرة الدكة وفي متوسط ذلك الجسر ينعطف جسر آخر الى جهة اليسار عند بيت الالفي حيث سكن سارى عسكر ممتد ذلك الجسر الى قنطرة المغربي ومنها يمتد الى بولاق على خط مستقيم الى ساحل البحر حيث موردة التبن والشون ووزعوا بحافتيه السيسبان والاشجار وكذلك برصيفات الازبكية وهدموا المسجد المجاور لقنطرة الدكة مع ما جاوره من الابنية والغيطان وعملوا هناك بوابة وكرنكا وعسكرا ملامين الاقامة والوقوف ليلا ونهارا وذلك عند مسكن بليار قائمقام وهي دار جرجس الجوهري وما جاوره وكان في عزمهم ايصال ما انتهوا الىهدمه بقنطرة الموسكي الى صور باب البرقية ويهدمون من حد حمام الموسكي حتى يتصل المهدوم بناحية الاشرفية ثم الى خان الخليلي الى اسطبل الطارمة العروفة الآن بالشنواني الى ناحية كفر الطماعين الى البرقية ويجعلون ذلك طريقا واحدا متسعا وبحافتيه الحوانيت والخانات وبها أعمدة وأشجار وتكاعيب وتعاريش وبساتين من أولها الىآخرها من حد باب البرقية الى بولاق فلما انتهوا في الهدم الى قنطرة الموسكي تركوا الهدم ونادوا بالمهلة ثلاثة أشهر وشرعوا في أبنية حوائط بحافتي القنطرة ومعاطف ومزالق الى حارة الافرنج وحارة النباقة وذلك بالحجر النحت المتقن الوضع وكذلك عمروا قناطر الخليج المتهدمة داخل مصر وخارجها على ذلك الشكل مثل قنطرة السد والقنطرة التي بين أراضي الناصرية وطريق مصر القديمة وقنطرة الليمون وقنطرة قدبدار وقنطرة الاوز وغير ذلك ثم فاجأهم حادث الطاعون ووصول القادمين فتركوا ذلك واشتغلوا بأمور التحصين وسيأتي تتمة ذلك ومنها توالي خراب بركة الفيل وخصوصا بيوت الامراء التي كانت بها وأخذوا أخشابها لعمارة القلاع ووقود النيران والبيع
وكذلك ما كان بها من الرصاص والحديد والرخام وكانت هذه البركة من جملة محاسن مصر وفيها يقول أبو سعيد الاندلسي وقد ذكر القاهرة وأعجبني في ظاهرها بركة الفيل لانها دائرة كالبدر والمناظر فوقها كالنجوم وعادة السلطان أن يركب فيها بالليل ويسرج أصحاب المناظر على قدر هممهم وقدرتهم فيكون بذلك لها منظر عجيب
وتخرب ايضا جامع الرويعي وجعلوه خمارة وبعض جامع عثمان كتخدا القزد علي الذي بالقرب من رصيف الخشاب وجامع خير بك حديد الذي بدرب الحمام بقرب بركة الفيل وجامع البنهاوي والطرطوشي والعدوى وهدموا جامع عبد الرحمن كتخدا المقابل لباب الفتوح حتى لم يبق به الا بعض الجدران وجعلوا جامع أزبك سوقا لبيع أقلام المكوس
ومنها أنهم غيروا معالم المقياس وبدلوا أوضاعه وهدموا قبته العالية والقصر البديع الشاهق والقاعة التي بها عامود المقياس وبنوها على شكل آخر لا بأس به لكنه لم يتم وهي على ذلك باقية الى الآن ورفعوا قاعدة العامود العليا ذراعا وجعلوا تلك الزيادة من قطعة رخام مربعة ورسموا عليها من جهاتها الاربع قراريط الذراع
ومنها انهم هدموا مساطب الحوانيت التي بالشوارع ورفعوا أحجارها مظهرين ان القصد بذلك توسيع الازقة لمرور العربات الكبيرة التي ينقلون عليها المتاع واحتياجات البناء من الاحجار والجبس والجير وغيره والمعنى الخفي الشافي خوفا من التترس بها عند حدوث الفتن كما تقدم وكانوا وصلوا في هدم المساطب الى باب زويلة ومن الجهة الاخرى الى عطفه مرجوش فهدموا مساطب خط قناطر السباع والصليبة ودرب الجماميز وباب سعادة وباب الخرق الى آخر باب الشعرية ولو طال الحال لهدموا مساطب العقادين والغورية والصاغة والنحاسين الى آخر باب النصر وباب الفتوح فحصل لارباب الحوانيت غاية الضيق لذلك وصاروا يجلسون في داخل فجوات الحوانيت مثل الفيران في الشقوق وبعض الزوايا والجوامع
والرباع التي درجها خارج عن سمت حائط البناء لما هدموا درجة وبسطته بقي باب مدخله معلقا فكانوا يتوصدون اليه بدرج من الخشب مصنوع يضعونه وقت الحاجة ويرفعونه بعدها وذلك عمل كثير
ومنها تبرج النساء وخروج غالبهن عن الحشمة والحياء وهو انه لما حضر الفرنسيس الى مصر ومع البعض منهم نساؤهم كانوا يمشون في الشوارع مع نسائهم وهن حاسرات الوجوه لابسات الفستانات والمناديل الحرير الملونة ويسدلن على مناكبهن الطرح الكشميري والمزركشات الصبوغة ويركبن الخيول والحمير ويسوقونها سوقا عنيفا مع الضحك والقهقهة ومداعبة المكارية معهم وحرافيش العامة فمالت اليهم نفوس أهل الاهواء من النساء الاسافل والفواحش فتداخلن معهم لخضوعهم للنساء وبذل الاموال لهن وكان ذلك التداخل اولا مع بعض احتشام وخشية عار ومبالغة في اخفائه فلما وقعت الفتنة الاخيرة بمصر وحاربت الفرنسيس بولاق وفتكوا في أهلها وغنموا أموالها وأخذوا ما استحسنوه من النساء والبنات صرن مأسورات عندهم فزيوهن بزي نسائهم وأجروهن على طريقتهن في كامل الاحوال فخلع أكثرهن نقاب الحياء بالكلية وتداخل مع أولئك المأسورات غيرهم من النساء الفواجر ولما حل بأهل البلاد من الذل والهوان وسلب الاموال واجتماع الخيرات في حور الفرنسيس ومن والاهم وشدة رغبتهم في النساء وخضوعهن له وموافقة مرادهن وعدم مخالفة هواهن ولو شتمته او ضربته بتاسومتها فطرحن الحشمة والوقار والمبالاة والاعتبار واستملن نظراءهن واختلسن عقولهن لميل النفوس الى الشهوات وخصوصا عقول القاصرات وخطب الكثير منهم بنات الاعيان وتزوجوهن رغبة في سلطانهم ونوالهم فيظهر حالة العهد الاسلام وينطق بالشهادتين لانه ليس له عقيدة يخشى فسادها وصار مع حكام الاخطاط منهم النساء المسلمات متزيبات بريهم ومشوا معهم في الاخطاط للنظر في أمور الرعية والاحكام العادية والامر والنهي والمناداة
وتمشي المرأة بنفسها او معها بعض أترابها واضيافها على مثل شكلها وأمامها القواسة والخدم وبأيديهم العصي يفرجون لهن الناس مثل مايمر الحاكم ويأمرن وينهين في الاحكام
ومنها انه لما أوفى النيل أذرعه ودخل الماء الى الخليج وجرت في السفن وقع عند ذلك من تبرج النساء واختلاطهن بالفرنسيس ومصاحبتهم لهن في المراكب والمرقص والغناء والشرب في النهار والليل في الفوانيس والشموع الموقدة وعليهن الملابس الفاخرة والحلي والجواهر المرصعة وصحبتهم آلات الطرب وملاحو السفن يكثرون من الهزل والمجون ويتجاوبون برفع الصوت في تحريك المقاديف بسخيف موضوعاتهم وكتائف مطبوعاتهم وخصوصا اذا دبت الحشيشة في رؤسهم وتحكمت في عقولهم فيصرخون ويطبلون ويرقصون ويزمرون ويتجاوبون بمحاكاة ألفاظ الفرنساوية في غنائهم وتقليد كلامهم شيء كثير
وأما الجواري السود فانهن لما علمن رغبة القوم في مطلق الانثى ذهن اليهم أفواجا فرادى وأواجا فنططن الحيطان وتسلقن اليهم من الطيقان ودلوهم على مخبآت أسيادهن وخبايا أموالهم ومتاعهم وغير ذلك
ومنها أن يعقوب القبطي لما تظاهر مع الفرنساوية وجعلوه سارى عسكر القبطة جمع شبان القبط وحلق لحاهم وزياهم بزي مشابه لعسكر الفرنساوية مميزين عنهم بقبع يلبسونه على رؤوسهم مشابه لشكل البرنيطة وعليه قطعة فروة سوداء من جلد الغنم في غاية البشاعة مع ما يضاف اليها من قبح صورهم وسواد أجسامهم وزفارة أبدانهم وصيرهم عسكره وعزوته وجمعهم من أقصى الصعيد وهدم الاماكن المجاورة لحارة النصارى التي هو ساكن بها خلف الجامع الاحمر وبنى له قلعة وسورها بسور عظيم وابراج وباب كبير يحيط به بدنات عظام وكذلك بنى ابراجا في ظاهر الحارة جهة بركة الازبكية وفي جميع السور المحيط والابراج طيقانا للمدافع وبنادق الرصاص على هيئة سور مصر الذي رمه
الفرنساوية ورتب على باب القلعة الخارج والداخل عدة من العسكر الملازمين للوقوف ليلا ونهارا وبأيديهم البنادق على طريقة الفرنساوية ومنها قطعهم الاشجار والنخيل من جميع البساتين والجنائن الكائنة بمصر وبولاق ومصر القديمة والروضة وجهة قصر العيني وخارج الحسينية وبساتين بركة الرطلي وأرض الطبالة وبساتين الخليج بل وجميع القطر المصري كالشرقية والغربية والمنوفية ورشيد ودمياط كل ذلك لاحتياجات عمل القلاع وتحصين الاسوار في جميع الجهات وعمل العجل والعربات والمتاريس ووقود النار وكذلك المراكب والسفن وأخذ أخشابها أيضا مع شدة الاحتياج اليها وعدم انشاء الناس سفنا جديدة لفقرهم وعدم الخشب والزفت والقار والحديد وباقي اللوازم حتى انهم حال حلولهم الديار المصرية وسكنهم بالازبكية كسروا جميع القنج والاغربةالتي كانت موجودة تحت الاعيان بقصد التنزه وكذلك ما كان ببركة الفيل وبسبب ذلك شحت البضائع وغلت الاسعار وتعطلت الاسباب وضاقت المعايش وتضاعفت أجر حمل التجارات في السفن لقلتها
ومنها هدم القباب والمدافن الكائنة بالقرافة تحت القلعة خوفا من تترس المحاربين بها فكانوا يهدمون ذلك بالبارود على طريقة اللغم فيسقط المكان بجميع اجزائه من قوة البارود وانحباسه في الارض فيسمع له صوت عظيم ودوي فهدموا شيئا كثيرا على هذه الصورة وكذلك ازالوا جانبا كبيرا من الجبل المقطم بالبارود من الجهة المحاذية للقلعة خوفا من تمكن الخصم منها والرمي على القلعة
ومنها زيادة النيل المفرطة التي لم يعهد مثلها في هذه السنين حتى غرقت الاراضي وحوصرت البلاد وتعطلت الطرق فصارت الارض كلها لجة ماء وغرق غالب البلاد التي على السواحل فتهدم من دورها شيء كثير وأما المدينة فإن الماء جرى من جهة الناصرية الى الطريق المسلوكة وطفح من بركة الفيل الى درب الشمسي وطريق قنطرة عمر شاه
ومنها استمرار انقطاع الطرق واسباب المتاجر وغلو البضائع المجلوبة من البلاد الرومية والشامية والهندية والحجازية والمغرب حتى غلت اسعار جميع الاصناف وانتهى سعر كل شيء الى عشرة امثاله وزيادة على ذلك فبلغ الرطل الصابون الى ثمانين نصفا واللوزة الواحدة بنصفين وقس على ذلك وأما الاشياء البلدية فانها كثيرة موجودة وغالبها يباع رخيصا مثل السمن والعسل النحل والارز والغلال وخصوصا الارز فانه بيع في ايامهم بخمسمائة نصف فضة الاردب وكانت النصارى باعة العسل النحل يطوفون به في بلاليص محملة على الحمير ينادون عليه في الازقة بأرخص الاثمان
ومنها وقوع الطاعون بمصر والشام وكان معظم عمله ببلاد الصعيد أخبرني صاحبنا العلامة الشيخ حسن المعروف بالعطار المصري نزيل اسيوط مكاتبة ونصه ونعرفكم يا سيدي انه قد وقع في قطر الصعيد طاعون لم يعهد ولم تسمع بمثله وخصوصا ما وقع منه باسيوط وقد انتشر هذا البلاء في جميع البلاد شرقاوغربا وشاهدنا منه العجائب في أطواره وأحواله وذلك أنه اباد معظم اهل البلاد وكان اكثره في الرجال سيما الشبان والعظماء وكل ذي منقبة وفضيلة واغلقت الاسواق وعزت الاكفان وصار المعظم من الناس بين ميت ومشيع ومريض وعائد حتى ان الانسان لا يدري بموت صاحبه أو قريبه الا بعد ايام ويتعطل الميت في بيته من أجل تجهيزه فلا يوجد النعش ولا المغسل ولا من يحمل الميت الا بعد المشقة الشديدة وان اكبر كبير اذا مات لا يكاد يمشي معه مازاد على عشرة انفار تكترى وماتت العلماء والقراء والملتزمون والرؤساء وأرباب الحرف ولقد مكثت شهرا بدون حلق رأسي لعدم الحلاق وكان مبدأ هذا الامر من شعبان وأخذ في الزيادة في شهر ذي القعدة والحجة حتى بلغ النهاية القصوى فكان يموت كل يوم من اسيوط خاصة زيادة على الستمائة وصار الانسان اذا خرج من بيته لا يرى الا جنازة أو مريضا
أو مشتغلا بتجهيز ميت ولا يسمع الا نائحة او باكية وتعطلت المساجد من الاذان والامامة لموت أرباب الوظائف واشتغال من بقى منهم بالمشي اما الجنائز والسبح والسهر وتعطيل الزرع من الحصاد ونشف على وجه الارض وأبادته الرياح لعدم وجدان من يحصده وعلى التخمين أنه مات الثلثان من الناس هذا مع سعي العرب في البلاد بالفساد والتخويف بسبب خلو البلاد من الناس والحكام الى أن قال ولو شئت ان اشرح لك يا سيدي ما حصل من أمر الطاعون لملأت الصحف مع عدم الايفاء وتاريخه ثامن عشرين الحجة سنة تاريخه
من مات في هذه السنة من الاعيان
مات الامام الالمعي والذكي اللوذعي من عجنت طينته بماء المعارف وتآخت طبيعته مع العوارف العمدة العلامة والنحرير الفهامة فريد عصره ووحيد دهره الشيخ محمد بن أحمد بن حسن بن عبد الكريم الخالدي الشافعي الشهير بابن الجوهري وهو أحد الاخوة الثلاثة وأصغرهم ويعرف هو بالصغير ولد سنة احدى وخمسين ومائة وألف ونشأ في حجر والده في عفة وصون وعفاف وقرأ عليه وعلى أخيه الاكبر الشيخ أحمد ابن احمد وعلي الشيخ خليل المغربي والشيخ محمد الفرماوي وغيرهم من فضلاء الوقت وأجازه الشيخ محمد الملوي بما في فهرسته وحضر دروس الشيخ عطية الاجهوري في الاصول والفقه وغير ذلك فلازمه وبه تخرج في الالقاء وحضر الشيخ علي الصعيدي والبراوي وتلقى عن الشيخ الوالد حسن الجبرتي كثيرا من العلوم ولازم التردد عليه والاخذ منه مع الجماعة ومنفردا وكان يحبه ويميل اليه ويقبل بكليته عليه وحج مع والده في سنة ثمان وستين وجاور معه فاجتمع بالشيخ السيد عبد الله الميرغني صاحب الطائف واقتبس من أنواره واجتنى من ثماره وكان آية في الفهم والذكاء والغوص والاقتدار على حل المشكلات وأقرأ الكتب وألقى الدروس بالاشرفية وأظهر التعفف والانجماع عن خلطة الناس والذهاب والترداد الى بيوت الاعيان والتزهد عما بأيديهم فأحبه الناس وصار له أتباع ومحبون وساعده على ذلك الغنى والثروة وشهرة والده واقبال الناس عليه ومدحتهم له وترغيبهم في زيادته وتزوج ببنت الخواجا الكريمي وسكن بدارها المجاورة لبيت والده بالازبكية واتخذ له مكانا خاصا بمنزل والده يجلس فيه في اوقات وكل من حضر عند أبيه في حال انقطاعه من الاكابر أو من غيرهم للزيارة أو للتلقي يأمره بزيارة ابنه المترجم والتلقي عنه وطلبهم الدعاء منه ويحكى لهم عنه مزايا وكرامات ومكاشفات ومجاهدات وزهديات فازداد اعتقاد الناس فيه وعاشر العلماء والفضلاء من أهل عصره ومشايخه وقرنائه وتردد عليهم وترددوا عليه ويبيتون عنده ويطمعهم ويكرمهم ويتنزه معهم في أيام النيل مع الحشمة والكمال ومجانبة الامور المخلة بالمروأة ولما مات أخوه الكبير الشيخ أحمد وقد كان تصدر بعد والده في اقراء الدروس اجمع الخاص والعام على تقدم المترجم في اقراء الدروس في الازهر والمشهد الحسيني في رمضان فامتنع من ذلك وواظب على حالة انجماعه وطريقته واملائه الدروس بالاشرفية وحج في سنة سبع وثمانين ومائة وألف وجاور سنة وعقد دروسا بالحرم وانتفع به الطلبة ثم عاد الى وطنه وزاد في الانجماع والتحجب عن الناس في أكثر الاوقات فعظمت رغبة الناس فيه ورد هداباهم مرة بعد أخرى وأظهر الغني عنهم فازداد ميل الناس اليه وجبلت قلوبهم على حبه واعتقاده وتردد الامراء وسعوا لزيارته أفواجا وربما احتجب عن ملاقاتهم وقلد بعضهم بعضا في السعي ولم يعهد عليه أنه دخل بيت امير قط أو أكل من طعام أحد قط الا بعض أشياخه المتقدمين وكانت شفاعته لا ترد عند الامراء والاعيان مع الشكيمة والصدع بالامر والمناصحة في وجوههم اذا أتوا اليه وازدادت شهرته وطار صيته ووفدت عليه الوفود من الحجاز والغرب والهند والشام والروم وقصدوا زيارته والتبرك به وحج ايضا في سنة تسع وتسعين لما حصلت الفتنة بين أمراء
مصر فسافر بأهله وعياله وقصد المجاورة فجاور سنة واقرأ هناك دروسا واشترى كتبا نفيسة ثم عاد الى مصر واستمر على حالته في انجماعه وتحجبه عن الناس بل بالغ في ذلك ويقرىء ويملي الدروس بالاشرفية وأحيانا بروايتهم بدرب شمس الدولة وأحيانا بمنزله بالازبكية ولما توفي الشيخ أحمد الدمنهوري وتولىمشيخة الازهر الشيخ عبد الرحمن العريشي الحنفي باتفاق الامراء والمتصدرين من الفقهاء وهاجت حفائظ الشافعية ذهبوا اليه وطلبوه للمشيخة فأبى ذلك ووعدهم بالقيام لنصرتهم وتولية من يريدونه فأجتمعوا ببيت الشيخ البكري واختاروا الشيخ أحمد العروسي لذلك وأرسلوا الى الامراء فلم يوافقوا على ذلك فركب المترجم بصحبة الجمع الى ضريح الامام الشافعي ولم يزل حتى نقض ما أبرمه العلماء والامراء ورد المشيخة الى الشافعية وتولى الشيخ أحمد العمروسي وتم له الامر كما تقدم ذلك في ترجمة العريشي ولما توفي الشيخ احمد العروسي كان المترجم غائبا عن مصر في زيارة سيدي أحمد البدوي فأهمل الامر حتى حضر وتولى الشيخ عبد الله الشرقاوي باشارته ولم يزل وافر الحرمة معتقدا عند الخاص والعام حتى حضر الفرنساوية واختلت الامور وشارك الناس في تلقي البلاء وذهب ما كان له بأيدي التجار ونهب بيته وكتبه التي جمعها وتراكمت عليه الهموم والامراض وحصل له اختلاط ولم يزل حتى توفي يوم الاحد حادي عشرين شهر القعدة سنة تاريخه بحارة برجوان وصلى عليه بالازهر في مشهد حافل ودفن عند والده وأخيه بزاوية القادرية بدرب شمس الدولة وبالجملة فكان من محاسن مصر والفريد في العصر ذهنه وقاد ونظمه مستجاد وكان رقيق الطبع لطيف الذات مترفها في مأكله وملبسه
ومات الاجل الامثل العمدة الوجيه السيد عبد الفتاح بن أحمد ابن الحسن الجوهري أخو المترجم المذكور وهو أسن منه واصغر من اخيه الشيخ احمد ولد سنة احدى واربعين ومائة والف ونشأ في حجر ابيه
وحضر الشيخ الملوي وبعض دروس ابيه وغيره ولم يكن معتنيا بالعلم ولم يلبس زي الفقهاء وكان يعاني التجارة ويشارك ويضارب ويحاسب ويكاتب فلما توفي اخوه الاكبر الشيخ أحمد وامتنع اخوه الاصغر الشيخ محمد من التصدر للاقراء في محله اتفق الحال على تقدم المترجم حفظا للناموس وبقاء لصورة العلم الموروث فعند ذلك تزيابزي الفقهاء ولبس التا والفراجة الواسعة واقبل على مطالعة العلم وخالط أهله وصار يطالع ويذاكر وأقرأ دروس الحديث بالمشهد الحسيني في رمضان مع قلة بضاعته وذلك بمعونة الشيخ مصطفى بن الشيخ محمد الفرماوي فكان يطالع الدرس الذي يمليه من الغد ويتلقى عنه مناقشات الطلبة وثبت على ذلك حتى ثبتت المشيخة وتقررت العالمية كل ذلك مع معاناته التجارة وتردد الى الحرمين واثرى واقتن كتبا نفيسة وعروضا وحشما واشترى المماليك والعبيد والجواري والاملاك والالتزام ولم يزل حتى حصلت حوادث الفرنساوية وصادروه وأخذوا منه خمسة عشر الف فرانسة وداخله من ذلك كرب وانفعال زائد فسافر الى بلدة جارية في التزامه يقال لها كوم النجار فأقام بها أشهرا ثم ذهب الى شيبين الكوم بلدة أقاربه وأقام بها الى ان مات في هذه السنة وذلك بعد وفاة أخيه الشيخ محمد بنحو خمسة ايام ودفن هناك رحمه الله تعالى
ومات الامام العلامة الثقة الهمام النحرير الذي ليس له في فضله نظير أبو محمد أحمد بن سلامة الشافعي المعروف بأبي سلامة اشتغل بالعلم وحضر العلوم النقلية والنحوية والمنطقية وتفقه على كثير من علماء الطبقة الاولى كالشيخ علي قايتباي والحفني والبراوي والملوي وغيرهم وتبحر في الاصول والفروع وكان مستحضرا للفروع الفقهية والمسائل الغامضة في المذاهب الاربع ويغوص بذهنه وقياسه في الاصول الغريبة ومطالعة كتب الاصول القديمة التي اهملها المتأخرون وكان الفضلاء يرجعون في ذلك اليه ويعتمدون قوله ويعولون في الدقائق عله الا ان الدهر لم يصافه على
عادته وعاش في خمول وضيق وخشونة ملبس وفقد رفاهية بحيث ان من يراه لا يعرف لرثائه ثيابه وكان مهذبا حسن المعاشرة جميل الخلق والنادرة مطبوعا فيه صلاح وتواضع ونزل مؤقتا في مسجد عبد الرحمن كتخدا الذي أنشأه تجاه باب الفتوح بمعلوم قدره ثمانية انصاف يتعيش بها مع ما برد عليه من بعض الفقهاء والعامة الذين يحتاجون اليه في مراجعة المسائل والفتاوي فلما خرب المسجد المذكور في حادثة الفرنسيس وجهات اوقافه انقطع عنه ذلك المعلوم وكان ذا عائلة ومع ذلك لا يسأل شيأ ولا يظهر فاقة توفي في يوم الاحد حادي عشرين جمادى الآخرة من السنة عن خمس وسبعين سنة تقريبا رحمه الله
ومات الامير مراد بك محمد مات بسهاج قادما الى مصر باستدعاء الفرنسيس ودفن بها عند الشيخ العارف وكان موته رابع شهر الحجة كما تقدم وهو من مماليك محمد بك أبي الذهب ومحمد بك مملوك علي بك وعلي بك مملوك ابراهيم كتخدا الفازدغلي اشترى محمد بك مراد بك المذكور في سنة اثنتين وثمانين ومائة وألف وذلك في اليوم الذي قتل فيه صالح بك الكبير فاقام في الرق أياما قليل أعقه وأمره وأنعم عليه بالاقطاعات الجليلة وقدمه على أقرانه وتزوج بالست فاطمة زوجة الامير صالح بك وسكن داره العظيمة بخط الكبش
ولما مات علي بك تزوج بسريته ايضا وهي ألست نفيسة الشهيرة الذكر بالخير ولما انفرد محمد بك بأمارة مصر كان هو وابراهيم بك اكبر امرائه المشار اليهما دون غيرهما فلما سافر محمد بك الى الديار الشامية محاربا للظاهر عمر أقام عوضه في امارة مصر ابراهيم بك وأخذ صحبته مراد بك وباقي أمرائه فلما مات محمد بك بعكا اجتمع أمراؤه على رأى مماليكه في رآسه مراد بك فتقدم وقدمه عليهم وحملوا جثة سيدهم وحضروا بأجمعهم الى مصر فاتفق راي الجميع على امارة من استخلفه سيدهم وقدمه دون غيره وهو ابراهيم بك ورضى الجميع بتقدمه ورياسته
لوفور عقله وسكون جاشه فاستقر بمشيخة مصر ورياستها ونائب نوابها ووزرائها وعكف مراد بك علي لذاته وشهواته وقضى أكثر زمانه خارج المدينة مرة بقصره الذي أنشأه بالروضة وأخرى بجزيرة الذهب وأخرى بقصر قايماز جهة العادلية كل ذلك مع مشاركته لابراهيم بك في الاحكام والنقض والإبرام والايراد والاصدار ومقاسمة الاموال والدواوين وتقليد مماليكه وأتباعه الولايات والمناصب واخذ في بذل الاموال وانفاقها على امرائه وأتباعه فانضم اليه بعض امراء على بك وغيرهم ممن مات أسيادهم كعلي بك المعروف بالملط وسليمان بك الشابوري وعبد الرحمن بك عثمان فأكرمهم وواساهم ورخص لمماليكه في هفواتهم وسامحهم في زلاتهم وحظى عنه كل جريء غشوم عسوف ذميم ظلوم فانقلبت أوضاعهم وتبدلت طباعهم وشرهت نفوسهم وعلت رؤسهم فتناظروا وتفاخروا وطمعوا في أستاذهم وشمخت آنافهم عليه وأغاروا حتى على ما في يده واشتهر بالكرم والعطاء فقصده الراغبون وامتدحه الشعراء والغاوون وأخذا الشيء من غير حقه واعطاه لغير مستحقه
ثم لما ضاف عليه المسالك ورأى أن رضا العالم غاية لا تدرك أخذ يتحجب عن الناس فعظم فيه الهاجس والوسواس وكان يغلب على طبعه الخوف والجبن مع التهور والطيش والتورط في الاقدام مع عدم الشجاعة ولم يعهد اليه انه انتصر في حرب باشرها أبدا علىما فيه من الادعاء والغرور والكبر والخيلاء والصلف والظلم والجور
ولما قدم حسن باشا الى مصر وخرج المترجم مع خشداشينه وعشيرته هاربين الى الصعيد حتى انقضت ايام حسن باشا واسمعيل بك ومن كان معه ورجعوا ثانيا بعد أربع سنين وشيء من الشهور من غير عقد ولا حرب تعاظم في نفسه جدا واختص بمساكن اسمعيل بك وجعل اقامته بقصر الجيزة وزاد في بنائه وتنميقه وبنى تحته رصيفا محكما وأنشأ بداخله بستانا عظيما نقل اليه أصناف النخيل والاشجار والكروم واستخلص
غالب بلاد اقليم الجيزة لنفسه شراء ومعاوضة وغصبا وعمر ايضا قصر جزيرة الذهب وجعل بها بستانا عظيما وكذلك قصر ترسا وبستان المجنون وصار يتنقل في تلك القصور والبساتين ويركب للصيد في غالب أوقاته واقتنى المواشي من الابقار والجواميس الحلابة والاغنام المختلفة الاجناس فكان عنده بالجيزة من ذلك شيء كثير جدا وعمل له ترسخانة عظيمة وطلب صناع آلات الحر ب من المدافع والقنابر والبنب والجلل والمكاحل واتخذ بها ايضا معامل البارود خلاف المعامل التي في البلد وأخذ جميع الحدادين والسباكين والنجارين فجمع الحديد المجلوب والرصاص والفحم الحطب حتى شحت جميع هذه الادوات لكونه كان يأخذ كل ما وجده منها وكذلك حطب القرطم والترمس والذرة لحرق قمام الجير والجبس للعمارة وأوقف الاعوان في كل جهة يحجزون المراكب التي تأتي من البلاد بالاحطاب يأخذونها ويجمعونها للطلب ويبيعون لانفسهم ما أحبوا ويأخذون الجعالات على ما يسمحون به أو يطلقونه لاربابه بالوسائط والشفاعات واحضر أناسا من القليونجية ونصارى الاروام وصناع المراكب فانشؤا له عدة حربية وغلايين وجعلوا بها مدافع وآلات حرب على هيئة مراكب الروم صرف عليها أموالا عظيمة ورتب بها عساكر وبحرية وأدر عليهم الجماكي والارزاق الكثيرة وجعل عليهم رئيسا كبيرا رجلا نصرانيا وهو الذي يقال له نقولا بنى له دارا عظيمة بالجيزة وأخرى بمصر وله عزوة وأتباع من نصارى الأروام المرتبين عسكرا وكان نقولا المذكور يركب الخيل ويلبس الملابس الفاخرة ويمشي في شوارع مصر راكبا وامامه وخلفه قواسة يوسعون له الطريق في مروره على هيئة ركوب الامراء كل ذلك خطرات من وساوسه لا يدري أحد لاي شيء هذا الاهتمام ولأي حاجة انفاق هذا المال في الخشب والحديد واعطاؤه لنصارى الاروام واختلفت آراء الناس في ذلك فمن قائل ان ذلك خوفا من خشداشينه وقائل من مخافة العثمانية كما تقدم في قضية حسن باشا والبعض يظن خلاف ذلك
وليس غير الوهم والتخيل الفاسد والخوف شيء وبقيت آلات الحرب جميعها والبارود بحواصله والجلل والبنيات حتى أخذ جميعه الفرنسيس فيقال انه كان بحواصل الترسخانة من جنس الجلل احد عشر ألف جلة كذا نقل عن معلم الترسخانة أخذ جميع ذلك الفرنسيس يوم استيلائهم على الجيزة والقصر
ومما اتفق انه وقعت مشاجرة في بعض نصارى الاروام القليونجية وبعض السوقة بمصر القديمة فتعصب النصارى على أهل البلد وحاربوهم وقتلوا منهم نيفا وعشرين رجلا وانتهت الشكوى الى الامير فطلب كبيرهم فعصى عليه وامتنع من مقابلته وعمر مدافع المراكب ووجهها جهة قصره فلم يسعه الا التغافل وراحت على من راح واستوزر رجلا بربريا وهو المسمى بابراهيم كتخدا السنارى وجعله كتخداه ومشيره وبلغ من العظمة ونفوذ الكلمة باقليم مصر ما لم يبلغه أعظم أمير بها وبنى له دارا بالناصرية واقتنى المماليك الحسان والسرارى البيض والحبوش والخدم وتعلم اللغة التركية والاوضاع الشيطانية واختص ذلك السنارى أيضا ببعض رعاع الناس وجعله كتخدا يأتمر بأمره ويتوصل به أعاظم الناس في قضاء أشغالهم ولما حصل لمراد بك الاقامة بالجيزة واختار السكن بها وزين له شيطانه العزلة عن خشداشينه وأقرانه وترك لابراهيم بك أمر الاحكام والدواوين ومقتضيات نواب السلطنة العثمانية مع كونه لا ينفذ أمرا دون رأيه ومشورته واحتجب هو عن الاجتماع بالناس بالكلية حتى عن الامراء الكبار من أقرانه كان السفير وبينهم وبينهم ابراهيم كتخدا المذكور فكان هو عبارة عنه وربما نقض القضايا التي انبرم أمرها عند ابراهيم بك أو غيره بنفسه او عن لسان مخدومه وأقام المترجم على عزلته بالبر الغربي نحو الست سنوات متوالية لايعدى الى البر الشرقي أبدا ولا يحضر الديوان ولا يتردد الى الاقران واذا حضر الباشا المولى على مصر ووصل الى بر انبابة ركب وسلم عليه مع الامراء ورجع الى قصره
فلا يراه بعد ذلك ابدا وتعاظم في نفسه وتكبر على اقرانه وأبناء جنسه فتزاحمت على سدته الطلاب وتكالبت على جيفته الكلاب فانزوى من نبشهم وتوارى من نهشهم فاذا بلغه قدوم من يختشيه أو وصول من يرتجيه وكان يستحي من رده او يخشى عاقبة صده ركب في الحال وصعد الى الجبال وربما وصلة الغريم على غفلة فيجده قد شمع الفتلة فان صادفه واجتمع عليه اعطاه ما في يديه أو وعده بالخير أو وهبه ملك الغير فما يشعر الميسور الا ولقمته قد اختطفتها النسور
ثم أخذ يعبث بدواوين الاعشار والمكوسات والبهار فيحول عليهم الحوالات ويتابع لمماليكه ختم الوصولات فتجاذب هو وابراهيم بك ذلك الايراد وتعارضت أوراقهما وخافا في المعتاد ثم اصطلحا على أن تكون له الدواوين البحرية ولقسيمه ما يرد من الاصناف الحجازية وما انضاف الى قلم البهار وحسب في دفاتر التجار فانفرد كل منهما بوظيفته وفعل بها من الاجحاف ما سطر في صحيفته فاحدث المترجم ديوانا خاصا بنفر رشيد على الغلال التي تحمل الى بلاد الافرنج وسموه ديوان البدعة وأذن ببيع الغلال لمن يحملها الى بلاد الافرنج أو غيرها وجعل على كل اردب دينارا خلاف البراني والتزم بذلك رجل سراج من أعوانه الموصوفين بالجور وسكن برشيد وبقيت له بها وجاهة وكلمة نافذة فجمع من ذلك اموالا وايرادا عظيما وكانت هذه البدعة السيئة من أعظم اسباب قوة الفرنسيس وطمعهم في الاقليم المصري مع ما أضيف الى ذلك من أخذ أموالهم ونهب تجاراتهم وبضاعاتهم من غير ثمن واقتدى به أمراؤه وتناظروا في ذلك وفعل كل منهم ما وصلت اليه همته واستخرجته فطنته واختص بالسيد محمد كريم الاسكندري ورفع شأنه بين أقرانه فمهد له الامور بالثغر به وأجرى أحكامه به وفتح له باب المصادرات والغرامات ودله على مخبآت الامور وأخذ أموال التجار من المسلمين وأجناس الافرنج حتى تجسمت العداوة بين المصريين والفرنسيس وكان
هو من اعظم الاسباب في تملك الفرنسيس للثغر كما ذكر ذلك في قتلته وذلك انه لما خرجت من مراكب الفرنساوية وعمارتهم لا يدري احد لاي جهة يقصدون تبعهم طائفة الانكليز الى الاسكندرية فلم يجدوهم وكانوا ذهبوا اولا الى جهة مالطه فوقف الانكليز قبالة الاسكندرية وأرسلوا قاصدهم الى الثغر يسالون عن خبر الفرنساوية فردهم المذكور ردا عنيفا فاخبروه الخبر على جليته وانهم اخصامهم وعلموا بخروجهم فاقتفوا أثرهم ونريد منكم أن تعطونا الماء والزاد بثمنه ونقف لهم على ظهر البحر فلا نمكنهم من العبور الى ثغركم فلم يقبل منهم ولم يأذن في تزويدهم فذهبوا ليتزدوا من بعض الثغور فما هو الا أن غابوا في البحر نحو الاربعة أيام الا والفرنسيس قد حضروا وكان ما كان
ومما سولت به نفس المترجم بارشاد بعض الفقهاء عمارة جامع عمرو ابن العاص وهو الجامع العتيق وذلك انه لما خرب هذا الجامع بخراب مدينة الفسطاط وبقيت تلالا وكيمانا وخصوصا ما قرب من ذلك الجامع ولم يبق بها بعض العمار الا ما كان من الاماكن التي على ساحل النيل وخربت في دولة القزدغلية وأيام حسن باشا لما سكنتها عساكره ولم يبق بساحل النيل الا بعض أماكن جهة دار النحاس وفم الخليج يسكنها اتباع الامراء ونصارى المكوس وبها بعض مساجد صغار يصلى بها السواحلية والنواتية وسكان تلك الخطة من القهوجية والباعة والجامع العتيق لا يصل اليه أحد لبعده وحصوله بين الاتربة والكيمان وكان فيما أدركنا الناس يصلون به آخر جمعة في رمضان فتجتمع به الناس على سبيل التسلي من القاهرة ومصر وبولاق وبعض الامراء ايضا والاعيان ويجتمع بصحبته أرباب الملاهي من الحواة والقراداتية وأهل الملاعيب والنساء الراقصات المعروفات بالغوازي فبطل ذلك ايضا من نحو ثلاثين سنة لهدمه وخراب ماحوله وسقوط سقفه واعمدته وميل شقته اليمنى بل وسقوطها بعد ذلك فحسن ببال المترجم هذه وتجديده بارشاد بعض
الفقهاء ليرقع به دينه الخلق فاهتم لذلك وقيد به نديمه الحاج قاسم المعروف بالمصلي فجعله مباشرا على عمارته وصرف عليه اموالا عظيمة أخذها من غير حلها ووضعها في غير محلها وأقام أركانه وشيد بنيانه نصب اعمدته وكمل زخرفته وبني به منارتين وجدد جميع سقفه بالخشب النقي وبيضه جميعه فتم على أحسن ما يكون وفرشه بالحصر الفيومي وعلق به القناديل وحصلت به الجمعية آخر جمعة برمضان سنة اثنتي عشرة ومائتين والف فحضر الامراء والاعيان والمشايخ واكبر الناس وعامتهم وبعد انقضاء الصلاة عقد له الشيخ عبد الله الشرقاوي مجلسا وأملى حديث من بني لله مسجدا وآية انما يعمر مساجد الله وعند فراغه ألبس فروة من السمور وكذلك الخطيب فلما حضرت الفرنساوية في العام القابل جرى عليه ما جرى على غيره من الهدم والتخريب وأخذ أخشابه حتى اصبح بلقعا أشوه مما كان فياليتها لم تتصدق وبالجملة فمناقب المترجم لا تحصى وأوصافه لا تستقصى وهو كان من أعظم الاسباب في خراب الاقليم المصري بما تجدد منه ومن مماليكه واتباعه من الجور والتهور ومسامحته لهم فلعل الهم يزول بزواله
ومات الامير حسن بك الجداوي مملوك علي بك وهو من خشداشين محمد بك أبي الذهب مات بغزة بالطاعون وكان من الشجعان الموصوفين والابطال المعروفين ولما انفرد علي بك بمملكة مصر ولاه امارة جدة فلذلك لقب بالجداوي وذلك سنة اربع وثمانين ومائة والف وابتلى فيها بأمور ظهرت بها شجاعته وعرفت فروسيته ولذلك خير يطول شرحه ولما حصلت الوحشة بين اسمعيل بك والمحمديين كان المترجم ممن نافق معه وعضده هو وخشداشينه رضوان بك وعبد الرحمن بك وكانت لهم الغلبة ونما أمره عند ذلك وظهر شأنه بعد ان كان خمل ذكره وهو الذي تجاسر على قتل يوسف بك في بيته بين مماليكه وعزوته ثم خامر على اسمعيل بك وانقلب مع المحمديين عندما خرج لمحاربتهم بالصعيد فخادعوه وراسلوه
وانضم اليهم بمن معه ورجعوا الى مصر وفر اسمعيل بك بمن معه الى الشام واستقر هو وخداشينه في مملكة مصر مشاركين لهم مظهرين عليهم الشمم طامعين في خلوص الامر لهم متوقعين بهم الفرصة مع التهور الموجب لتحذر الآخرين منهم الى ان استعجلوا اشعال نار الحرب فجرى ما جرى بينهم من الحروب والمحاصرة بالمدينة وانجلت عن خذلانهم وهزيمتهم وظهور المحمديين عليهم وقتل بها عدة من أعيانهم ومواليهم ومن انضم اليهم وربما عوقب من لا جناية له كما سطر ذلك في محله وفر المترجم مع بعض من بقى من عشيرته الى القليونجية فقبض عليه وأتى به اتى مصر ففر الى بولاق بمفرده والتجأ الى بيت الشيخ الدمنهوري فأحاط به العساكر فنط من سطح الدار وخلص الى الزقاق وسيفه مشهور في يده فصادف جنديا فقتله وأخذ فرسه فركبه وفر والعساكر خلفه تريد أخذه وتتلاحق به من كل جهة وهو يراوغهم ويقاتلهم حتى خلص الى بيت ابراهيم بك فأمنه واتفقوا على ارساله الى جدة فلما أقلع به في القلزم أمر رئيس المركب ان يذهب به الى القصير وخوفه القتل ان لم يفعل فذهب به الى القصير فتوجه منها الى اسنا وعلمت به عشيرته وخشداشينه ومماليكه فتلاقوا به واستقر أمرهم بها بعد وقائع يطول شرحها فأقام نيفا وعشر سنين حتى رجع اليهم اسمعيل بك بعد غيبته الطويلة وانضم اليهم واصطلح معهم الى أن كان ما كان من وصول حسن باشا الى الديار المصرية واخراج المحمديين وادخاله للمذكور مع اسمعيل بك ورضوان بك واتباعهم وتأميرهم بمصر واستقرارهم بها بعد رجوع حسن باشا الى بلاده ووقوع الطاعون الذي مات به اسمعيل بك ورضوان بك وغيرهم من الامراء فاستقل بمن بقي من الامراء وفعل معهم من التهور والحمق الشر ما أوجب لهم بغض النعيم والحياة معه وخامر عليه من كان يأمن اليه فلم يسعه ومن معه الا الفرار ورضى ذاك لنفسه بالذل والعار ودخلت المحمديون الى مصر المحميةواستقر هو كما
كان بالجهة القبلي فأقام على ذلك سبع سنين وبعض أشهر الى ان وقعت حادثة الفرنسيس واستولوا على الاقليم المصري وحضرت العساكر بصحبة الوزير يوسف باشا ووقع ما وقع من الصلح ونقضه وانحصر المترجم مع من انحصر بالمدينة من المصرلية والعثمانية فقاتل وجاهد وأبلى بلاء حسنا شهد له بالشجاعة والاقدام كل من العثمانية والفرنساوية والمصرلية فلما انفصل الامر وخرجوا الى الجهة الشامية لم يزل محرصا ومرابطا ومجتهدا حتى مات بالطاعون في هذه السنة وفاز بالشهادتين وقدم على كريم يغفر الذنوب جميعا انه هو الغفور الرحيم وامراؤه الموجودون الان عثمان بك المعروف بالحسيني واحمد بك امره الوزير عوضا عن استاذه
ومات الامير عثمان بك المعروف بطبل وهو من مماليك اسمعيل بك أمره في سنة اثنتين وتسعين ثم خرج مع سيده وتغرب معه في غيبته الطويلة فلما رجع الى مصر في أيام حسن باشا تولى امارة الحج في سنة خمس ومائتين والف وكان سيده يقدمه على أقرانه ويظن به النجاح ولما طعن وعلم انه مفارق الدنيا أحضره وأوصاه وحذره من اعدائه وقال له اني حصنت لك مصر وسورتها وصيترها بحيث تملكها بنت عمياء فلما مات سيده تشوق للإمارة حسن بك الجداوي وعلي بك الدفتردار فلم يرض كل منهما بالاخر وتخوفا من بعضهما فاتفق رأيهما على تأمير عثمان بك المذكور كبيرا عوضا عن سيده وسكن داره وعقدوا الدواوين عنده فنزل عن امارة الحج لحسن بك تابع حسن بك قصبة رضوان واشتغل هو بأمور الدولة ومشيخة مصر فلم يفلح وخامر مع أخصامه وأخصام سيده والتف عليهم سرا وصدق تمويهاتهم وخذل نفسه ودولته وذلك غيظا من حسن بك كما سبقت اليه الاشارة وكل من حسن بك وعثمان بك الجداوي وعلي بك الدفتردار يتخوف نفاق صاحبه لتكرر ذلك منهما في الوقائع السابقة وانحراف طبع كل عن صداقة الآخر الباطنية ولم
يخطر ببالهما بل ولا ببال أحد من المجانين فضلا عن العقلاء ركون المشار اليه الى أعدائه وأعداء سيده العداوة الموروثة فكانا كلما شرعا في تدبير شيء من مكايد الحرب تبطهما واقعدهما وهما يظنان نصحه ويعتقدان خلوصه ومعرفته ولكونه تعلم سياسة الحروب من سيده لكثرة تجاربه وسياحته ولم يعلما أنه يمهد لنفسه طريقا مع الاعداء الى ان كان ماكان من مساعدته لهم بالتغافل والتقاعد حتى تحولوا الى الجهة الشرقية خلص اليهم بمن انضم اليه من عشيرته فلم يسع الباقين الا الهرب واسلم هو نفسه لاعدائه فأظهروا له المحبة وولوه امارة الحج حكم عهدهم بذلك وأن تكون له امارة الحج ما دام حيا فخرج في تلك السنة اميرا على الحج اعنى سنة ست ومائتين والف وكذلك سنة سبع ونهب الحج في تلك السنة وفر المترجم الى غزة فصودرت زوجاته واقتسمت اقطاعه ورجع بعد حين الى مصر وأهمل أمره واقام بطالا واستمر كآحاد الطائفة من الاجناد ويغدو ويروح اليهم ويرجو رفدهم الى ان حدثت حادثة الفرنسيس فخرج مع من خرج الى الشام ولم يزل هناك حتى مات بالطاعون في السنة المذكورة وكان دائما يقول عند تذكره الدولة والنعيم ذلك تقدير العزيز العليم
ومات الامير عثمان بك المعروف بالشرقاوي وهو من مماليك محمد بك أبي الذهب ايضا الكبار وتأمر في أيامه وعرف بالشرقاوي لكونه تول الشرقية ووقع منه ظلم وجبروت بعد موت أستاذه وصادر كثيرا من الناس في أموالهم ثم انكف عن ذلك وزعم ان ذلك كان باغراء مقدمة فشهره وقتله ولم يزل في امارته حتى مات في الشام بالطاعون
ومات ايوب بك الكبير وهو ايضا من مماليك محمد بك وكان من خيارهم يغلب عليه حب الخير والسكون ويدفع الحق لاربابه وتأمر على الحج وشكرت سيرته واقتنى كتبا نفيسة واستكتب الكثير من المصاحف والكتب بالخطوط المنسوبة وكان لين الجانب مهذب النفس بحب أهل
الفضائل ذا ثروة عزوة وعفة لا يعرف الا الجد ويجتنب الهزل ويلوم ويعترض على خشداشينه في أفعالهم ولا يعجبه سولكهم ولا يهمل حقا توجه عليه واذا ساوم شيئا وقال له البائع هذا بعشرة يقول له بل هو بخمسة مثلا وهذا ثمنها حالا وقد يكون ذلك رأس مالها أو بزيادة قليلة ويرضي البائع بذلك ويقبض الثمن في المجلس وهكذا كان شانه وطريقته
ومات الامير مصطفى بك الكبير وهو ايضا من مماليك محمد بك تولى الصعيد وامارة الحج عدة مرار وكان فظا غليظا متمولا بخيلا شحيحا وفي امارته على الحج ترك زيارة المدينة لخوفه من العرب وشحه بعوائدهم وقلة اعتنائه بشعائر الدين وانتقد ذلك على المصريين من الدولة وغيرها وكان ذلك من أعظم ما اجترحه من القبائح
ومات الامير سليمان بك المعروف بالاغا توفي بأسيوط بالطاعون وهو ايضا من مماليك محمد بك الكبير وهو أخو ابراهيم بك المعروف بالوالي صهر ابراهيم بك الكبير وهو الذي مات غريقا في وقعة الفرنسيس الاولى بانبابة مدبرا فارا فسقط في البحر وغرق وكان هو وأخوه المترجم قبل تقلدهما الصنجقية أحدهما والي الشرطة والآخر آغات مستحفظان فلم يزالا يلقبان بذلك حتى ماتا وكان المترجم محبا لجمع المال وله أفطاع واسعة وخصوصا بجهة قبلي وفي آخر أمره استوطن اسيوط لانها كانت في اقطاعه وبنى بها قصرا عظيما وانشأ بعض بساتين وسواقي واقتنى أبقارا وأغناما كثيرة ومما اتفق له انه جز صوف الاغنام وكانت اكثر من عشرة آلاف ثم وزعه على الفلاحين وسخرهم في غزله بعد أن وزنه عليهم ثم وزعه على القزازين فنسجوه اكسيه ثم جمع التجار وباعه عليهم بزيادة عن السعر الحاضر فبلغ ذلك مبلغا عظيما
ومات الامير قائد أغا وهو من مماليك محمد بك ايضا وكان يلقب أيام كشوفيته بقائد نار لظلمه وتجبره وولى أغات مستحفظان في سنة ثمان
وتسعين ومائة وألف فأخاف العامة وكان يتنكر ويتزيا باشكال مختلفة ويتجسس على الناس وذلك أيام خروج ابراهيم بك الى قبلي ووحشته من مراد بك وانفراد مراد بك بأمارة مصر فلما تصالحا ورجع ابراهيم بك رد الاغاوية لعلي أغا فحنق المترجم لذلك وقلق قلقا عظيما وترامى على الامراء وصار يقول ان لم يردوا لي منصبي قتلت علي أغا او قتلت نفسي فلما حصل منه ذلك عزلوا علي أغا وقلدوا سليم آغا امين البحرين أغاوية مستحفظان ولم يبلغ غرضه ولم ترض نفسه بالخمول وأكثر عنده من الاعوان والاتباع فيحضرون بين يديه الشكاوى والدعاوى ويضرب الناس ويحبسهم ويصادرهم في أموالهم ويركب وبين يديه العدة الوافرة من القواسة والخدم يحملون بين يديه الحراب والقرابين والبنادق وخلفه الكثير من الاجناد والمماليك واتخذ له جلساء وندماء يباسطونه ويضاحكونه ولم يزل كذلك حتى خرج مع عشيرته الى الصعيد عند حضور حسن باشا فاستولى على كثير من حصص الاقطاع فلما رجعوا في أواخر سنة خمس بعد المائتين سكن دار جوهر أغا دار السعادة سابقا بالخرنقش وقد كان مات في الطاعون وتزوج سريته قهرا واستكثر من المماليك والجند وتاقت نفسه للامارة وتشوف الى الصنجقية وسخط على زمانه والامراء الذين لم يلبوا دعوته ولم يبلغوه أمنيته وصارت جلساؤه وندماؤه لا يخاطبونه الا بالامارة ويقولون له يا بك ويكره من يخاطبه بدون ذلك وكان له من الاولاد الذكور اثنا عشر ولدا لصلبه يركبون الخيول ماتوا في حياته وكان له أخ من أقبح خلق الله في الظلم اتخذ له اعوانا واتباعا وليس عنده ما يكفيهم فكان يخطف كل ما مر بخطته بباب الشعرية من قمح وتبن وشعير وغير ذلك ولا يدفع له ثمنا هلك قبله بنحو ست سنين بناحية قبلي وأتوا بجيفته الى مصر مقرفصا ودفن بمدفن أخيه بتربة المجاورين ومن جملة أفاعيله القبيحة انه كان يجر سيفه ويضرب رقاب الحمير ويزعم انه يقطعها في ضربة واحدة ولم يزل المترجم أخوه على حالته حتى خرج
من مصر عند مجيء الفرنسيس وعاد بصحبة عرضي العثملي ومات قاسم بك مع من مات من الامراء والصناجق بالشام فقلده الوزير الصنجيقة فيمن تقلد وأدرك أمنيته فأقام قليلا وهلك فيمن هلك بالطاعون فكان كما قال القائل كالمتمني أن يرى فلقا من الصباح فلما أن رآه عمي
ومات ايضا حسن كاشف المعروف بجركس وهو ايضا من مماليك محمد بك واشراق عثمان بك الشرقاوي وكان من الفراعنة وهو الذي عمر الدار العظيمة بالناصرية وصرف عليها اموالا عظيمة فما هو الا ان تممم بناءها ولم يكمل بياضها حتى وصلت الفرنسيس فسكنها الفلكيون والمدبرون وأهل الحكمة والمهندسون فلذلك صينت من الخراب كما وقع بغيرها من الدور لكون عسكرهم لم يسكنوا بها وتقلد المذكور الصنجقية بالشام ايضا ثم هلك بالطاعون
ومات الامير حسن كتخدا المعروف بالجربان بالشام ايضا وأصله من مماليك حسن بك الازبكاوي وكان ممتهنا في المماليك فسموه بالجربان لذلك فلما قتل استاذه بقى هو لا يملك شيئا فجلس بحانوت جهة الازبكية يبيع فيها تنباكا وصابونا ثم سافر الى المنصورة فأقام بها مدة تحت قصر محمود جربجي ثم رجع الى مصر في أيام دولة علي بك وتنقلت به الاحوال فأنعم عليه علي بك بامرية بناحية قبلي فلما حصلت الوحشة بين علي بك ومحمد بك وخرج محمد بك من مصر الى قبلي خرج اليه المترجم ولاقاه وقدم بين يديه ما كان عنده من الخيام واليرق والخيول وانضم اليه ولم يزل حتى تملك محمد بك واستوزر اسمعيل أغا الجلفي وكان يبغض المترجم لامور بينهما فلم يزل حتى أوغر عليه صدر مخدومه وادى به الحال الى الاقصاء والبعد الى ان انضم الى مراد بك وتقرب منه وكان مفوها لينا مشاركا قد حنكته الايام والتجارب فجعله كتخدا ووزيره واشتهر ذكره وعمر دارا بناحية باب اللوق بالقرب من غيظ الطواشي وصار من الاعيان المعدودين وقصدته ارباب الحاجات واحتجب
في غالب الاوقات واتحد به محمد اغا البارودي فقربه من مراد بك وبلغ الى ما بلغ معه وكان يعترى المترجم مرض شبيه بالصرع ينقطع به اياما عن السعي والركوب ولم يزل حتى مات مع من مات بالشام
ومات الامير قاسم بك المعروف بالموسقو وكان من مماليك ابراهيم بك وكان لين الجانب قليل الاذى الا انه كان شيخا لا يدفع حقا توجه عليه ولما مات خشداشه حسن بك الطحطاوي تزوج بزوجته وشرع في بناء السبيل المجاور لبيته بحارة قوصون بالقرب من الداودية فما قرب اتمامه الا وقد قدمت الفرنسيس لمصر فخربوه وشعثوا بنيانه وخرقوا حيطانه وأخذوا عواميده وبقى على حالته مثل ما فعلوه بدور تلك الخطة وغيرها ومات ايضا المترجم بالشام
ومات علي آغا كتخدا الجاويشية وهو من مماليك الدمياطي ونسب الى محمد بك وأخيه ابراهيم بك ورقاه واختص به وولاه آغات مستحفظان في سنة اثنتين وتسعين ومائة وألف لم يزل الى سنة ثمان وتسعين فخرج مع ابراهيم بك الى المنية عندما تغاضب مع مراد بك فلما تصالحا قلد الاغاوية كما كان فحنق قائد آغا وكان ما كان من عزله وولاية سليم اغا كما سبق الالماع بذلك عند ذكر قائد أغا ثم تقلد كتخدا الجاويشية في سنة ست ومائتين وألف ولم يزل متقلدا ذلك حتىخرج مع من خرج في حادثة الفرنسيس وكان ذا مال وثروة مع مزيد شح وبخل واشترى دار عبد الرحمن كتخدا القازدغلي العظيمة التي بحارة عابدين وسكنها وليس له ن المآثر الا السبيل والكتاب الذي أنشأه بجوار داره الاخرى بدرب الحجر وهو من أحسن المباني وقد حماه الله من تخريب الفرنسيس وهو باق الى يومنا هذا ببهجته ورونقه
ومات الامير يحيى كاشف الكبير وهو من مماليك ابراهيم بك الاقدمين وكان لطيف الطباع حسن الاوضاع وعنده ذوق وتودد عطارديا يحب الرسومات والنقوش والتصاوير والاشكال ودقائق الصناعات والكتب
المشتملة على ذلك مثل كليلة ودمنه والنوادر والامثال واهتم في بناء السبيل المجاور لداره بخطة عابدين فرسم شكله قبل الشروع فيه في قرطاس بمعونة الاسطا حسن الخياط ثم سافر الى الاسكندرية وأحضر ما يحتاجه من الرخام والاعمدة المرمر الكبيرة والصغيرة وأنواع الاخشاب وحفر اساسه واحكم وضعه واستدعى الصناع والمرخمين فتانقوا في صناعته ونقش رخامه على الرسم الذي رسمه لهم كل ذلك بالحفر بالآلات في الرخام وموهوه بالذهب فما هو الا ان ارتفع بنيانه وتشيدت اركانه وظهر للعيان حسن قالبه وكاد يتم ما قصده من حسن مآربه حتى وقعت حادثة الفرنسيس فخرج مع من خرج قبل اتمامه وبقى على حالته الى الآن ولما خرج سكن داره برطلمين واستخرج مخباة بين داره والسبيل فيها ذخائره ومتاعه فاوصلها للفرنسيس
ومات الامير رشوان كاشف وهو من مماليك مراد بك وكان له أقطاع بالفيوم فكان معظم اقامته بها فاحتكر الورد وما يخرج من مائه والخل المتخذ من العنب والخيش واتجر في هذه البضائع بمراده واختياره وتحكم في الاقليم تحكم الملاك في املاكهم وعبيدهم وذلك قوة واقتدار
ومات الامير سليم كاشف باسيوط مطعونا وهو من مماليك عثمان بك المعروف بالجرجاوي من البيوت القديمة وخشداش عبد الرحمن بك عثمان المتوفي في سنة خمس ومائتين وألف بالطاعون الذي مات به اسمعيل بك وخلافه وتزوج ابنته بعد موته وكان ملتزما بحصة من اسيوط وشرق الناصري واستوطن باسيوط وبنى بها دارا عظيمة وعدة دور صغار وانشأ بها عدة بساتين وغرس بها وبشرق الناصري اشجارا كثيرة وعمر عدة قناطر وحفر ترعا وصنع جسورا واسبلة في مفاوز الطرق وانشأ دارا بمصر بالمناخلية بسوق الانماطيين واشترى دارا جليلة كانت لسليمان بك المعروف بابي نبوت بحارة عابدين وعمرها وزخرفها وانشأ باسيوط جامعا عظيما ومكتبا فما هو الا أن أكمل بنيانه حتى قدمت الفرنسيس
فاتخدوه سجنا يسجنون به ثم لما قابل المذكور الفرنسيس وامنوه أخذ في اصلاح ما تشعث من البناء وتقيم العمارة ولم يساعده الوقت اذ ذاك لقلة الاخشاب وآلات البناء فاشتغل بذلك على قدر طاقته فلما فرغ البناء وقارب التمام ولم يبق الا اليسير وقع الطاعون باسيوط فمات والمسجد باق على ما هو عليه الآن وهو من المباني العظيمة المزخرفة على هيئة مساجد مصر وكان المذكور ذا بأس وشدة واقدام وشجاعةوتهور مشابه لحسن بك الجداوي في هذه الفعال وموائده مبسوطة وطعامه مبذول وداره باسيوط مقصدا للوارد والقاصد والصادر من الامراء وغيرهم وله اغداقات وصدقات وانواع من البر ومحبة في العمارة وغراس الاشجار واقتناء الانعام وكان متزوجا بثلاث زوجات احداهن ابنة سيده عثمان بك توفيت بعصمته والثانية ابنة خشداشه عبد الرحمن المذكور آنفا والثالثةزوجة علي كاشف المعروف بجمال الدين وكان ذا بأس وله صولة وظلم وتجاوز على سفك الدماء فبذلك خافته عرب الناحية وأهل القرى وقاتل العرب مرارا وقتل منهم الكثير وبسكناه باسيوط كثرت عمارتها وأمنت طرقها برا وبحرا واستوطنها الكثير من الناس لحمايتهم وعدم صولة احد على أهلها وله مهاداة مع الامراء المصرية وأرباب الحل والعقد بها والمتكلمين عندهم فيرسل اليهم الغلال والعبيد والجوراي السود والطواشية وغير ذلك وله عدة مماليك بيض وسود أعتق كثيرا من جملتهم عزيرتا الامير أحمد كاشف المعروف بالشعراوي رقيق حواشي الطبع مهذب الاخلاق ذو فروسية في ركوب الخيل ومحبة في العلماء واللطفاء وهو من جملة محاسن سيده
ومات كل من الامير باكير بك والامير محمد بك تابع حسين بك كشكش كلاهما بالشام ومات غير هؤلاء ممن لم تحضرني اسماؤهم
واستهلت سنة ست عشرة ومائتين وألف بيوم الخميس
وباستهلالها خف امر الطاعون وفي ليلة الجمعة تلك ارسل عبد العال الاغا احضر الشيخ محمد الامير ليلا الى منزله فبيته عنده ولما أصبح النهار طلع به الى القلعة وحبسه عند المشايخ بجامع سارية والسبب في ذلك ان ولد الشيخ المذكور كان من جملة من يستحث الناس على قتال الفرنسيس في الواقعة السابقة بمصر فلما انقضت هرب الى جهة بحرىثم حضر بعد مدة الى مصر فأقام اياما ثم رجع الى قوة بأذن من الفرنسيس فلما حصلت هذه الحركة وتحذروا شدة التحذر وآخذوا الناس بأدنى شبهة وتقرب اليهم المنافقون بالتجسس والاغراء ذكر بعضهم ذلك لقائمقام وادخل في مسامعه ان ابن الشيخ المذكور ذهب الى عرضي الوزير والتف عليهم فأرسل قائممقام الى الشيخ قبل تاريخه فلما حضر سأله عن ولده المذكور فأخبره ان مقيم بفوة فقال له لم يكن هناك وانما هو عند القادمين قال له لم يكن ذلك وان شئتم أرسلت اليه بالحضور فقال له ارسل اليه وأحضره فقام من عنده على ذلك وأمهله ثمانية ايام مدة مسافة الذهاب والمجيء ثم خاطبه على لسان وكيل الديوان ايضا بحضوره أو حضور الجواب بعد يومين واعتذر بعدم أمن الطريق فلما انقضى اليومان أمروا عبد العال بطلبه واصعاده الى القلعة ففعل
وفيه حضر جملة من عساكر الفرنساوية من جهة بحري وتواترت الاخبار بوصول القادمين من الانكليز والعثمانية الى الرحمانية وتملكهم القلعة وما بالقرب منها من الحصون الكائنة بالعطف وغيره وذلك يوم السبت خامس عشرين الحجة
وفيه حضرت زوجة سارى عسكر كبير الفرنسيس بصحبة أخيها السيد علي الرشيدي أحد أعضاء الديوان وكان خرج بها من رشيد حين ما ملكها القادمون ونزل بها في مركب وأرسى بها قبالة الرحمانية فلما حصلت واقعة الرحمانية وأخذت قلعتها حضر بها الى مصر بعد مشقة وخوف من العربان وقطاع الطريق وغير ذلك فأقامت هي وأخوها
ببيت الالفي بالازبكية نحو ثلاثة ايام ثم صعدا الى القلعة
وفيه قربت العساكر القادمة من الجهة الشرقية وحضرت طوالعهم الى القليوبية والمنير والخانكة لاخذ الكلف فتأهب قائمقام بليار للقائهم وامر العساكر بالخروج من أول الليل ثم خرج هو في آخر الليل فلما كان يوم الاحد رابعه رجع قائمقام ومن معه ووقع بينه وبينهم مناوشة فلم يثبت الفرنسيس لقلتهم ورجعوا مهزومين وكتموا امرهم ولم يذكروا شيئا
وفي خامسه رفعوا الطلب عن الناس بباقي نصف المليون وأظهروا الرفق بالناس والسرور بهم لعدم قيامهم عند خروجهم للحرب وخلوا البلدة منهم وكانوا يظنون منهم غير ذلك
وفيه أخذت جملة من عدد الطواحين وأصعدت الى القلعة واكثروا من نقل الماء والدقيق والاقوات اليها وكذلك البارود والكبريت والجلل والقنابر والبنب ونقلوا ما في الاسوار والبيوت من الامتعة والفرش والاسرة وحملوه اليها ولم يبقوا بالقلاع الصغار الا مهمات الحرب
وفيه طلبوا الزياتين وألزموهم بمائتي قنطار شيرج وسمروا جملة من حوانيتهم وخرج جماعة من الجزارين لشراء الغنم من القرى القريبة فقبض عليهم عسارك العثمانية القادمة ومنعوهم من العود بالغنم والبقر وكذلك منعوا الفلاحين الذين يجلبون الميرة والاقوات الى المدينة فانقطع الوارد من الجهات البحرية والقليوبية وعزت الاقوات وشحح اللحم والسمن جدا واغلقت حوانيت الجزارين واجتهد الفرنساوية في وضع متاريس خارج البلد من الجهة الشرقية والبحرية وحفروا خنادق وطلبوا الفعلة للعمل فكانوا يقبضون على كل من وجدوه ويسوقونهم للعمل وكذلك فعلوا بجهة القرافة والقوا الاحجار العظيمة والمراكب ببحر انبابة لتمنع المراكب من العبور وابتدؤا المتاريس البحرية من باب الحديد ممدودة الى قنطرة الليمون الى قصر افرنج أحمد الى السبتية
الى مجرى البحر
وفي ثامنه بعث قائمقام بليار فأحضر التجار وعظماء الناس وسالهم عن سبب غلق الحوانيت فقالوا له من وقف الحال والكساد الجلاء والموت فقال لهم من كان موجودا حاضرا فألزموه بفتح حانوته والا فاخبروني عنه ونزلت الحكام فنادت بفتح الحوانيت والبيع والشراء
وفي عاشره شرعوا في هدم جانب من الجيزة من الجهة البحرية وقربت عساكر الانكليز القادمة من البر الغربي الى البلد المسماة بنادر عند رأس ترعة الفرعونية
وفيه تواترت الاخبار بأن العساكر الشرقية وصلت أوائلها الى بنها وطحلا بساحل النيل وان طائفة من الانكليز رجعوا الى جهة الاسكندرية وان الحرب قائم بها وأن الفرنساوية محصورون بداخل الاسكندرية والانكليز ومن معهم من العساكر يحاربون من خارج وهي في غاية المنعة والتحصين وان الانكليز بعد قدومهم وطلوعهم الى البر ومحاربتهم لهم المرات السابقة أطلقوا الحبوس عن المياه السائلة من البحر المالح منه الى الجسر المقطوع حتى سالت المياه وعمت الاراضي المحيطة بالاسكندرية وأغرقت اطيانا كثيرة وبلادا ومزارع وانهم قعدوا في الاماكن التي يمكن الفرنسيس النفوذ منها بحيث انهم قطعوا عليهم الطرق من كل ناحية
وفي ثاني عشرة نزلت امرأة من القلعة بمتاعها واختفت بمصر فأحضر الفرنسيس حكام الشرطة والزموهم باحضارها وهذه المرأة اسمها هوى كانت زوجة لبعض الامراء الكشاف ثم انها خرجت عن طورها وتزوجت نقولا وأقامت معه مدة فلما حدثت هذه الحوادث جمعت ثيابها واحتالت حتى نزلت من القلعة هي على حمار ومتاعها محمول على حمار آخر فنزلت عند بعض العطف واعطت المكارية الاجرة وصرفتهم من خارج
واختف فلما وقع عليها التفتيش وأحضروا المكارية قالوا لانعلم غير المكان الذي أنزلناها به وأعطتنا الاجرة عنده فشددوا على المكارية ومنعوهم من السروح وقبضوا على أهل الحارة وحبسوهم ثم احضروا مشايخ الحارات وشددوا عليهم وعلى سكان الدور واعلموهم انه ان وجدت المرأة في حارة من الحارات ولم يخبروا عنها نهبوا جميع دور الحارة وعاقبوا سكانها فحصل للناس غاية الضجر والقلق بسبب اختفائها وتفتيش أصحاب الشرطة وخصوصا عبد العال فانه كان يتنكر ويلبس زي النساء ويدخل البيوت بحجة التفتيش عليها فيزعج ارباب البيوت والنساء ويأخذ منهن مصالح ومصاغا ويفعل مالا خير فيه ولا يخشى خالقا ولا مخلوقا
وفي خامس عشره قبضوا على ألطون ابي طاقية النصراني القبطي وحبسوه بالقلعة والزموه بمبلغ دراهم تأخرت عليه من حساب البلاد
وفي سادس عشره أفرجوا عن محمد أفندي يوسف ونزل الى بيته وكذلك الشيخ مصطفىالصاوي لمرضه
وفيه انقضت دعوة تهمة الشيخ خليل البكري ومحصلها ان خادم مملوكه ذهب عن لسان المملوك الى بليار قائمقام وأخبره انه وصل الى استاذه الشيخ خليل البكري المذكور فرمان من عرضي الوزير بالامان وكان هذا باغراء عبد العال ليوقعه في الوبال ويحرك عليه الفرنسيس لحزازة بينه وبينه فلما حضر الشيخ خليل على عادته عند قائمقام سأله عن ذلك فجحده فأحضروا الخادم الذي بلغ ذلك فصدق على ذلك واسند الى المملوك سيده فأحضروا المملوك وسألوه فقال نعم فقالوا له وأين الفرمان فقال قرأه وقطعه فقال الفرنساوية وكيف يقطعه هذا دليل الكذب لانه لا يصح أن يتلقاه بالقبول ثم يقطعه فقيل له ومن أتى به قال فلان فألزموا الشيخ بأحضار ذلك الرجل وحبس المملوك عند عبد العال يومين وحضر الرجل فسألوه فجمد ولم يثبت عليه وظهر
كذب الغلام والخادم فعند ذلك طلب الشيخ غلامه فقال قائمقام ان قصاصه في شريعتنا ان يقطع لسانه فتشفع فيه سيده وأخذه بعد أمور وكلام قبيح قاله الغلام في حق سيده
وفيه حضر حسين كاشف اليهودي الى قائمقام واخبره ان الامراء الذين بالصعيد خرجوا عن طاعة الفرنساوية وردوا مكاتبتهم التي أرسلوها لهم بعد موت مراد بك وانهم مروا وتوجهوا الى بحري من البر الغربي وعثمان بك الاشقر ذهب من خلف الجبل الى جهة الشرق فلما حصل ذلك ركب قائمقام وذهب للست نفيسة وأمنها وطيب خاطرها وأخبرها انها في أمان هي وجميع نساء الامراء والكشاف والاجناد ولا مؤاخذة عليهم بما فعله رجالهن
وفي عشرينه توكل رجل قبطي يقال له عبد الله من طرف يعقوب بجمع طائفة من الناس لعمل المتاريس فتعدى على بعض الاعيان وأنزلهم من على دوابهم وعسف وضرب بعض الناس على وجهه حتى أسأل دمه فتشكى الناس من ذلك القبطي وأنهوا شكواهم الى بليار قائمقام فأمر بالقبض على ذلك القبطي وحبسه بالقلعة ثم فردوا على كل حارة رجلين يأتي بهما شيخ الحارة وتدفع لهما اجرة من شيخ الحارة
وفيه وردت الاخبار بان الوزير وصل دجوة
وفي يوم الاثنين سمع عدة مدافع على بعد وقت الضحوة
وفي ذلك اليوم قبل العصر طلبوا مشايخ الديوان فاجتمعوا بالديوان وحضر الوكيل والترجمان وطلبهم للحضور الى قائمقام فلما حصلوا عنده قال لهم على لسان الترجمان نخبركم أن الخصم قد قرب منا ونرجوكم أن تكونوا على عهدكم مع الفرنساوية وأن تنصحوا أهل البلد والرعية بان يكونوا مستمرين على سكونهم وهدوهم ولا يتداخلوا في الشر والشغب فان الرعية بمنزلة الولد وأنتم بمنزلة الوالد والواجب على الوالد نصح ولده وتأديبه وتدريبه على الطريق المستقيم التي يكون
فيها الخير والصلاح فإنهم ان داموا على الهدو حصل لهم الخير ونجوا من كل شر وان حصل منهم خلاف ذلك نزلت عليهم النار وأحرقت دورهم ونهبت أموالهم ومتاعهم ويتمت اولادهم وسبيت نساؤهم والزموا بالأموال والفرد التي لا طاقة لهم بها فقد رأيتم ما حصل في الوقائع السابقة فأحذروا من ذلك فإنهم لا يدرون العاقبة ولا نكلفكم المساعدة لنا ولا المعاونة لحرب عدونا وانما نطلب منكم السكون والهدو لا غير فأجابوه بالسمع والطاعة وقولهم كذلك وقرىء عليهم ورقة بمعنى ذلك وأمروا الاغا واصحاب الشرطة بالمناداة على الناس بذلك وأنهم ربما سمعوا ضرب مدافع جهة الجيزة فلا ينزعجوا من ذلك فانه شنك وعيد لبعض أكابرهم وأن يجتمع من الغد بالديوان الاعيان والتجار وكبار الاخطاط ومشايخ الحارات ويتلى عليهم ذلك فلما كان ضحوة يوم الثلاثاء اجتمعوا كما ذكر وحصلت الوصية والتحذير وانتهى المجلس وذهبوا الى محلاتهم
وفي ذلك اليوم اشيع حضور الوزير الى شلقان وكذلك عساكر الانكليز بالناحية الغربية وصلوا الى أول الوراريق
وفي يوم الجمعة غايته اجتمع المشايخ والوكيل بالديوان على العادة وحضر استوف الخازندار وترجم عنه رفاييل بقوله انه يثنى على كل من القاضي والشيخ اسمعيل الزرقاني باعتنائهما فيما يتعلق بأمر المواريث وبيت المال والمصالح على التركات المختومة لان الفرنساوية لم يبق لهم من الايراد الا ما يتحصل من ذلك والقصد الإعتناء ايضا بأمر البلاد والحصص التي انحلت بموت أربابها فلازم ايضا من المصالحة والحلوان والمهلة في ذلك ثمانية ايام فمن لم يصالح على الالتزام الذي له فيه شبهة في تلك المدة ضبطت حصته ولا يقبل له عذر بعد ذلك واعلموا أن أرض مصر استقر ملكها للفرنساوية فلازم من اعتقادكم ذلك وأركزوه في أذهانكم كما تعتقدون وحدانية الله تعالى ولا يغرنكم هؤلاء القادمون
وقربهم فانه لا يخرج من أيديهم شيء أبدا وهؤلاء الانكليز ناس خوارج حرامية وصناعتهم القاء العداوة والفتن والعثملي مغتربهم فان الفرنساوية كانت من الاحباب الخلص للعثملي فلم يزالوا حتى اوقعوا بينه وبينهم العداوة والشرور وان بلادهم ضيقة وجزيرتهم صغيرة ولو كان بينهم وبين الفرنساوية طريق مسلوك من البر لا تمحى أثرهم ونسى ذكرهم من زمان مديد وتأملوا في شأنهم وأي شيء خرج من أيديهم فإن لهم ثلاثة أشهر من حين طلوعهم الى البر والى الآن لم يصلوا الينا والفرنسيس عند قدومهم وصلوا في ثمانية عشر يوما فلو كان فيهم همة او شجاعة لوصلوا مثل وصولنا وكلام كثير من هذا النمط في معنى ذلك من بحر الغفلة ثم ذكر البكري والسيد احمد الزر وأنه حضر مكتوب من رشيد على يد رجل حناوي لاخر من منية كنانة يذكر فيه أنه حضر الى اسكندرية مراكب وعمارة من فرانسا وان الانكليز رجعت اليهم وان الحرب قائمة بينهم على ظهر البحر فقال الخازندار يمكن ذلك وليس ببعيد ثم نقلوا ذلك الى بليار قائمقام فطلب الرجل الراوي لذلك فأحضر الزرو رجلا شرقاويا حلف لهم انه سمع ذلك بأذنه من الرجل الواصل الى منية كنانة من رشيد
شهر صفر الخير سنة استهل بيوم السبت
وفي ذلك اليوم قبل المغرب مشى عبد العال الاغا وشق في شوارع المدينة وبين يديه منادى يقول الامن والامان على جميع الرعايا وفي غد تضرب مدافع وشنك من الفلا في الساعة الرابعة فلا تخافوا ولا تنزعجوا فانه حضرت بشارة بوصول بونابارته بعمارة عظيمة الى الاسكندرية وان الانكليز رجعوا القهقرى فلما أصبح يوم الاحد في الساعة الرابعة من الشروق ضربت عدة مدافع وتابعوا ضربها من جميع القلاع وصعد أناس الى المنارات ونظروا بالنظارات فشاهدوا عساكر الانكليز بالجهة الغربية وصلوا الى آخر الورايق وأول انبابة ونصبوا خيامهم أسفل انبابة وعند وصولهم الى مضاربهم ضربوا عدة مدافع فلما سمعها الفرنساوية ضرب الاخرون تلك المدافع التي ذكروا انها شنك وأما العساكر الشرقية فوصلت اوائلهم الى منية الامراء المعروفة بمنية السيرج والمراكب فيما بينها من البرين بكثرة فعند ذلك عزت الاقوات وشبحت زيادة على قلتها وخصوصا السمن والجبن والاشياء المجلوبة من الريف ولم يبق طريق مسلوكة الى المدينة الا من جهة باب القرافة وما يجلب من جهة البساتين من القمح والتبن فيأتي ذلك الى عرضة الغلة بالرميلة ويزدحم عليه النساء والرجال بالمقاطف فيسمع لهم ضجة عظيمة وشح اللحم ايضا وغلا سعره لقلة المواشي والاغنام فوصل سعر الرطل تسعة أنصاف والسمن خمسة وثلاثين نصفا والبصل باربعمائة فضة القنطار والرطل الصابون بثمانين فضة والشيرج عشرين نصفا وأما الزيت فلا يوجد البتة وغلت الابزار جدا واتفق الى قصة غريبة وهو اني احتجت الى بعض أنيسون فأرسلت خادمي الى الابزارية على العادة يشتري لي منه بدرهم فلم يجده وقيل له انه لا يوجد الا عند فلان وهو يبيع الأوقية بثلاثة عشر نصفا ثم اتاني منه باوقيتين بعد جهد في تحصيله فحسب على ذلك سعر الاردب فوجدته يبلغ خمسمائة ريال أو قريبا من ذلك فكان ذلك من النوادر الغريبة
وفي يوم الاثنين ثالثه حصلت الجمعية بالديوان وحضر التجار ومشايخ الحارات والاغا وحضر مكتوب من بليار قائمقام خطابا بالارباب الديوان والحاضرين يذكر فيه أنه حضر اليه مكتوب من كبيرهم منوبا بالاسكندرية صحبة هجانة فرنسيس وصلوا اليهم من طريق البرية مضمونة أنه طيب بخير والاقوات كثيرة عندهم يأتي بها العربان اليهم وبلغهم خبر وصول عمارة مراكب الفرنساوية الى بحر الخزز وانها من قريب تصل الاسكندرية وأن العمارة حاربت بلاد الانكليز واستولت على شقة كبيرة منها فكونوا مطمئنين الخاطر من طرفنا ودوموا على هدوكم
وسكونكم الىآخر ما فيه من التمويهات وكل ذلك لسكون الناس وخوفا من قيامهم في هذه الحالة وكان وصول هذا المكتوب بعد نيف وأربعين يوما من انقطاع اخبار في اسكندرية ولا أصل لذلك
وفي ذلك اليوم قتل عبد العال رجلا ذكروا أنه وجد معه مكتوب من بعض النساء مرسل الى بعض أزواجهن بالعرضي قتل ذلك الرجل بباب زويلة ونودي عليه هذا جزاء من ينقل الاخبار الى العثملي والانكليز
وفيه وصلت العساكر الشرقية الى العادلية وامتد العرضي منها الى قبلي منية السيرج وكذلك الغريبة الى انبابة ونصبوا خيامهم بالبرين والمراكب بينهم في النيل وضربوا عدة مدافع وخرج عدة من الفرنساوية خيالة فترامحوا معهم وأطلقوا بنادق ثم انفصلوا بعد حصة من الليل ورجع كل الى مأمنه واستمر هذا الحال على هذا المنوال يقع بينهم في كل يوم وفي سادسه زحفت العساكر الشرقية حتى قربوا من قبة النصر وسكن ابراهيم بك زاوية الشيخ دمرداش وحضر جماعة من العسكر وأشرفوا على الجزارين من حائط المذبح وطلبوا شيخ الجزارين ووجدوا ثلاثة انفار من الفرنسيس فضربوا عليهم بنادق فأصيب أحدهم في رجله فأخذوه وهرب الاثنان واصيب جزار يهودي ووقع بين الفريقين مضاربة على بعد وقتل بعض قتلى وأسر بعض اسرى ولم يزل الضرب بينهم الى قريب العصر والفرنسيس يرمون من القلعة الظاهرية وقلعة نجم الدين والتل ولا يتباعدون عن حصونهم
وفي سابعه وقعت مضاربة بين الفريقين ببنادق ومدافع من الصباح الى العصر ايضا
وفيه أشبع موت السيد أحمد المحروقي بدجوة وكان مريضا بها وامتنع الوارد من الجهة البحرية بالكلية
وفيه قبضوا على رجل شبه خدام ظنوه جاسوسا فاحضروه عند قائمقام
فسألوه فلم يقر بشيء فضربوه عدة مرار حتى ذهل عقله وصار كالمختل وكرروا عليه الضرب والعقاب وضربوه بالكرابيج على كفوفه ووجهه ورأسه حتى قيل أنهم ضربوه نحو ستة آلاف كرباج وهو على حاله ثم أودعوه الحبس
وفيه اطلقوا محبوسا يقال له الشيخ سليمان حمزة الكاتب وكان محبوسا بالقلعة من مدة اشهر فطلق على مصلحة الفي ريال
وفي ثامنه وقعت مضاربة أيضا بطول النهار ودخل نحو خمسة وعشرين نفرا من عسكر العثمانية الى الحسينة وجلسوا على مساطب القهوة واكلوا كعكا وخبزا وفولا مصلوقا وشربوا قهوة ثم انصرفوا الى مضربهم وأخذ الفرنساوية عسكريا من اتباع محمد باشا والى غزة والقدس المعروف بأبي مرق فحبسوه ببيت قائمقام وأغلقوا في ذلك اليوم باب النصر وباب العدوي
وفيه زحفت عساكر البر الغربي الى تحت الجيزة فحضر في صبحها بنى وأخبر قائمقام فركب من ساعته وعدى الى بر الجيزة فسمع الضرب ايضا من ناحية الجيزة وسمعت طبول الامراء ونقاقيرهم واستمر الامر الى يوم الثلاثاء حادي عشره فبطل الضرب في وقت الزوال ولما حصلوا جهة الجيزة انتشروا الى قبلي منها ومنعوا المعادي من تعدية البر الشرقي فانقطع الجالب من الناحية القبلية أيضا فامتنع وصول الغلال والاقوات والبطيخ والعجور والخضروات والخيار والسمن والجبن والمواشي فعزت الاقوات وغلت الاسعار في الاشياء الموجودة منها جدا واجتمع الناس بعرصة الغلة بالرميلة يريدون شراء الغلة فلم يجدوها فكثر ضجيجهم وخرج الاكثر منهم بمقاطفهم الى جهة البساتين ورجع الباقون من غير شيء فاحضر عبد العال القبانية وألزمهم باحضار السمن وضرب البعض منهم فاحضروا له في يومين أربعة عشر رطلا بعد الجهد في تحصيلها وبيعت الدجاجة بأربعين نصفا وامتنع وجود اللحم
من الاسواق واستمر الامر على ذلك الاربعاء والخميس والمضاربة بين الفريقين ساكنة وأشيع وقوع المسالمة والمراسلة بينهما والمتوسط في ذلك الانكليز وحسين قبطان باشا فانسر الناس وسكن جاشهم لسكون الحرب
وفي ذلك اليوم اغلقوا باب القرافة وباب المجراة ولم يعلم سبب ذلك ثم فتحوهما عند الصباح من يوم الجمعة ورفعوا عشور الغلة
وفي يوم الاثنين سابع عشرة أطلقوا المحبوسين بالقلعة من أسرى العثمانية وأعطوا كل شخص مقطع قماش وخمسة عشر قرشا وأرسلوهم الى عرضي الوزير وكان بلغ بهم الجهد من الخدمة والفعالة وشيل التراب والاحجار وضيق الحبس والجوع ومات الكثير منهم وكذلك أفرجوا عن جملة من العربات والفلاحين
وفي ليلة الاثنين المذكور سمع صوت مدفع بعد الغروب عند قلعة جامع الظاهر خارج الحسينية ثم سمع منها اذان العشاء والفجر فلما أضاء النهار نظر الناس فاذا البيرق العثماني بأعلاها والمسلمون على أسوارها فعلموا بتسليمها وكان ذلك المدفع اشارة الى ذلك ففرح الناس وتحققوا أمر المسالمة وأشيع الافراج عن الرهائن من المشايخ وغيرهم وباقي المحبوسين في الصباح واكثر الفرنساوية من النقل والبيع في أمتعتهم وخيولهم ونحاسهم وجواريهم وعبيدهم وقضاء أشغالهم
وفي ذلك اليوم أنزلوا عدة مدافع من القلعة وكذلك من قلعة باب البرقية وأمتعة وفرش وبارود
وفي يوم الثلاثاء عمل الديوان وحضر الوكيل واعلن بوقوع الصلح والمسالمة ووعد ان في الجلسة الآتية يأتي اليهم فرمان الصلح وما اشتمل عليه من الشروط ويسمعونه جهارا
وفي ذلك اليوم اكثر اهتمام الفرنساوية بنقل الامتعة من القلعة الكبيرة
وباقي القلاع بقوة السعي
وفيه أفرجوا عن محمد جلبي ابي دفية واسمعيل القلق ومحمد شيخ الحارة بباب اللوق والبرنوسي نسيب ابي دفية والشيخ خليل المنبر وآخرين تكملة ثمانية نفار ونزلوا الى بيوتهم
وفيه سافر عثمان بك البرديسي الى الصعيد وعلى يده فرمانات للبلاد بالامن والامان وسوق المراكب بالغلال والاقوات الى مصر ويلاقي سنة آلاف من عسكر الانكليز حضروا من القلزم الى القصير
وفيه شنق الفرنساوية شخصا منهم على شجرة ببركة الازبكية قيل انه سرق
وفيه أرسل الفرنساوية الى الوزير وطلبوا منه جمالا ينقلون عليها متاعهم فأمر لهم بارسال مائتي جمل وقيل اربعمائة مساعدة لهم وفيها من جمال طاهر باشا وابراهيم بك
وفي يوم الخميس عشرينه أفرجوا عن بقية المسجونين والمشايخ وهم شيخ السادات والشيخ الشرقاوي والشيخ الامير والشيخ محمد المهدي وحسن أغا المحتسب ورضوان كاشف الشعرواي وغيرهم فنزلوا الى بيت قائمقام وقابلوه وشكروه فقال للمشايخ ان شئتم اذهبوا فسلموا على الوزير فانى كلمته ووصيته عليكم
وفيه حضر الوزير ومن معه من العساكر الى ناحية شبرا وكذلك الانكليز وصحبتهم قبطان باشا الى الجهة الغربية والعساكر تجاههم ونصبوا الجسر فيما بينهم اعلى البحر وهو من مراكب مرصوصة مثل جسر الجيزة بل يزيد عنه في الاتقان بكونه من الواح في غاية الثخن وله درابزين من الجهتين ايضا وهو عمل الانكليز
وفيه ألصقوا أوراقا بالطرق المكتوبة بالعربي والفرنساوي وفيها شرطان من شروط الصلح التي تتعلق بالعامة ونصها ثم انه أراد الله تعالى بالصلح ما بين عسكر الفرنساوية وعساكر الانكليز وعساكرالعثمانية
ولكن مع هذا الصلح انفسكم واديانكم ومتاعكم ما ا د يقارشكم ورؤوس عساكر الثلاثة جيوش قد اشترطوا بهذا كما ترونه الشرط الثاني عشر كل واحد من أهالي مصر المحروسة من كل ملة كانت الذي يريد ان يسافر مع الفرنساوية يكون مطلق الارادة وبعد سفره كامل ما يبقى عياله ومصالحه ما احد يعارضهم الشرط الثالث عشر لا احد من اهالي مصر المحروسة من كل ملة كانت يكون قلقا من قبل نفسه ولا من قبل متاعه جميع الذين كانوا بخدمة الجمهور الفرنساوي بمدة اقامة الجمهور بمصر ولكن الواجب أن يطيعوا الشريعة ثم يا أهالي مصر وأقاليمها جميع الملل أنتم ناظرون لحد آخر درجة الجمهور الفرنساوي ناظر لكم ولراحتكم فيلزم أنتم ايضا تسلكون في الطريق المستقيمة وتفتكرون ان الله جل جلاله هو الذي يفعل كل شيء وعليه امضاء بليار قائمقام
وفي يوم الجمعة عملوا الديوان وحضر المشايخ والوكيل فقال الوكيل بلغكم بقية الشروط الثلاثة عشر فقالوا لا فأبرز ورقة من كمه بالقلم الفرنساوي فشرع يقرؤها والترجمان يفسرها وهي تتضمن الاحد عشر شرطا الباقية فقال ان الجيش الفرنساوي يلزم أن يخلوا القلاع ومصر ويتوجهوا على البر بمتاعهم الى رشيد وينزلوا في مراكب ويتوجهوا الى بلادهم وهذا الرحيل ينبغي أن يسرع به وأقل ما يكون في خمسين يوما وأن يساق الجيش من طريق مختصر وسر عسكر الانكليز والمساعد يلزم أن يقوما لهم بجميع ما يحتاجونه من نفقة ومؤنة وجمال ومراكب والمحل الذي يبدأ منه السعي يكون بالتراضي بين الجمهور والانكليز والمساعد وكامل الامتعة والاثقال تتوجه من البحر ومعهم جيش من الفرنساوي لاجل الحراسة ولا بد من كون المؤنة التي تترتب لهم كالمؤنة التي كانوا يعطونها هم لجيش الانكليز ورؤسائهم وعلى رؤوساء عساكر الانكليز وحضره العثملي القيام بنفقة الجميع
والحكام المتقيدون بذلك يحضرون لهم المراكب ليسفروهم الى فرانسا من جهة البحر المحيط وان يقدم كل من حضرة العثملي والانكليز اربعة مراكب للعليق والعلف للخيل التي يأخذونها في المراكب وأن يسيروا معهم مراكب للمحافظة عليهم الى أن يصلوا الى فرانسا وان الفرنساوية لا يدخلون مينة الا مينة فرانسا والامناء والوكلاء يقدمون لهم ما يحتاجون اليه نظرا لكفاية عساكرهم والمدبرون والامناء والوكلاء والمهندسون الفرنساوية يستصحبون معهم ما يحتاجونه من أوراقهم وكتبهم ولو التي شروها من مصر وكل من أهل الاقليم المصري أذا أراد التوجه معهم فهو مطلق السراح مع الامن على متاعه وعياله وكذلك من داخل الفرنساوية من أي ملة كانت فلا معارضة له الا ان يجري على أحواله السابقة وجرحى الفرنساوية يتخلفون بمصر ويعالجهم الحكماء وينفق عليهم حضرة العثملي واذا عوفوا توجهوا الى فرانسا بالشروط المتقدم ذكرها وحكام العثملي يتعهدون من بمصر منهم ولا بد من حاكمين من طرف الجيشين يتوجهان بمركبين الى طولون فيرسلون خبرا الى فرانسا ليطلعوا حكامها على الصلح وسائر الرسوم وكل جدال وخصام صدر بين شخصين من الفرنساوية فلا بد أن يقام شخصان حاكمان من الطائفتين ليتكلما في الصلح ولا يقع في ذلك نقض عهد الصلح وعلى كل طائفة معين من العثملي والفرنساوي ان تسلم ما عندها من الاسرى ولا بد من رهائن من كل طائفة واحد كبير يكون عند الطائفة الاخرى حتى يتوصلوا الى فرانسا اه ثم قال الوكيل وقد علمنا بالشروط وما ندري ماذا يكون فقيل له هذه شروط عليها علامة القبول وهذا الصلح رحمة للجميع وسيكون الصلح العام فقال الوكيل اني ارجو ان يكون هذا الصلح الخصوصي مبدأ للصلح العمومي
وفيه كثر خروج الناس ودخولهم من الاتباع والباعة والمتنكرين من نقب البرقية المعروف بالغريب فصار الحرسجية من الفرنساوية يأخذون
من الداخل الخارج دراهم ولا يمنعونهم فلما علم الناس بذلك كثر ازدحامهم فلما أصبحوا منعوهم فدخلوا وخرجوا من باب القرافة فلم يمنعهم الواقفون به من الفرنسيس بل كانوا يفتشون البعض ويمنعون البعض وكل ذلك حذرا من أفعال الطموش وسوء أخلاقهم وتوالد الشر بسببهم وقد دخل بعضهم أكابر الانكليز وصحبتهم فرنساوية يفرجونهم على البلدة والاسواق وكذلك دخل بعض أكابر العثمانية فزاروا قبر الامام الشافعي والمشهد الحسيني والشيخ عبد الوهاب الشعراوي والفرنساوية ينتظرونهم بالباب
وفي ليلة الاثنين رابع عشرينه نادوا في الاسواق برمي مدافع في صبحه وذلك لنقل رمة كلهبر فلا يرتاع الناس من ذلك فلما كان في صبح ذلك اليوم اطلقوا مدافع كثيرة ساعة نبش القبر بالقرب من قصر العيني واخرجوا الصندوق الرصاص الموضوع فيه رمته لياخذوه معهم الى بلادهم
وفيه ارسلوا اوراقا ورسلا للاجتماع بالديوان وهو آخر الدواوين فاجتمع المشايخ والتجار وبعض الوجاقلية واستوف الخازندار والوكيل والترجمان فلما استقر بهم الجلوس أخرج الوكيل كتابا مختوما وأخبر أن ذلك الكتاب من سارى عسكر منو بعث به الى مشايخ الديوان ثم ناوله لرئيس الديوان ففضه وناوله للترجمان فقرأه والحاضرون ويسمعون وصورته بعد البسملة والجلالة والصدر نخبركم أنا علمنا بكثرة الانبساط انكم تهتدون بكثرة الحكمة والانصاف في الموضع الذي أنتم مستمرون فيه وان لم تقدروا لتنظيم أهالي البلد بالهدى والطاعة الموجبة منه لحكومة الفرنساوي فالله تعالى بسعادة رسوله الكريم عليه السلام الدائم ينعم عليكم في الدارين عوض خيراتكم وأخبرنا المقدام الجسور بونابارته المشهور عن كل ما فعلتم حاكما ونافعا بوصايا لاجلكم سارة رضي واستراح لتلك الفعال الجيدة وعرفني ايضا أنه عن قريب
يرسل لكم بذاته جواب جميع مكاتيبكم اليه قدمتم الان بخير الهدى وبقوته تعالى نرى فضائلكم عن قريب ونواجه سكان محروسة مصر كما هو مأمولنا لكن يسركم ان الجمهور المنصور غلب في أقاليم الروم جميع اعدائه وبعون الله هادي كل شيء سيغلب كذلك العدا في مصر واعتمدوا بأكثر الاعتماد على الستويان جيرار هذا الذي وضعناه قربكم لانه هو رجل مشهور بالعدل والاستقامة ونوجه الى هممكم النصيحة الى زوجتنا الكريمة السيدة زبيدة وولدنا العزيز سليمان مراد أن كليهما حالا كائنان في حصننا في مصر الخ وذكر كثيرا من امثال هذه الخرافات والتمويهات ثم اخرج ورقة بالفرنساوي وقرأها بنفسه حتى فرغ منها ثم قرأ ترجمتها بالعربي الترجمان رفاييل ومضمونها حصول الصلح وتمويهات وهلسيات ليس في ذكرها فائدة ولما انتهى من قراءتها ابرز ايضا استوف الخازندار ورقة وقرأها بالفرنساوي ثم قرأ ترجمتها بالعربي الترجمان وهي في معنى الاولى
وركب المشايخ وخرجوا للسلام على الوزير يوسف باشا الذي يقال له الصدر الاعظم والسلام على القادمين معه ايضا من اعيان دولتهم والامراء المصرية وكانوا عزموا على الذهاب في الصباح فعوقوا لبعد الديوان وأما الشيخ السادات فانه خرج للسلام من أول النهار وكتب لهم قائمقام أوراقا للحرسجية لانهم مستمرون على منع الناس من الدخول والخروج وأبواب البلد مغلقة وكان خروجهم من طريق بولاق فلما وصلوا الى العرضي سلموا على ابراهيم بك وتوجه معهم الى الوزير فلما وصلوا الى الصيوان أمروهم برفع الطياسانا التي على أكتافهم وتقدموا للسلام عليه فلم يقم لقدومهم فجلسوا ساعة لطيفة وخرجوا من عنده وسلموا ايضا على محمد باشا المعروف بأبي مرق وعلي المحروقي والسيد عمر مكرم وباتوا تلك الليلة بالعرضي ثم عادوا الى بيوتهم
وفي ثاني يوم عدوا الى البر الغربي وسلموا على قبطان باشا ورجعوا الى منازلهم
وفيه أرسل ابراهيم بك أمانا لاكابر القبط فخرجوا ايضا وسلموا ورجعوا الى دورهم وأما يعقوب فأنه خرج بمتاعه وعازقه وعدي الى الروضة وكذلك جمع اليه عسكر القبط وهرب الكثير منهم واختفى واجتمعت نساؤهم وأهلهم وذهبوا الى قائمقام وبكوا وولولوا وترجوه في ابقائهم عند عيالهم واولادهم فإنهم فقراء وأصحاب صنائع ما بين نجار وبناء وصائغ وغير ذلك فوعدهم انه يرسل الى يعقوب انه لا يقهر منهم من لا يريد الذهاب والسفر معه
وفيه ذهب بليار قائمقام وصحبته ثلاثة انفار من عظماء الفرنسيس الى العرضي وقابلوا الوزير فخلع عليهم وكساهم فراوى سمور ورجعوا
وفي يوم الاربعاء تاسع عشره خرج المسافرون مع الفرنساوية الى الروضة والجيزة بمتاعهم وحريمهم وهم جماعة كثيرة من القبط وتجار الافرنج والمترجمين وبعض مسلمين ممن تداخل معهم وخاف على نفسه بالتخلف وكثير من نصارى الشوام والاروام مثل يني وبرطلمين ويوسف الحموي وعبد العال الاغا ايضا طلق زوجته وباع متاعه وفراشه وما ثقل عليه حمله من طقم وسلاح وغيره فكان اذا باع شيئا يرسل خلف المشتري ويلزمه باحضار ثمنه في الحال قهرا ولم يصحب معه الا ما خف حمل وغلا ثمنه
وفيه حضر وكيل الديوان الى الديوان وأحضر جماعة من التجار وباع لهم فراش المجلس بثمن قدره ستة وثلاثون ألف فضة على ذمة السيد أحمد الزرو
وفي ذلك اليوم ايضا فتحوا باب الجامع الازهر وشرعوا في كنسه وتنظيفه
وفي ذلك اليوم وما بعده دخل بعض الانجليز ومروا بأسواق المدينة يتفرجون وصحبتهم اثنان أو واحد من الفرنسيس يعرفونهم الطرق
وأشيع في ذلك اليوم ارتحال الفرنساوية ونزولهم من القلاع وتسليمهم الحصون من الغد وقت الزوال
فلما أصبح يوم الخميس ومضى وقت الزوال لم يحصل ذلك فاختلفت الروايات فمن الناس من يقول ينزلون يوم الجمعة ومنهم من يقول انهم أخذوا مهلة ليوم الاثنين وبات الناس يسمعون لغط العساكر العثمانية وكلامهم ووطء نعالاتهم فنظروا فاذا الفرنساوية خرجوا بأجمعهم ليلا وأخلوا القلعة الكبيرة وباقي القلاع والحصون والمتاريخ وذهبوا الى الجيزة والروضة وقصر العيني ولم يبق منهم شبح يلوح بالمدينة وبولاق ومصر العتيقة والازبكية ففرح الناس كعادتهم بالقادمين وظنوا فيهم الخير وصاروا يتلقونهم ويسلمون عليهم ويباركون لقدومهم والنساء يلقلقن بالسنتهن من الطيقان وفي الاسواق وقام للناس جلبة وصياح وتجمع الصغار والاطفال كعادتهم ورفعوا اصواتهم بقولهم نصر الله السلطان ونحو ذلك وهؤلاء الداخلون ودخلوا من نقل الغريب المثقوب في السور وتسلقوا ايضا من ناحية العطوف والقرافة وأما باب النصر والعدوى فهما على حالهما مغلوقان لم يأذنوا بفتحهما خوفا من تزاحم العسكر ودخولهم المدينة دفعة واحدة فيقع فيهم الفشل والضرر بالناس وباب الفتوح مسدود بالبناء فلما تضحي النهار حضر قبي قول وفتح باب النصر والعدوى واجلس بهما جماعة من النيكجرية ودخل الكثير من العساكر مشاة وركبانا اجناسا مختلفة ودخلت بلوكات الينكجرية وطافوا بالاسواق ووضعوا نشاناتهم وزنكهم على القهاوى والحوانيت والحمامات فامتعض أهل الاسواق من ذلك وكثر الخبز واللحم والسمن والشيرج بالاسواق وتواجدت البضائع وانحلت الاسعار وكثرت الفاكهة مثل العنب والخوخ والبطيخ وتعاطي بيع غالبها الاتراك والارنؤد
فكانوا يتلقون من يجلبها من الفلاحين بالبحر البر ويشترونها منهم بالاسعار الرخيصة ويبيعونها على أهل المدينة وبولاق بأغلى الاثمان ووصلت مراكب من جهة بحري وفيها البضائع الرومية واليميش من البندق واللوز والجوز والزبيب والتين والزيتون الرومي
فلما كان قبل صلاة الجمعة واذا بجاويشية وعساكر وأغوات وتلا ذلك حضره يوسف باشا الصدر فشق من وسط المدينة وتوجه الى المسجد الحسيني فصلى فيه الجمعة وزار المشهد الحسيني ودعاه حضرة الشيخ السادات الى دره المجاورة للمشهد فأجابه فدخل معه وجلس هنيهة ثم ذهب الى الجامع الازهر فتفرج عليه وطاف بمقصورته وأروقته وجلس ساعة لطيفة وأنعم على الكناسين والخدمة بدراهم وكذلك خدمة المسجد الحسيني ثم ركب راجعا الى وطاقة بناحية الحلي بشاطيء النيل وعملوا في ذلك الوقت شنكا وضربوا مدافع كثيرة من العرضي والقلعة ودخل قلقات الينكجرية وجلسوا برؤوس العطف والحارات وكل طائفة عندها بيرق ونادوا بالامان البيع والشراء وطلب اولئك القلقات من أهل الاخطاط المآكل والمشارب والقهوات والزموهم بذلك وانحاز الفرنساوية الى جهة قصر العيني والروضة والجيزة الى حد قلعة الناصرية وفم الخليج وعليها بنديراتهم ووقف حرسهم عند حدهم يمنعون من يأوى الى جهتهم من العثمانية فلا يمر العثماني الا الى الجهة الموصلة الى بولاق واما اذا كان من اهل البلد فيمر حيث أراد وفي مدة اقامة المشار اليه بساحل الحلى ببولاق خرب عساكره ما قرب منهم من الابنية والسواقي والمتريز الذي صنعه الفرنساوية من حد باب الحديد الى البحر وأخذوا ما بذلك من الافلاق الكثيرة المتهدمة والأخشاب المنجرة المرصوصة فوق المتريز وتحته وفي الخندق فخربوا ذلك جميعه في هذه المدة القليلة وذلك لاجل وجود النار والمطابخ
وفي يوم السبت دخل قبي قول وهو المسمى عند المصريين كتخدا
الينكجرية وشق المدينة وأمر بمحو نشانات الانكشارية من الحوانيت ولم يترك الا القهاوي
واستهل شهر ربيع الاول بيوم الاحد سنة
فيه ركب أغات الينكجرية الكبير العثملي وشق المدينة وخلفه سليم آغا المصري ودخل الكثير من العساكر والاجنادالمصرية بمتاعهم وعازقهم واحمالهم وطلبوا البيوت وسكنوها ودخل محمد باشا المعروف بأبي مرق الغزي وهو المرشح لولاية مصر وسكن ببيت الهياتم بالقرب من مشهد الاستاذ الحنفي وأرسل الى المشايخ وكبار الحارات وطلب منهم التعريف عن البيوت الخالية بالاخطاط
وفي يوم الثلاثاء ثالثه حضر حسين باشا القبطان من الجيزة ودخل المدينة وتوجه الى المشهد الحسيني فزاره وذبح به خمس جواميس وسبعة كباش واقتسمتها خدمة الضريح وحلق تاج المقام باربعةشيلان كشميري وأخذ قياس المقام ليصنع له سترا جديدا وفرق عليهم وعلى الفقراء نحو ألفي محبوب ذهب اسلامبولي
وفي ذلك اليوم وقعت حادثة وهو أن شخصا من العسكر بالجمالية شرب من العرقسوسي شربة عرقسوس ولم يدفع له ثمنها فكلم العرقسوسي القلق الانكشاري فأحضره وأمره بدفع ثمنها ونهره وأراد ضربه فاستل ذلك العسكري الطبنجة وضرب ذلك الحاكم فقتله وهرب الى حارة الجوانية ودخل الى دار وامتنع فيها وصار يضرب بالرصاص على كل من قصده فقتل خمسة أنفار ومر شخصان من الارنؤد بتلك الخطة فقتلهما الانكشارية لكون الغريم أرنؤديا من جنسهما فلما أعياهم أمره حرقوا عليه الدار فخرج هاربا من النار فقبضوا عليه وقتلوه ومات تسعة أشخاص في شربة عرقسوس
ووقع في ذلك اليوم ايضا ان شخصين من القليونجية دخلا الى دار رجل نصراني فأخذا من بيته بقعتين من الثياب وخرجا فوجدا شخصين مارين من الفلاحين فسخراهما في حمل البقجتين فخرج النصراني وشكا الى القلق فأمر بالقبض على الشخصين العسكريين فتخلصا وهربا بعد ان انجرح احدهما واخذوا الشخصين المسخرين فقطعوا رؤسهما ظلما وعدوانا وذلك من مبادي قبائحهم
وفي يوم الاربعاء رابعه ارتحل الفرنساوية واخلوا قصر العيني والروضة والجيزة وانحدروا الى بحري الوراريق وارتحل معهم قبطان باشا ومعظم الانكليز ونحو الخمسة آلاف من عسكر الارنؤد ومن الامراء المصرية عثمان بك الاشقر ومراد الصغير واحمد بك الكلارجي واحمد بك حسن فكانت مدة الفرنساوية وتحكمهم بالديار المصرية ثلاث سنوات واحدا وعشرين يوما فأنهم ملكوا برانبابة والجيزة وكسرو الامراء المصرية يوم السبت تاسع شهر صفر سنة ثلاث عشرة ومائتين وألف وكان انتقالهم ونزولهم من القلاع وخلو المدينة منهم وانخلاعهم عن التصرف والتحكم ليلة الجمعة الحادي والعشرين من شهر صفر سنة ست عشرة ومائتين وألف فسبحان من لا يزول ملكه ولا يتحول سلطانه
وفي ذلك اليوم حضر السيد عمر افندي نقيب الاشراف وصحبته السيد أحمد المحروقي شاه بندر التجار بمصر وعليهما خلعتا سمور وتوجها الى دورهما
وفيه نبهوا على موكب حضرة الوزير يوسف باشا من الغد فلما أصبح يوم الخميس خامسه اجتمع الناس من جميع الطوائف وسائر الاجناس وهرع الناس للفرجة وخرجت البنت من خدرها واكتروا الدور المطلة على الشارع باغلى الاثمان وجلس الناس على السفائف والحوانيت صفوفا وانجر الموكب من اول النهار الى قريب الظهر ودخل من باب النصر وشق من وسط المدينة وأمامه العساكر المختلفة من الارنؤد وارط الينكجرية والعساكر الشامية والامراء المصرلية والمغاربة والقليونجية وطاهر باشا باشة الارنؤد وابراهيم باشا والي حلب ومحمد باشا والي
مصر الكتبة ورئيس الكتاب وكتخدا الدولة والاغوات الكبار بالطبول والنقرزانات وقاضي العسكر ونواب القضاء والعلماء المصرية ومشايخ التكايا والدراويش واقبل المشار اليه وأمامه الملازمون بالبراقع والجاويشية والسعاة والجوخدارية وعليه كرك صوف سنجاني مطرز مخبش وعلى رأسه شلنج بفصوص الماس وخلفه اثنان عن يمينه وشماله ينثرون دراهم الفضة البيضاء ضربخانة اسلامبول على المتفرجين من النساء والرجال وخلفه ايضا العدة الوافرة من أكابر اتابعه وبعدهم الكثير من عسكر الارنؤد وموكب الخازندار وخلفه النوبة التركية المختصة به ثم المدافع وعربات الجبخانات وعملوا وقت الموكب شنكا ضربوا فيه مدافع كثيرة فكان ذلك اليوم يوما مشهودا وموسما وبهجة وعيدا عمت المسلمين فيه المسرات ونزلت في قلوب الكافرين الحسرات ودقت البشائر وقرت النواظر وأمروا بوقود المنارات سبع ليال متواليات فلله الحمد والمنة على هذه النعمة ونرجو من فضله أن يصلح فساد القلوب ويوفق أولي الامر للخير والعدل المطلوب ويلهمهم سلوك سواء السبيل القويم ويهديهم الى الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين آمين وممن قدم بصحبة ركاب المشار اليه من أكابر دولتهم ابراهيم باشا والي حلب وابراهيم باشا المعروف بأبي مرق وخليل أفندي الرجائي الدفتر دار ومحمود أفندي رئيس الكتاب وشريف أغا نزله أمين ومحمد أغا جيجي باشا الشهير بطوسون ووقع الاختيار بأن يكون سكن المشار اليه ببيت رشوان بك بحارة عابدين تجاه بيت عبد الرحمن كتخدا القازدغلي
وفي يوم الجمعة نودي بابطال كلف القلفات وابطال شرك العسكر لارباب الحرف الا من شارك برضاه وسماحة نفسه فلم يمتثلوا لذلك واستمر أكثرهم على الطلب من الناس
وفي يوم الاحد نودي بأن لا أحد يتعرض بالاذية لنصراني ولا
يهودي سواء كان قبطيا او روميا او شاميا فانهم من رعايا السلطان والماضي لا يعاد والعجيب ان بعض نصارى الاروام الذين كانوا بعسكر الفرنسيس تزيوا بزي العثمانية وتسلحوا بالاسلحة واليطقانات ودخلوا في ضمنهم وشمخوا باآنافهم وتعرضوا بالاذية للمسلمين في الطرقات بالضرب والسب باللغة التركية ويقولون في ضمن سبهم للمسلم فرنسيس كافر ولا يميزهم الا الفطن الحاذق أو يكون له بهم معرفة سابقة
وفيه ارسلوا هجانا الى الحجاز ومعه فرمان بخبر الفتح والنصر وارتجال الفرنساوية من ارض مصر ودخول العثمانية ومكاتبات من التجار لشركائهم بارسال المتاجر الى مصر
وفيه ارسلوا فرمانا ايضا الى الاقاليم المصرية والقرى بعدم دفع المال الى الملتزمين ولا يدفعون شيا الا بفرمان من الوزير
وفي يوم الاثنين قتلوا شخصا بالرميلة يسمى حجاجا كان متولى الاحكام ببولاق أيام الفرنسيس وجار وعسف وقتل معه آخر يقال انه أخوه
وفيه ايضا اشخاصا بالازبكية وجهات مصر
وفيه ركب الوزير بثياب التخفيف وشق المدينة وتامل في الاسواق وأمر بمنع العسكر من الجلوس على حوانيت الباعة وأرباب الصنائع ومشاركتهم في ارزاقهم ثم توجه الى المشهد الحسيني فزاره ثم عبر الى دار السيد أحمد المحروقي وشرفه دبخوله اليه فجلس ساعة ثم ركب وأعطى أتباعه عشرين دينارا وذكر له أنه إنما قصد بحضوره إليه تشريفه وتشريف أقرانه وتكون له منقبة وذلك على ممر الازمان وأما العسكر فلم يمتثلوا ذلك الامر الا اياما قليلة ووقع بسبب ذلك شكاوي ومشاكلات ومرافعات عند العظماء
وفي يوم الثلاثاء وصل قاصد من دار السلطنة وعلى يده شال شريف من حضرة الهنكار السلطان سليم خان خطابا لحضرة الوزير ومعه خنجر
مرصع بفصوص الماس وهو جواب عن رسالته بدخوله بلبيس
وفيه نودى بتزيين الاسواق من العد تعظيما ليوم المولد النبوي الشريف فلما اصبح يوم الاربعاء كررت المناداة والامر بالكنس والرش فحصل الاعتناء وبدل الناس جهدهم وزينوا حوانيتهم بالشقق الحرير والزردخان والتفاصيل الهندية مع تخوفهم من العسكر وركب المشار اليه عصر ذلك اليوم وشق المدينة وشاهد الشوارع وعند المساء أوقدوا المصابيح والشموع ومنارات المساجد وحصل الجمع بتكية الكلشني على العادة وتردد الناس ليلا للفرجة وعملوا مغاني ومزامير في عدة جهات وقراءة قرآن وضجت الصغار في الاسواق وعم ذلك سائر اخطاط المدينة العامرة ومصر وبولاق وكان من المعتاد القديم أن لا يعتني بذلك الا بجهة الازبكية حيث سكن الشيخ البكري لان عمل المولد من وظائفه وبولاق فقط
وفي يوم الخميس ثاني عشره سافر سليمان أغا وكيل دار السعادة وصحبته عدة هجانة الى ناحية الشام لاحضار المحمل الشريف وحريمات الامراء الى مصر
وفيه افتتحوا ديوان مزاد الاعشار والمكوس وذلك ببيت الدفتردار ولله الامر من قبل ومن بعد
وفيه حضر اليسرجي الذي جلب مملوك الشيخ البكري الذي تقدم ذكره الى بيت القاضي واحضرو الشيخ خليلا البكري وادعى عليه انه قهره في أخذ المملوك بالفرنسيس وأخذه منه بدون القيمة وانه ان أحضره على ذمة مراد بك وطال بينهما النزاع وآل الامر بينهما الى انتزاع المملوك من المذكور وقد كان أعتقه وعقد له عل ابنته فأبطلوا العتق وفسخوا النكاح وأخذ المملوك عثمان بك الطنبرجي المرادي ودفع للشيخ دراهمه ولجلابة باقي الثمن وتجرع فراقه
وفي يوم الجمعة ركب الوزير وحضر الى الجامع الازهر وصلى به
الجمعة وخلع علي الخطيب فرجيه صوف وفي ذلك اليوم احترق جامع قايتباي الكائن بالروضة المعروف بجامع السيوطي والسبب في ذلك ان الفرنسيس كانوا يصنعون البارود بالجنينة المجاورة للجامع فجعلوا ذلك الجامع مخزنا لما يصنعونه فبقى ذلك بالمسجد وذهب الفرنسيس وتركوه كما هووجانب كبريت في انخاخ ايضا فدخل رجل فلاح ومعه غلام وبيده قصبة يشرب بها الدخان وكأنه فتح ماعونا من ظروف البارود ليأخذ منه شيئا ونسي المسكين القصبة بيده فأصابت البارود فاشتعل جميعه وخرج له صوت هائل ودخان عظيم واحترق المسجد واستمرت النار في سقفه بطول النهار واحترق الرجل والغلام
وفي يوم الاحد خامس عشره اشيع بانه كتب فرمان على النصارى انهم لا يلبسون الملونات ويقتصرون على لبس الازرق والاسود فقط فبمجرد الاشاعة وسماع ذلك ترصد جماعة القلقات لمن يمر عليهم من النصارى ومن لم يجدوه بثياب ملونة يأخذوا طربوشه ومداسه الاحمر ويتركوا له الطاقية والشد الازرق وليس القصد من اولئك القلقات الانتصار للدين بل استغناء السلب واخذ الثياب ثم ان النصارى صرخوا الى عظمائهم فأنهوا شكواهم فنودي بعدم التعرض لهم وان كل فريق يمشي على طريقته المعتادة
وفي يوم لاثنين طلب الوزير من التجار مائة كيس وعشرة اكياس سلفة من عشور البهار والزمهم باحضارها من الغد فاجتمع المستعدون لجمع الفردة في أيام الفرنساوية كالسيد أحمد الزرو وكاتب البهار وأرادوا توزيعها على المحترفين كعادتهم فاجتمع أرباب الحرف الدنيئة وذهبوا الى بيت الوزير والدفتردار واستغاثوا وبكوا فرفعوا عنهم الطلب وألزموا بها المياسير
وفيه قلدوا محمد آغا تابع قاسم بك موسقو الابراهيمي وجعلوه واليا عوضا عن علي آغا الشعراوي
وفي ثامن عشرينه الموافق لثالث مسرى القبطي كان وفاء النيل المبارك وركب محمد باشا المعروف بأبي مرق المرشح لولاية مصر في صبحها الى قنطرة السد وكسروا جسر الخليج بحضرته وفرق العوائد وخلع الخلع ونثر الذهب والفضة
وفيه عزل الوزير القاضي وهو قاضي العرضي الذي كان ولاه الوزير قاضي العسكر بمصر نائبا عمن يؤل اليه القضاء باسلامبول فلما تولى ذلك حصل منه تعنت في الاحكام وطمع فاحش وضيق على نواب القضاء بالمحاكم ومنعهم من سماع الدعاوي ولم يجرهم على عوائدهم وأراد ان يفتح بابا في الاملاك والعقار ويقول انها صارت كلها ملكا للسلطان لان مصر قد ملكها الحربيون وبفتحها صارت ملكا للسلطان فيحتاج أن أربابها يشترونها من الميري ثانيا ووقع بينه وبين الفقهاء المصرية مباحثات ومناقشات وفتاوي وظهروا عليه ثم تحامل عليه بعض أهل الدولة وشكوه الى الوزير فعزله وقلد مكانه قدسي افندي نقيب الاشراف بحلب سابقا ونقل المعزول متاعه من المحكمة فكانت مدة ولايته خمسة عشر يوما
وفي ذلك اليوم ايضا خلع الوزير على الامير محمد بك الالفي فروة سمور وقلده امارة الصعيد وليرسل المال والغلال ويضبط مواريث من مات بالصعيد بالطاعون فبرز خيامه من يومه الى ناحية الآثار وأسكن داره بالازبكية رئيس افندي
وفي يوم الجمعة حضر الوزير الى جامع المؤيد وصلى به الجمعة
وفيه قبضوا على عرفة بن المسرى وحبس ببيت الوزير بسبب أخيه ابراهيم كان شيخ مرجوش وتقيد بقبض فردة الفرنسيس ثم ذهب الى المحلة وتوفي بها فغمزوا على أخيه عرفة المذكور وقبضوا عليه وحبسوه وأرسلوا فرمانا الى المحلة بضبط ماله وما يتعلق به وبأخيه عند شركائهما ثم نهبوا ببيت المذكور
وفي يوم الثلاثاء رابع عشرينه طلبت ابنة الشيخ البكري وكانت ممن تبرج مع الفرنسيس بمعينين من طرف الوزير فحضروا الى دار أمها بالجودرية بعد المغرب وأحضروها ووالدها فسألوها عما كانت تفعله فقالت اني تبت من ذلك فقالوا لوالدها ما تقول أنت فقال أقول اني بريء منها فكسروا رقبتها وكذلك المرأة التي تسمى هوى التي كانت تزوجت نقولا القبطان ثم اقامت بالقلعة وهربت بمتاعها وطلبها الفرنساوية وفتش عليها عبد العال وهجم بسببها عدة أماكن كما تقدم ذكر ذلك فلما دخلت المسلمون وحضر زوجها مع من حضر وهو اسمعيل كاشف المعروف بالشامي أمنها وطمنها وأقامت معه أياما فأستأذن الوزير في قتلها فأذنه فخنقها في ذلك اليوم ايضا ومعهاجاريتها البيضاء أم ولده وقتلوا ايضا امرأتين من اشباههن
وفي يوم الاربعاء أرسلوا طائفة معينين من طرف محمد باشا أبي مرق الى أخي الشواربي شيخ قليوب فأحضروه على غير صورة ماشيا مكتوفا مسحوبا مضروبا من قليوب الى مصر فحبسوه ببيت الوزير ثم حضر أخوه وصالح عليه بعشرة أكياس قام بدفعها وأطلق قيل ان السبب في ذلك ان جماعة من اتباع محمد باشا ذهبوا الى قليوب وطلبوا تبنا فطردهم الساكن وأعطاهم دراهم ذهبوا عنه وتركوه وان عاند سبوه وضربوه وشتمهم وردهم من غير شيء وقيل ان ذلك باغراء ابن المحروقي لضغين بينه وبينهم قديم
وفي آخره تحرر ديوان العشور فكان المتحصل ستة عشر ألف كيس
وفيه تشاجر طائفة من الينكجرية مع طائفة من الانكليز بالجيزة وقتل بينهما أشخاص فنودى على الينكجرية ومنعوا من التعدى الى بر الجيزة
وفيه كثر اشتغال طائفة العسكر بالبيع والشراء في اصناف المأكولات وتسلطوا على الناس بطلب الكلف ورتبوا على السوقة وأرباب الحوانيت دراهم يأخذونها منهم في كل يوم ويأخذون من لخابز الخبز من غير ثمن وكذلك
يشربون القهوة من القهاوي ويحتكرون ما يريدون من الاصناف ويبيعونها بأغلى الاثمان ولا يسرى عليهم حكم المحتسب وكذلك تسلطوا على الناس بالاذية بأدنى سبب وتعرضوا للسكان في منازلهم فتأتي منهم الطائفة ويدخلون الدار ويأمرون أهلها بالخروج ليسكنوها فإن لاطفهم الساكن واعطاهم دراهم ذهبوا عنهم وتركوه وان عاند سبوه وضربوه ولو عظيما وان شكا الى كبيرهم قوبل بالتبكيت ويقال له ألا تفسحون لاخوانكم المجاهدين الذين حاربوا عنكم وانقذوكم من الكفار الذين كانوا يسومونكم سوء العذاب ويأخذون أموالكم ويفجرون بنسائكم وينهبون بيوتكم وهم ضيوفكم أياما قليلة فما يسع المسكين الا ان يكلفهم بما قدر عليه وان أسعفته العناية وانصرفوا عنه باي وجه فيأتي اليه خلافهم وان سكنوا دارا أخربوها وأما الفلقات والينكجرية الذين تقيدوا بحارات النصارى فانهم كلفوهم اضعاف ما كلفوا به المسلمين ويطلبون منهم بعد كلف المأكل واللوازم مصروف الجيب وأجرة الحمام وغير ذلك وتسلطت عليهم المسلمون بالدعاوى والشكاوى على أيدي أولئك القلقات فيخلصون منهم ما لزمهم بأدنى شبهة ولا يعطون المدعي الا القليل من ذلك والمدعي يكتفي بما حصل له من التشفي والظفر بعدوه واذا تداعي شخص على شخص أو أمرأة مع زوجها ذهب معهم اتباع القلق الى المحكمة ان كانت الدعوى شرعية فاذا تمت الدعوى أخذ القاضي محصولة ويأخذ مثله اتباع القلق على قدر تحمل الدعوى
واستهل شهر ربيع الثاني بيوم الثلاثاء سنة
فيه افرج عن عرفة بن المسيري وصولح عليه بخمسة عشر كيسا وكتب له فرمان برد منهوباته وعدم التعرض لتعلقاته بالمحلة
وفي يوم الاربعاء ثانيه أمر الوزير الوجاقلية بلبس القواويق على عادتهم القديمة فأخبروا ابراهيم بك فقال الامر عام لنا ولكم أولكم فقط فقالوا لا ندرى فسأل ابراهيم بك الوزير المشار اليه فقال له بل ذلك عام فلما كان يوم الجمعة حادي عشره لبس الوجاقلية والامراء المصرية زيهم من القواويق المختلفة الاشكال على عادتهم القديمة حسب الامر بذلك وكذلك الامراء الصناجق وحضروا في يوم الجمعة بديوان الوزير ونظر اليهم وأعجب بهيآتهم واستحسن زيهم ودعا لهم واثنى عليهم وأمرهم أن يستمروا على هيئتهم وذلك على ما هم فيه من التفليس وغالبهم لا يملك عشاء ليلته فضلا عن كونه يقتني حصانا وشنشارا وخدما ولوازم لا بد منها ولا غنى للمظهر عنها
وفيه حضرت جماعة من عسكر القبط الذين كانوا ذهبوا بصحبة الفرنساوية فتخلفوا عنهم ورجعوا الى مصر
وفيه أرسلوا تنابيه للملتزمين بطلب بواقي مال سنة ثلاث عشرة واربع عشرة فأعتذروا بأنهم ممنوعون من التصرف فمن اين يدفعون البواقي
وفي يوم الخميس نبهوا على العساكر المتداخلة في الينكجرية وغيرهم بالسفر
وفيه كتبت فرمانات باللغة العربية بترصيف صاحبنا العلامة السيد اسمعيل الوهبي المعروف بالخشاب وأرسلت الى البلاد الشرقية والمنوفية والغربية مضمونها الكف عن أذية النصارى واليهود أهل الذمة وعدم التعرض لهم وفي ضمنه آيات قرآنية وأحاديث نبوية والاعتذار عنهم بان الحامل لهم على تداخلهم مع الفرنساوية صيانة اعراضهم وأموالهم
وفي يوم الجمعة احضروا رمة زوجة ابراهيم بك عملوا لها قبرا بجانب أخيها محمد بك أبي الذهب بمدرسته المقابلة للجامع الازهر ودفنوها به
وفي يوم السبت خامسه ورد الخبر بوفاة احمد بك حسن أحد الامراء الذين توجهوا صحبة حسين باشا القبطان والفرنساوية وكان القبطان وجهه الى عرب الهنادي الذين يحملون الميرة الى الفرنسيس المحصورين بأسكندرية وضم اليه عدة من العسكر فحاربهم وقاتلهم عدة مرار فأصابته رصاصة دخلت في جوفه فرجع الى مخيمه ومات من
ليلته وكان يضاهي سيده في الشجاعة والفروسية
وفيه اطلعوا للملتزمين التصرف في سنة خمس عشرة ليقضوا ما لهم وما عليهم من البواقي ومال الميري والمضاف ويدفعوا جميع ذلك الى الخزينة بأوراق مختومة من ابراهيم بك وعثمان بك والقصد من ذلك اطمئنانهم بالجباية والرجاء بالتصرف في المستقبل ووعدهم بذلك سنة تاريخه بعد دفعهم الحلوان مع ان الفرنساوية لما استقر أمرهم بمصر ونظروا في الاموال الميرية والخراج فوجدوا ولاة الامور يقبضون سنة معجلة ونظروا في الدفاتر القديمة واطلعوا على العوائد السالفة ورأوا ذلك كان يقبض أثلاثا مع المراعاة في ري الاراضي وعدمه فاختاروا والاصلح في أسباب العمار وقالوا ليس من الانصاف المطالبة بالخراج قبل الزراعة بسنة واهملوا وتركوا سنة خمس عشرة فلم يطالبوا الملتزمين بالاموال الميرية ولا الفلاحين بالخراج فتنفست الفلاحون وراج حالهم وتراجعت ارواحهم مع عدم تكليفهم كثرة المغارم والكلف وحق طرق المعينين ونحو ذلك
وفي يوم الثلاثاء ثامنه وصلت قافلة شامية وبها بضائع وصابون ودخان وحضر السيد بدر الدين المقدسي والحاج سعودي الحناوي وآخرون وتراجع سعر الصابون والقناديل الخليلي والدخان
وفيه ورد الخبر بسفر الفرنساوية ونزولهم المراكب من ساحل أبي قير
وفي يوم الاحد حبس حسن آغا محرم المنفصل عن الحسبة وطولب بمائتي كيس وذلك معتاد الحسبة في الثلاث سنوات التي تولاها أيام الفرنساوية فانه لما تقلد أمر الحسبة في أيامهم منعوه من أخذ العوائد والمشاهرات من السوقة وجعلوا له مرتبا في كل يوم يأخذه من الاموال الديوانية نظير خدمته وكذلك أتباعه وطالبوه ايضا بأربعة آلاف قرش كان اعطاها له نزله امين عند حضورهم في العام الماضي لمشتروات الذخيرة ثم نقض الصلح عقيب ذلك وخرجوا من مصر وبقيت بذمته فأخبر أن
الفرنساوية علموا بها وأخذوها منه واعطوه ورقة بوصول ذلك اليهم فلم يقبلوا منه ذلك وبقي معتقلا وادعوا عليه ايضا بتركة الاغا الذي كان نزيله ومات عنده واحتوى على موجوده فأخبر ايضا ان الفرنسيس اخذوا منه ذلك ايضا واعطوه سندا فلم يقبلوا منه ذلك واستمر محبوسا
وفي يوم الاثنين رابع عشره نودي على أن أهل البلدة لا يصاهرون العساكر العثمانية ولا يزوجونهم النساء وكان هذا الامر كثر بينهم وبين أهل البلد واكثرهم النساء اللاتي دون مع الفرنساوية ولما حضر العثمانية تحجبن وتنقبن وتوسطن لهن اشباهن من الرجال والنساء وحسنوهن للطلاب ورغبوا فيهن الخطاب فأمهروهن المهور الغالية وانزولهن المناصب العالية وفي ذلك اليوم ايضا نودي على أهل الذمة بالامن والامان وأن المطلوب منهم جزية أربع سنوات
وفيه قبض على جربجي موسى الجيزاوي وعمل عليه عشرون كيسا
وفيه قبض محمد باشا ابو مرق على مقدمه مصطفى الطاراتي وضربه علقة وحبسه وألزمه بمبلغ دراهم
وفيه سافر الانكليزية الذين بالجيزة والروضة الى جهة الاسكندرية وأشيع أن الحرب قائمة بين العساكر والفرنسيس الاسكندرانية من يوم الاثنين سابعه فطلبوا المراكب حتى شح وجودها وضاق الحال بالمسافرين واستمر طلبهم ونزولهم عدة ايام وكذلك نبهوا على الكثير من العساكر الاسلامية بالسفر
وفي يوم الخميس نقضت الاوامر بتصرف الملتزمين في البلاد وقيدت صيارف من نصارى القبط بالنزول الى البلاد لقبض الاموال في غير أوانها لطرف الدولة
وفي يوم الجمعة ثامن عشره لبس الامراء الكبار القواويق على رؤوسهم
وفيه قبض من مصطفى الطاراتي المعتقل المتقدم ذكره خمسة عشر
ألف ريال ولم يزل معتقلا وقيل انه غمز عليه فوجد له في مكان صندوقات ضمنهما ذهب نقدعين ومصطفى هذا كان كلارجيا عند قائد أغا حين كان بمصر فلما خرج الامراء مقدما عند بونابارته ثم عند كلهبر فلما وقعت الفتنة السابقة وظهر يعقوب القبطي وتولي أمر الفردة وجمع المال تقيد بخدمته وتولى أمر اعتقال المسلمين وحبسهم وعقوبتهم وضربهم فكان يجلس على الكرسي وقت القائلة ويأمر اعوانه بإحضار افراد المحبوسين من التجار وأولاد الناس فيمثل بين يديه ويطالبه بأحضار ما فرض عليه مما لا طاقة له به ولا قدرة له على تحصيله فيعتذر بخلو يده ويترجى امهاله فيزجره ويسبه ويأمر بضربه فيبطحونه ويضرب بين يديه ويرده الى السجن بعد أن يأمر أعوانه أن يذهب الى داره وصحبته الجماعة من عسكر الفرنسيس ويهجمون على حريمه وأمثال ذلك
وفي يوم الاحد وردت أخبار من اسكندرية بتملك العساكر الاسلامية والانجليزية متاريس الفرنساوية وأخذهم المتاريس التي جهة العجمي وباب رشيد وجانبا من اسكندرية القديمة وتخطت المراكب وعبرت الى المينة وأن الفرنساوية انحصروا داخل الابراج واخذ منهم نحو المائة وسبعين أسيرا وقتل منهم عدة وافرة ووقعت بين الفريقين مقتلة عظيمة لم يقع نظيرها وقتل الكثير من عسكر قبطان باشا وكذلك من الانجليز ثم انجلت الحرب عما ذكر فلما ور الخبر بذلك ضربوا عدة مدافع وسر الناس بذلك
وفيه ورد الخبر بوصول سليمان صالح الى بلبيس وصحبته المحمل والحريمات وأحضر معه رمة سيده صالح بك ليدفنها بمصر بالقرافة فخرج أناس لملاقاتهم وأخذوا معهم حمير مكارية لركوب النساء وهدبه
وفي يوم الاثنين وصل سليمان أغا الى بركة الحاج وصحبته المحمل ونساء الامراء القادمين من الشام ومعه ايضا رمة صالح بك ليدفنها بقرافة مصر فخرج الناس لملاقاتهم وأخذوا معهم حمير مكارية لركوب النساء
وهديات ونودي في عصريته بعمل موكب من الغد وطاف ألاى جاويش بزيه المعتاد وخلفه القابجية وهم ينادون يارن الاى فلما اصبح يوم الثلاثاء ثاني عشرينه عمل الموكب وانجر الالاى ودخل المحمل من باب النصر وشقوا به من الشارع الاعظم وصادف ذلك اليوم يوم مولد المشهد الحسيني والاسواق مزينة وعلى الحوانيت الشقق الحرير والزردخات والتفاصيل وتعاليق القناديل ومشى في الموكب رسوم الوجاقلية والاوده باشية واكثر الامراء والمشايخ والعلماء ونقيب الاشراف ونبه على جميع الاشراف تلك الليلة بالحضور في صبح ذلك اليوم للمشي في ذلك الموكب فمشى كل من كان له عمامة خضراء يكبرون ويهللون فكانوا عدداكثيرا وكل من وجدوه بالطريق وعلى رأسه خضار جذبوه وسحبوه قهرا وامروه بالمشي وان أبى ضربوه وسبوه وبكتوه بقولهم ألست من المسلمين وكذلك تجمع ارباب الاشاير ومشوا على عادتهم بطبولهم وزمورهم وخباطهم وخرقهم وخورهم وصياحهم فلم يزالوا حتى وصلوا الى قراميدان وتسلم المحمل محمد باشا ابومرق من سليمان أغا الذي وصل به ولكونه عوضا عن سيده أمير الحاج صالح بك ثم صعدوا به الى القلعة وأودعوه هناك وعملت وقدة وشنك تلك الليلة
وفي ذلك اليوم شرعوا في فتح باب الفتوح وكان القصد ادخال المحمل منه لضيق باب الاستثنا الثاني الذي جدده الفرنساوية عند باب النصر فلم يتأت ذلك لمتانة البناء واستمروا ثلاثة أيام يهدمون في البناء الذي على الباب من داخل فلم يمكن ودفنوا صالح بك بتربة اعدت له بقرافة المجاورين والعجب ان الناس من القديم يتمنون أن يقبروا بالارض المقدسة لكونها عش الانبياء والصديقين وهؤلاء الثلاثة بالعكس فما هو الا لتطهيرها منهم
وفيه ورد خبر باسكندرية بانقضاء الحرب وطلب الفرنسيس الصلح بعد وقوع الغلبة عليهم وهزيمتهم وأخذ منهم عدة اسرى وانحصروا في
الابراج فأمنوهم وأجلوهم خمسة أيام آخرها يوم الخميس سابع عشرينه
وفيه الزموا حسن أغا المحتسب بالنقلة من داره وهو في الحبس فأرسل الى حريمه واتباعه فانتقلوا الى مكان آخر
وفيه ورد الخبر ايضا بورود عثمان كتخدا الدولة الذي كان بمصر في العام السابق وباشر الحروب بمصر وصحبته آخر يقال له شريف افندي
وفي سادس عشرينه قدم محمد افندي المعروف بشريف افندي الدفتردار وقدم بصحبته عثمان كتخدا الدولة وسكن شريف افندي بدرب الجماميز وسكن الكتخدا بمنزل حسن أغا المحتسب سابقا بسويقة اللالا
وفي غايته عمل شنك ومدافع كثير وذلك لوصول خبر بتسليم الاسكندرية وسبب تأخرهم الى هذه المدة بعد وقوع الصلح انتظار الامر بالانتقال من بونابارته وذلك انه لما وقع الصلح المتقدم أرسل سارى عسكر منو تطريدة الى فرانسا بالخبر الى بونابارته وانتظر الجواب فورد عليه الامر بالانتقال والحضور فعند ذلك نزلوا متاعهم الى المراكب وسافروا الى بلادهم
شهر جمادى الاولى استهل بيوم الخميس سنة
فيه قرئت فرمانات صحبة عثمان كتخدا وفيها التنويه بذكر أعيان الكتبة الاقباط والوصية بهم مثل جرجس الجوهري واصف وملطي ومقدمهم في تحرير الاموال الميرية
وفيه أنفصل مولانا السيد محمد المعروف بقدسي افندي عن القضاء وسافر ذلك اليوم وذلك بمراده واستعفائه وطلبه وتقلد القضاء عوضه عبد الله افندي قاضي الميري وكاتب الجمرك وحضر في ذلك اليوم الى المحكمة
وفي يوم السبت ثالثه أفرج عن حسن أغا المحتسب بشفاعة عثمان كتخدا وحسن أغا وكيل قبطان باشا من غير شيء وتوجه الى دار بجوار داره
وفيه تجمع النساء والفلاحون والملتزمون والوجاقلية ببيت الوزير بسبب الالتزام والمنع من التصرف وحضور الفلاحين للضيق عليهم بطلب المال الى ملتزميهم ومطالبتهم اياهم بما قبضوه منهم فلما اجتمعوا وصرخوا سأل الوزير عن ذلك فأخبروه فأمر بكتابة فرمان بالاطلاق والاذن للملتزمين بالتصرف ووجهوا الامر الى الدفتردار فكتب عليه ثم الى الروزنامجي كذلك ثم توجهوا الى دفتردار الدولة فتوقف وبقى الامر زجاجا اياما وذلك ان القوم يريدون امورا مبطونة في نفوسهم واطماعا مركوزة في طباعهم
وفي يوم الاثنين نودي بالزينة ثلاثة ايام اولها الاربعاء وآخرها الجمعة تاسعه سرورا بتسليم الاسكندرية فزينت المدينة وعملت الوقدات بالاسواق والمغاني للفرجة ليلا ونهارا وكل ليلة يعمل شنك نفوط وسواريخ وبارود ببركة الغرابين المطل عليها بيت الوزير
وفيه حضر نحو ستة انفار من اعيان الانكليز وصحبتهم جماعة من العثمانية يفرجونهم على مواطن مزارات المسلمين فدخلوا الى المشهد الحسيني وغيره بمداساتهم فتفرجوا وخرجوا
وفيه تحاسب السيد أحمد المحروقي مع السيد أحمد الزرو على شركة بينهما فتأخر علي الزرو أحد وعشرون كيسا فألزمه باحضارها وحبسه بسجن قواس باشا وأمره بالتضييق عليه ولما اصبح يوم السبت لغط الناس باستمرار الزينة سبعة ايام وانتظروا الاذن في رفع التعاليق فلم يؤذن لهم بشيء فاستمروا طول النهار في اختلاف وحل وربط ثم اذن لهم قبيل الغروب برفعها بعدما عمروا القناديل وكان الناس يبيتون سهارى بالحوانيت والقلقات يطوفون بالاسواق فمن وجدوه نائما نبهوه بإزعاج
وفي يوم الاثنين ثاني عشره ووقع من طوائف العسكر عربدة بالاسواق وتخطفوا امتعة الناس ومن باعة المآكل كالشواء والفطير والبطيخ والبلح فأنزعجت الناس ورفعوا متاعهم من الحوانيت واخلوا منها واغلقوها فحضر اليهم بعض أكابرهم وراطنهم فانكفوا وراق الحال وتبين ان السبب في ذلك تأخير علائفهم وذلك أن من عادتهم القبيحة انه اذا تأخرت عنهم علائفهم فعلوا مثل ذلك بالرعية وأثاروا الشرور فعند ذلك يطلبون خواطرهم ويعدونهم أو يدفعون لهم
وفيه ورد الخبر بتولية محمد باشا خسرو على مصر وهو كتخدا حسين باشا القبودان فألبس الوزير وكيله خلعةعوضا عنه واشيع عزل محمد باشا أبي مرق وسفره الى بلاده وحضر السفار أيضا من جهة رشيد واسكندرية واخبروا بان الفرنساوية لم يزالوا باسكندرية وبنديراتهم على الابراج وان القبطان ومن معه لم يدخلوها وانما يدخلها معهم الانكليزية وانهم ينتظرون الى الآن الجواب والاذن من شيختهم وما أشيع قبل ذلك فلا أصل له وأما الطائفة الاخرى التي سافرت من مصر فإنهم نزلوا وسافروا على وفق الشرط من أبي قير كما تقدم
وفي يوم الخميس ثاني عشرينه وردت مكاتبة من قبطان باشا بطلب عثمان بك المرادي وعثمان بك البرديسي وابراهيم كتخدا السناري والحاج سلامة تابعه وآخرين فسافروا في يوم السبت رابع عشرينه
وفي ليلة السبت المذكور قتلوا شخصا يسمى مصطفى الصيرفي من خط الصاغة قطعوا رأسه تحت داره عند حانوته وسبب ذلك انه كان يتداخل في نصارى القبط والذين يتعاطون الفرد ويوزعونها وتولى فردة أهل الصاغة وسوق السلاح وتجاهر بأمور نقمت عليه وأضر اشخاصا وأغرى به فحبس اياما ثم قتل بأمر الوزير وترك مرميا ثلاث ليال ثم دفن وفي صبيحة قتله طاف المشاعلي بالخطة ودوائرها مثل الجمالية والضيية والنحاسين وباب الزهومة وخان الخليلي فجبى من أرباب
الحوانيت دراهم ما بين خمسة انصاف فضة وعشرة وعند شيله جبي القلقات ايضا ما يزيد على المائة قرش وذلك من جملة عوائدهم القبيحة
وفيه هرب السيد احمد الزرو فلم يعلم له خبر وذلك بعد ما أطلق بضمانة السيد أسعد وابن محرم فكتب الوزير عدة فرمانات وارسلها صحبة هجانة الى جهة الشام وختموا على دوره ولم يعلم هروبه الا بعد أربعة أيام لما داخله من الخوف بقتل الصيرفي المذكور
وفي يوم الخميس تاسع عشرنيه عقد ابراهيم بك الكبير عقد ابنته عديلة هانم التي كانت تحت ابراهيم بك الصغير المعروف بالوالي الذي غرق بواقعة الفرنسيس بانبابة على الامير سليمان كاشف مملوك زوجها الاول على صداق ألفين ريال وحضر العقد الشيخ السادات والسيد عمر النقيب والفيومي وبعض الاعيان
وفي يوم الجمعة غايته قتل شخص أيضا بسوق السلاح وهو من ناحية المنصورة وجبي المشاعلية والقلقات دراهم من أرباب الحوانيت مثل ذلك المذكور فيما تقدم وانقضى هذا الشهر وحوادثها التي منها الارتباك في أمر حصص الالتزام والمزاد في المحلول وعدم الراحة والاستقرار على شيء يرتاح الناس عليه ومثل ذلك الرزق الاحباسية والاوقاف وحضر شخص تولى النظر والتفتيش على جميع الاوقاف المصرية السلطانية وغيرها وبيده دفاتر ذلك فجمع المباشرين واستملاهم وكذلك كاتب المحاسبة وبث المعينين لاحضار النظار بين يديه وحسابهم على الايراد والمصرف واظهر انه يريد بذلك تعمير المساجد الكائنة بالقرى المصرية وانضمت اليه الاغوات وطلب كل من كان له ادنى علاقة بذلك واستمروا على ذلك بطول السنة ثم انكشف الامر وظهر ان المراد من ذلك ليس الا تحصيل الدراهم فقط وأخذ المصالحات والرشوات بقدر الامكان بعد
التعنت في التحرير والتعلل بأثبات المدعي في الايراد والمصرف خصوصا اذا كان الشخص ضعيفا وليس من أرباب الوجاهة والمتجوهين أو بينه وبين الكتبة حزازة باطنية ثم يحررون دفترا ويحررون الفائظ ثم يطلبون منه ايراد ثلاث سنوات أو اربعة ولم يزل حتى يصالح على نفسه بما أمكنه ثم يختمون له ذلك الدفتر ويتركونه وما يدين ان شاء عمر وان شاء اخر فان انتهت اليهم بعد ذلك شكوى في ناظر وقف سبقت له مصالحة لا تسمع شكوى الشاكي ولا يلتفت اليها ويفعلون هذا الفعل في كل سنة
ومنها زيادة النيل الزيادة المفرطة عن المعتاد وعن العام الماضي ايضا حتى غطى الذراع زاده الفرنساوية على عامود المقياس فان الفرنساوية لما غيروا معالم المقياس رفعوا الخشبة المركبة على العامود وزادوا فوق العامود قطعة رخام مربعة مهندمة وجعلوا ارتفاعها مقدار ذراع مقسوم باربعة وعشرين قيراطا وركبوا عليها الخشبة فسترها الماء ايضا ودخل الماء بيوت الجيزة ومصر القديمة وغرقت الروضة ولم يقع في هذا النيل حظوظ ولا نزهة للناس كعادتهم في البرك والخلجان والمراكب وذلك لاشتغال الناس بالهموم المتوالية وخصوصا الخوف من اذى العسكر وانحراف طباعهم وأوضاعهم وعدم المراكب وتخريب الفرنسيس أماكن النزاهة وقطع الاشجار وتلف المقاصف التي كانت تجلس بها أولاد البلد مثل دهليز الملك والجسر والرصيف وغير ذلك مثل الكازروني والمغربي وناحية قنطرة السد وقصر العيني والقصور
ومنها ان محمد بك المعروف بالمنفوخ المرادي حصل عنده وحشة من قبطان باشا فحضر الى ناحية الاهرام بالجيزة وطلب الحضور عند الوزير يستجير به فذهب اليه خشداشه عثمان بك البرديسي وحادثه وأشار عليه بالرجوع الى جهة القبطان فأقام أياما ثم رجع الى ناحية اسكندرية والسبب في ذلك ما حصل في الواقعة التي قتل بها أحمد بك
الحسيني قيل ان ذلك بنفاقه عليه واتضح ذلك للقبطان واحضرت العرب مراسلته اليهم بذلك فانحرف عليه القبطان فلما علم ذلك داخله الخوف ثم ارسل اليه الامراء والقبطان أمانا فرجع بعد أيام
ومنها حضور الجمع الكثير من أهالي الصعيد هروبا من الالفي وما أوقعه بهم من الجور والمظالم والتقارير والضرائب والغرائم وحضر ايضا الشيخ عبد المنعم الجرجاوي والشيخ العارف وخلافهم يتشكون مما أنزله على بلادهم وطلب متروكات الاموات وأحضر ورثتهم وأولاده وأطفالهم ومن توسط أو ضبط أو تعاطي شيئا من القضاة والفقهاء وحبسهم وعاقبهم وطالبهم وطلب استئصال ما بأيديهم ونحو ذلك كل ذلك بأمن من الدولة وغير ذلك معين فحضورا فصالحوا على تركة سليم كاشف باثنين وعشرين ألف ريال بعد ان ختموا على دوره بعد أن أزعجوا حريمه وعياله ونطوا من الحيطان ثم حضروا الى مصر وأمثال ذلك
ومنها كثرة تعدى العسكر بالاذية للعامة وأرباب الحرف فيأتي الشخص منهم ويجلس على بعض الحوانيت ثم يقوم فيدعي ضياع كيسه أو سقوط شيء منه وان أمكنه اختلاس شيء فعل أو يبدلون الدنانير الزيوف الناقصة النقص الفاحش بالدراهم الفضة قهرا أو يلاقشون النساء في مجامع الاسواق من غير احتشام ولا حياء واذا صرفوا دراهم أو أبدلوها اختلسوا منها وانتشروا في القرى والبلدان ففعلوا كل قبيح فتذهب الجماعة منهم الى القرية وبيدهم ورقة مكتوب باللغة التركية ويوهمونهم انهم حضروا اليهم بأوامر ما برفع الظلم عنهم أو ما يبتدعونه من الكلام المزور ويطلبون حق طريقهم مبلغا عظيما ويقبضون على مشايخ القرية ويلزمونهم بالكلف الفاحشة ويخطفون الاغنام ويهجمون على النساء وغير ذلك مما لا يحيط به العلم فطفشت الفلاحون وحضر أكثرهم الى المدينة حتى امتلأت الطرق والازقة منهم أو يركب العسكري حمار المكارى قهرا ويخرج به الى جهة الخلاء فيقتل المكارى
ويذهب بالحمار فيبيعه بساحة الحمير واذا انفردوا بشخص أو بشخصين خارج المدينة أخذوا دراهمهم او شلحوهم ثيابهم أو قتلوهم بعد ذلك وتسلطوا على الناس بالسب والشتم ويجعلونهم كفرة وفرنسيس وغير ذلك وتمنى أكثر الناس وخصوصا الفلاحين أحكام الفرنساوية
ومنها أن أكثرهم تسبب في المبيعات وسائر اصناف المأكولات والخضارات ويبيعونها بما أحبوا من الاسعار ولا يسرى عليهم حكم المحتسب ولا غيره وكذلك من تولى منهم رياسة حرفة من الحرف كالمعمارجية أو غيرهم قبض من أهل الحرفة معلوم اربع سنوات وتركهم وما يدينون فيسعرون كل صنف بمرادهم وليس له هو التفات لشيء سوى ما يأخذه من دراهم الشكاوى فعلا بسبب ذلك الجبس والجير وأجر الفعلة والبنائين خصوصا وقد احتاج الناس لبناء ما هدمه الفرنسيس وما تخرب في الحروب بمصر وبولاق وجهات خارج البلد حتى وصل الاردب الجبس الى مائة وعشرين نصف فضة والجير بخمسين نصف فضة وأجرة البناء أربعين فضة والفاعل عشرين وأما الغلة فرخصية وكذلك باقي الحبوب بكثرتها مع ان الرغيف ثلاثة آواق بنصف لما ذكر من عدم الالتفات الى الاحكام والتسعيرات
واستهلت جمادى الثانية بيوم السبت سنة
فيه تفكك الجسر الكبير المنصوب من الروضة الى الجيزة وذلك من شدة الماء وقوته فتحللت رباطاته وانتزعت مراسيه وانتشرت أخشابه وتفرقت سفنه وانحدرت الى بحري
وفي ليلة الاحد ثانية حصلت زلزلة في ثالث ساعة من الليل
وفي يوم الاثنين ثالثه قطعوا رأس مصطفى المقدم المعروف بالطاراتي بين المفارق بباب الشعريةوذلك بعد حبسه أياما عديدة وضربه وعقابه حتى تورمت أقدامه وطاف مع المعينين عدة ايام يتداين بواقي ما قرر عليه ودخل دارا نافذة وأجلس الملازمين له ببابها وهم لا يعلمون بنفوذها وأوهم انه يريد التداين من صاحب الدار ونفذ من الجهة الاخرى واختفى في بعض الزوايا فاستعوقه الجماعة ودخلوا الى الدار فلم يجدوه وعلموا بنفوذها فقبضوا على خدمة الدار وضربوهم فلم يجدوا عندهم علما منه فأطلقوهم وأوقعوا عليه الفحص والتفتيش فرآه شخص ممن صادره في ايام الفردة فصادفه في صبحها خارج باب القرافة فقبض عليه وأحضره بين يدي جماعة القلق فدل عليه فقبضوا عليه وقتلوه بعد القبض عليه بثلاثة أيام وتركوه مرميا تحت الارجل وسط الطريق وكثرة الازدحام ثلاث ليال وفعلوا عادتهم في جبي الدراهم من تلك الخطة
وفيه ورد فرمان من محمد باشا والي مصر بأن يتأهبوا لموكبه على القانون القديم فكتبوا تنابيه للوجاقلية والاجناد بالتهيء للموكب
وفي يوم الثلاثاء وصل شمس الدين بك أميراخور كبير ومرجان أغا دار السعادة فأرسلوا تنابيه الى الوجاقلية والامراء والمشايخ ومحمد باشا وابراهيم باشا فاجتمعوا ببيت الوزير وحضر المذكوران بعد الظهر فخرج الوزير ولاقاهما من المجلس الخارج فسلماه كيسا بداخله خط شريف فأخذه وقبله وأحضرا له بقجة بداخلها خلعة سمور عظيمة فلبسها وسيفا تقلد به وشلنج جوهر وضعه على رأسه ودخل صحبتهما الى القاعة حيث الجمع ففتح الكيس وأخرج منه الفرمان ففتحه واخرج منه ورقة صغيرة فسلمها لرئيس افندي فقرأها باللغة التركية والقوم قيام على اقدامهم مضمونها الخطاب لحضرة الوزير الحاج يوسف باشا وحسين باشا القبطان والباشات والامراء والعساكر والمجاهدين والثناء عليهم والشكر لصنيعهم وما فتحه الله على يديهم واخراجهم الفرنسيس ونحو ذلك ثم وعظ بعض الافندية بكلمات معتادة ودعوا للسلطان والوزير والعساكر الاسلامية وتقدم ابراهيم باشا ومحمد باشا وطاهر باشا وباقي الامراء فقبلوا ذيل الخلعة وانصرفوا وضربوا مدافع كثيرة
من القلعة في ذلك الوقت وفي ذلك اليوم ألبس الوزير الامراء والبلات فراوى وخلعا وشلنجات ذهب على رؤوسهم
وفيه حضرت اطواخ بولاية جدة لمحمد باشا توسون اغات الجبجية وهو انسان لا بأس به
وفيه حضر القاضي الجديد من الروم ووصل الى بولاق وهو صاحب المنصب فأقام ثلاثة أيام وصحبته عياله وحريمه فلما كان يوم السبت ثامنه حضر بموكبه الى المحكمة وذهب اليه الاعيان في صبحها وسلموا عليه وله مسيس بالعلم
وفي يوم الثلاثاء حادي عشره عمل الوزير الديوان وحضر عنده الامراء فقبض على ابراهيم بك الكبير وباقي الامراء الصناجق وحبسهم وارسل طاهر باشا بطائفة من العسكر الارنؤد الى محمد بك الالفي بالصعيد وكان اشيع هروبه الى جهات الواحات وذهبت طائفة الى سليم بك أبي دياب وكان مقيما بالمنيل فلما أخذ الخبر طلب الهرب وترك حملته فلما حضرت العسكر اليه فلم يجدوه فنهبوا القرية واخذوا جماله وهي نحو السبعين وهجنه وهي نيف وثلاثون هجينا وذهبت اليه طائفة بناحية طرا فقاتلهم ووقع بينهم بعض قتلى ومجاريح ثم هرب الى جهة قبلي من على الحاجز ووقفت طائفة العسكر والارنؤد بالاخطاط والجهات وخارج البلد يقبضون على من يصادفونه من المماليك والاجناد ونودي في ذلك اليوم بالامن والامان على الرعية والوجاقلية وأطلق الوزير مرزوق بك ورضوان كتخدا ابراهيم بك وسليمان أغا كتخداه المسمى بالحنفي وأحاطت العسكر بالامراء المعتقلين واختفى باقيهم ونودي عليهم وبالتوعد لمن أخفاهم أو آواهم وباتوا بليلة كانت أسوأ عليهم من ليلة كسرتهم وهزيمتهم من الفرنسيس وخاب أملهم وضاع تعبهم وطمعهم وكان في ظنهم ان العثملي يرجع الى بلاده ويترك لهم مصر ويعودون الى حالتهم الاولى يتصرفون في الاقاليم كيفما شاؤا
فاستمروا في الحبس ثم تبين ان سليم بك ابا دياب ذهب الى عند الانكليز والتجأ اليهم بالجيزة وألبس لوزير سليمان آغا تابع صالح آغا زي العثمانيين وجعله سلخور وأمره أن يتهيأ ليسافر الى اسلامبول في عرض الدولة
وفي يوم الاثنين سابع عشره سافر اسمعيل افندي شقبون كاتب حوالة الى رشيد باستدعاء من الباشا والي مصر
وورد الخبر بوصول كسوة للكعبة من حضرة السلطان فلما كان يوم الاربعاء حضر واحد افندي وآخرون وصحبتهم الكسوة فنادوا بمرورها في صبحها يوم الخميس فلما أصبح يوم الخميس المذكور ركب الاعيان والمشايخ والاشاير وعثمان كتخدا المنوه بذكره لامارة الحج وجمع الجاويشية والعساكر القاضي ونقيب الاشراف وأعيان الفقهاء وذهبوا الى بولاق وأحضورها وهم امامها وفردوا قطع الحزام المصنوع من المخيش ثلاث قطع والخمسة مطوية وكذلك البرقع ومقام الخليل كل ذلك مصنوع بالمخيش العال والكتابة غليظة مجوفة متقنة وباقي الكسوة في سحاحير على الجمال وعليها أغطية جوخ أخضر ففرح الناس بذلك وكان يوما مشهودا وأخبر من حضر أنه عند ماوصل الخبر بفتح مصر أمر حضرة السلطان بعملها فصنعت في ثلاثين يوما وعند فراغها أمرهم بالسير بها ليلا وكان الريح مخالفا فعندما حلوا المراسي اعتدل الريح بمشيئة الله تعالى وحضروا الى اسكندرية في أحد عشر يوما
وفيه وردت الاخبار بان حسين باشا القبطان لم يزل يتحيل وينصب الفخاخ للامراء الذين عنده وهم محترزون منه وخائفون من الوقوع في حباله فكانوا لا يأتون اليه الا وهم متسلحون ومحترزون وهو يلاطفهم ويبش في وجوههم الى ان كان اليوم الموعود به عزم عليهم في الغليون الكبير الذي يقال له ازج عنيرلي فلما طلعوا الى الغليون وجلسوا فلم يجدوا القبودان فأحسوا بالشر وقيل انه كان بصحبتهم فحضر اليه رسول وأخبره انه حضر معه ثلاثة من السعاة بمكاتبة فقام ليرى تلك
المراسلة فما هو الا أن حضر اليهم بعض الامراء وأعلمهم أنه ورد خط شريف باستدعائهم الى حضرة مولانا السلطان وأمرهم بنزع السلاح فأبوا ونهض محمد بك المنفوخ وسل سيفه وضرب ذلك الكبير فقتله فما وسع البقية الا أنهم فعلوا كفعله وقاتلوا من بالغليون من العساكر وقصدوا الفرار فقتل عثمان بك المرادي الكبير وعثمان بك الاشقر ومراد بك الصغير وعلي بك أيوب ومحمد بك المنفوخ ومحمد بك الحسيني الذي قامر عوضا عن أحمد بك الحسيني وابراهيم كتخدا السناري وقبض على الكثير منهم وأنزلوهم المراكب وفر البقية مجروحين الى عند الانكليز وكانوا واقعين عليهم من ابتداء الامر فاغتاظ الانكليز وانحازوا الى اسكندرية وطرودا من بها من العثمانيين وأغلقوا أبواب الابراج وحضر منهم عدة وافرة وهم طوابير بالسلاح والمدافع واحتاطوا بقبطان باشا من البر والبحر فتهيأ عساكره لحربهم فمنعهم فطلب الانجليز بروزه بعساكره لحربهم فقال لم يكن بيننا وبينكم حرب واستمر جالسا في صيوانه فحضر اليه كبير الانجليز وتكلم معه كثيرا وصمم على أخذ بقية الامراء المسجونين فاطلقهم له فتسلمهم وأخذ أيضا المقتولين ونقل عرضى الامراء من محطتهم الى جهة الاسكندرية وعملوا مشهد للقتلى مشى به عساكر الانجليز على طريقتهم في موتي عظمائهم ووصل الخبر الى من بالجيزة من الانكليز وذلك ثاني يوم من قبض الوزير على الامراء ففعلو كفعلهم وأخذوا حذرهم وضربوا بعض مدافع ليلا وشرعوا في ترتيب آلة الحرب
وفي ذلك اليوم طلع محمد باشا توسون والي جدة الساكن بيت طرا الى القلعة وصعد معه جملةمن العسكر وشرعوا في نقل قمح ودقيق وقومانية وملؤا الصهاريج وشاع ذلك بين الناس فارتاعوا وداخلهم الوسواس من ذلك واستمروا ينقلون الى القلعة مدافع وبارود او آلات حرب
وفي يوم الاثنين رابع عشرينه حضر كبير الانجليز الذي بالجيزة فالبسه الوزير فروة وشلنجا
وفي ذلك اليوم خلع الوزير على عثمان أغا المعروف بقبي كتخدا وقلده على امارة الحج
وفي ذلك اليوم وقع بين عسكر المغاربة والانكشارية فتنة ووقفوا قبالة بعضهم ما بين الغورية والفحامين وأغلقت الناس حوانيتهم بسوق الغورية والعقادين والصاغة والنحاسين ولم يزالوا على ذلك حتى حضر أغات انكشارية وسكنت الفتنة بين الفريقين
وفي الخميس سابع عشرينه مروا بزفة عروس بسوق النحاسين وبها بعض انكشارية فحصلت فيهم ضجة ووقع فيه فشل فخطفوا ما على العروس وبعض النساء من المصاغ المزينات به وفي أثناء ذلك مر شخص مغربي فضربه عسكري رومي ببارودة فسقط ميتا عند الاشرفية فبلغ ذلك عسكر المغاربة فأخذوا سلاحهم وسلوا سيوفهم وهاجت حماقتهم وطلعوا يرمحون من كل جهة وهم يضربون البندق ويصرخون فاغلقت الناس الحوانيت وهرب قلق الاشرفية بجماعته وكذلك قلق الصنادقية وفزعت الناس ولم يزالوا على ذلك من وقت الظهر الى الغروب ثم حال بينهم الليل وقتل المغاربة أربعة أشخاص وأصبحوا محترسين من بعضهم فحضر آغات الانكشارية على تخوف وجلس بسبيل الغورية وحضر الكثير من عقلاء الانكشارية واقاموا بالغورية وحوالي جهة الكعكبين والشوائين حيث سكن المغاربة واستمر السوق مغلقا ذلك اليوم ورجعت القلقات الى مراكزها وبردت القضية وكأنهم اصطلحوا وراحت على من راح
وانقضى هذا الشهر بحوادثه التي منها استمرار نقل الادوات الى القلعة وكذلك مراكز باقي القلاع مع انهم حربوا أكثرها
ومنها زيادة تعدى العسكر على السوقة والمحترفين والنساء واخذ ثياب من ينفردون به من الناس في أيام قليلة
ومنها استمرار مكث النيل على الارض وعدم هبوطه حتى دخل شهر
هاتور وفات أوان الزراعة وعدم تصرف الملتزمين وهجاج الفلاحين من الارياف لما نزل بهم من جور العسكر وعسفهم في البلاد حتى امتلأت المدينة من الفلاحين ونودي عليهم عدة مرار بذهابهم الى بلادهم
ومنها ان الوزير امر المصرلية بتغيير زيهم وان يلبسوا زي العثمانية فلبس ارباب الاقلام والافندية والقلقات القواويق الخضر والعنتريات وضيقوا اكمامهم ولبس مصطفى أغا وكيل دار السعادة سابقا وسليمان أغا تابع صالح أغا وخلافهما
واستهل شهر رجب الفرد سنة
سافر سليمان أغا تابع صالح أغا الى اسلامبول
وفيه أمر الوزير الامراء المحبوسين بان يكتبوا كتابا الى الانكليز بانهم اتباع السلطان وتحت طاعته وامره ان شاء أبقاهم في أمارتهم وان شاء قلدهم مناصب في ولايات اخرى وان شاء طلبهم يذهبون اليه فلا دخل لكم بيننا وبينه وكلام في معنى ذلك فارسلوا يقولون ان هذا الكلام لا عبرة به فأنهم مسجونون وتحت امركم ومكتوب المقهور المكره لا يعمل به فان كان ولا بد فأرسلوهم الينا لتخاطبهم ونعلم ضميرهم وحقيقة حالهم فلما كان ليلة الاثنين تاسعه احضر الوزير ابراهيم بك والامراء وأعلمهم أن قصده ارسالهم الى بر الجيزة عند الانجليز ليتفسحوا ذلك اليوم ويخبروهم انهم مطيعون للسلطان وتحت أوامره وأن المراسلة التي ارسلوها عن طيب قلب امنهم وليسوا مكرهين في ذلك فأظهر ابراهيم بك القنع عن الذهاب وانه لا غرض له في الذهاب الى مخالفين الدين فجزم عليه ووعده خيرا وعاهدهم وحلفهم فنزلوا وركبوا من عنده في الصباح وما صدقوا بالخلاص وعدوا الى الجيزة وذهبوا الى عند الانجليز فتبعهم أتباعهم ومماليكهم يرمحون اليهم ويلقحون بهم فاقاموا هناك ولم يرجعوا فانتظر الوزير رجوعهم خمسة أيام وأرسل اليهم يدعوهم الى الرجوع حكم عهدهم فامتنع ابراهيم بك وتكلم بما في ضميره من قهره من الوزير وخبانته له
وفي يوم السبت عملوا جمعية ببيت الشيخ السادات واجتمع المشايخ والوجاقلية وذلك بأمر من الوزير وأرسل اليهم مكاتبة وفي ضمنها النصيحة والرجوع الى الطاعة فأرسلوا في جواب الرسالة يقولون انهم ليسوا مخالفين ولا عاصين وانهم مطيعون لأمر الدولة وانما تاخرهم بسبب خوفهم وخصوصا ما وقع لاخوانهم باسكندرية وانهم لم يذهبوا الى عند الانجليز لعلمهم انهم عسكر السلطان ومن المساعدين له على اعدائه ومتى ظهر لهم أمر يرتاحون فيه رجعوا الى الطاعة ونحو ذلك من الكلام
وفي يوم الجمعة سابع عشرينه حضر عابدي بك نسيب مولانا الوزير فخرج اليه غالب أعيان العثمانية والجاويشية وطاهر باشا وعسكر الارنؤد وتلقوه ودخل بحموله في موكب جليل وكان حضرة الوزير حاصلا عنده توعك وغالب أوقاته محتجب عن ملاقاة الناس
وفيه ورد الخبر بسفر قبطان باشا من ساحل ابي قير الى الديار الرومية في منتصف الشهر وأما محمد باشا الوالي على مصر فانه لم يزل مقيما بأبي قير وحضر خازنداره وسكن ببيت البكري بالازبكية
واستهل شهر شعبان بيوم الثلاثاء سنة
فيه حضر يوسف افندي وبيده مرسوم بولايته على نقابة الاشراف فبات ببولاق وأرسل ناسا يعلمون بحضوره فلم يخرج لملاقاته أحد ثم ان بعض الناس أحضر اليه فرسا فركبه في ثاني يوم وحضر الى مصر وأشاع انه متولى نقابة الاشراف ومشيخة المدارس الحبانية وخبر ذلك الانسان انه كان يبيع الخردة واليميش بحانوت بخان الخليلي وهو من متصوفة الاتراك الذي يتعاطون الوعظ والاقراء باللغة التركية فمات شيخ رواق الاروام بالازهر فاشتاقت نفسه للمشيخة عل الرواق المذكور فتولاها بمعونة بعض سفهائهم فنقم عليه الطائفة أمورا واختلاسات من الوقف فتعصبوا عليه وعزلوه وولوا السيد حسين افندي المولى الان فحنق من ذلك وداخله قهر عظيم وحقد على حسين أفندي المذكور واضمر له في نفسه المكروه فدعاه يوما الى داره ودس له سما في شرابه فنجاه الله من ذلك وشربت ابنة يوسف افندي الداعي تلك الكاسة المسمومة غلطا وماتت وشاع ذلك وتواترت حكايته بين الناس ورجع كيده عليه وذاق وبال أمره
ثم انه سافر الى اسلامبول وأقام هناك مدة اقامة الفرنسيس بمصر ولم يزل يتحيل ويتداخل في بعض حواشي الدولة وعرض بطلب النقابة ومشيخة الحبانية فاعطوه ذلك لعدم علمهم بشأنه وظنهم أنه اهل لذلك بقوله لهم انه كان شيخا على الازهر ومعرفته بالعلم فلما حصل بمصر وظهر أمره تجمعت أعيان الاشراف وقالوا لا يكون هذا حاكما ولا نقيبا علينا أبدا تنوقل خبره وظهر حاله لاكابر الدولة وحضرة الصدر الاعظم فلم يصغوا اليه ولم يسعفوه وأهمل أمره وهكذا شأن رؤساء الدولة أدام الله بقاءهم اذا تبين لهم الصواب في قضية لا يعدلون الى خلافه
من الحوادث
أنه تقيد بأبواب القاهرة بعض من نصارى القبط ومعهم بعض من العسكر فصاروا يأخذون دراهم من كل من وجدوا معه شيأ سواء كان داخلا او خارجا بحسب اجتهادهم وكذلك ما يجلب من الارياف وزاد تعديهم فعم الضرر وعظم الخطب وغلت الاسعار وكل من ورد بشيء يبيعه يشتط في ثمنه ويحتج بأنه دفع عليه كذا وكذا من دراهم المكس فلا يسع المشتري ألا التسليم لقوله والتصديق له وقبول عذره والسبب في ذلك ان الذين تقيدوا بديوان العشور بساحل بولاق دس عليهم بعض المتقيدين معهم من الاقباط بأن كثيرا من المتاجر التي يؤخذ عليها العشور يذهب بها أربابها من طريق البر ويدخلون بها في أوقات الغفلة تحاشيا عن دفع ما عليها وبذلك لا يجتمع المال المقرر بالديوان فيلزم أن يتقيد بكل باب من يترقب لذلك ويرصده ويأخذ ما يخص الديوان من ذلك فأذن كبراء الديوان بذلك فانفتح لهم بذلك الباب فولجوه ولم يحسبوا للعاقبة من حساب وزادوا في الجور والفضائح وأظهروا ما في نفوسهم من القبائح فساءت الظنون واستغاثت المستغيثون وأكثر سخاف الاحلام مما لا طائل تحته من الكلام الى ان زاد التشكي وأنهى الآمر الى الوزير فأمر بأبطال ذلك وانجلت تلك الغمة
وفيه ايضا عرض طائفة القبانية وتشكوا مما رتب عليهم من الجمرك السنوي فأطلق لهم الامر برفعه عنهم
وفيه قبضوا على رجل من المفسدين باقليم الموفية يقال له راضي النجار واحضروه الى مصر وقطعت رأسه بالرميلة
وفي خمسه نزل محمد باشا توسون والي جدة من القلعة في موكب وتوجه الى العادلية قاصدا السفر الى جدة
وفي يوم الاربعاء تاسعه قبضوا على ثلاثة من النصارى الاروام المتزيين بزي العساكر الانكشارية ويعملون القبائح بالرعية فرموا رقابهم احدهم بالدرب الاحمر والثاني بسوق السلاح عند الرفاعي والثالث بالرميلة
وفي يوم الخميس عاشره ايضا قطعوا رأس على جلبي تابع حسين أغاشنن بباب الخرق بين المفارق بأمر من الوزير والسبب في ذلك أن المرحوم يوسف باشا المذكور الكبير المتوفي بالمدينة المنورة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام كان أودع عند حسين أغاشنن وديعة فلما ملك الفرنسيس مصر وجرى ما جرى من ورود العرضي والصلح ونقضه فاعتقد قصار العقول ان الامر انتهى للفرنسيس فتجاوزوا الحد وأغروا ببعضهم وتتبعوا العورات وكشفوا عن المستورات ودلوا الفرنسيس على المخبآت وتقربوا اليهم بكل ما وصلت اليه همتهم وراجت به سلعتهم والمسكين المقتول مديدة الى بعض ودائع سيده فاختلس منها وتوسع في نفسه
وركب الخيول واتخذ له خدما وتداخل مع الفرنسيس وحواشيهم فاستخفوا عقله فاستفسروا منه فأخبرهم بالوقائع والخبايا فاستخرجوها ونقلوها وكانت شيأ كثيرا جدا وأظهر أن ذلك لم يكن بواسطته ليواري ما اختلسه لنفسه ويكون له عذر في ذلك فلما حضر له سيده صحبة العرضي ذهب اليه وتملق له وربط في رقبته منديلا فاهمل أمره الى هذاالوقت حتى اطمأن خاطره ثم انه أخبر بقصته الوزير لعلمه أنه سيطالب بوديعة يوسف باشا فأمره بأن يرفع قصته الى القاضي ويثبت تلك الدعوى لتبرأ ساحته عند الدولة ففعل ثم أمر الوزير بقتل علي جلبي المذكور فقتل وترك من ميا ثلاثة أيام بلياليها
شهر رمضان المعظم سنة 1216 استهل بيوم الاربعاء ولم يعمل فيه شنك الرؤيا على العادة خوفا من عربدة العساكر والمحتسب كان غائبا فركب كتخداه بدلا عنه بموكبه فقط ولم يركب معه مشايخ الحرف فذهب الى المحكمة وثبت الهلال تلك الليلة ونودى بالصوم من الغد
وفيه أمر الوزير محمد باشا العربي بالسفر الى البلاد الشامية فبرز خيامه الى خارج باب النصر وخرج هو في ثالثه وسافر وأشيع سفر الوزير أيضا وذلك بعد أن حضرت أجوبة من الباب الاعلى
وفي ثالثه ارتحل محمد باشا المذكور
وفي خامسه انتقل رئيس افندي من بيت الالفي وسكن في بيت اسمعيل بك وشرعوا في تعميره واصلاحه لسكن والي مصر
وفي ثاني عشره وصل محمد باشا والي مصر الى شلقان
وفي ثالث عشره ضربت عدة مدافع من الجيزة صباحا ومساء فقيل انه حضر ستة قناصل الى الجيزة
وفي خامس عشره حضر القناصل المذكورون الى بيت الوزير وقابلوه فخلع عليهم خلعا ورجعوا الى أماكنهم في الجيزة وفي ذلك اليوم وصل محمد باشا والي مصر إلى جهة بولاق ونصب
وطافه بالقرب من المكان المعروف بالحلي ثم انتقل الى جهة قبة النصر فلما كان يوم الجمعة سابع عشره وصل الى المدينه من باب النصر في موكبه وطوائفه على غير الهيئة المعتادة ولم يلبس الطلخان تادبا مع الوزير لحصوله بمصر فتوجه الى بيت الوزير وأفطر معه
وفي تلك الليلة عزل خليل افندي الرجائي من دفتردارية الدولة وقلد عوضه حسن افندي باش محاسب وسببه ان الوزير طلب خلعا ليخلعها على والي مصر وقناصل الانكليز فتأخر حضورها فخنق وسأل عن سبب تأخير المطلوب فقال الرسول ان الخازندار قال حتى استأذن الدفتردار فحنق الوزير وأمر بحبس الخازندار وعزل الدفتردار وهرب السفير الذي كان بينهما
وفيه انتقل الامراء المصرلية المرادية من الجيزة الى جزيرة الذهب ونصبوا وطاقهم بها وأرسلوا ما كان عندهم من الحريم الى دورهم بمصر واستمر ابراهيم بك وعثمان بك الحسيني ومحمد بك المبدول وقاسم بك ابو سيف بالجيزة ولم يعلم حقيقة حالهم ثم في ثاني يوم لحق ابراهيم بك وباقي الجماعة بالاخرين وخرج اليهم طلبهم ومتاعهم واغراضهم فلما كان ليلة الاثنين تاسع عشره ركبوا ليلا باجمعهم الى الصعيد من الجهة الغربية وتخلف عنهم قاسم بك أبو سيف لمرضه وكذلك تخلف عنهم محمد آغا آغات المتفرقة وآخرون
وفي عشرينه نودي بالامان على المماليك واتباعهم ومن تخلف عنهم أو انقطع منهم وكذلك في ثاني يوم
وفيه قلد محمد باشا والي مصر حسن أغا وألبسه على جرحا
وفي ثامن عشرينه عزل الباشا محمد أغا المعروف بالزربة من الكتخدائية وهو من المصرلية وولاه كشوفية الغربية وتقلد عوضه في الكتخدائية يوسف أغا امين الضربخانة سابقا وتقلد كشوفية المنوفية وتقلد كشوفية القليوبية
وفي ليلة الاربعاء تاسع عشرينه ذهب يوسف افندي الى عند والي مصر فقلده نقابة الأشراف وألبسه فروة بعد أن كان اهمل امره
وفيه عزل أغات الانكشارية وتولى آخر عوضه من العثمانية ونزل المعزول الى بولاق ليسافر الى جهة الصعيد
شهر شوال سنة
استهل بيوم الخميس في ثالثه يوم السبت خرج جاليش الوزير الى قبة النصر ونودى بخروج العساكر ويكون آخر خروجهم يوم الاثنين فشرعوا في الخروج بأحمالهم ودوابهم فلما كان يوم الاثنين خامسه خرج الوزير على حين غفلة الى قبة النصر وتتابع خروج الاثقال والاحمال والعساكر وحصل منهم في الناس عربدة وأذية وأخذ بعضهم من عطارين القصر ثلاثة ارطال بن ثمنها مائة وعشرون نصفا فرمى له عشرين نصفا فصرح الرجل وقال اعطني حقي فضربه وقتله فأغلق الناس الحوانيت وانكفوا في دورهم فاستمرت جميع حوانيت البلدة مغلوقة حتى سافرت العساكر وانتقلت من قبة النصر ولازم حضرة محمد باشا والي مصر وطاهر باشا على المرور والطواف بالشوارع بالتبديل وثياب التخفيف ليلا ونهارا ولولا ذلك لحصل من العسكر مالا خير فيه
وفيه كتبت فرمانات والصقت بالشوارع ومفارق الطرق مضمونها بأن لا احد يتعرض بأذية لغيره وكل من كان له دعوى أو شكية فليرفع قصته الى الباشا وكل انسان يمشي في زيه وقانونه القديم ويلازموا على الصلوات بالجماعة في المساجد ويوقدوا قناديل ليلا على البيوت والمساجد والوكائل والخانات التي بالشوارع ولا يمر أحد من العسكر من بعد الغروب والذي يمشي بعد الغروب من أهل البلد يكون معه فانوس أو سراج ويبيعون ويشترون بالحظ والمصلحة ولا أحد يخفي عنده أحد من عسكر العرضي والذي يبقى منهم بيده يعاقب وان القهاوى المحدثة جميعها تغلق ولا يفتح الا القهاوي القديمة الكبار ولا يبيت أحد من العسكر في قهوة ولا يبيعون المسكرات ولا يشترونها الا الكفرة سرا وأمثال ذلك فانبرت القلوب بتلك الفرمانات واسشتبشروا بالعدل
وفيه خرجت عساكر وسافرت الى جهة قبلي وعدتهم ستة آلاف وذلك بسبب الامراء المصرلية الهربانين وقرر لهم بأن من اتى برأس صنجق فله ألف دينار أو كاشف فله ثلثمائة او جندي او مملوك فله مائة
وفي يوم السبت ركب الوزير من قبة النصر وارتحل العرضي الى الخانكة وعند ركوبه حضر اليه السيد عمر افندي النقيب وبعض المتعممين لوداعه فأعطاهم صررا وقرؤا له الفاتحة وركب وخرج ايضا في ذلك اليوم بقية المشايخ وذهبوا الى الخانكة ايضا وودعوه ورجعوا
وفي يوم الاثنين ثاني عشره أحضر الباشا محمد أغا الوالي وسليم أغا المحتسب وأمر برمي رقابهما فقطعوا رأس الوالي تحت بيت الباشا على الجسر والمحتسب عند باب الهواء وختم على دورهما في تلك الساعة وشاع خبر ذلك في البلد فارتاع الناس لذلك واستعظموه وداخل الخوف أهل الحرف مثل الجزارين والخبازين وغيرهم وعلقوا اللحم الكثير بحوانيتهم وباعوه بتسعة انصاف بعد أن كانوا يبيعونه باحد عشر مع قلته واحتكاره وكانوا نبهوا عليهم قبل ذلك فلم يستمعوا
وفي صبحها يوم الثلاثاء قلد علي اغا الشعراوي الزعامة عوضا عن محمد آغا المقتول وزين الفقار كتخدا امين احتساب عوضا عن سليم آغا أرنؤد المقتول ايضا واجتمعوا ببيت القاضي وحضر أرباب الحرف وعملوا قائمة تسعيرة لجميع المبيعات من المأكولات وغيرها فعملوا اللحم الضاني بثمانية انصاف والماعز بسبعة والجاموسي بستة وان لا يباع فيه شيء من السقط مثل الكبدة والقلب وغير ذلك والسمن المسلى بمائة وثمانين نصفا العشرة أرطال بعد أن كانت بثلثمائة واربعين والزبد العشرة بمائة وستين بعد ان كانت بمائتين واربعين وجميع الخضراوات تباع بالرطل حتى الفجل والليمون والجبن الذي بخيره بثلاثة انصاف بعد عشرة
والخبز رطل بنصف فضة وكذلك جميع الاشياء العطرية والاقمشة العشرة احد عشر والراوية الماء بعشرة انصاف بعد عشرين وغير ذلك ورسموا بان الرطل في الاوزان مطلقا يكون قباني اثني عشر وقية وابطلوا الرطل الزياتي الذي يوزن به الادهان والاجبان والخضراوات وهو أربعة عشر وقية فلم يستمر من هذه الاوامر بعد ذلك سوى نقص الارطال ولما برزت هذه الرسوم هرع الناس لشراء اللحم والماكولات حتى فرغ الخبز من الافران وشق المحتسب فقبض على جماعة من الخبازين وخزم آنافهم وعلق فيها الخبز وكذلك الجزارون خزمهم وعلق في آنافهم اللحم واكثر حضرة الباشا وعظماء أتباعه من التجسس وتبديل الشكل والملبوس والمرور والمشي في الازقة والاسواق حتى أخافوا الناس وانكف العسكر عن الاذية ولزموا الادب ومشى كل واحد في طريقته ودربه ومشت النساء كعادتهم في الاسواق لقضاء أشغالهم فلم يتعرض لهم أحد من العسكر كما كانوا يفعلون
وفي يوم الخميس خامس عشره ارتحل الوزير من بلبيس
وفي يوم السبت سابع عشره سافر خليل افندي الرجائي الدفتردار المعزول في البحر من طريق دمياط وانتقل شريف أفندي الدفتردار الى الدار التي كان بها الاول وهي دار البارودي بباب الخرق
وفي يوم الاثنين تاسع عشره كان موكب امير الحاج عثمان بك وصحبته المحمل على العادة وخرج في أبهة ورونق وانسرت القلوب في ذلك اليوم الى لقائه ونجز له جميع اللوازم مثل الصرة وعوائد العربان وغير ذلك وكان المتقيد بتشهيل ذلك وبجميع اللوازم حضرة شريف افندي الدفتردار
وفي يوم الثلاثاء سابع عشرينه شنقوا ثلاثة أنفار في جهات مختلفة تزيوا بزي العسكر يقال انهم من الفرنسيس افتقدوهم من العسكر المتوجه الى الحج
وفي ذلك اليوم عمل حضرة الباشا ديوانا وأرسل الجاويشية الى جميع
المشايخ والعلماء وخلع عليهم خلعا سنية زيادة على العادة اكثر من سبعين خلعة وكذلك على الوجاقلية والافندية وجبر خاطر الجميع وكانت العادة في هذا التلبيس أن يكون عند قدومه والسبب في تأخيره لهذا الوقت تعويق حضور المراكب التي بها تلك الخلع
وفي يوم الخميس تاسع عشرينه انتقل امير الحاج بالركب من الحصوة الى البركة
وفيه ركب حضرة محمد باشا الى الامام الشافعي فزاره وانعم على الخدمة بستين الف فضة والبسهم خلعا وفرق دنانير ودراهم كثيرة في غير محلها وكذلك يوم الجمعة ركب وتوجه الى المشهد الحسيني فصلى الجمعة وخلع على الامام الراتب والخطيب وكبير الخدمة فراوى وفرق دراهم كثيرة في طريقه ورجع من ناحية الجمالية وكان في موكب جليل على الغاية
وفيه أمر المشار اليه بنصب عدة مشانق عند ابواب المدينة برسم الباعة والمتسببين والخبازين وغيرهم وأكثر أرباب الدرك من المرور والتجسس والتخويف وعلقوا عدة اناس من الباعة على حوانيتهم وخزموهم من آنافهم فرخص السعر وكثرت البضائع اوالمأكولات وحصل الامن في الطرق وانكفت العربان وقطاع الطريق فحضرت الفلاحون من البلاد وكثر السمن والجبن والاغنام وكبر العيش وكثر وجوده وانحط سعر السمن عن التسعيرة عشرين نصفا لكثرته ولله الحمد وهاب الناس هذا الباشا وخافوه وصاروا يترنمون به في البلاد والارياف ويغنون بذكره حتى الصبيان في الاسواق ويقولون سيدي يا محمد باشا يا صاحب الذهب الاصفر وغير ذلك وكان في مبدأ أمره يظنه الظمآن ماء
شهر القعدة سنة
استهل بيوم السبت فيه نهبت العربان قافلة التجار الواصلة من السويس
وفي ثانيه حضر السيد احمد الزرو الخليلي التاجر بوكالة الصابون بديوان الباشا وتداعى على جماعة من التجار وثبت له عليهم عشرة آلاف ريال فأمر الباشا بسجنهم
وفي رابعه يوم الثلاثاء حضر السيد احمد المذكور الى بيت الباشا فأمر بقتله فقبض عليه جماعة من العسكر وقطعوا رأسه عند المشنقة حيث قنطرة المغربي على قارعة الطريق وختموا على موجوده واخذ الباشا ما ثبت له على المحبوسين والسبب في ذلك ا بعضهم أوشى الى الباشا انه كان بحب الفرنسيس ويميل اليهم ويسالمهم وعند خروجهم هرب الى الطور خوفا من العثمانية ثم حضر بأمان من الوزير
وفي يوم الجمعة حضر المشار اليه الى الجامع الازهر بالموكب فصلى به الجمعة وخلع على الخطسب فروة سمور وفرق ونثر دراهم ودنانير على الناس في ذهابه وايابه وتقيد قبي كتخداه واسمعيل افندي شقبون بتوزيع دراهم على الطلبة والمجاورين بالاروقة والعميان والفقراء ففرقوا فيهم نحو خمسة أكياس
وفيه عمل الشيخ عبد الله الشرقاوي وليمة لزواج ابنه ودعا حضرة المشار اليه فحضر في يوم الاحد ثانيه وحضر ايضا شريف أفندي وعثمان كتخدا الدولة فتغدوا عنده وأنعم على ولد الشيخ بخمسة اكياس رومية والبسه فروة سمور وفرق على الخدم والفراشين والقراء دنانير ودراهيم بكثرة وكذلك دفع عثمان كتخدا وشريف افندي كل واحد منهم كيسا وانصرفوا
وفي يوم الاربعاء خامسه حضر الباشا محمد أغات المعروف بالوسيع اغات المغاربة وأمر بقتله فقطعوا رأسه على الجسر ببركة الازبكية قبالة بيت الباشا لامور نقمها عليه وكتبت في ورقة وضعت عند رأسه
وفي يوم الخميس سادسه توفي قاسم بك ابو سيف على فراشه
وفي منتصفه وردت الاخبار من الجهة البحرية بضياع نحو الخمسين مركبا حلت مراسيها من ثغر اسكندرية مشحونة بمتاجر وبضائع وكانت معوقة بكرنتينة الانكليز فلما اذنوا لهم بالسراح فما صدقوا بذلك فصادفتهم فرتونة خرجت عليهم فضاعوا بأجمعهم ولا حول ولا قوة الا
بالله العلي العظيم
وفيه طلب الباشا المشايخ وتكلم معهم في شأن الشيخ خليل البكري وعزله عن وظيفته وسال رايهم في ذلك فقالوا له الرأي لحضرتكم فقال ان الشيخ خليلا لا يصلح لسجادة الصديق واريد عزله عنها من غير ضرر عليه بل اعطيه اقطاعا لنفقته والقصد أن تروا رايكم فيمن يصلح لذلك ومن يستحق فطلبوا المهلة الى غد وانحط الرأي بعد اختلاف كبير على تقليد ذلك لمحمد سعد من أولاد جلال الدين فلما حضروا في اليوم الثاني اخبروه بذلك وانه يستحقها الا انه فقير فقال ان الفقر ليس بعيب فأحضروه وألبسه فروة سمور واركبه فرسا بعباءة مزركشة وأنعم عليه بثمانين ألف درهم وكان من الفقراء المحتاجين للدرهم الفرد ولما ذهب للسلام على الشيخ السادات خلع ايضا فروة سمور عليه
وفي يوم الاثنين رابع عشرينه توفي إلى رحمة الله الشيخ مصطفى الصاوي الشافعي وكان عالما نجيبا وشاعرا لبيبا وقد ناهز الستين
وفيه جهزت عدة من العسكر الى قبلي
وفيه نودي بان خراج الفدان مائة وعشرون نصفا وكذلك نودي برفع عوائد القاضي والافندي التي كانت تؤخذ على اثبات الجامكية والجراية والرفق بعوائد تقاسيط الالتزام والاقطاع وكتبوا بذلك أوراقا وألصقت بالاسواق وفي آخرها لا ظلم اليوم أي مما تقرر قبل اليوم فان الفدان بلغ في بعض القرى بمصاريفه ومغارمه أربعة آلاف نصف فضة واما بدعة القاضي وعوائد التقاسيط فزادت عن أيام الوزير وزاد على ذلك اهمال الاوراق ببيت الباشا لاجل العلامة شهرين وأربعة حتى يسام صاحبها وتحفى أقدامه من كثرة الذهاب والمجيء ومقاساة الذل من الخدم والاتباع ورفع التفتيش والرشوة على التعجيل أو يتركها وربما ضاعت بعد طول المدة فيحتاج الى استئناف العمل
شهر ذي الحجة الحرام سنة
استهل بيوم الاحد في رابعه حضر خمسة اشخاص من الكشاف القبالي من اتباع ابراهيم بك الوالي الى مصر بامان فقابلوا حضرة والي مصر وأنعم عليهم وألبسهم خلعا
وفيه أنعم على خدامهم وفيه عمل الانكليز كرنتينة بالجيزة ومنعوا من يدخلها ومن يخرج منها وذلك لتوهم وقوع لطاعون وورود الاخبار بكثرته في جهة قبلي وبعض البلاد البحرية وأما المدينة ففيها بعض تنقير
وفي يوم الاثنين تاسعه كان يوم الوقوف بعرفة وعملوا في ذلك اليوم شنكا ومدافع وحضرت أغنام وعجول كثيرة للاضحية حتى امتلأت منها الطرقات وازدحمت الناس وافراد العسكر على الشراء وغيمت السماء في ذلك اليوم وأمطرت مطرا كثيرا حتى توحلت الازقة ونودي بفتح الحوانيت والقهاوي والمزينين ليلا واظهار الفرح والسرور واظهار بهجة العيد واستمر ضرب المدافع في الاوقات الخمسة ونودي أيضا بالمواظبة على الاجتماع للصلوات في المساجد وحضور الجمعة من قبل الصلاة بنصف ساعة وان يسقوا العطاش من الاسبلة ولا يبيعون ماءها وأشيع سفر الانكليز وسفر عثمان كتخدا الدولة وتشهيل الخزينة
وفي خامس عشره حضر قاصد من الديار الرومية بمكاتبات وتقرير نقابة الاشراف للسيد عمر وعزل يوسف افندي فلما كان في صبحها يوم الاحد ركب السيد عمر المذكور وتوجه الى عند الباشا فألبسه خلعة سمور ثم حضر الى عند الدفتردار كذلك وكانت مدة ولاية يوسف افندي المعزول شهرين ونصفا
وفي يوم الاربعاء ثامن عشره خرج أحمد آغا خورشيد امير الاسكندرية الى بولاق قاصدا السفر الى منصبه وركب الباشا لوداعه في عصريته وضربوا عدة مدافع من بولاق وبرانبابة ونودي في ذلك اليوم بان لا أحد يواري أحدا من الانكليز أو يخبيه وكل من فعل ذلك عوقب وفي خامس عشرينه قبضوا على امراة سرقت امتعة من حمام وشنقوها عند باب زويله وانقضت هذه السنة وما تجدد بها من الحوادث التي من جملتها ان شريف أفندي الدفتردار أحدث على الرزق الاحباسية المرصدة على الخيرات والمساجد وغيرها مال حماية على كل فدان عشرة أنصاف فضة وأقل واكثر في جميع الأراضي المصرية القبلية والبحرية وحرروا بذلك دفاتر فكل من كان تحت يده شيء من ذلك قل أو كثر يكتب له عرضحال ويذهب به الى ديوان الدفتردار فيعلم عليه علامته وهي قوله قيد بمعنى انه يطلب قيوده من محله التي تثبت دعواه ثم يذهب بذلك العرضحال الى كاتب الرزق فيكشف عليها في الدفاتر المختصة بالاقليم الذي فيه الارصاد بموجب الاذن بتلك العلامة فيكتب له ذلك تحتها بعد أن يأخذ منه دراهم ويطيب خاطره بحسب كثرة الطين وقلته وحال الطالب ويكتب تحته علامته فيرجع به الى الدفتردار فيكتب تحته علامة غير الاولى فيذهب به الى كاتب الميري فيطالبه حينئذ بسنداته وحجج تصرفه ومن أين وصل اليه ذلك فان سهلت عليه الدنيا ودفع له ما ارضاه كتب له تحت ذلك عبارة بالتركي لثبوت ذلك والا نعنت على الطالب بضروب من العلل وكلفة بثبوت كل دقيقة يراها في سنداته وعطل شغله فما يسع ذلك الشخص الا بذل همته في تتميم غرضه بأي وجه كان اما أن يستدين أو يبيع ثيابه ويدفع ما لزمه فان ترك ذلك وأهمله بعد اطلاعهم عليه حلوه عنه ورفعوه وكتبوه لمن يدفع حلوانه ثلاث سنوات أو أكثر وكتبوا له سندا جديدا يكون هو المعول عليه بعد ويقيد بالدفاتر ويبطل اسم الاول وما بيده من الوقفيات والحجج والافراجات القديمة ولو كانت عن اسلافه ثم يرجع كذلك الى الدفتردار فيكتب له علامة لكتابة الاعلام فيذهب به الى الاعلامجي فيكتب له عبارة ايضا في معنى ما تقدم ويختم تحتها بختم كبير فيه اسم الدفتردار ويأخذ على ذلك دراهم ايضا وبعد ذلك يرجع الى الدفتردار فيقرر ما يقرره عليها من المال الذي يقال له مال الحماية ثم
يذهب بها الى بيت الباشا ليصحح عليها بعلامته ويطول عند ذلك انتظاره لذلك ويتفق اهمالها الشهرين والثلاثة عند الفرمانجي وصاحبها يغدو ويروح في كل يوم حتى تحفى قدماه ولا يسهل به تركها بعدما قاساه من التعب وصرفه من الدراهم فاذا تمت علامتها دفع أيضا المعتاد الذي على ذلك ورجع بها الى بيت الدفتردار فعند ذلك يطلبون منه ما تقرر عليها فيدفعه عن تلك السنة ثم يكتبون له سندا جديدا ويطالب بمصروفه ايضا وهو شيء له صورة ايضا فلا يجد بدا من دفعه ولا يزال كذلك يغدو ويروح مدة ايام حتى يتم له المراد
ومنها المعروف بالجامكية ومرتبات الغلال بالانبار وذلك ان من جملة الاسباب في رواج حال أهل مصر المتوسطين وغناهم ومدار حال معاشهم وايرادهم في السابق هذان الشيآن وهما الجامكية والغلال التي يقال لها الجرايات رتبها الملوك السالفة من الاموال الميرية للعساكر المنتسبة للوجاقات والمرابطين بالقلاع الكائنة حوالي الاقليم ومنها ما هو للايتام والمشايخ والمتقاعدين ونحوهم وكانت من ارواج الإيراد لاهل مصر وخصوصا أهل الطبقة الذين ليس لهم اقطاع ولا زراعات ولا تجارات كأهل العلم ومساتير اولاد البلد والارامل ونحوهم وثبت وتقرر ايرادها وصرفها في كل ثلاثة أشهر من اول القرن العاشر الى أواخر الثاني عشر بحيث تقرر في الاذهان عدم اختلالها أصلا ولما صارت بهذه المثابة تناقلوها بالبيع والشراء والفراغ وتغالوا في أثمانها ورغبوا فيها وخصوصا لسلامتها من عوارض الهدم والبناء كما في العقار واوقفوها وأرصدوها ورتبوها عل جهات الخيرات والصهاريج والمكاتب ومصالح المساجد ونفقات أهل الحرمين وبين أهل المقدس وأفتى العلماء بصحة وقفها لعلة عدم تطرق الخلل فلما اختلت الاحوال وحدثت الفتن وطمع الحكام والولاة في الاموال الميرية ضعف شأنها ورخص سعرها وانحط قدرها وافتقر اربابها ولم تزل في الانحطاط والتسفل حتى بيع الاصل والايراد بالغين الفاحش جدا
وتعطل بسبب ذلك متعلقاتها ولم يزل حالها في اضطراب الى أن وصل هؤلاء القادمون وجلس شريف افندي الدفتردار المذكور ورأى الناس فيه مخايل الخير لما شاهدوه فيه من البشاشة واظهار الرفق والمكارم غرض الناس عليه شأن العلوفة المذكورة والغلال فلم يمانع في ذلك وكتب الاذن على الاوراق كعادته وذهب بها أربابها الى ديوان الكتبة وكبيرهم ويسمى حسن أفندي باش محاسب وهو من العثمانيين عارض في حسابها وقال ان العثماني اسم لواحد الاقجة وصرفه عندنا بالروم كل ثلاث أقجات بنصف فضة وما في دفاتركم يزيد في الحساب الثلث فعورض وقيل له ان الاقجة المصري كل اثنين بنصف بخلاف اصطلاح الروم وهذا أمر تداولنا عليه من قديم الزمان ولم يزل حتى فقد ذلك المشروع ومشوا على فقد الثلاث ورضى الناس بذل لظنهم رواج الباقي وعند استقرار الامر بذلك أخذوا يتعنتون على الناس في الثبوت وقد كان الناس اصطلحوا في اكثرها عند فراغها على عدم تغيير الاسماء التي رقمت بها وخصوصا بعد ضعفها فيبيعها البائع ويأخذها المشتري بتمسك البيع فقط ويترك سند الاصل بما فيه من الاسم القديم عنده أو تكون باسم الشخص ويموت وتبقى عند اولاده فجعلوا معظمها بهذه الصورة وأخذوه لأنفسهم وأعطوا منه لاغراضهم بعد رفع الثلث الاصل وثلث الايراد وضاعت على اربابها مع كونهم فقراء وكذلك فعلوا في أوراق الغلال وجعلوها بدراهم عن كل اردب خمسون نصفا غلا أو رخص وزادوا في القيود التي تكتب على العرضحالات المصطلحين عليها بأن يكتب عليها أيضا قاضي العسكر بعد حسابهم مقدار العلوفة والغلال ويأخذ على كل عثماني نصفين أو أقل أو اكثر وعلى كل اردب قرشا روميا وكل ذلك حيلة على أخذ المال بطريق شيطاني وحرروا ما حرروه ودفعوا للناس حيلة ما دفعوه حرروه ودفعوا للناس ما دفعوه مقسطا على الجمع والشهور ورضوا بذلك وفرحوا به لظنهم دوامة واستعوضوا الله فيما ذهب لهم وختموا الدفتر على مقدرا ما
عرض عليهم وما ظهر بعد ذلك لا يعمل به ويذهب في المحلول ولما انقضت هذه السنة الاخرى وافتتح الناس الطلب قيل لهم ان الذي اخذتموه هو عن السنة القابلة وقد قبضتموها معجلة وعزل شريف افندي الدفترادر في أثرها ووصل خليل أفندي الرجائي واضطربت الاحوال ولم ينفع القيل والقال كما يأتي
من مات في هذه السنة
مات الشيخ العمدة الامام خاتمة العلماء الاعلام ومسك ختام الجهابذة ذوي الافهام ومن افتخر به عصره على الاعصار وصاح بلبل فصاحته في الامصار يتيمة الدهر وشامة وجه اهل العصر العالم المحقق والتحرير المدقق بديع الزمان والتاج المرصع على رؤوس الاقران الناظم الناثر الفصيح الباهر الشيخ مصطفى بن أحمد المعروف بالصاوي والده كان من أعيان التجار بمصر وأصل مرباهم بالسويس بساحل القلزم وصاوى نسبة الى بلدة بشرقية بلبيس سمى الصوة وهي على غير القياس وهي بلدة والده ثم انتقل منها الى السويس وكان يبيع بها الماء وولد له بها المترجم فارتحل به الى مصر وسكن بحارة الحسينية مدة وأتى بولده المترجم الى الجامع الازهر واشتغل بالقراءة فحفظ القرآن والمتون واشتغل بالعلم وحضر دروس الاشياخ ولازم الشيخ عيسى البراوي وتخرج به ومهر وأنجب وأقرأ الدروس وختم الختوم وشهد له الفضلاء وكان لطيف الذات مليح الصفات رقيق حواشي الطبع مشارا اليه في الافراد والجمع مهذب الاخلاق جميل الاعراق وحاله وفضله كثير ولم يزل يقرر ويفيد ويملي ويعيد حتى قطفت يد الاجل نواره واطفأت رياح المنية انواره
ومات الامير عثمان بك الاسقر الابراهيمي وهو من مماليك ابراهيم بك الكبير الموجود الآن اشتراه ورباه واعتقه وجعله خازنداره مدة ثم قلده الامارة والصنجقية في سنة 1129 وعرف بالاشقر اشقرته ولما انتقل اسناده الى بيت سيده محمد بك بعطفة قوصون سكن مكانه بدرب الجماميز وصار له مماليك واتباع وانتظم في عداد الامراء وخرج مع سيده في الحوادث وتغرب معه في البلاد القبلية وطلع اميرا بالحج في سنة 1210 وعاد في أمن وأمان ولما حصلت حادثة الفرنسيس كان هو مع من كان بالبر الغربي وذهب الى الصعيد ثم مر من خلف الجبل ولحق باستاذه ببر الشام ولم يزل حتى رجع مع استاذه والامراء بصحبة عرضي الوزير في المرة الثانية ثم سافر مع حسين باشا القبودان فقتل مع من قتل بأبي قير ودفن بالاسكندرية وكان ذا حشمة وسكون وحسن عشرة مع مافيه من الشح
ومات الامير عثمان بك الجوخدار المعروف بالطنبرجي المرادي وهو من مماليك مراد بك اشتراه ورباه ورقاه وقلده الامارة والصنجقية في سنة 1197 ولما وصل حسن باشا الجزايرلي الى مصر وخرج مع سيده وباقي الامراء من مصر على الصورة المتقدمة ووقع بينهم ما وقع من الحروب والمهادنة حضر هو وحسين بك المعروف بشفت وعبد الرحمن بك الابراهيمي الى مصر رهائن ولما سافر حسن باشا الى الروم أخذهم صحبته باغراء اسمعيل بك فأقاموا هناك ثم نفوهم الى ليميا فاستمروا بها ومات بها حسين بك خشداشه المذكور ثم رجع المترجم وعبد الرحمن بك بعد وقوع الطاعون وموت اسمعيل بك واتباعهما الى مصر فلم يزالوا حتى حصل ما حصل من ورود الفرنسيس وموت مراد بك في آخريات أيامهم فوقع اختيار المرادية على تأميره عوضا عن سيده باشارة خشداشه محمد بك الالفي وانتقل بعشيرته الى الجهة البحرية وانضموا الى عرضي الوزير ووصلوا الى مصر فكان هو وابراهيم بك الالفي ثاني اثنين يركبان معا وينزلان معا ولم يزل حتى سافر القبودان بعدما مكر مكره مع الوزير سرا على خيانة المصريين فأرسل يستدعيه هو وعثمان بك البرديسي فسافرا امتثالا للامر فأوقع بهما ما تقدم وقتل المترجم ونجا البرديسي ودفن بالاسكندرية وكان أمير لا بأس به وجيه الشكل عظيم اللحية ساكن
الجأش فيه تؤدة وعقل وسبب تلقبه بالطنبرجي أنه كان في عنفوان أمره مولعا بسماع الآلات وضرب الطنبور
ومات الامير مراد بك المعروف بالصغير وهو من مماليك محمد بك أبي الذهب وانتمى الى سليمان بك الآغا واستمر ملازما له ومنسوبا اليه مدة أعوام وكان يعرف بمراد كاشف وله ايراد واسع ومماليك ثم تقلد الامارة والصنجقية في 1206 فزادت وجاهته ولم يزل كذلك حتى سافر مع عثمان بك الاشقر وأحمد بك الحسني مع القبودان وقتل كذلك بأبي قير ودفن بالاسكندرية
ومات الامير قاسم بك أبو سيف وهو مملوك عثمان بك أبي سيف الذي سافر بالخزينة ومات بالروم وذلك سنة 1180 وهي آخر خزينة رأيناها سافرت الى اسلامبول على الوضع القديم وعثمان بك هذا مملوك عثمان بك أبي سيف الذي كان من جملة القاتلين لعلي بك الدمياطي وخليل بك قطامش ومحمد بك قطامش في ولاية راغب باشا كما تقدم وخدم المترجم مراد بك وكان يعرف بقاسم كاشف أبي سيف وكان له اقطاع والتزام وايراد واشتهر ذكره في أيام مراد بك وبني داره التي بالناصرية وانفق عليها أموالا جمة وكان له ملكة وفكرة في هندسة البناء واستأجر قطعة عظيمة من أراضي البركة الناصرية اتجاه داره من وقف المولوية وسورها بالبناء وبنى في داخلها قصرا مزخرفا برحبة متسعة وقسم تلك الارض بتقاسيم للمزارع وحولها طرق ممهدة مستطيلة ومجار للمياه التي تصل اليها أيام النيل ومجار أخرى عالية مبنية بالمؤن والخافقي من داخلها تجري فيها المياه من السواقي ويحيط بذلك جمعية اشجار الصفصاف المتدانية القطاف وبداخل تلك البركة المنقسمة النخيل والاشجار ومزارع المقاثىء والبرسيم والغلة وغيرها يسرح فيها النظر من سائر جهاتها وتنشرح النفوس في ارجائها ومساحاتها وجعل السواقي في ناحية تجتمع مياهها في حوض وبأسفله أنابيب تتدفق منها المياه الى حوض اسفل منه وعنده
مجلس ومساطب للجلوس وتجرى منه المياه الى المجارى المخفقة المرتفعة ومنها تنصب من مصبات من حجر الى أحواض أسفل منها صغار وتجرى الى مساقي المزارع وعند كل مصب منها محل للجلوس وعليه اشجار تظله وبوسطه ايضا ساقية بفوهتين تجري منها المياه ايضا والقصر يشرف على ذلك كله وحول رحبة القصر وطرق الممشاة كروم العنب والتكاعيب واباح للناس الدخول اليها والتنزه في رياضها والتفسح في غياضها والسروح في خلالها والتفيؤ في ظلالها وسماها حديقة الصفصاف والاس لمن يريد الحظو والائتناس ونقش ذلك في لوح من الرخام وسمرة في اصل شجرة يقرؤها الداخلون اليها فأقبل الناس على الذهاب اليها للنزاهة ووردوا عليها من كل جهة وعملوا فيها قهاوي ومساقي ومفارش واتخاخا يفرشها القهوجية للعامة وقللا واباريق واجتمع بها الخاص والعام وصار بها مغان وآلات وغواني ومطربات والكل يرى بعضهم بعضا وجعل بها كراسي للجلوس وكنيفات لقضاء الحاجة وجعل للقصر فرشا ومساند ولوازم ومخادع لنفسه ولمن يأتي اليه بقصد النزاهة من أعيان الامراء والآكابر فيبيتون به الليالي ولا يحتاجون لسوى الطعام فيأتي اليهم من دورهم وزاد بها الحال حتى امتنع من الدخول اليها أهل الحياء والحشمة وأنشأ تجاهها أيضا على يسار السالك الى طريق الخلاء بستانا آخر علىخلاف وضعها واخبرني المترجم ايضا من لفظه أنه انشأ بستانا بناحية قبلي اعجب وأغرب من ذلك ولما حضر حسن باشا الجزايرلي الى مصر وخرج منها أمراؤها تخلف المترجم عن مخدومه واستقر بمصر فقلدوه الامارة والصنجقية في سنة 1201 فعظمت امرته وزادت شهرته وتقلد امارة الحج مرتين ولما أوقع العثمانية بالامراء المصرلية ما أوقعوه وانفصلوا من حبس الوزير وانضموا الى الانكليز بالجيزة ثم انتقلوا الى جزيرة الذهب وارتحلوا منها الى قبلي تخلف عنهم المترجم لمرض اعتراه وحضر الى مصر ولازم الفراش ولم يزل حتى مات في يوم الخميس سادس القعدة من السنة
وكان يخضب لحيته بالسواد مدة سنين رحمه الله
ومات ابراهيم كتخدا السناري الاسود وأصله من برابرة نقلة وكان بوابا في مدينة المنصور وفيه نباهة فتداخل في الغز القاطنين هناك مثل الشابوري وغيره بكتابة الرقي وضرب الرمل ونحو ذلك ولبس ثيابا بيضاء ثم تعاشر مع بعضهم وركب فرسا وانتقل الى الصعيد مع من اختلط بهم وتداخل في اتباع مصطفى بك الكبير ولم يزل حتى اعتشر بالامير المذكور وتعلم اللغة التركية فأستعمله في مراسلاته وقضاياه فنقل فتنة ونميمة بين الامراء فاراد مراد بك قتله فألتجا الى حسين بك وخدمه مدة ثم تحيل والتجأ الى مراد بك وعاشره وأحبه ولازمه في الغربة والاسفار واشتهر ذكره وكثر ماله وصار له التزام وايراد وبنى داره التي بالناصرية وصرف عليها اموالا واشترى المماليك الحسان والسراري البيض وتداخل في القضايا والمهمات العظيمة والامور الجسيمة وصار من أعظم الاعيان المشار اليهم بمصر ونمى ذكره وعظم شأنه وباشر بنفسه الامور من غير مشورة الامراء فكان يحل ما يعقده الامراء الكبار ولما تحجب مخدومه بقصر الجيزة كان المترجم لسان حاله في الامر والنهي وبيده مقاليد الاشياء الكلية والجزئية ولا يحجب عن ملاقاة مخدومه في أي وقت شاء فينهى اليه ما يريد تنفيذه بحسب غرضه واتتخذ له اتباعا وخدما يقضون القضايا ويسعون في المهمات ويتوسطون لارباب الحاجات ويصانعهم الناس حتى الاكابر ويسعون الى دورهم وصاروا من أرباب الوجاهات والثروات ولم يزل ظاهر الامر نامي الذكر حتى وقعت الحوادث وسافر الفرنانساوية ودخل العثمانية ورجع قبودان باشا الى أبي قير فأرسل يطلبه في جملة من استدعاهم اليه وقتل مع من قتل ودفن بالاسكندرية
محرم الحرام ابتداء سنة ألف ومائتين وسبع عشره هجرية
استهل بيوم الاثنين فيه تواترت الاخبار بحصول الصلح العمومي بين القرانات جميعا ورفع الحروب فيما بينهم وفيه ترادفت الاخبار بأمر عبد الوهاب وظهور شأنه من مدة ثلاث سنوات من ناحيةنجد ودخل في عقيدته قبائل من العرب كثيرة وبث دعاته في أقاليم الارض ويزعم انه يدعو الى كتاب الله سبحانه وتعالى وسنة رسوله ويأمر بترك البدع التي ارتكبها الناس ومشوا عليها الى غير ذلك
وفيه سافر عثمان كتخدا الدولة الى الديار الرومية ونزل الى بولاق وضربوا له عدة مدافع وأخذ صحبته الخزينة وسافر معه مختار افندي ابن شريف افندي دفتردار مصر
وفي هذه الايام حصلت امطار متتابعة وغيام ورعود وبروق عدة أيام وذلك في اواسط نيسان الرومي
وفي ذلك اليوم نبهوا على الوجاقات والعساكر بالحضور من الغد الى الديوان لقبض الجامكية فلما كان في صبحها يوم الثلاثاء نصبوا صيوانا كبيرا ببركة الازبكية وحضر العساكر الوجاقلية بترتيبهم ونزل الباشا بموكبه الى ذلك الصيوان وهو لابس على رأسه الطلخان والقعطان الأطلس وهو شعار الوزارة ووضعوا الاكياس وخطفوها على العادة القديمة فكان وقتا مشهودا
وفي يوم الثلاثاء تاسعه حضر كبير الانكليز من الاسكندرية ونصبوا وطاقهم ببرانبابة فلما كان يوم الاربعاء يوم عاشوراء عدي كبير الانكليز ومعه عدة من أكابرهم فتهيأ لملاقاته الباشا واصطفت العساكر عند بيت الباشا ووصل الانكلز الى الازبكية وطلعوا الى عند الباشا وقابلوه فخلع عليهم وقدم لهم خيلا وهدية ثم نزلوا وركبوا ورجعوا الى وطاقهم وعند ركوبهم ضربوا لهم عدة مدافع فلم يعجب الباشا ضربها فأمر الطبجية لكونهم لم يضربوها على نسق واحد
وفيه وردت الاخبار بأن الانكليز أخلوا القلاع بالاسكندرية وسلموها لاحمد بك خورشيد وذلك يوم الاثنين ثامنه وأبطلوا الكرنتينه ايضا وحصل الفرج للناس وانطلق سبيل المسافرين برا وبحرا وأخذ الباشا في
الاهتمام بتشهيل الانكليز المسافرين الى السويس والقصير وما يحتاجون اليه من الجمال والادوات وجميع ما يلزم ولما حضر الانكليز الى عند الباشا فدعوه الى الحضور الى عندهم فوعدهم على يوم الجمعة فلما كان يوم الجمعة ثالث عشره ركب الباشا وصحبته طاهر باشا في نحو الخمسين وعدي الى الجيزة بعد الظهر ووقفت عساكر الانكليز صفوفا رجالا وركبانا وبأيديهم البنادق والسيوف واظهروا زينتهم وأبهتهم وذلك عندهم من التعظيم للقادم فنزل الباشا ودخل القصر فوجدهم كذلك صفوفا بدهليز القصر ومحل الجلوس فجلس عندهم ساعة زمانية وأهدوا له هدايا وتقادم وعند قيامه ورجوعه ضربوا له عدة مدافع على قدر ما ضرب لهم هو عند حضورهم اليه فلقد أخبرني بعض خواصهم ان الباشا ضرب لهم سبعة عشر مدفعا ولقد عددت ما ضربه الانكليز للباشا فكان كذلك وأخبرني حسين بك وكيل قبطان باشا وكان بصحبة الباشا عند ذهابه الى الانكليز قال كنا في نحو الخمسين والانكليز في نحو الخمسة آلاف فلو قبضوا علينا في ذلك الوقت لملكوا الاقليم من غير ممانع فسبحان المنجي من المهالك واذا تأمل العاقل في هذه القضية يرى فيها أعظم الاعتبارات والكرامة لدين الاسلام حيث سخر الطائفة الذين هم اعداء للملة هذه الدفع تلك الطائفة ومساعدة المسلمين عليهم وذلك مصداق الحديث الشريف وقوله صلى الله عليه و سلم ان الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر فسبحان القادر الفعال واستمرت طائفة كبيرة بالاسكندرية من الانكليز حتى يريد الله
وفي ذلك اليوم سافرت الملاقاة للحجاج بالوش
وفيه وصلت مكاتبات من أهل القدس ويافا والخليل يشكون ظلم محمد باشا ابي مرق وانه احدث عليهم مظالم وتفاريد ويستغيثون برجال الدولة وكذلك عرضوا أمرهم لأحمد باشا الجزار وحضر الكثير من أهل غزة ويافا والخليل والرملة هروبا من المذكور وفي ضمن المكاتبات انه حفر قبور المسلمين والاشارف والشهداء بيافا ونبشهم ورمى عظامهم وشرع يبنى في تلك الجبانة سورا يتحصن به واذن للنصارى ببناء دير عظيم لهم ومكنهم ايضا من مغارة السيدة مريم بالقدس وأخذ منهم مالا عظيما على ذلك وفعل من امثال هذه الفعال اشياء كثيرة
وفيه حضر جماعة من العسكر القبالي وصحبتهم أربعة رؤس من المصرلية وفيهم رأس على كاشف ابي دياب وتواترت الاخبار بوقوع معركة بين العثمانية والمصرلية وكانت الغلبة على العثمانية وقتل منهم الكثير وذلك عند ارمنت وراس عصبة المصرلية الالفي وصحبته طائفة من الفرنسيس وتجمع عليهم عدة من عسكر الفرنساوية والعثمانية طمعا في بذلهم وان عثمان بك حسن انفرد عنهم وارسل يطلب امانا ليحضر فأرسلوا له امانا فحضر الى باشة الصعيد وخلع عبيه فروة سمور وقدم له خيلا وهدية
وفيه ورد الخبر بموت محمد باشا توسون والي جدة وكذلك خازنداره وفي يوم السبت رابع عشره شرع الانكليز المتوجهون الى جهة السويس في تعدية البر الشرقي ونصبوا وطاقهم عند جزيرة بدران وبعضهم جهة العادلية وذهبت طائفة منهم جهة البر الغربي متوجهين الى القصير واستمروا يعدون عدة أيام ويحضر أكابرهم عند الباشا ويركبون فيرمون لهم مدافع حال ركوبهم الى اماكنهم
وفي يوم الاثنين ثاني عشرينه عدى حسين بك وكيل القبطان الى الجيزة وتسلمها من الانكليز واقام بها وسكن بالقصر
وفي خامس عشرينه وصل الى ساحل بولاق اغا وعلى يده مثالات واوامر وحضر ايضا عساكر رومية فأرسلوا عدة منهم الى الجيزة فركب ذلك الاغا في موكب من بولاق الى بيت الباشا فخلع عليه وقدم له تقدمه وضربوا له عدة مدافع
وفيه حضر ططرى من ناحية قبلي بالاخبار بما حصل بين العثمانية والمصرلية وطلب جبخانة ولوازمها
وفيه وصلت الاخبار بان احمد باشا ارسل عسكر الى ابي مرق من البر والبحر فأحاطوا بيافا وقطعوا عنها الجالب واستمروا على حصاره
وفيه اتخذ الباشا عسكرا من طائفة التكرور الذين يأتون الى مصر بقصد الحج فعرضهم واختار منهم جملة وطلبوا الخياطين ففصلوا لهم قناطيش قصارا من جوخ احمر والبسة من جوخ ازرق وصدريات وجميعها ضيقة مقمطة مثل ملابس الفرنسيس وعلى رؤوسهم طراطير حمر واعطوهم سلاحا وبنادق وأسكنوهم بقلعة الجامع الظهري خارج الحسينية وجعلوا عليهم كبيرا يركب فرسا ويلبس فروة سمور وجمع الباشا ايضا العبيد السود وأخذهم من أسيادهم بالقهر وجعلهم طائفة مستقلة وألبسهم شبه ما تقدم وأركبهم خيلا وجعلهم فرقتين صغارا وكبارا واختارهم للركوب اذا خرج الى الخلاء وعليهم كبير يعلمهم هيئة اصطاف الفرنسيس وكيفية أوضاعهم والاشارات بمرش واردبوش وكذلك طلب المماليك وعصب ما وجده منهم من أسيادهم واختص بهم وألبسهم شبه لبس المماليك المصرلية وعمائم شبه البحرية الاروام وبلكات وشراويل وادخل فيهم ما وجده من الفرنسيس وجعل لهم كبيرا ايضا من الفرنسيس يعلمهم الكر والفر والرمي بالبنادق وفي بعض الاحيان يلبسون زرديات وخودا وبأيديهم السيوف المسلولة وسموا ذلك كله النظام الجديد
واستهل شهر صفر الخير بيوم الاربعاء سنة
في ثانيه وصل سعيد اغا وكيل دار السعادة وهو فحل اسمر فحضر عند الباشا فقابله وخلع عليه وقدم له تقدمة وضربوا له عدة مدافع ايضا
وفي يوم الخميس تاسعه عمل الباشا ديوانا وحضر القاضي والعلماء والاعيان وقرأوا خطا شريفا حضر بصحبة وكيل دار السعادة بانه ناظر اوقاف الحرمين
وفي يوم الاثنين ثالث عشره قتل الباشا ثلاثة اشخاص من النصارى المشاهير وهم ألطون ابو طاقية وابراهيم زيدان وبركات معلم الديوان سابقا وفي الحال ارسل الدفتردار فختم على دورهم واملاكهم وشرعوا في نقل ذلك الى بيت الدفتردار على الجمال ليباع في المزاد فبدأوا باحضار تركة ألطون ابي طاقية فوجد له موجود كثير من ثياب وامتعة ومصاغ وجواهر وغيرها وجوار سود وحبوش وساعات واستمر سوق المزاد في ذلك عدة ايام
وفيه تواترت الاخبار بان بونابارته خرج بعمارة كبيرة ليحارب الجزائر وانه انضم الى طائفة الفرنسيس الاسبانيول والنامرطان وتفرقوا في البحر وكثر اللغط بسبب ذلك وامتنع سفر المراكب ورجع الانكليز الى قلاع الاسكندرية واستمرت هذه الاشاعة مدة ايام ثم ظهر عدم صحة هذه الاخبار وان ذلك من اختلافات الانكليز
وفي يوم الخميس سابع عشره حضر جاويش وصحبته مكاتبات الحجاج من العقبة وضربوا لحضوره مدافع واخبروا بالامن والرخاء والراحة ذهابا وايابا ومشوا من الطريق السلطاني وتلقتهم العربان وفرحوا بهم فلما كان يوم الاثنين وصل الحجاج ودخلوا الى مصر
وفي صبحها دخل امير الحج وصحبته المحمل
وفي يوم الخميس ثالث عشرينه سافر حسين اغا شنن وزين الفقار كتخدا وصحبتهما على كاشف لملاقاة عثمان بك حسن وأخلوا له دار عبد الرحمن كتخدا بحارة عابدين
وفي يوم الثلاثاء ثامن عشرينه حضر عثمان بك حسن فارسل اليه الباشا اعيان اتباعه من الاغوات وغيرهم والجنائب فحضر بصحبتهم وقابل حضرة الباشا وخلع عليه خلعة وقدم له تقدمة وذهب الى الدار التي اعدت له وحضر صحبته صالح بك غيطاء وخلافه من الامراء البطالين ومعهم نحو المائتين من الغز والمماليك سكن كل من الامراء والكشاف في
مساكن ازواجهم فكانوا يركبون في كل يوم الى بيت عثمان بك ويذهبون صحبته الى ديوان الباشا ورتب له خمسة وعشرين كيسا في كل شهر
واستهل شهر ربيع الاول بيوم الخميس سنة
فيه شرعوا في عمل المولد النبوي وعملوا صوارى ووقدة قبالة بيت الباشا وبيت الدفتردار والشيخ البكري ونصبوا خياما في وسط البركة ونودي في يوم الخميس ثامنه بتزيين البلد وفتح الاسواق والحوانيت والسهر بالليل ثلاث ليال اولها صبح يوم الجمعة وآخرها الاحد ليلة المولد الشريف فكان كذلك
وفي ليلة المولد حضر الباشا الى بيت الدفتردار باستدعاء وتعشى هناك واحتفل لذلك الدفتردار وعمل له حراقة نفوط وسواريخ حصة من الليل
وفيه وصلت الاخبار بكثرة عربدة الامراء القبالى وتجمع عليهم الكثير من غوغاء الخوف والهوارة والعربان ووصلوا الى غربي اسيوط وخافتهم العساكر العثمانية وداخلهم الرعب منهم وتحصن كل فريق في الجهة التي هو فيها وانكمشوا عن الإقدام عليهم وهابوا لقاءهم مع ما هم عليه من الظلم والفجور والفسق بأهل الريف والعسف بهم وطلبهم الكلف الشاقة والقتل والحرق وذلك هو السبب الداعي لنفور اهل الريف منهم وانضامهم الى المصرلية ومن جملة افاعيلهم التي ضيقت المنافس واحرجت الصدور حتى اعاظم الدولة حجزهم المراكب ومنعهم السفار حتى تعطلت الاسباب وامتنع حضور الغلال من الجهة القبلية وخلت عرصات الغلة والسواحل من الغلال مع كثرتها في بلاد الصعيد ولولا تشديد الباشا في عدم زيادة سعر الغلة لغلت اسعارها وامر بان لا يدخلوا الى الشون والحواصل شيئا من الغلة بل يباع ما يرد على الفقراء حتى يكتفوا وفي كل وقت يرسلون اوراقا وفرمانات الى العساكر باطلاق المراكب فلا يمتثلون ويحجز الواحد منهم او الاثنان المركب التي تحمل الالف اردب ويربطونها بساحل الجهة التي هم بها وتستمر كذلك من غير منفعة وربما مرت بهم شرعوا في تسفير عساكر ايضا وسارى عسكرهم طاهر باشا واخذ في المراكب المشحونة بالغلة فيأخذون منها النواتية والريس يستخدمونه في مركبهم ويأخذ غيرهم المركب فيرمي ما بها من الغلال على بعض السواحل ان لم يجدوا من يشتريه ويأخذون المراكب فيربطونها عندهم وامثال ذلك مما تقصر عنه العبارة ولما تواترت هذه الاخبار عن الامراء القبالي التشهيل والسفر فلما كان يوم الخميس خامس عشره عدى الى البر الغربي وتبعته العساكر
وفي ذلك اليوم حضرت مكاتبة من الامراء القبالي ملخصها أن الارض ضاقت عليهم واضطرهم الحال والضيق وفراق الوطن الى ما كان منهم وانهم في طاعة الله والسلطان ولم يقع منهم ما يوجب ابعادهم وطردهم وقتلهم فأنهم خدموا وجاهدوا وقاتلوا مع العثمانية وأبلوا مع الفرنساوية فجوزوا بضد الجزاء ولا يهون بالنفس الذل والاقبال على الموت فأما أن تعطونا جهة نتعيش فيها أو ترسلوا لنا أهلنا وعيالنا وتشهلوا لنا مراكب على ساحل القصير فنسافر فيها الى جهة الحجاز او تعينوا لنا جهة نقيم بها نحو خمسة اشهر مسافة ما نخاطب الدولة في أمرنا ويرجع لنا الجواب ونعمل بمقتضى ذلك فان لم تجيبونا لشيء من ذلك فيكون ذنب الخلائق في رقابكم لا رقابنا وورد الخبر عنهم انهم رجعوا القهقرى الى قبلي فلما حضرت تلك المكاتبة فاشتوروا في ذلك وكتبوا لهم جوابا بامضاء الباشا والدفتردار والمشايخ حاصله الامان لما عدا ابراهيم بك والالفي والبرديسي وابادياب فلا يمكن أن يؤذن لهم بشيء حتى يرسلوا الى الدولة ويأتي الاذن بما تقتضيه الاراء وأما بقيتهم فلهم الامان والاذن بالحضور الى مصر ولهم الاعزاز والاكرام ويسكنون فيما أحبوا من البيوت ويرتب لهم ما يكفيهم
من التراتيب والالتزام وغير ذلك مثل ما وقع لعثمان بك حسن فانهم رتبوا له خمسة وعشرين كيسا في كل شهر ومكنوه مما طلبه من خصوص الالتزام ورفعوها عمن كان أخذها بالحلوان وهذه اول قضية شنيعة ظهرت بقدومهم واستمر طاهر باشا مقيما بالبر الغربي
وفي هذا الشهر كمل تنميم عمارة المقياس على ما كان عمره الفرنسيس على طرف الميري وأنشا به الباشا طيارة في علوه عوضا عن الطيارة القديمة التي هدمها الفرنسيس وأنشأ ايصا مصطبة في مرمى النشاب بالناصرية وجعل فيها كشكا لطيفا مزينا بالاصباغ ودرابزين حول المصطبة المذكورة
ومن الحوادث بسكندرية
حضر قليون وفيه تجار وبزرجانية يقال له قليون مهر الدار الدولة فأرسى بالمينة الغربية وطلع منه قبطان وبعض التجار الى البلدة وأقام نحو يومين او ثلاثة فطلع رجل نصراني وأخبر الانكليز انه مات به رجل بالطاعون ومات قبله ثلاثة ايضا فطلبوا القبطان فهرب فأرسلوا الى المركب وأحضروا اليازجي وتحققوا القضية وأحرقوا المراكب بما فيها وأشهروا اليازجي وعروه من ثيابه وسحبوه بينهم في الاسواق وكلما مروا به على جماعة من العثمانية مجتمعين على مصاطب القهاوي بطحوه بين أيديهم وضربوه ضربا شديدا ولم يزالوا يفعلون به ذلك حتى قتلوه
ووقع ايضا ان خورشيد حاكم الاسكندرية أحدث مظالم ومكوسا على الباعة والمحترفين فذهب بعض الانكليز يشتري سمكا فطلب السماك منه زيادة في الثمن عن المعتاد فقال له الانكليزي لاي شيء تطلب زيادة عن العادة فعرفه بما أحدث عليهم من المكس فرجع الانكليزي وأخبر كبراءة فتحققوا القضية وأحضروا المنادي وأمروه بالمناداة بأبطال ما أحدثه العثمانية من المكوس والمظالم فخرج المنادي وقال حسبما رسم الوزير محمد باشا وخورشيد أغا بان جميع الحوادث المحدثة بطاله فسمعوه يقول ذلك فأحضروه وضربوه ضربا شديدا وعزروه على ذلك القول وقالوا له قل في مناداتك حسبما رسم سارى عسكر الانكليز
ووقع ايضا ان جماعة من العسكر ارادوا القبض على امرأة من النساء اللاتي يصاحبن الانكليز فمنعها منهم عسكر الانكليز فتضاربوا معهم فقتل من الانكليز اثنان فاجتمع الانكليز وأرسلوا الى خورشيد بان يخرج الى خارج البلدة ويحاربهم فامتنع من ذلك فأمروه بالنزول من القلعة واسكنوه في دار بالبلد ومنعوا عسكره من حمل السلاح مطلقا مثل الانكليزية واستمروا على ذلك
واستهل شهر ربيع سنة
فيه حضر أحمد أغا شويكار من عند القبالي ومحمد كاشف صحبته من جماعة الالفي ومعهم مكاتبات وأشيع طلبهم الصلح فأقاموا عدة ايام محجوبين عن الاجتماع بالناس ثم سافروا في أواسطه ولم يظهر كيفية ما حصل وبطل سفر طاهر باشا الى الجهة القبلية ورجع الى داره بعد أيام من رجوعهم
وفيه عمل مولد المشهد الحسيني ودعا شيخ السادات الباشا في خامسه وتعشى هناك ورجع الى داره
وفيه تقلد السيد أحمد المحروقي امين الضربخانة وفرق ذهبا كثيرا في ذلك اليوم ببيت الباشا وعمل له ليلة بالمشهد الحسيني ودعا الباشا والدفتردار وأعيان الدولة والعلماء وأولم لهم وليمة عظيمة وأوقد بالمسجد وقدة كبيرة وقدم للباشا تقدمة وفي صبحها أرسل مع ولده هدية وتعبية أقمشة نفيسه فخلع عليه الباشا فروة سمور
وفي غرة هذا الشهر شرع الباشا في هدم الاماكن المجاورة لمنزله التي تهدمت واحترقت في واقعة الفرنسيس ليبنيها مساكن للعساكر المختصة به وتسمى عندهم بالقشلة وذلك من قبالة منزله من المكان المعروف بالساكت الى جامع عثمان كتخدا حيث رصيف الخشاب واهتم لذلك اهتماما عظيما ورسم بعمل فردة على البلاد أعلى وأوسط وأدنى وأرسلوا المعينين لقبض ذلك من البلاد مع ما الفلاحون فيه من الظلم والجور من العساكر والمباشرين وحق الطرق وفرد الانكليز
وفي منتصفه كملت عمارة مشهد السيدة زينب بقناطر السباع وكان من خبره ان هذا المشهد كان أنشأه وعمره عبد الرحمن كتخدا القازدغلي في جملة عمائره وذلك في سنة 1174 فلم يزل على ذلك الى ان ظهر به خلل ومال شقه فانتدب لعمارته عثمان بك المعروف بالطنبرجي المرادي في سنة اثنتي عشرة ومائتين وألف فهدمه وكشف أنقاضه وشرع في بنائه وأقام جدرانه ونصبوا اعمدته وأرادوا عقد قناطره فحصلت حادثة الفرنسيس وجرى ما جرى فبقى على حالته الى أن خرج الفرنسيس من ارض مصر وحضرت الدولة العثمانية فعرض خدمة الضريح الى الوزير يوسف باشا فأمر باتمامه واكماله على طرف الميري ثم وقع التراخي في ذلك الى ان استقر قدم محمد باشا في ولاية مصر فأهتم لذلك فشرعوا في اكماله وتنميمه وتسقيفه وتقيد لمباشرة ذلك ذو الفقار كتخدا فتم على أحسن ما كان واحدثوا به حنفية وفسحة وزخرفوه بالنقوشات والاصباغ ولما كان يوم الجمعة رابع عشره حصلت به الجمعية وحضر الباشا الدفتردار والمشايخ وصلوا به الجمعة وبعد انقضاء الصلاة عقد الشيخ محمد الامير المالكي درس وظيفته وأملى انما يعمر مساجد الله الاية والاحاديث المتعلقة بذلك وثم المجلس وخلع عليه الباشا بعد ذلك خلعة وكذا الامام
وفيه نصب للباشا خيمة عند بيته بقرب الهدم يجلس بها حصة كل يوم لمباشرة العمل وربما باشر بنفسه ونقل بعض الانقاض فلما عاينه الاغوات والجوخدارية بادروا الى الشيل ونقل التراب بالغلقان فلما أشيع ذلك
حضر طاهر باشا واعيان العساكر فنقلوا ايضا وطلبوا المساعدة وحضر طائفة من ناحية الرميلة وعرب اليسار ومعهم طبول وزمور فسأل عن ذلك فقال له المحتسب ذو الفقار هؤلاء طائفة من طوائفي حضروا لاجل المساعدة فشكرهم على ذلك وأمرهم بالذهاب فبقى منهم طائفة وأخذوا في شيل التراب بالاغلاق ساعة والطبول تضرب لهم فانسر الباشا من ذلك وحسن القرناء للباشا المساعدة وان الناس تحب ذلك فرتبوا ذلك وأحضروا قوائم ارباب الحرف التي كتبت ايام فرد الفرنسيس ونبهوا عليهم بالحضور فأول ما بدأوا بالنصارى الاقباط فحضروا ويقدمهم رؤساؤهم جرجس الجوهري وواصف وفلتيوس ومعهم طبول وزمور واحضر لهم ايضا مهتار باشا النوبة التركية وانواع الآلات والمغنين حتى البرامكة بالرباب فاشتغلوا نحو ثلاث ساعات وفي ثاني يوم حضر منهم ايضا كذلك طائفة
ولما انقضت طوائف الاقباط حضر النصارى الشوام والاروام ثم طلبوا ارباب الحرف من المسلمين فكان يجتمع الطائفتان والثلاثة ويحضرون معهم عدة من الفعلة يستأجرونهم ويحضرون الى العمل ويقدمهم الطبول والزمور والمجرية وذلك خلاف ما رتبه مهتار باشا فيصير بذلك ضجة عظيمة مختلطة من نوبات تركية وطبول شامية ونقاقير كشوفية ودبادب حربية وآلات موسيقية وطبلات بلدية وربابات برامكية كل ذلك في الشمس والغبار والعفار وزادوا في الطنبور نغمة وهي انهم بعد ان يفرغوا من الشغل ويأذنوا لهم بالذهاب يلزمونهم بدراهم يقبضها مهتار باشا برسم البقشيش على أولئك الطبالين والزمارين فيعطيهم النزر اليسير ويأخذ لنفسه الباقي وذلك بحسب رسمه واختياره فيأتي على الطائفة المائة قرش والخمسون قرشا ونحو ذلك فيركب في ثاني يوم ويذهب الى خطتهم ويلزمهم باحضار الذي قرره عليهم فيجمعونه من بعضهم ويدفعونه واذا حضرت طائفة ولم تقدم بين يديها هدية أو جعالة
طولوا عليهم المدة واتعبوهم ونهروهم واستحثوهم في الشغل ولو كانوا من ذوي الحرف المعتبرة كما وقع لتجار الغورية والحريرية واذا قدموا بين ايديهم شيئا خففوا عليهم واكرموهم ومنعوا اعيانهم وشيوخهم من الشغل واجلسوهم بخيمة مهتار باشا واحضر لهم الآلات والمغاني فضربت بين ايديهم كما وقع ذلك لليهود واستمر هذا العمل بقية الشهر الماضي الى وقتنا هذا فاجتمع على الناس عشرة اشياء من الرذالة وهي السخرة والمعونة واجرة الفعلة والذل ومهنة العمل وتقطيع الثياب ودفع الدراهم وشماتة الاعداء من النصارى وتعطيل معاشهم وعاشرها اجرة الحمام
وفي يوم الاربعاء ثاني عشره الموافق لسادس مسرى القبطي كان وفاء النيل المبارك وكسر السد في صبحها يوم الخميس بحضرة الباشا والقاضي والشنك المعتاد وجرى الماء في الخليج ولم يطف مثل العادة ومنعوا دخول السفن والمراكب المعدة للنزهة وذلك بسبب اذية العساكر العثمانية
وفي منتصفه حضر قصاد من الططر وعلى يدهم مكاتبات من الدولة بوقوع الصلح العام من الدولة والقرانات وعثمان باشا ومن معه من المخالفين على الدولة ومن جهة الروملي فعملوا شنكا ومدافع ثلاثة ايام تضرب في كل وقت من الاوقات الخمسة وكتبوا اوراقا بذلك والصقوها في مفارق الطرق بالاسواق وقد تقدم مثل ذلك واظنه من المختلقات
وفي اواخره حضر حريم الباشا من الجهة الرومية وهما اثنتان احداهما معتوقة ام السلطان والاخرى معتوقة اخته زوجة قبطان باشا وصحبتهما عدة سراري فاسكنهن ببيت الشيخ خليل البكري وقد كان عمره قبل حضورهن وزخرفه ودهنوه بانواع الصباغات والنقوش وفرشوه بالفرش الفاخرة وفرش المحروقي مكانا وكذلك جرجس الجوهري فرش مكانا واحمد بن محرم واعتنوا بذلك اعتناء زائدا حتى ان جرجس فرش بساطا من الكشمير وغير ذلك وعمل وليمة العقد وعقد على الثنتين في آن
واحد بحضرة القاضي والمشايخ واهدوا لكل من الحاضرين بقجة من ظرائف الاقمشة الهندية والرومية وعملوا شنكا وحراقة بالازبكية عدة ليال
واستهل شهر جمادى الاولى بيوم الاثنين سنة
في يوم الاثنين ثامنه شنقوا ثلاثة من عساكر الاروام احدهم بباب زويلة والثاني بباب الخرق والثالث بالازبكية بالقرب من جامع عثمان كتخدا وقتلوا ايضا شخصا بالنحاسين
وفي يوم الثلاثاء تاسعه عمل الباشا ديوانا وفرق الجامكية على الوجاقلية
وفيه وردت الاخبار بوقوع حادثة بين الامراء القبالي والعثمانية وذلك ان شخصا من العثمانية يقال له أجدر موصوفا بالشجاعة والاقدام أراد أن يكبس عليهم على حين غفلة ليكون له ذكر ومنقبة في أقرانه فركب في نحو الالف من العسكر المعدودين وكانوا في طرف الجبل بالقرب من الهو فسبق العين الى الامراء وأخبرهم بذلك فلما توسطوا سطح الجبل واذا بالمصرلية أقبلت عليهم في ثلاثة طوابير فأحاطوا بهم فضرب العثمانية بنادقهم طلقا واحدا لا غير ونظروا واذا بهم في وسطهم وتحت سيوفهم ففتكوا فيهم وحصدوهم ولم ينج منهم الا القليل وأخذ كبيرهم أجدر المذكور أسيرا وانجلت الحرب بينهم وأحضروا أجدر بين يدي الالفي فقال له لاي شيء سموك أجدر فقال الاجدر معناه الافعى العظيم وقد صرت من اتباعك فقال لكن يحتاج الى تطريمك واخراج سمك أولا وأمر به فأخذوه وقلعوا اسنانه ثم قتلوه وأخذوا جميع ما كان معهم ومن جملة ذلك أربعة مدافع كبار
وفيه قلدوا أحمد كاشف سليم امارة اسيوط وعزل أميرها مقدار بك العثماني بسبب شكوى اهل النواحي من ظلمه
وفي منتصفه تواترت الاخبار برجوع الامراء القبالي الى بحري وانهم وصلوا الى بني عدي فنهبوا غلالها ومواشيها وقبضوا اموالها وأعطوهم وصولات بختمهم وكذلك الحواوشة وما جاور ذلك من البلاد فشرع العثمانية بمصر في تشهيل جريدة وعساكر
وفيه حضرت ايضا عساكر كثيرة من هبود الاتراك والارنؤد فأحضروا مشايخ الحارات وأمروهم باخلاء البيوت لسكناهم فأزعجوا الكثير من الناس وأخرجوهم من دورهم بالقهر فحصل للناس غاية الضرر وضاق الحال بالناس وكلما سكنت منهم طائفة بدار أخربوها وأحرقوا أخشابها وطيقانها وأبوابها وانتقلوا الى غيرها فيفعلون بها كذلك ومن تكلم أو دافع عن داره وبخ بالكلام وقيل له عجب كنتم تسكنون الفرنسيس وتخلون لهم الدور وأمثال ذلك من الكلام القبيح الذي لا أصل له ولما شرعوا في تشهيل التجريدة حصلت منهم أمور وأذية في الناس كثيرة فمنها أنهم طلبوا الحمارة المكارية وأمروهم باحضار ستمائة حمار وشددوا عليهم في ذلك فقيل انهم لما جمعوها أعطوهم أثمانها في كل حمار خمسة ريالات بعدته ولجامه مع أن فيها ما قيمته خمسون ريالا خلاف عدته ثم ما كفاهم ذلك بل صاروا يخطفون حمير الناس من اولاد البلد بالقهر وكذلك حمير السقائين التي تنقل الماء من الخليج حتى امتنعت السقاؤن بالكلية وبلغ ثمن القربة الكتافي من الخليج عشرة انصاف فضة وتعدى بالخطف ايضا من ليس بمسافر فكانوا ينزلون الناس من على حميرهم ويذهبون بها الى الساحة ويبيعونها والبعض تبعهم واشترى حماره بالثمن فخبى جميع الناس حميرهم في داخل الدور فكان يأتي الجماعة من العسكر وينصتون بآذانهم على باب الدار ويتبعون نهيق الحمير وبعض شياطينهم يقف على الدار ويقول زر ويكررها فينهق الحمار فيعلمون به ويطلبونه من البيت فأما اخذوه او افتداه صاحبه ببما ارادوه وغير ذلك
وفيه حضر قاضي سكندرية الى مصر وذلك أنه لما حضر من اسلامبول طلع الى داره وحضرت اليه الدعاوي فأخذ منهم المحصول على الرسم المعتاد فأرسل اليه الانجليز ولاموه على عدم حضوره اليهم وقت قدومه وقالوا له ان أقمت هنا بتقليدنا اياك فلا نأخذ من أحد شيئا ونرتب لك
ثلاثة قروش في كل يوم والا فأذهب حيث شئت فحضر الى مصر بذلك السبب
شهر جمادى الثانية سنة
في خامسه سافرت العساكر الى الامراء القبالي وسافر ايضا عثمان بك الحسني وباقي العساكر المعزولين وأمير العساكر العثمانية محمد علي سرششمه وكان الباشا أرسل ابراهيم كاشف الشرقية بجواب اليهم فرجع في ثامنه بجواب الرسالة وأعطاه الالفي ألفي ريال وقدم له حصانين وحاصل تلك الرسالة كما تقدم الامان لجميع الامراء المصرلية وانهم يحضرون الى مصر ويقيمون بها ولهم ما يرضيهم من الفائظ وغيره ما عدا الاربعة الامراء وهم ابراهيم بك والالفي والبرديسي وأبا دياب فانهم مطلوبون الى حضرة السلطان يتوجهون اليه مع الامن عليهم ويعطيهم مناصب وولايات كما يحبون فان لم يرضوا بذلك فيأخذوا اقطاع اسنا ويقيمون بها فلما وصل ابراهيم اغا المذكور الى أسيوط وأرسل اليهم ارسلوا اليه أحمد آغا شويكار ومحمد كاشف الالفي فانتظروه خارج الجبانة فخرج اليهم ولاقوه وأخذوه وصحبتهم الى عرضيهم وأنزلوه بوطاق بات به فلما اصبح الصباح طلبوه الى ديوانهم فحضر ووقفت عساكرهم صفوفا ببنادقهم وفيهم كثير على هيئة اصطفاف الفرنسيس وعملوا له شنكا ومدافع ثم اعطاهم المكاتبة بحضرة الجميع فقرؤها ثم تكلم الالفي وقال أما قولكم نذهب الى اسلامبول ونقابل السلطان ينعم علينا فهذا مما لا يمكن وان كان مراده أن ينعم علينا فاننا في بلاده وانعامه لا يتقيد بحضورنا بين يديه واما بقية اخواننا فهم بالخيار ان شاؤا أقاموا معنا والا ذهبوا وكل انسان امير نفسه واما كون حضرة الباشا يعطينا اقطاع اسنا فلا يكفينا هذا وانما يكفينا من اسيوط الى آخر الصعيد ونقوم بدفع خراجه فان لم يرضوا بذلك فان الارض لله ونحن خلق الله نذهب حيث شئنا ونأكل من رزق الله ما يكفينا ومن أتى الينا حاربناه حتى يكون من امرنا ما يكون ثم استقروا بقنطرة اللاهون وكسروا القنطرة وشرعوا في قبض اموال من بلاد الفيوم فلما رجع ابراهيم كاشف بذلك الجواب ركب الباشا في صبحها الى الآثار واستعجل العسكر بالذهاب فعدوا الى البر الغربي وتأخر عنهم عثمان بك الحسني والغز المصرلية وباتوا بطرا
وفيه شنق الباشا رجلا طبجيا في المشنقة التي عند قنطرة المغربي ثم ان عثمان بك ارسل الى الباشا يطلب حسين اغا شنن ومصطفى اغا الوكيل ليتفاوض معهما في كلام فأرسل له ابراهيم اغا كاشف الشرقية فأعطاه الخلعة التي خلعها عليه الباشا ودراهم الترحيلة وقال له سلم علي افندينا واخبره اني جاهدت الفرنسيس وبلوت معهم ثم اني حضرت بامان طائعا فلم اجاز ولم يحصل ما كنت اؤمله ولم يوفوا معي وعدا وانا لا اقاتل اخواني المسلمين واختم عملي بذلك ولا اقيم بمصر آكل الصدقة وانما اذهب سائحا في بلاد الله وكان في ظن عثمان بك انه اذا اتى الى مصر على هذه الصورة يجعله الباشا امير البلد أو امير الحاج
وفيه امر الباشا محمد كتخدا المعروف بالزربة بالسفر الى جهة قبلي فاستعفى من ذلك فأمر بقتله فشفع فيه يوسف كتخدا الباشا وقال ان له حرمة وقد كان في السابق كتخدا لافندينا ولا يناسب قتله على هذه الصورة فأمر بسفره الى جهة البحيرة محافظا فسافر من يومه واما عثمان بك فانه ركب وذهب الى جهة قبلي مشرقا على غير الرسم واشيع ذلك في الناس ولغطوابه فلما تحقق العثمانية ذلك رسموا الطوائف العسكر أن يقيموا منهم طوائف بالقلاع التي على التلول ونصبوا عليها بيارق واوقفوا حراسا على ابواب المدينة يمنعون من يخرج من المدينة من الغز الخياله والمصرلية فمن خرج الى بولاق او غيرها فلا يخرج الا بورقة من كتخدا الباشا
وفي ليلة الجمعة عاشره أمر الباشا بكبس بيوت الامراء الحسنية ونهب ما بها من الخيول والجمال والسلاح
وفيه حضر اغات التبديل الى بيت الخربطلي بعطفة خشقدم وبه جماعة من عسكر المغاربة فكبس عليهم وقبض على جماعة منهم وكتفهم وكشف رؤسهم وأحاطت بهم عساكره وسحبوهم واخذوا ما وجدوه في جيوبهم على هيئة شنيعة ومروا بهم على الغورية ثم على النحاسين وباب الشعرية حتى انتهوا بهم الى الازبكية على حارة النصارى ودخلوا بهم بيت الباشا وهم لا يعلمون لهم ذنبا فلما مثلوا بين يدي كتخدا الباشا ذكر لهم أن بجوارهم دير للنصارى وأنهم فتحوا طاقا صغيرا يطل على الدير فقالوا لا علم لنا بذلك وأخبروا ان جماعة من الارنؤد ساكنون معهم بأعلى الدار فيحتمل أن ذلك من فعلهم فأرسلوا من كشف على ذلك فوجدوه كما قال المغاربة فأطلقوهم بعد هذه الجرسة الشنيعة ومرورهم بهم الى حارة النصارى وأخذ دراهمهم ومتاعهم والامر لله وحده
وفيه أشيع مرور جماعة من الغز القبالي على جهة الجيزة الى جهة سكندرية وكذلك جماعة من الانجليز من سكندرية الى قبلي
وفيه تداعي مصطفى خادم مقام سيدي أحمد البدوي مع نسيبه سعد بسبب ميراث اخته فقال مصطفى أنا أحاسبه علىخمسين ألف ريال فقال سعد انا استخرج منه مائتي ألف ريال بشرط أن تعوقوه هنا وتعطوني خادمه وجماعة من العسكر ففعلوا ذلك وعوقوه ببيت السيد عمر النقيب وتسلم سعد خادمه والعسكر وذهب بهم الى طندتا فعاقبوا الخادم فاقر على مكان اخرجوا منه ستة وثلاثين ألف ريال فرانسه ثم فتحوا بئر مردومة بالاتربة واخرجوا منها ريالات فرانسه وانصافا وارباعا وفضة عددية كلها مخلوطة بالاتربة وقد ركبها الصدأ والسواد فأحضروها وجلوها في قاعة اليهود ولم يزالوا يستخرجون حتى غلقوا مائة وسبعة وثمانين ألف وسبعمائة وكسورا وآخر الامر اخرجوا خبيئة لا يعلم قدرها ثم حصل العفو ورجع العسكر واخذوا كراء طريقهم وأخذوا من اولاد عمه عشرة اكياس
وفي يوم السبت حادي عشره كان آخر التسخير في نقل التراب من
العمارة وكان آخر ذلك طائفة الخردة من الغياش والقرادتية وارباب الملاعيب وبطل الزمر والطبل واستمر الفعلة في حفر الاساس ورشح عليهم الماء بادنى حفر لكون ان ذلك في وقت النيل والبركة ملائة بالماء حول ذلك
وفي خامس عشره خرجت عساكر ودلاة ايضا وسافروا الى قبلي
وفي ثالث عشرينه سافر عساكر في نحو الاربعين مركبا الى جهة البحيرة بسبب عرب بنى على فأنهم عانوا بالبحيرة ودمنهور
ومن الحوادث السماوية
ان في تلك الليلة وهي ليلة الاربعاء ثاني عشرينه احمرت السماء بالسحاب عند غروب الشمس حمرة مشوبة بصفرة ثم انجلت وظهر في اثرها برق من ناحية الجنوب في سحاب قليل متقطع وازداد وتتابع من غير فاصل حتى كان مثل شعلة النفط المتوقدة المتوجة بالهواء واستمر ذلك الى ثالث ساعة من الليل ثم تحول الى جهة المغرب وتتابع لكن بفاصل على طريقة البرق المعتاد واستمر الى خامس ساعة ثم أخذ في الاضمحلال وبقي أثره غالب الليل وكان ذلك ليلة سادس عشرين درجة من برج الميزان وحادي عشر بابه القبطي وثامن تشرين اول الرومي ولعل ذلك من الملاحم المنذرة بحادث من الحوادث
وفيه ورد الخبر بورود مركب من فرانسا وبها الجي وقنصل وصحبتهما عدة فرنسيس فعمل لهم الانكليز شنكا ومدافع بالاسكندرية فلما كان ليلة الثلاثاء ثامن عشرينه وصل ذلك الالجي وصحبته خمسة من اكابر الفرنسيس الى ساحل بولاق فأرسل الباشا لملاقاتهم خازنداره وصحبته عدة عساكر خيالة وبأيديهم السيوف المسلولة فقابلوهم وضربوا لهم مدافع من بولاق والجيزة والازبكية وركبوا الى دار أعدت لهم بحارة البنادقة وحضروا في صبحها الى عند الباشا وقابلوه وقدم لهم خيلا معدة واهدى لهم هدايا وصاروا يركبون في هيئة وأبهة معتبرة وكان فيهم جبير ترجمان بونابارته وفيه وردت الاخبار بأن الغز القبالي نهبوا بلاد الفيوم وقبضوا أموالها ونهبوا غلالها ومواشيها وحرقوا البلاد التي عصت عليهم وقتلوا ناسها حتى قتلوا من بلدة واحدة مائة وخمسين نفرا واما العثمانية الكائنون بالفيوم فانهم تحصنوا بالبلدة عملوا لهم متاريس بالمدينة وأقاموا داخلها
شهر رجب الفرد سنة
استهل بيوم الجمعة فيه رموا اساس عمارة الباشا وكان طلب من الفلكيين ان يختاروا له وقتا لوضع الاساس ففعلوا ذلك وكان بعد اثني عشر يوما من يوم تاريخه فأستبعده وأمر برمي الاساس في اليوم المذكور
ورب النجم يفعل ما يشاء
وفيه احضروا أربعة رؤس فوضعت عند باب الباشا زعموا أنهم من قتلى الغز المصرلية
وفي خامسه يوم الثلاثاء سافر الالجي الفرنساوي وأصحابه فنزلوا الى بولاق وامامهم مماليك الباشا بزينتهم وهم لابسون الزروخ والخود وبايديهم السيوف المسلولة وخلفهم العبيد المختصة بالباشا وعلى رؤسهم طراطير حمر وبايديهم البنادق على كواهلهم فلم يزالوا صحبتهم حتى نزلوا ببيت راشتوا ببولاق ثم رجعوا ثم نزلوا المراكب الى دمياط وضربوا لهم مدافع عند تعويمهم السفن
وفيه أشيع انتشار الامراء القبالي الى جهة بحري وحضروا الى اقليم الجيزة وطلبوا منها الكلف حتى وصلوا الى وردان
وفيه حضر محمد كتخدا المعروف بالزربة الذي كان كتخدا الباشا وتقدم أنه كان أمره بالسفر الى قبلي فأمتنع وأذن له بالسفر الى البحيرة محافظا فلما تقدم طوائف الامراء الى بحري فمر منهم جماعة قليلة على محمد كتخدا الزربة المذكورة فلم يتعرض لهم مع قدرته على تعويقهم فبلغ الباشا ذلك فحقدها عليه وأرسل اليه وطلبه الى الحضور فحضر فلما كان يوم السبت تاسعه طلبه الباشا في بكرة النهار فلما أحضر أمر بقتله فنزل به العسكر ورموا رقبته عند باب الباشا ثم نقلوه الى بين المفارق قبالة حمام عثمان كتخدا فاستمر مرميا عريانا الى قبيل الظهر ثم شالوه الى بيته وغسلوه في حوش البيت سكنه ودفنوه وعند موته ارسل الدفتردار فختم على داره واخرج حريمه وفي ثاني يوم أحضروا تركته ومتاعه وباعوا ذلك ببيت الدفتردار
وفيه وردت مكاتبات من الديار الرومية وفيها الخبر بعزل شريف أفندي الدفتردار وولاية خليل افندي الرجائي المنفصل عن الدفتردارية عام أول فحزن الناس لذلك حزنا عظيما فأن أهل مصر لم يروا راحة من وقت دخول العثمانية الى مصر بل من نحو أربعين سنة سوى هذه السنة التي باشرها هو فأنه أرضى خواطر الصغير قبل الكبير والفقير قبل الغني وصرف الجامكية وغلال الانبار عينا وكيلا وكان كثير الصدقات ويحب فعل الخير والمعروف وكان مهذبا في نفسه بشوشا متواضعا وهو الذي أرسل يطلب الاستعفاء من الدفتردارية لما رأى من اختلال أحكام الباشا
وفي يوم الاثنين حادي عشره عدى يوسف كتخدا الباشا الى برانبابة وعدى معه الكثير من العسكر ونصب العرضى ببرانبابة على ساحل البحر وأشيع وصول الامراء الى ناحية الجسر الاسود وقطعوا الجسر لاجل تصفية المياه وانحدارها من الملق لاجل مشى الحافر ثم رجعوا الى ناحية المنصورية وبشتيل واستمر خروج العساكر والعثمانية التي كانت جهة قبلي الى برانبابة وهم كالجراد المنتشر ونصبوا وطاقهم ظاهر انبابة واستمر خروج العساكر والطلب ونقل البقساط والجبخانة على الجمال والحمير ليلا ونهارا وأخذوا المراكب ووسقوها معهم في البحر وغصبوا ما وجدوه من السفن قهرا وانتشرت عساكرهم وخيامهم ببرانبابة حتى ملؤا الفضاء بحيث يظن الرائي لهم انهم متى تلاقوا مع الغز المصرلية اخذوهم تحت اقدامهم لكثرتهم واستعدادهم بحيث كان اوائل العرضي عند الوراريق
وآخرهم بالقرب من بولاق التكر ورطولا ثم ان الامراء رجعوا الى ناحية وردان والطرانة
وفي يوم الجمعة خامس عشره انتقل العرضي من برانبابة وحلوا الخيام وفي ثاني يوم خرجت عساكر خلافهم ونصبت مكانهم وسافروا وخرج خلافهم وهكذا دأبهم في كل يوم تخرج طائفة بعد اخرى
وفيه رسم الباشا بالف اردب فتح انعام تفرق على طلبة العلم المجاورين والاروقة بالجامع الازهر ففرقت بحسب الاغراض وانعم ايضا بعد أيام بالف اردب اخرى فعل بها كذلك ... وانها خطرات من وساوسه ... يعطي ويمنع لا بخلا ولا كرما ...
وفي يوم الاحد سابع عشره وصلت جماعة ططر واخبروا بتقليد شريف محمد افندي الدفتردار ولاية جدة
وفي يوم الثلاثاء تاسع عشره خرج طاهر باشا ونصب وطاقه جهة انبابة للمحافظة وخرجت عساكره ونصبت وطاقاتهم ببر انبابة ايضا متباعدين عن بعضهم البعض واستمروا على ذلك
وفي يوم الجمعة ثاني عشرينه حضر رجل من طرف الدولة يقال له حجان وهو رجل عظيم من ارباب الاقلام وعلى يده فرمان فأرسل الباشا الى شريف افندي الدفتردار والقاضي والمشايخ وجمعهم بعد صلاة الجمعة وقرىء عليهم ذلك الفرمان وهو خطاب الى حضرة الباشا وملخصه اننا اخترناك لولاية مصر لكونك ربيت بالسراية ولمانعلمه منك من العقل والسياسة والشجاعة وارسلنا اليك عساكر كثيرة وامرناك بقتال الخائنين واخراج الاربعة انفار من الاقليم المصري بشرط الامان عليهم من القتل وتقليدهم ما يختارونه من المناصب في غير اقليم مصر واكرامهم غاية الاكرام ان امتثلوا الاوامر السلطانية واطلقنا لك التصرف في الاموال الميرية لنفقة العسكر واللوازم وما عرفنا موجب تأخير امرهم لهذا الوقت فان كان لقلة العساكر أرسلنا اليك كذلك ان لم يمتثلوا وكل من انضم اليهم كان مثلهم
ومن شذ عنهم وطلب الأمان فهو مقبول وعليه الامان الى آخر ما ذكر من ذلك المعنى
وفي يوم السبت ثالث عشرينه كتبت اوراق بمعنى ذلك وألصقت بالطرقات
وفي خامس عشرينه تواترت الاخبار بوقوع معركة بين العثمانيين والامراء المصرلية بأراضي دمنهور وقتل من العساكر العثمانية مقتلة عظيمة وكانت الغلبة للمصرليين وانتصروا على العثمانيين وصورة ذلك انه لما تراءى الجمعان واصطفت عساكر العثمانيين الرجالة ببنادقهم واصطفت الخيالة بخيولهم وكان الالفي بطائفة من الاجناد نحو الثلاثمائة قريبا منهم وصحبتهم جماعة من الانكليز فلما رأوهم مجتمعين لحربهم قال لهم الانكليز ماذا تصنعون قالوا نصدمهم ونحاربهم قال الانكليز انظر واما تقولون ان عساكرهم الموجهين اليكم اربعة عشر الفا وانتم قليلون قالواالنصر بيد الله فقالوا دونكم فساقوا اليهم خيولهم واقتحموا الى الخيالة فقتل منهم من قتل فأنهزم الباقون وتركوا الرجالة خلفهم ثم كروا على الرجالة فلم يتحركوا بشيء وطلبوا الامان فساقوا منهم نحو السبعمائة مثل الاغنام واخذوا الجبخانة والمدافع وغالب الحملة والانكليز وقوف على علة ينظرون الى الفريقين بالنظارات فلما تحقق الباشا ذلك اهتم في تشهيل عساكر ومدافع وعدوا الى بر انبابة ونصبوا وطاقهم هناك وانتقل ظاهر باشا الى ناحية الجيزة
استهل شهر شعبان بيوم السبت سنة فيه شرعوا في عمل متاريس جهة الجيزة
وقبضوا على أناس كثيرة من ساحل مصر القديمة ليسخروهم في العمل
وفيه حضر الكثير من العساكر المجاريح وجمع الباشا النجارين والحدادين وشرع في عمل شركفلك فاشتغلوا فه ليلا ونهارا حتى تمموه في خمسة أيام وحملوه على الجمال وأنزلوه المراكب وسفروه الى دمنهور في سادسه وفي عاشره كتبوا عدة اوراق وختم عليها المشايخ ليرسلوها الى البلاد خطأ بالمشايخ البلادوالعربان مضمونها معنى ما تقدم وكتبوا كذلك نسخا وألصقت بالاسواق وذلك باشارة بعض قرناء الباشا المصرلية وهي بمعنى التحذير والتخويف لمن يسالم الامراء المصرلية وخصوصا المغضوب عليهم مطرودين السلطنة للعصاة الى آخر معنى ما تقدم
وفي هذه الايام كثرت الغلال حتى غصت بها السواحل والحواصل ورخص سعرها حتى بيع القمح بمائة وعشرين نصفا الاردب واستمرت الغلال معرمة في السواحل ولا يوجد من يشتريها وكان شريف افندي الدفتردار أنشأ اربعة مراكب كبار لغلال الميري ولما حصلت النصرة للمصرلية على العثمانية خصوصا هذه المرة مع كثرتهم وقوتهم واستعدادهم ضبغوا فيهم واحتكروها ووقفوا على سواحل النيل يمنعون الصادر والوارد منهم ومن غيرهم وأما الباشا فأنه سخط على العساكر وصار يلعنهم ويشتمهم في غيابهم وحضورهم
وفيه حضرت جماعة من اشراف مكة وعلمائها هروبا من الوهابيين وقصدهم السفر الى اسلامبول يخبرون الدولة بقيام الوهابيين ويستنجدون بهم لينقذوهم منهم ويبادروا لنصرهم عليهم فذهبوا الى بيت الباشا والدفتردار وأكابر البلد وصاروا يحكون ويشكون وتنقل الناس أخبارهم وحكاياتهم
استهل شره رمضان المعظم سنة
عملت الرؤية ليلة الاحد وركب المحتسب ومشايخ الحرف على العادة ولم ير الهلال وكان غيما مطبقا فلزم اتمام عدة شعبان ثلاثين يوما فأنتدب جماعة ليلة الاحد وشهدوا انهم رأوا هلال شعبان ليلة الجمعة فقبله القاضي وحكم به تلك الليلة على ان ليلة الجمعة التي شهدوا برؤيته فيها لم يكن للهلال وجودالبتة وكان الاجتماع في سادس ساعة من ليلة الجمعة المذكورة باجماع الحساب والدساتير المصرية والرومية على انه لم ير الهلال ليلة السبت الاحد يد البصر في غاية العمر والعجب وشهر رجب كان أوله الجمعة وكان عسر الرؤية ايضا وان الشاهد بذلك لم يتفوه به الا تلك الليلة فلو كانت شهادته صحية لاشاعها في أول الشهر ليوقع ليل النصف التي هي من المواسم الاسلامية في محلها حيث كان حريصا على اقامة شعائر الاسلام
وفيه حضرت جماعة من اشراف مكة وغيرها
وفي خامس عشرينه حضر خليل افندي الرجائي الدفتردار في قلة من اتباعه وترك أثقاله بالمراكب وركب من مدينة فوة وحضر على البر وذلك بسبب وقوف جماعة من الامراء المصرلية ناحية النجيلة يقطعون الطريق على المارين في المراكب ولما حضر نزل ببيت اسمعيل بك بالازبكية
وفي غايته وقع ما هو أشنع مما وقع في غرته وذلك ان ليلة الاثنين غايته كان بالسماء غيم مطبق ومطر ورعد وبرق متواتر وأوقدت قناديل المنارات والمساجد وصلى الناس التراويح واستمر الحال الى سابع ساعة من الليل واذا بمدافع كثيرة وشنك من القلعة والازبكية ولغط الناس بالعيد وذكروا ان جماعة حضروا من دمنهور البحيرة وشهدوا انهم رأوا هلال رمضان ليلة السبت فذهبوا الى بيت الباشا فأرسلهم الى القاضي فتوقف القاضي في قبول شهادتهم فذهبوا الى الشيخ الشرقاوي فقبلهم وايدهم وردهم الى القاضي والزمه بقبول شهادتهم فكتبوا بذلك اعلاما الى الباشا وقضوا بتمام عدة رمضان بيوم الاحد ويكون غرة شوال صبحها يوم الاثنين واصبح الناس في امر مريج منهم الصائم ومنهم المفطر فلزم من ذلك انهم جعلوا رجب ثمانية وعشرين يوما وشعبان تسعة وعشرين وكذلك رمضان والامر لله وحده
شهر شوال سنة
كان اوله الحقيقي يوم الثلاثاء وجزم غالب الناس المفطرين بقضاء يوم الاثنين
وفي خامسه وصلت اثقال خليل افندي الرجائي الدفتردار
وفيه طلبوا الف كيس سلعة من التجار وارباب الحرف فوزعت وقبضت على يد احمد المحروقي وهي اول حادثة وقعت بقدوم الدفتردار
وفي يوم الخميس عاشره نصب جاليش شريف باشا المعبر عنه بالطوخ عند بيته بالازبكية وضربت له النوبة التركية واهدى له الباشا خياما كثيرة وطقما ولوازم
وفي يوم الاثنين ثاني عشرينه كان خروج امير الحاج بالموكب والمحمل المعتاد الى الحصوة وكان ركب الحجاج في هذه السنة عالما عظيما وحضر الكثير من حجاج المغاربة من البحر وكذلك عالم كثير من الصعيد وقرى مصر البحرية والاروام وغير ذلك
وفي يوم الخميس خامس عشرينه خرج شريف باشا في موكب جليل ونصب وطاقه عند بركة الشيخ قمر فأقام به الى ان يسافر الى جدة من القلزم وانتقل خليل افندي الرجائي الدفتردار الى دار شريف باشا بالازبكية
وفي غايته حضر أولاد الشريف سرور شريف مكة هروبا من الوهابيين ليستنجدوا بالدولة فنزلوا ببيت المحروقي بعدما قابلوا محمد باشا والي مصر وشريف باشا والي جدة
شهر ذي القعدة الحرام سنة
استهل بيوم الاربعاء فيه تقدم الناس بطلب الجامكية فأمرهم الدفتردار بكتابة عرضحالات فثقل عليهم ذلك فقالوا اننا كتبنا عرضحالات في السنة الماضية وأخذنا سنداتنا من الدفتردار المنفصل ودفع لنا سنة ستة عشر فقيل لهم انه دفع لكم سنة معجلة والحساب لا يكون الا من يوم التوجيه فضجوا من ذلك وكثر لغط الناس بسبب ذلك واكثروا من التشكي من الدفتردار
وفي سادسه اجتمع الكثير من النساء بالجامع الأزهر وصاحوا بالمشايخ وأبطلوا دروسهم فاجتمعوا بقبلته ثم ركبوا الى الباشا فوعدهم بخير حتى ينظر في ذلك وبقي الامر وهم في كل يوم يحضرون وكثر اجتماعهم بالأزهر وباب الباشا فلم يحصل لهم فائدة من ذلك سوى أن رسم لهم بمواجب اخر سنة تاريخه معجلة ولم يقبضوا منها الا ما قل بسبب تتابع الشرور والحوادث
وفي حادي عشره يوم السبت ارتحل شريف باشا الى بركة الحج متوجها الى السويس
وفيه ارتحل حجاج المغاربة وكانوا كثيرين فسافر اغنياؤهم والكثير من فقرائهم من طريق البر وآخرون من السويس على القلزم
وفي رابع عشره حضر ططريات الى الباشا وعلى يدهم شالات شريفة وبشارة بتقرير على السنة الجديدة وزيد له تشريف تترخانية ومعناه مرتبة عالية في الوزارة فضربوا شنكا ومدافع متوالية يومين
وفيه اشيع انتقال الامراء المصرلية من جهة البحيرة وقبلوا الى ناحية الجسر الاسود وأشيع ايضا ان جماعة منهم نزلوا بصحبة جماعة من الانكليز الى البحر قاصدين التوجه الى اسلامبول وانتقل كتخدا بك خلفهم بعساكره ولكن لم يتجاسروا على الاقدام عليهم
وفيه وصلت الاخبار من الجهات الشامية بهروب محمد باشا أبي مرق من يافا واستيلاء عساكر احمد باشا الجزار عليها وذلك بعد حصاره فيها سنة وأكثر
وفي رابع عشره حضر كتخدا الباشا وتقدم الامراء المصرلية الى جهة قبلي حتى عدوا الجيزة وحصل منهم ومن العساكر العثمانية الضرر الكثير في مرورهم على البلاد من التفاريد والكلف ورعى الزروع وقطع الطرق
برا وبحرا وكان آغات الجو الى القبلية وهو نجيب افندي كتخدا الدفتردار وصحبته ارباب مناصب عدوا الى الجيزة متوجهين الى الصعيد ونصبوا خيامهم ببر الجيزة فصادفوهم وهجموا عليهم وقتلوا منهم من وجدوه وهرب الباقون فاستولوا على خيامهم ووطاقهم وكذلك كتخدا الدفتردار خرج الى مصر القديمة متوجها الى الصعيد لقبض الغلال والاموال فاستمر مكانه وتأخر لعدم المراكب وخوفا من المذكورين
وفيه ورد الخبر بنزول شريف باشا الى المراكب بالقلزم يوم الخميس سادس عشره
وفي يوم الاربعاء ثاني عشرينه طلبوا ايضا خمسة آلاف كيس سلفة من التجار ثلاثة آلاف كيس ومن الملتزمين ألفا كيس وشرعوا في توزيعها فأنزعج الناس واغلق أهل الغورية حوانيتهم وكذا خلافهم وهرب أهل وكالة الصابون الى الشام على الهجن واختفى اكثر الناس مثل السكرية واهل مرجوش وخلافهم فطلبهم المعينون ولزموا بيوتهم وسمروا مطابخ السكر وكذلك عملوا فردة على البلاد أعلى وأوسط وأدنى الا على خمسمائة ريال والاوسط ثلثمائة والادنى مائة وخمسون
وفيه تحقق الخبر بنزول طائفة الانكليز وسفرهم من ثغر الاسكندرية في يوم السبت حادي عشره ونزل بصحبتهم محمد بك الالفي وصحبته جماعة من اتباعه
وفي خامس عشرينه حضر أحمد باشا والي دمياط وكانوا أرسلوا له طوخا ثالثا وأنه يحضر ويتوجه لمحافظة مكة وكذلك قلدوا آخر باشاوية المدينة يسمى أحمد باشا وضعوا لهما عسكرا يسافرون صحبتهم للمحافظة من الوهابيين وأخذوا في التشهيل
وفي هذه الايام كثر تشكي العسكر من عدم الجامكية والنفقة فأنه اجتمع لهم جامكية نحو سبعة أشهر وقد قطع عليهم الباشا رواتبهم وخرجهم لقلة الايراد وكثرة المطلوبات وكراهته لهم فصار كبراؤهم يترددون
ويكثرون من مطالبة الدفتردار حتى كان يهرب من بيته غالب الايام وأشيع بالمدينة قيام العسكر وانهم قاصدون نهب امتعة الناس فنقل أهل الغورية وخلافهم بضائعهم من الحوانيت وامتنع الكثير منهم من فتح الحوانيت وخافهم الناس حتى في المرور وخصوصا أوقات المساء فكانوا اذا انفردوا بأحد شلحوه من ثيابه وربما قتلوه وكذلك أكثروا من خطف النساء والمردان
وفي ليلة الثلاثاء ثامن عشرينه كان انتقال الشمس لبرج الحمل وأول فصل الربيع وفي تلك الليلة هبت رياح شمالية شرقية هبوبا شديدا مزعجا واستمرت بطول الليل وفي آخر الليل قبل الفجر اشتد هبوبها ثم سكنت عند الشروق وسقط تلك الليلة دار بالحبالة بالرميلة ومات بها نحو ثلاثة أشخاص وداران أيضا بطولون وغير ذلك حيطان وأطارف أماكن قديمة ثم تحولت الريح غربية قوية واستمرت عدة أيام ومعها غيم ومطر
وفيه وصل الامراء المصرلية الى الفيوم فأخذوا كلفا ودراهم كثيرة فردوها على البلاد ثم سافروا الى الجهة القبلية
وفيه ورد الخبر بأن المراكب التي بها ذخيرة أمير الحاج بالقلزم المتوجهة الى الينبع والمويلح غرقت بما فيها ومركب الجميعي من جملتها
وفيه حضر مصطفى بينباشا الذي كان ايام الوزير بمصر الى بلبيس وهو موجه بطلب مبلغ دراهم فأقام ببلبيس حتى أرسلوها له ثم ذهب الى دمياط وصحبته نحو الاربعمائة من الارنؤد ليسافر من البحر
وفيه توجه المحروقي والكثير من الناس لزيارة سيدي أحمد البدوي لمولد الشرنبلالية وأخذ معه عدة كثيرة من العسكر خوفا من العربان ووصل اليه فرمان بطلب دراهم من أولاد الخادم ومن أولاد البلد فدلوا على مكان لمصطفى الخادم فأستخرجوا منه ستة آلاف ريال وطلبوا من كل واحد من اولاد عمه مثلها
شهر ذي الحجة الحرام سنة
استهل بيوم الجمعة في يوم الاثنين رابعه قتلوا شخصا عسكريا نصرانيا عند باب الخرق قتله آغات التبديل بسبب انه كان يقف عند باب داره بحارة عابدين هو ورفيقان له ويخطفون من يمر بهم من النساء في النهار الى ان قبض عليه وهرب رفيقاه
وفيه ايضا أخرجوا من دار بحارة خشقدم قتلى كثيرة نساء ورجالا من فعل العسكر
وفيه عدي ابراهيم باشا الى بر الجيزة
وفي يوم الاحد عاشره كان عيد الاضحى في ذلك اليوم حضر من الامراء القبالي مكاتبة على يد الشيخ سليمان الفيومي خطابا للمشايخ فأخذها بختمها وذهب بها الى الباشا ففتحها واطلع على ما فيها ثم طلب المشايخ فحضروا اليه وقت العصر
وفي يوم الجمعة خامس عشره حضرت مكاتبات من الديار الحجازية يخبرون فيها عن الوهابيين انهم حضروا الى جهة الطائف فخرج اليهم شريف مكة الشريف غالب فحاربهم فهزموه فرجع الى الطائف وأحرق داره التي بها وخرج هاربا الى مكة فحضر الوهابيون الى البلدة وكبيرهم المضايفي نسيب الشريف وكان قد حصل بينه وبين الشريف وحشة فذهب مع الوهابيين وطلب من مسعود الوهابي أن يؤمره على العسكر الموجه لمحاربة الشريف ففعل فحاربوا الطائف وحاربهم أهلها ثلاثة أيام حتى غلبوا فأخذ البلدة الوهابيون واستولوا عليها عنوة وقتلوا الرجال وأسروا النساء والاطفال وهذا دأبهم مع من يحاربهم
وفي ذلك اليوم مر أربعة أنفار من العسكر وأخذوا غلاما لرجل حلاق بخط بين السورين عند القنطرة الجديدة فعارضهم الاوسطى الحلاق في أخذ الغلام فضربوا الحلاق وقتلوه ثم ذهبوا بالغلام الى دارهم بالخطة فقامت في الناس ضجة وكرشة وحضر اغات التبديل فطلبهم فكرنكوا بالدار وضربوا عليه البنادق من الطيقان فقتلوا من اتباعه ثمانية أنفار ولم يزالوا على ذلك الى ثاني يوم فركب الباشا في التبديل ومر من هناك وأمر بالقبض عليهم فنقبوا عليهم من خلف الدار وقبضوا عليهم بعد ما قتلوا وجرحوا آخرين فشنقوهم ووجدوا بالدار مكانا خربا اخرجوا منه زيادة عن ستين امرأة مقتولة وفيهن من وجدوها وطفلها مذبوح معها في حضنها
وفيه حضر علي آغا الوالي الى بيت احمد آغا شويكار بضرب سعادة واخرج منه قتلى كثيرة وامثال ذلك شيء كثير
وفي خامس عشره ايضا امر الباشا الوجاقلية ان يخرجوا جهة العادلية لاجل الخفر من العربان فانهم فحش امرهم وتجاسروا في التعرية والخطف حتى عل نواحي المدينة بل وطريق بولاق وغير ذلك فلما كان في ثاني يوم ركب الوجاقلية بأبهتهم وبيارقهم وحضروا الى بيت الباشا وخرجوا من هناك الى وطاقهم الذي أعدوه لأنفسهم خارج القاهرة وشرعوا ايضا في تعمير قصر من القصور الخارجة التي خربت أيام الفرنسيس
وفي تاسع عشره سافر جماعة الوجاقلية المذكورين وصحبتهم عدة من العسكر الى جهة عرب الجزيرة بسبب اغارة موسى خالد ومن معه على البلاد وقطع الطرق فلاقاهم المذكور وحاربهم وهزمهم الى وردان وذهب هو الى جهة البحيرة
وفي رابع عشرينه يوم الاحد كان عيد النصارى الكبير في ليلتها وهي ليلة الاثنين وقع الحريق في الكنيسة التي بحارة الروم وفي صبحها شاع ذلك فركب اليها أغات الانكشارية والوالي وأحضروا السقائين والفعلة الذين يعملون في عمارة الباشا حتى أخذوا الناس المجتمعة بسوق المؤيد بالانماطيين وحضر الباشا ايضا في التبديل واجتهدوا في اطفائها بالماء والهدم حتى طفئت في ثاني يوم واحترق بها أشياء كثيرة وذخائر وأمتعة ونهبت أشياء
وفيه وردت اخبار بان الامراء المصرلية وصلوا الى منية بن خصيب
فأرسلوا الى حاكمها بان ينتقل منها ويعدى هو ومن معه من العسكر الى البر الشرقي حتى انهم يقيمون بها اياما ويقضون اشغالهم ثم يرحلون فأبوا عليهم وحصنوا البلدة وزادوا في عمل المتاريس وحاكمها المذكور سليم كاشف تابع عثمان بك الطنبرجي المرادي المقتول فانه سالم العثمانيين وانضم اليهم فألبسوه حاكما على المنية واضافوا اليه عساكر فذهب اليها ولم يزل مجتهدا في عمل متاريس ومدافع حتى ظن انه صار في منعة عظيمة فلما أجابهم بالامتناع حضروا الى البلدة وحاربهم اشد المحاربة مدة أربعة ايام بلياليها حتى غلبوا عليهم ودخلوا البلدة وأطلقوا فيها النار وقتلوا أهلها وما بها من العسكر ولم ينج منهم الا من ألقى نفسه في البحر وعام الى البر الاخر أو كان قد هرب قبل ذلك وأما سليم كاشف فانهم قبضوا عليه حيا وأخذوه أسيرا الى ابراهيم بك فوبخه وأمر بضربه فضربوه علقة بالنبابيت
وفيه وصلت هجانة من شريف باشا بمكاتبة للباشا والدفتردار يخبر فيها انه وصل الى الينبع وهو عازم على الركوب من هناك على البر ليدرك الحج ويترك أثقاله تتوجه في المركب الى جده
وفي غايته وصل سلحدار الباشا وصحبته أغات المقرر الذي تقدمت بشارته فلما وصلوا الى بولاق أرسل الباشا في صبحها اليهم فركبوا في موكب الى بيت الباشا وضربوا لهم مدافع وحضر المشايخ والقاضي والاعيان والوجاقات فقرىء عليهم ذلك وفيه الامر بتشهيل غلال للحرمين والحث والامر بمحاربة المخالفين
وفيه بعثوا نحو ألف من العسكر الى جهة اسيوط للمحافظة فساروا على الهجن من البر الشرقي
وفيه ارسلوا أوراقا الى التجار وأرباب الحرف بطلب باقي الفردة وهو القدر الذي كان تشفع فيه المحروقي وأخذوا في تحصيله
وانقضت هذه السنة وما وقع بها من الحوادث الكلية التي ذكر بعضها
وأما الجزئية فلا يمكن الاحاطة ببعضها فضلا عن كلها لكثرتها واختلاف جهاتها واشتغال البال عن تتبع حقائقها ونسيان الغائب بالاشتع والقبيح بالاقبح فمن الكلية التي عم الضرر بها زيادة المكوس أضعاف المعتاد في كل ثغر ذهابا وايابا ومنها توالي الفرد والسلف والمظالم على أهل المدينة والارياف وحق طرق المعينين وكلفهم الخارجة عن الحد والمعقول بأدنى شكوى ولو بالباطل فبمجرد ما يأتي الشاكي بعرضحال شكواه يكتب له ورقة ويعين بها عسكري أو اثنان أو اكثر بحسب اختيار الشاكي وطلبه للتشفي من خصمه فبمجرد وصوله الى المشكى بصورة منكرة وسلاح كثير متقلد به فلا يكون له شغل الا طلب خدمته ولا يسأل عن الدعوى ولا عن صورتها ويطلب طلبا خارجا عن المعقول كألف قرش في دعوى عشرة قروش وخصوصا اذا كانت الشكوى على فلاح في قرية فيحصل أشنع من ذلك من اقامتهم عندهم وطلبهم وتكليفهم الذبائح والفطور بما يشترطونه ويقترحونه عليهم وربما يذهب الشخص الذي يكون بينه وبين آخر عداوة قديمة أو مشاحنة أو دعوى قضى عليه فيها بحرق من زمان طويل فيقدم له عرضحال ويعين له مباشرا بفرمان ويذهب هو فلا يظهر ويذهب المعين في شغله والمشكي لا يرى الشاكي ولا يدري من اين جاءته هذه المصيبة ويمكن أنه من بعد خلاصه من امر المباشر يحضر الى بيت الباشا ويفحص عن خصمه ويعرفه فينهى دعواه ويظهر حجته بانه على الحق وان خصمه على الباطل فيقال له عين على خصمك أيضا فأن أجاب الى ذلك رسم له بفرمان ومعين آخر كذلك والا ترك أجره على الله ورجع فضاق ذرع الناس من هذه الحال وكرهوا هذه الاوضاع وربما قتل الفلاحون المعينين وهربوا من بلادهم وجلوا عن أوطانهم خوف الغائلة ولم يزل هذا دأبهم حتى نفرت منهم القلوب وكرهتهم النفوس وتمنوا لهم الغوائل وعصت أهل النواحي وعربدت العربان وقطعوا الطرق وعلموا خيانتهم فخانوهم ومكالبتهم فكالبوهم وانتمى عربان الجهة القبلية الى الامراء
المصرلية وساعدوهم عليهم ولما انحدر الامراء الى جهة بحري انضمت اليهم جميع قبائل الجهة العربية والهنادي وعرب البحيرة وخلافهم فلما وقعت الحروب بين الامراء والعثمانيين وكانت الغلبة للامراء والعربان زادت جسارتهم عليهم ورصدوا لهم الغوائل وقطعوا عليهم وعلى المسافرين الطرق بحرا وبرا فمن ظفروا به ومانعهم نهبوا متاعه وقتلوه والا سلبوه وتركوه فحش الامر جدا قبلي وبحري حتى وقف حال الناس ورضوا عن احكام الفرنسيس ومنها ان الباشا لما قتل الوالي والمحتسب وعمل قائمة تسعيرة للمبيعات وان يكون الرطل اثنتي عشرة أوقية في جميع الاوزان وأبطلوا الرطل الزياتي الذي يوزن به السمن والجبن والعسل واللحم وغير ذلك وهو أربع عشرة أوقية لم ينفذ من تلك الاوامر شيء سوى نقص الارطال ولم يزل ذو الفقار محتسبا حتى رتب المقررات على المتسببين زيادة عن القانون الاصلي وجعل منها قسط الخزينة الباشا وللكتخدا وخلافهما ورجعت الامور في الاسعار أقبح وأغلى مما كانت عليه في كل شيء واستمر الرطل اثنتي عشرة أوقية لا غير وكثر ورود الغلال أيام النيل ورخص سعرها والرغيف على مقدار رغيف الغلاء ومنها ان الفضة الانصاف العددية صاروا يأخذونها من دار الضرب أول بأول ويرسلونها الى الروم والشام بزيادة الصرف ولا ينزل الى الصيارف منها الا القليل حتى شحت بأيدي الناس جدا ووقف حالهم في شراء لوازم البيوت ومحقرات الامور ويدور الاسانن بالريال او المحبوب أو المجر وهو في يده طول النهار فلا يجد مصارفته وأغلقت غالب الصيارف حوانيتهم بسبب ذلك وبسبب أذية العسكر فأنهم يأتون اليهم ويلزمونهم بالمصارفة فيقول له الصيرفي ليس عندي فضة فلا يقبل عذره ويفزع عليه بيطقانه أو بارودته وان وجد عنده المصارفة وكان المحبوب أو البندقي ناقصا في الوزن لا يستقيم في نقصه ولا يأخذ الا صرفه كاملا واذا اشترى شيئا من سوقي أعطاه بندقيا وطلب باقيه ولم يكن عند البائع باقيه أخذ
الذي اشتراه والبندقي وذهب ولا يقدر المسبب على استخلاص حقه منه وان وجد معه باقي المصارفة وأخذ ذلك البندقي ونقد عند الصراف وكان ناقصا وهو الغالب لا يقدر الصيرفي أن يذكر نقصه فان قال انه ينقص كذا فزع عليه وسبه وبعضهم أدخل اصبعه في عين الصراف وامثال ذلك
ومنها شحة المراكب حتى أن المسافر يمكث الايام الكثيرة ينتظر مركبا فلا يجد وربما اخذوها بعد تمام وسقها فنكتوه واخذوها وان مرت على الامراء المصرلية ومن انضم اليهم تعرضوا لها ونهبوا ما بها من الشحنة وأخذوا المركب واستمر هذا الحال على الدوام فكان ذلك من اعظم اسباب التعطيل ايضا
ومنها تسلط العسكر على خطف الناس وسلبهم وقتلهم وخصوصا في اواخر هذه السنة حتى امتنعت الناس من المرور في جهات سكنهم الا ان يكونوا في عزوة ومنعة وقوة ولا تكاد ترى شخصا يمر في الاسواق السلطانية من بعد المغرب وقبيل العشاء واذا اضطر الانسان الى المرور تلك الاوقات فلا يمر الا كالمجازف على نفسه وكأنما على رأسه الطير فيقال أن فعلهم هذه الفعائل من عوائدهم الخبيثة اذا تأخرت نفقاتهم فعلوا ذلك مع العامة على حد قول القائل خلص تارك من جارك وذلك كله بسبب تأخير جماكيهم وقطع خرجهم نحو خمسة أشهر والباشا يسوقهم ويقول هؤلاء لا يستحقون فلسا وأي شيء خرج من يدهم وطول المدى نكلفهم ونعطيهم وما ستروا أنفسهم مع الغز المصرلية ولا مرة فلا حاجة لنا بهم بل يخرجون علي ويذهبون حيث شاؤا فليس منهم الا الرزية والفنطزية وهم يقولون لا نخرج ولا نذهب حتى نستوفي حقنا على دور النصف الفضة الواحد وان شئنا أقمنا وان شئنا ذهبنا ومنها استمرار الباشا على الهمة والاجتهاد في العمارة والبناء وطلب الاخشاب والمؤن حتى عز جميع أدوات العمارة وضاق حال الناس بسبب احتياجهم لعمارة أماكنهم التي تخرب في الحوادث السابقة وبلغ سعر الاردب الجبس مائة وعشرين
نصفا والجير المخلوط اربعين نصفا واجرة المعلم في اليوم خمسة وأربعين نصفا ويتبعه آخر مثل ذلك والفاعل اثنين وعشرين نصفا وأحدثوا أخذ اجازة من المعمارجي وهو ان الذي يريد بناء ولو كانونا لا يقدر أن يأتيه البناء حتى يأخذ ورقة من المعمارجي ويدفع عليها خمسين نصفا ولم يزل الاجتهاد في العمارة المذكورة حتى أقاموا جانبا من القشلة وهي عبارة عن وكالة يعلوها طباق وأسفلها اصطبلات وحولها من داخل حواصل ومن خارج حوانيت وقهوة فعندما تمت الحوانيت ركبوا عليها درفها وأسكنوا بها قهوجيا ومزينا من أتباع الباشا وخياطين وعقادين وسروجية الباشا وغير ذلك ولم يكمل تسقيف الطباق وعملوا لها بوابة عظيمة بمصاطب وهدموا حائط الرحبة المقابلة لبيت الباش الخارجة وعمرت وانشئت بالحجر النحت المحكم الصنعة وعملوا لها بابا عظيما ببدنات وابراج عظيمة وبها طاقات عليا وسفلى وصفوا بها المدافع العظيمة وبركة الرحبة مثل ذلك وعملوا لها باب آخر قبالة باب القشلة بحيث صار بينها وبين القشلة رحبة متسعة يسلك منها المارون الى جهة بولاق على الجسر الذي عمله الفرنسيس ويخرجون ايضا في سلوكهم من بوابة عظيمة الى طريق بولاق من الجهة الغربية بحائط حجر متصلة من الحربة حيث البوابة المواجهة للقشلة الى آخر القشلة وعلى هذه البوابة من الجهتين مدافع مركبة على بدنات وابراج وطيقان مهندمة وبأسفلها من داخل مصطبة كبيرة من حجر وبها باب يصعد منه الى تلك الابراج والجبخانة والعساكر جلوس على تلك المصاطب الخارجة والداخلة لابسين الاسلحة وبنادقهم مرصوصة بدائر الحيطان وبداخل الرحبة الوسطانية مدافع عظيمة مرصوصة بطول الرحبة يمينا وشمالا وكذلك بداخل الحوش الجواني الاصلي وبأسفل البركة نحو المائتي مدفع مرصوصة ايضا وعربيات وصناديق جبخانة وآلات حرب وغير ذلك والجبخانة الكبيرة لها محل مخصوص بالحوش الداخل الاصلي ولها خزنة وطبجية وعربجية
ومنها انه عدم البصل الاحمر حتى بيع الرطل بسعر القنطار في الزمن السابق وعدم الملح أيضا بسبب احتكاره وعدم المراكب التي تجلبه من بحري لما ترتب عليهم من زيادة الجمرك وعدم مكاسبهم فيه لان الذي تولى على جمرك الملاحة صار يأخذه من أصحابه على ذمته بسعر قليل معلوم ويبيعه على ذمته بسعر كثير لمن يسافر به الى جهة قبلي وذلك خلاف ما يأخذه من المراكب التي تحمله فامتنع المتسببون فيه من تجارته فعز وجوده في آخر السنة حتى بيع الربع بثمانين نصفا من ثلاث انصاف وضجت الناس من ذلك فأرسل ذلك الملتزم ثلاثة مراكب على ذمته ووسقها ملحا وصار يبيع الربع بعشرين نصفا ويبيعه المسبب بثلاثين وهذا لم يعهد فيما تقدم من السنين وعدم ايضا الصابون بسبب تأخر القافلة حتى بيع بأغلى ثمن ثم حضرت القافلة فانحل سعره وتواجد وغير ذلك مما لا يمكن الاحاطة به ونسأل الله تعالى حسن العاقبة
سنة ثمان عشرة ومائتين والف
شهر محرم الحرام سنة 1218
استهل بيوم السبت في ذلك اليوم وقعت زعجة عظيمة في الناس وحصلت كرشات في مصر وبولاق وحوانيتهم ورفعوا منها ماخف من متاعهم من الدكاكين وبعضهم ترك حانوته وهرب والبعض سقط متاعه من يده ولم يشعر من شدة ما لحقهم من الخوف والارجاف ولم يعلم سبب ذلك فيقال ان السبب في ذلك ان جماعة من كبار العسكر ذهبوا الى الباشا وطلبوا جماكيهم المنكسرة وخرجهم فقال لهم اذهبوا الى الدفتردار فذهبوا الى الدفتردار فقال لهم جمكيتكم عند محمد علي فذهبوا الى محمد علي وكانوا وعدوهم بقبض جامكيتهم في ذلك اليوم فلما ذهبوا الى محمد علي قال لهم لم اقبض شيئا فعلموا معه شراسة وضرب بينهم بعض بنادق وهاجت العسكر عند بيت محمد علي سرششمه فحصلت هذه الزعجة في مصر وبولاق ثم سكن ذلك بعد أن وعدهم بعد ستة أيام وفيه وردت عدة تقارير وبها جبخانة وجملة من العسكر وصحبتهم ابراهيم اغا الذي كان كاشف الشرقية عام اول وكان توجه الى اسلامبول فحضر وصحبته ذلك فحملوا الجبخانة وطلعوها الى القلعة فيقال انها متوجهة الى جدة بسبب فتنة الحجاز وقيل غير ذلك
وفي يوم الجمعة سابعه ثارت العسكر وحضروا الى بيت الدفتردار فاجتمعوا بالحوش وقفلوا باب القيطون وطردوا القواسة وطلع جمع منهم فوقفوا بفسحة المكان الجالس به الدفتردار ودخل اربعة منهم عند الدفتردار فكلموه في انجاز الوعد فقال لهم انه اجتمع عندي نحو الستين الف قرش فاما أن تأخذوها أو تصبروا كم يوم حتى يكمل لكم المطلوب فقالوا لا بد من التشهيل فان العسكر تقلقوا من طول المواعيد فكتب ورقة وارسلها الى الباشا بأن يرسل اليه جانب دراهم تكملة للقدر الحاصل عنده في الخزينة فرجع الرسول وهو يقول لا ادفع ولا آذن بدفع شيء فأما ان يخرجوا ويسافروا من بلدي او لا بد من قتلهم عن آخرهم فعندما رجع بذلك الجواب قال له ارجع اليه واخبره ان البيت قد امتلأ بالعساكر فوق وتحت واني محصور بينهم فعند وصول المرسال وقبل رجوعه أمر الباشا بأن يديروا المدافع ويضربوها على بيت الدفتردار وعلى العسكر فما يشعر الدفتردار الا وجلة وقعت بين يديه فقام من مجلسه الى مجلس آخر وتتابع الرمي واشتعلت النار في البيت وفي الكشك الذي أنشأه ببيت جده المجاور لبيته وهو من الخشب والحجنة من غير بياض لم يكمل فالتهب بالنهار فنزل الى اسفل والارنؤد محيطة به وبات تحت السلالم الى الصباح ونهب العسكر الخزينة والبيت ولم يسلم الا الدفتردار والاوراق وضعوها في صناديق وشالوها وكان ابتداء رمي المدافع وقت صلاة الجمعة واما اهل البلد فانهم كانوا متخوفين ومتطيرين من قومه او فزعة تحصل من العسكر قبل ذلك فلما عاين الناس تجمعهم ببيت الدفتردار شاع ذلك في المدينة ومر الوالي يقول للناس ارفعوا متاعكم
واحفظوا انفسكم وخذوا حذركم واسلحتكم فأغلق الناس الدكاكين والدروب وهاجوا وماجوا فلما سمعوا ضرب المدافع زاد تطيرهم وتخيلوا هجوم العكسر ونهب البلد بل ودخول البيوت ولا راد يردهم ولا حاكم يمنعهم ونادى المنادي معاشر الناس واولاد البلد كل من كان عنده سلاح فليلبسه واجتمعوا عند شيخ مشايخ الحارات يذهب بكم الى بيت الباش وحضرت اوراق من الباشا لأهل الغورية ومغاربة الفحامين وتجار خان الخليل وأهل طولون يطلبهم بأسلحتهم والحضور عنده والتحذير من التخلف فذهب بعض الناس فأقاموهم عند بيت حريم الباشا وبيت بن المحروقي المجاور له وهو بيت البكري القديم فباتوا ليلتهم هناك وحضر حسن آغا والي العمارة عشاء تلك الليلة وطاف على الناس يحرضهم على القيام ومعاونة الباشا وتجمع بعض الاوباش بالعصي والمساوق وتحزبوا احزابا وعملوا متاريس عند رأس الوراقين وجهة العقادين والمشهد الحسيني فلما دخل الليل بطل الرمي الى الصباح فشرعوا في الرمي بالمدافع والقنابر من الجهتين وتترست العساكر بجامع أزبك وبيت الدفتردار وبيت محمد علي وكوم الشيخ سلامة وداخل الناس خوف عظيم من هذه الحادثة وأما القلعة الكبيرة فان الباشا مطمئن من جهتها لانه مقيد بها الخازندار ومعه عدة من الارنؤد وغيرهم وقافل أبوابها ولما كان يوم الجمعة امس تاريخه قبل حصول الواقعة وحضر اغات الإنكشارية والوجاقلية لاجل السلام على عادتهم ودخلوا عند كتخدا بك فقال لهم نبهوا على اهل البلد بغلق الدكاكين والاسواق والاستعداد فإن العسكر حاصل عندهم قلة ادب فلما طلعوا عند الباشا اعلموه بمقالة كتخدا بك فقال لهم نعم فقال له آغات الانكشارية يا سلطانم ينبغي الاحتفاظ بالقلعة الكبيرة قبل كل شيء فقال ان بها الخازندار واوصيته بالاحتفاظ وغلق الابواب فقال له الاغا لكن ينبغي أن نترك عند كل باب من خارج قدر خمسين انكشاريا فقال وايش فائدتهم ما عليكم من هذا الكلام
تريدون تفريق عساكري اذهبوا لما امرتكم به وذلك لاجل انفاذ القضاء وحضر طاهر باشا ايضا في ذلك الوقت وهو كالمحب ومكمن العداوة فلم يقابله الباشا وأمره بأن يذهب الى داره ولا يقارش فلما كان في صبحها يوم السبت رتب الباشا عساكره على طريقة الفرنسيس وهو المسمى بالنظام الجديد فخرجوا بأسلحتهم وبنادقهم وخيولهم وهم طوابير ومروا حوالي البركة وانقسموا فرقتين فرقة أتت على رصيف الخشاب وفرقة على جهة باب الهواء ليأخذوا الارنؤدية بينهم ويحصروهم من الجهتين فلما حضرت الفرقة التي من ناحية رصيف الخشاب قاتلوا الارنؤدية فعند ذلك أركبوا الدفتردار وأخذوه الى بيت طاهر باشا ومعه أتباعه وانهزم الارنؤدية من تلك الجهة وانحصروا جهة جامع ازبك واشتغلوا بمحاربة الفرقة الاخرى وتحققوا الهزيمة والخذلان وعندما وصلت عساكر الباشا الى بيت الدفتردار والمحروقي وبيت حريم الباشا اشتغلوا بالنهب واخراج الحريم وتركوا القتال وتفرقوا بالمنهوبات وفترت همة الفرقة الاخرى وجرى أكثرهم ليخطف شيئا ويغنم مثلهم وقالوا نحن نقاتل ونموت لاعلى شيء وأصحابنا ينهبون ويغنمون فهزموا انفسهم لذلك وتراجع الارنؤدية واشتدت عزيمتهم ورجع البعض منهم على عساكر الباشا فهزموا من بقي منهم وملكوا الجهة التي كانوا أجلوهم عنها فعند ذلك ظهر طاهر باشا وركب الى الرميلة وتقدم الى باب العزب فوجده مغلوقا فعالج الطاقات الصغار التي في حائط باب العزب القريبة من الارض المعدة لرمي المدافع من أسفل ففتح بعضها ودخل منها بعض عسكر فتلاقوا مع الارنؤد المحافظين داخل الباب فالتف بعضهم على بعض ثم طلعوا عند الخازندار وكان عنده ابن أخت طاهر باشا ممرضا قبل ذلك بايام وصحبته طائفة ايضا فالتفوا على بعضهم وصاروا عصبة وطلبوا مفاتيح القلعة من الخازندار فمانعهم ولما رأى منهم العين الحمراء سلمهم المفاتيح فنزلوا وفتحوا الابواب لطاهر باشا وحبسوا الخازندار وأنزلوا من القلعة مدافع وبنبات وجبخانة
الى الازبكية لجماعتهم وكذلك قيدوا بالقلعة طبجية وعساكر كل ذلك ومحمد باشا لا يدري بشيء من ذلك فلم يشعر الا والضرب نازل عليه من القلعة فسأل ما هذا فقيل له انهم ملكوا القلعة فسقط في يذه وعند ذلك نزل طاهر باشا من القلعة وشق من وسط المدينة وهو يقول بنفسه مع المنادي أمان واطمئنان افتحوا دكاكينكم وبيعوا واشتروا وما عليكم باس وطاف يزور الاضرحة والمشايخ والمجاذيب ويطلب منهم الدعاء ورفع الناس المتاريس من الطرق وانكفوا عن مقارشة العسكر وكذلك لم يحصل أذية من العسكر لاحد من الرعية وأمروا بفتح مخابز العيش والماآكل وأخذوا واشتروا عن غير اجحاف ولا بخس فلما علم الباعة منهم ذلك ذهبوا اليهم بالعيش والكعك والجبن والفطير والسميط وغير ذلك ودخلوا فيهم يبيعون عليهم وهم يشترون منهم بالمصلحة وصار بعض أولاد البلد يذهب الى الفرجة ويدخل بينهم ويمر من وسطهم فلا يتعرضون لهم ويقولون نحن مع بعضنا وأنتم رعية فلا علاقة لكم بنا ووجدوا مع البضع سلاحا ذهب به عندما ارسل الباشا ونادى بالناس فردوهم بلطف وكل ذلك على غير القياس وطاهر باشا لم يكن له شغل الا الطواف بالمدينة والاسواق وخارج البلد ويقول للفلاحين الذين يجلبون الحطب والجلة والسمن والجبن من الارياف كونوا على ما أنتم عليه وهاتوا أسبابكم وبيعوا واشتروا وليس عليكم باس وحضر اليه الوالي فأمره بالمرور والمناداة بالامن للناس واستمر الحرب بين الفريقين نهار السبت واشتد ليل الاحد طول الليل فما أصبح النهار حتى زحف عساكر الارنؤد الى جامع عثمان كتخدا والي حارة النصارى من الجهة الاخرى وطلعوا الى التلول التي بناحية بولاق وملكوا بولاق وهجموا على مناخ الجمال الذي بالقرب من الشيخ فرج فقتلوا من به من عسكر التكرور وهرب من بقى منهم عريانا وقبضوا على منش القبطان وعدوا بالغليون الى برانبابة ونهبوا ما فيه وكان به مال القبطان وذخائره التي جمعها من مظالم المراكب والمسافرين والقادمين شيا كثيرا وكذلك ذهبت
طائفة منهم الى قصر العيني وقبضوا على من به ومن عبيد الباشا وعروهم وأخذوهم اسرى ونهبوا بيت السيد أحمد المحروقي بالازبكية وهو بيت البكري القديم وقد كان اخلاه لنفسه وعمره وسكنه بحريمه فنهبوا منه شيئا كثيرا يفوق الحصر واخرجوا منه النساء بعد ما فتشوهن او افتدين انفسهن وكذلك بيت حريم الباشا الملاصق له بعد ما ارسل الباشا عساكره قبل بيوم فنقل منه الحريم عنده بطولهن لا غير ونهبوا بيت جرجس الجوهري وأخذوا منه اشياء نفيسة كثيرة وفراوي مثمنة وحريم بيت الباشا لم يتمكنوا منه الا بعد انفضاض القضية بيومين بسبب ان المحافظين عليه كانوا ثمانية عشر فرنساويا فحاصروا فيه هذه المدة حتى خرجوا منه بامان واما سكان تلك الخطة فأنهم كانوا يذهبون الى طاهر باشا او محمد علي فيرسل معهم عسكر لخفارتهم حتى ينقلوا امتعتهم او امكنهم الى جهات بعيدة عن ذلك المحل ليامنوا على انفسهم من الحرب وهرب المحروقي وابنه عند الباشا ولاحت لوائح الخذلان على الباشا واستعد للفرار فأنه لما بات تلك الليلة لم يجد عليقا ولا خبزا فعلقوا على الخيل ارزا وتعشى الباشا بالقسمات وارسل الى حارة النصارى فطلب منهم خبزا فأرسلوا له خبزا فخطفه الارنؤد في الطريق ولم يصل اليه ثم عسكر الارنؤد احضروا آلة بنية ووضعوها بالبركة وضربوا بها على بيت الباشا فوقعت واحدة على الباذاهنج فألتهب فيه النار فأرادوا اطفاءها فلم يجدوا سقائين تنقل الماء ويقال ان الخازندار الذي كان بالقلعة لما قبضوا عليه التزم لهم بحرق بيت الباشا ويطلقوه فأرسل بعض أتباعه الى مكانه الذي ببيت الباشا فأوقدوا فيه النار في ذلك الوقت واشتعلت في الاخشاب والسقوف وسرت الى مساكن الباشا فعند ذلك نزل الباشا الى أسفل وأنزل الحريم وعددهن سبع عشرة امرأة فأركبهن بغالا وأمر الدلاة والهوارة ان يتقدموهن وركب صحبتهن المحروقي وابنه وترجمانه وصير فيه وعبيده وفراشوه وتأخر الباشا حتى أركب الحريم ثم ركب في مماليكه ومن بقي من عسكره
وأتباعه وركب معه حسين آغاشنن وبعض آغوات وصحبته ثلاث هجن وخرج الى جزيرة بدران فعندما أشيع ركوبه هجمت عساكر الارنؤد على البيت واشتغلوا بالنهب هذا والنار تشتعل فيه وكان ركوبه قبيل أذان العصر من يوم الاحد تاسع المحرم وخرج خلفه عدة وافرة من عسكر الارنؤد فرجع عليهم وهزمهم مرتين وقيل ثلاثا واما المحروقي ومن معه فأنهم تشتتوا من بعضهم خلف الدلاة ولم يلحقوهم وانقطع حزام بغلته فنزل عنها فأدركه العساكر المتلاحقة بالباشا فعروه وشلحوه هو واتباعه وابنه واخذوا منهم نحو عشرين الف دينار اسلامبولي نقدية وقيل جواهر بنحو ذلك فأدركهم عمر أغا بينباشي المقيم ببولاق فوقعوا عليه فأمنهم واخذهم معه الى بولاق وباتوا عنده الى ثاني يوم واخذ لهم امانا وحضر الى طاهر باشا وقابله وكذلك جرجس الجوهري ونهب العسكر بيت الباشا واخذوا منه شيئا كثيرا وباتت النار تلتهب فيه والدخان صاعد الى عنان السماء حتى لم يبق فيه الا الجدران التحتانية الملاصقة للارض واحترقت وانهدمت تلك الابنية العظيمة المشيدة العالية وما به من القصور والمجالس والمقاعد والرواشن والشبابيك والقمريات والمناظر والتنهات والخزائن والمخادع وكان هذا البيت من أضخم المباني المكلفة فانه اذا حلف الحالف انه صرف على عمارته من اول الزمان الى ان احترق عشر خزائن من المال او اكثر لا يحنث فان الالفي لما انشأه صرف عليه مبالغ كثيرة وكان اصل هذا المكان قصرا عمره وانشأه السيد ابراهيم ابن السيد سعودي اسكندر من فقهاء الحنفية وجعل في اسفله قناطر وبوائك من ناحية البركة وجعلها برسم النزهة لعامة الناس فكان يجتمع بها عالم من اجناس الناس واولاد البلد شيء كثير وبها قهاوي وبياعون وفكهانية ومغاني وغير ذلك ويقف عندها مراكب وقوارب بها من تلك الاجناس فكان يقع بها وبالجسر المقابل لها من عصر النهار الى آخر الليل من الخط والنزاهة ما لا يوصف ثم تداول ذلك القصر أيدي الملاك وظهر علي بك وقساوة حكمه فسدوا تلك البوائك
ومنعوا الناس عنها لما كان يقع بها في الاحيان من اجتماع اهل الفسوق والحشاشين ثم اشترى ذلك القصر الامير أحمد أغا شويكار وباعه بعد مدة فاشتراه الامير محمد بك الالفي في سنة احدى عشرة ومائتين وألف وشرع في هدمه وتعميره وانشائه على الصورة التي كان عليها وكان غائبا جهة الشرقية فرسم لكتخداه صورته في كاغد بكيفية وضعه فحضر ذو الفقار كتخدا وهدم ذلك القصر وحضر الجدران ووضع الاساس وأقام الدعائم ووضع سقوف الدور السفلى فحضر عند ذلك مخدومه فلم يجده على الرسم الذي حدده له فهدمه ثانيا وأقام دعائمه على مراده واجتهد في عمارته وطلب له الصناع والمؤن من الاحجار والاخشاب المتنوعة حتى شحت المؤن في ذلك الوقت وأوقفت أربعة من امرائه على أربع جهاته وعمل على ذمة العمارة طواحين للجبس وقمن الجير واحضر البلاط من الجبل قطعا كبارا ونشرها على قياس مطلوبة وذلك الرخام وذلك خلاف انقاض رخام المكان وانقاض الاماكن التي اشتراها وهدمها وأخذ اخشابها وانقاضها ونقلها على الجمال وفي المراكب لاجل ذلك فمنها البيت الكبير الذي كان أنشأه حسن كتخدا الشعراوي على بركة الرطلي وكان به شيء كثير من الاخشاب والانقاض والشبابيك والرواشن نقلت جميعها الى العمارة فصار كل من الامراء المشيدين يبني وينقل ويبيع ويفرق على من أحب حتى بنوا دورا من جانب تلك العمارة والطلب مستمر حتى أتموه في مدة يسيرة وركب على جميع الشبابيك شرائح الزجاج أعلى وأسفل وهو شيء كثير جدا وفي المخادع المختصة به ألواح الزجاج البلور الكبار التي يساوي الواحد منهما خمسمائة درهم وهو كثير ايضا ثم فرشه جميعه بالبسط الرومي والفرش الفاخر وعلقوا به الستائر والوسائد المزركشة وطوالات المراتب كلها مقصبات وبنى به حمامين علويا وسفليا الى غير ذلك فما هو الا ان ثم ذلك فأقام به نحو عشرين يوما ثم خرج الى الشرقية فأقام هناك وحضر الفرنسيس فسكنه سارى عسكر بونابارته فعمر فيه
أيضا عمارة ولما سافر وأقام مكانه كلهبر عمر فيه ايضا فلما قتل كلهبر وتولى عوضه عبد الله منو لم يزل مجتهدا في عمارته وغير معاليمه وادخل فيه المسجد وبنى الباب على الوضع الذي كان عليه وعقد فوقه القبة المحكمة واقام في أركانها الاعمدة بوضع محكم متقن وعمل السلالم العراض التي يصع منها الى الدور العلوي والسفلي من على يمين الداخل وجعل مساكنه كلها تنفذ الى بعضها البعض على طريقة وضع مساكنهم واستمر يبني فيه ويعمر مدة اقامته الى ان خرج من مصر فلما حضر العثمانية وتولى على مصر محمد باشا المذكور رغب في سكنى هذا المكان وشرع في تعميره هذه العمارة العظيمة حتى أنه رتب لحرق الجير فقط اثني عشر قمينا تشتغل على الدوام والجمال التي تنقل الحجر من الجبل ثلاث قطارات كل قطار سبعون جملا وقس على ذلك بقية اللوازم ورموا جميع الاتربة في البركة حتى ردموا منها جانبا كبيرا ردما غير معتدل حتى شوهوا البركة وصارت كلها كيمانا واتربة والعجب ان منتهى الرغبة في سكن هذه البركة وأمثالها انما هو تسريح النظر وانبساط النفس باتساعها واطلاقها وخصوصا أيام النيل حين تمتلىء بالماء فتصير لحة ماء دائرة بركارية مملوءة بالزوارق والقنج والشطيات المعدة للنزهة تسرح فيها ليلا ونهارا وعند دخول المساء يوقدون القناديل بدائرها في جميع قواطين البيوت فيصير لذلك منظر بهيج لا سيما في الليالي المقمرة فيختلط ضحك الماء في وجه البدر والقناديل وانعكاس خيالها كأنها أسفل الماء ايضا وصدى أصوات القيان والاغاني في ليال لا تعد من الاعمار اذ الناس ناس والزمان زمان فلا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم الى ان كان ما كان وقعت هذه الحوادث فتضاعف المسخ والتشويه والعجب انه لما وقعت الحرابة بين الفرنساوية والعثمانية وأهل مصر واقام الحرب 36 يوما وهم يضربون على ذلك بالبيت بالمدافع والقنابر لم يصبه شيء ولم ينهدم منه حجرا واحدا ولما وقعت هذه الحرابة بين الباشا وعسكره احترق وانهدم في ليلة واحدة كذلك احترق بيت الدفتردار وهو بيت ثلاثة ولية الذي كان أنشأه رضوان كتخدا
الجلفي وكان بيتا عظيما ليس له نظير في عمارته وزخرفته وكلفته وسقوفه من اغرب ما صنعته ايدي بني آدم في الدقة والصنعة وكله منقوش بالذهب واللازورد والاصباغ وعلى مجالسه العليا قباب مصنعة وارضه كلها بالرخام الملون فأحترق جميعه ولم يبق به شيء الا بعد الجدران اللاطئة بالارض وسكنت الفتنة وشق الوالي علي آغا الشعراوي وذو الفقار المحتسب وآغات الانكشارية ونادوا بالامان والبيع والشراء فكانت مدة ولاية هذا الباشا عل مصر سنة وثلاثة اشهر وواحدا وعشرين يوما وكان سيء التدبير ولا يحسن التصرف ويحب سفك الدماء ولا يتروى في ذلك ولا يضع شيئا في محله ويتكرم على من لا يستحق ويبخل على من يستحق وفي آخر مدته داخله الغرور وطاوع قرناء السوء المحدقين به والتفت الى المظالم والفرد على الناس وأهل القرى حتى انهم كانوا حرروا دفاتر فردة عامة على الدور والاماكن بأجرة ثلاث سنوات وقيل اشنع من ذلك فأنقذ الله منه عباده وسلط عليه جنده وعساكره وخرج مرغوما مقهورا على هذه الصورة ولم يزل في سيره الى ان نزل بقليوب بعد الغروب فعشاه الشواربي شيخ قليوب ثم سار ليلا الى دجوة فأنزل الحريم والاثقال في ثلاثة مراكب وسار هو الى جهة بنها وغالب جماعته تخلفوا عنه بمصر وكذلك الكتخدا وديوان افندي والخازندار الذي كان بالقعلة والسلحدار وخليل افندي خزنة كاتب
وفي يوم الاثنين عاشره نودى بالامان ايضا وان العساكر لا يتعرضون لاحد بأذية وكل من تعرض له عسكري بأذية ولو قليلة فليشتكه الى القلق الكائن بخطته ويحضره الى طاهر باشا فينتقم له منه
وفي يوم الخميس وقت العصر حضر الاغا والوجاقلية الى بيت القاضي واعلموه باجتماعهم في غد عند طاهر باشا ويتفقون على تلبيسه قائمقام ويكتبون عرض محضر بحاصل ما وقع
وفي 2 ذلك اليوم حضر جعفر كاشف تابع ابراهيم بك وبيده مراسلة خطابا للعلماء والمشايخ وقيل انه كان بمصر من مدة ايام وكان يجتمع
بطاهر باشا كل وقت بالشيخونية فلما اصبح يوم الجمعة رابع عشره اجتمع المشايخ عند القاضي وركبوا صحبته وذهبوا عند طاهر باشا وعملوا ديوانا واحضر القاضي فروة سمور البسها لطاهر باشا ليكون قائمقام حتى تحضر له الولاية او يأتي وال وكلموه على رفع الحوادث والمظالم وظنوا فيه الخيرية واتفقوا على كتابة عرضحال بصورة ما وقع وقرأوا المكتوب الذي حضر من عند الامراء القبالى وهو مشتمل على ايات واحاديث وكلام طويل ومحصلة انهم طائعون وممتثلون ولم يحصل منهم تعد ولا محاربة وانما اذا حضروا الى جهة او بلدة وطلبوا المرور عليها او قضاء حاجة من بندر منعهم الحاكم والعساكر التي بها ونابذ بالمحاربة والطرد ومع ذلك اذا وقعت بيننا محاربة لا يثبتون لنا وينهزمون ويفرون وقد تكرر ذلك المرة بعد المرة ولا يخفي ما يترتب على ذلك من النهب والسلب وهتك الحرائر وقد وقع لنا لما حضرنا بالمنية فحصل ما حصل وبدؤنا بالطرد والابعاد حصل ما حصل مما ذكر وعوقب من لا جنى وذنب الرعية والعباد في رقابكم وقد التمسنا من ساداتنا المشايخ ان يتشفعوا لنا عند حضرة الوزير ويعطينا ما يقوم بمؤنتنا ومعايشنا فأبى حضرة الوزير الا اخراجنا من القطر المصري كليا وبعثتم تحذرونا مخالفة الدولة العلية مستدلين علينا بقوله تعالى أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الامر منكم ولم تذكروا لنا آية تدل على اننا نخرج من تحت السماء ولا آية تدل على اننا نلقي بأيدينا الى التهلكة وذكرتم لنا أن حريمنا وأولادنا بمصر ربما ترتب على المخالفة وقوع الضرر بهم وقد تعجبنا من ذلك فإننا انما تركنا حريمنا ثقة بانهم في كفالتكم وعرضكم على ان المروءة تابى صرف الهمة الى امتداد الايدي للحريم والرجال للرجال على ان املك دورا والله يقلب الليل والنهار والملك بيد الله يؤتيه من يشاء قل اللهم مالك الملك الاية فلما قرىء ذلك بتفاصيله تعجب السامعون له فكأنما كانوا ينظرون من خلف حجاب الغيب وأخذ ذلك المكتوب طاهر باشا
وأودعه في جيبه ثم قال الحاضرون فما يكون الجواب قال حتى نتروى في ذلك ثم كتب لهم جوابا يخبرهم فيه بما وقع ويأمرهم بأنهم يحضرون بالقرب من مصر لربما اقتضى الحال إلى المعاونة
وفي يوم الإثنين سابع عشرة كتبوا العرض المحضر بصورة ما وقع وختم عليه المشايخ والوجاقلية وأرسلوه إلى اسلامبول وأما محمد باشا المهزوم فإنه لم يزل في سيره حتى وصل إلى المنصورة وفرد على أهلها تسعين ألف ريال وكذلك فرد على علي ما أمكنه من بلاد الدقهلية والغربية فردا ومظالم وكلفا وصادف في طريقه بعض المعينين حاضرين بمبالع الفردة السابقة فأخذها منهم
وفي ليلة الثلاثاء بعد المغرب ثامن عشرة أرسل طاهر باشا عدة من العسكر فقبضوا على جماعة من بيوتهم وهم آغات الانكشارية ومصطفى كتخدا الرزاز ومصطفى آغا الوكيل وأيوب كتخدا الفلاح وأحمد كتخدا علي والسيد احمد المحروقي فأنزلوه الى بيته في ثاني يوم وعملوا عليه ستمائة ولزم العسكر بيته وكذلك بقية الجماعة منهم من عمل عليه مائتا كيس واقل واكثر واقاموا في الترسيم
وفي يوم الجمعة حادي عشرينه ركب طاهر باشا بالموكب والملازمين وصلى الجمعة بجامع الحسين
وفيه وردت الاخبار بان الامراء المصرية رجعوا الى قبلي ووصلوا الى قرب بني سويف
وفيه تشفع شيخ السادات في مصطفى آغا الوكيل واخذه الى بيته وعملوا عليه مائتين وعشرين كيسا فلما كان يوم الاحد أرسل طاهر باشا يطلب مصطفى اغا الوكيل من عند شيخ السادات فركب معه شيخ السادات وسعيد اغا وكيل دار السعادة وذهبا صحبته الى بيت طاهر باشا فلما طلعوا الى أعلى الدرج خرج عليهم جماعة من العسكر وجذبوا مصطفى أغا من بينهم وقبضوا عليه وأنزلوه الى أسفل واخذوه الى القلعة ماشيا على أقدامه
فحنق الشيخ السادات ودخل على طاهر باشا وتشاجر معه فأطلعه على مكتوب مرسل من محمد باشا اليه فقال هذا لا يؤاخذ به انما يؤاخذ اذا كان المكتوب منه الى محمد باشا ثم انحط الامر عل انه لا يقتله ولا يطلقه ثم ان طاهر باشا ركب ليلا وذهب الى شيخ السادات واخذ خاطره بعد ما فزع من حضوره اليه في ذلك الوقت
وفي ثالث عشرينه اطلعوا يوسف كتخدا الباشا الى القلعة والزموه بمال وكذلك خزنة كاتب
وفيه خرج أمير الالزم لملاقات الحجاج فنصب وطاقه بقبة النصر واقام هناك
وفيه حضر هجان على يده مكاتيب كر مؤرخة في عشرين شهر الحجة مضمونها ان الوهابيين أحاطوا بالديار الحجازية وان شريف مكة الشريف غالب تداخل مع شريف باشا وأمير الحاج المصري والشامي وارشاهم على ان يتعوقوا معه اياما حتى ينقل ما له ومتاعه الى جدة وذلك بعد اختلاف كبير وحل وربط وكونهم يجتمعون على حربه ثم يرجعون على ذلك الى أن اتفق رأيهم على الرحيل فأقاموا مع الشريف اثنى عشر يوما ثم رحلوا ورحل الشريف بعد أن احرق داره ورحل شريف باشا ايضا الى جدة
وفيه قبضوا على أنفار من الوجاقلية ايضا المستورين وطلبوا منهم دراهم وعملوا على طائفة القبط الكتبة خمسمائة كيس بالتوزيع
وفي خامس عشرينه قبضوا على جماعة منهم وحبسوهم وكذلك عملوا على طائفة من اليهود مائة كيس
وفيه حضر أحمد أغا شويكار الى مصر بمراسلة من الامراء القبالي
وفي يوم الاربعاء سادس عشرينه سافرت التجريدة المعينة لمحمد باشا وكبيرها حسن بك أخو طاهر باشا فنزلوا في مراكب وفي البر ايضا
وفي يوم الخميس قبضوا على المعلم ملطي القبطي من أعيان كتبة القبط
وهو الذي كان قاضيا ايام الفرنسيس فرموا رقبته عند باب زويلة وكذلك قطعوا رأس المعلم حنا الصبحاني اخي يوسف الصبحاني من تجار الشوام عند باب الخرق في ذلك اليوم واقاما مرميين الى ثاني يوم
وفي يوم السبت غايته رجع أحمد آغا شويكار بجواب من الباشا الى رفقائه وأشيع وصول ابراهيم بك ومن معه الى زاوية المصلوب ووصلت مقدماتهم الى بر الجيزة يقبضون الكلف من البلاد
وفيه أفرجوا عن يوسف كتخدا الباشا بعد أن دفع ثمانين كيسا ونزل من القلعة الى داره
وفيه ارسل طاهر باشا الى مصطفى افندي رامز الكاتب وابراهيم افندي الروزنامجي وسليمان افندي فأخذوهم عند عبد الله افندي رامز الروزنامجي الرومي
شهر صفر
استهل بيوم الاحد في ثانيه حضر الامراء القبالي الى الشيخ الشيمي
وفي ليلة الاربعاء رابعه خنقوا احمد كتخدا علي باش اختيار الانكشارية ومصطفى كتخدا الرزاز كتخدا العزب وكانا محبوسين بالقلعة وضربوا وقت خنقهما مدفعين في الساعة الثالثة من الليل ورموهما الى خارج
وفي صبحها يوم الاربعاء حضر جواب من العسكر الذين ذهبوا لمحاربة محمد باشا مضمونه انه انتقل من مكانه وذهب الى جهة دمياط وانه تخلف عنه العسكر الذين معه وأرسلوا يطلبون منهم الامان فلم يجاوبوهم حتى يستأذنوا في ذلك فأجابهم طاهر باشا بأن يعطوهم أمانا ويضموهم اليهم
وفي ذلك اليوم أشيع أن طاهر باشا قاصد التعدية الى البر الغربي ليسلم على الامراء المصرلية وفي ذلك الوقت امر باحضار حسن اغا محرم فارتاع من ذلك وأيقن بالموت فلما حضر بين يديه خلع عليه فروة وجعله معمارجي باشا واعطاه الفي فرانسا وامره أن يتقيد بتعمير القلعة وما صدق انه خرج من بين يديه وسكن روعه في ذلك الوقت حضر اليه طائفة من الانكشارية وهم الذين كانوا حضروا في أول المحرم في النقاير مع الجبخانة ليتوجهوا الى الديار الحجازية وأنزلوهم بجامع الظاهر خارج الحسينية وحصلت كائنة محمد باشا وهم مقيمون على ما هم عليه ولما خرج محمد باشا وظهر عليه طائفة الارنؤد شمخوا على الانكشارية وصاروا ينظرون اليهم بعين الاحتقار مع تكبر الانكشارية ونظرهم في انفسهم انهم فخذ السلطنة وان الارنؤد خدمهم وعسكرهم واتباعهم ولما فرد الفرد طاهر باشا وصادر الناس صار يدفع الى طائفة الارنؤد جماكيهم المنكسرة او يحولهم بارواق على المصادرين وكلما طلب الانكشارية شيئا من جماكيهم قال لهم ليس لكم عندي شيء ولا اعطيكم الا من وقت ولايتي فان كان لكم شيء فأذهبوا وخذوه من محمد باشا فضاق خناقهم واوغر صدورهم وبيتوا امرهم مع احمد باشا والي المدينة فلما كان في هذا اليوم ركب الجماعة المذكورون من جامع الظاهر وهم نحو المائتين وخمسين نفرا بعددهم واسلحتهم كما هي عادتهم وخلفهم كبراؤهم وهم اسمعيل اغا ومعه آخر يقال له موسى اغا وآخر فذهبوا على طاهر باشا وسألوه في جماكيهم فقال لهم ليس لكم عندي الا من وقت ولايتي وان ان لكم شيء مكسور فهو مطلوب لكم من باشتكم محمد باشا فألحوا عليه فنتر فيهم فعاجلوه بالحسام وضربه أحدهم فطير رأسه ورماها من الشباك الى الحوش وسحبت طوائفهم الاسلحة وهاجوا في اتباعه فقتل منهم جماعة واشتعلت النار في الاسلحة والبارود الذي في أماكن اتباعه فوقع الحريق والنهب في الدار ووقع في لناس كرشات وخرجت العساكر الانكشارية وبايديهم السيوف المسلولة ومعهم ما خطفوه من النهب فأنزعجت الناس وأغلقوا الأسواق والدكاكين وهربوا إلى الدور وأغلقوا الأبواب وهم لا يعلمون ما الخبر وبعد ساعة شاع الخبر وشق الوالي والاغا ينادون بالامن والامان حسب مارسم احمد باشا وكرروا المناداة بذلك ثم نادوا باجتماع الانكشارية
البلدية وخلافهم عند احمد باشا على طائفة الارنؤد وقتلهم واخرجهم من المدينة فتحزبوا احزابا ومشوا طوائف طوائف وتجمع الارنؤد جهة الازبكية وفي بيوتهم الساكنين فيها وصار الانكشارية اذا ظفروا باحد من الارنؤد اخذوا سلاحه وربما قتلوه وكذلك الارنؤد يفعلون معهم مثل ذلك هذا والنهب والحريق عمال في بيت طاهر باشا وفرج الله عن المعتقلين والمحبوسين على المغارم والمصادرات وبقيت جثة طاهر باشا مرمية لم يلتفت اليها احد ولم يجسر أحد من اتباعه على الدخول الى البيت واخراجها ودفنها وزالت دولته وانقضت سلطنته في لحظة فكانت مدة غلبته ستة وعشرين يوما ولو طال عمره زيادة على ذلك لأهلك الحرث والنسل وكان صفته اسمر اللون نحيف البدن اسود اللحية قليل الكلام بالتركي فضلا عن العربي ويغلب عليه لغة الارنؤدية وفيه هوس وانسلاب وميل للمسلوبين والمجاذيب والدراويش وعمل له خلوة بالشيخونية وكان يبيت فيها كثيرا ويصعد مع الشيخ عبد الله الكردي الى السطح في الليل ويذكر معه ثم سكن هناك بحريمه وقد كان تزوج بامرأة من نساء الامراء وكان يجتمع عنده اشكال مختلفة الصور فيذكر معهم ولما راوأ منه ذلك خرج الكثير من الاوباش وتزيا بما سولت له نفسه وشيطانه ولبس له طرطور طويلا ومرقعة ودلفا وعلق له جلاجل وبهرجان وعصا مصبوغة وفيها شخاشيخ وشراريب وطبلة يدق عليها ويصرخ ويزعق ويتكلم بكلمات مستهجنة والفاظ موهمة بانه من ارباب الاحوال ونحو ذلك ولما قتل اقام مرميا الى ثاني يوم لم يدفن ثم دفنوه من غير راس بقبة عند بركة الفيل واخذ بعض الينكجرية راسه وذهبوا بها ليوصلوها الى محمد باشا يأخذوا منه البقشيش فلحقهم جماعة من الارنؤد فقتلوهم واحذوا الرأس منهم ورجعوا بها ودفنوها مع جثته وكتب احمد باشا مكتوبا الى محمد باشا يعلمه بصورةالواقعة ويستعجله للحضور وكذلك المحروقي وسعيد اغا ارسل كل واحد مكتوبا بمعنى ذلك وظنوا تمام النصف ولما نهبوا بيته نهبوا ما جاوره من دور
الناس من الحبانية الى ضلع السمكة الى درب الجماميز ثم ان احمد باشا احضر المشايخ واعلمهم بما وقع وامرهم بالذهاب الى محمد علي ويخاطبوه بان يذعن الى الطاعة فلما ذهبوا اليه وخاطبوه في ذلك اجاب بان احمد باشا لم يكن واليا على مصر بل انما هو والي المدينة المنورة على ساكنها افضل الصلاة والسلام وليس له علاقة بمصر وانا كنت الذي وليت طاهر باشا لكونه محافظ الديار المصرية من طرف الدولة وله شبهة في الجملة واما احمد باشا فليس له جرة ولا شبهة فهو يخرج خارج البلد ويأخذ معه الانكشارية ونجهزه ويسافر الى ولايته فقاموا من عنده على ذلك واستمر الانكشارية على ما هم عليه من النهب وتتبع الارنؤد وتحزيوا وتسلحوا وعملوا متاريس على جهاتهم ونواحيهم الى آخر النهار فنادوا على الناس بالسهر والتحفظ والدكاكين تفتح والقناديل تعلق وبات الناس على تحوف ولما اصبح نهار الخميس مر الوالي والاغا ينادون بالامان برسم حكم احمد باشا ثم ان احمد باشا ارسل اوراقا الى المشايخ بالحضور فذهبوا اليه فقال لهم اريد منكم ان تجمعوا الناس والرعية وتأمروهم بالخروج على الارنؤد وقتلهم فقالوا سمعا وطاعة واخذوا في القيام فقال لهم لا تذهبوا وكونوا عندي وارسلوا للناس كما أمرتكم فقالوا له ان عادتنا ان يكون جلوسنا في المهمات بالجامع الازهر ونجتمع به ونرسل الى الرعية فانهم عند ذلك لا يخالفون وكان مصطفى اغا الوكيل حاضرا فراددهم في ذلك وعرف منهم الانفكاك فلم يزالوا حتى تخلصوا وخرجوا وكان احمد باشا ارسل احضر الدفتردار ويوسف كتخدا الباشا وعبد الله افندي رامز الروزنامجي وغالب أكابر العثمانية ومصطفى أغا الوكيل كان مرهونا عند شيخ السادات كما تقدم فعندما سمع بقتل طاهر باشا ركب بجماعته وابهته وأخذ معه عدة من الانكشارية وذهب الى عند احمد باشا ووقف بين يديه يعاضده ويقويه وأما محمد علي والأنؤد فإنهم مالكون القلعة الكبيرة ويجمعون أمرهم ويراسلون الامراء فلما اصبح ذلك اليوم عدى الكثير من المماليك والكشاف
==============ج99999999999999999999999===========
ج9.كتاب : تاريخ عجائب الآثار في التراجم والأخبار
المؤلف : عبد الرحمن بن حسن الجبرتي
الى بر مصر ومروا في الاسواق وعدى ايضا محمد علي وقابلهم في بر الجيزة ورجع وعدى الكثير منهم من ناحية انبابة ومعهم عربان كثيرة وساروا الى جهة خارج باب النصر وباب الفتوح واقاموا هناك وأرسل ابراهيم بك ورقة الى احمد باشا يقول فيها انه بلغنا موت المرحوم طاهر باشا عليه الرحمة والرضوان فأنتم تكونون مع أتباعكم الارنؤد حالا واحدا ولا تتداخلوا مع الانكشارية فلما كان ضحوة النهار ذهب جماعة من الانكشارية الى جهة الرميلة فضربوا عليهم من القلعة مدافع فولوا وذهبوا ثم بعد حصة ضربوا ايضا عدة مدافع متراسلة على جهة بيت احمد باشا وكان ساكنا في بيت علي بك الكبير بالداودية فعند ذلك اخذ أمره في الانحلال وتفرق عنه غالب الانكشارية البلدية ووافق ان المشايخ لما خرجوا من عنده وركبوا لم يزالوا سائرين الى أن وصلوا جامع الغورية فنزلوا به وجلسوا وهم في حيرة متفكرين فيما يصنعون فعندما سمعوا صوت المدافع قاموا وتفرقوا وذهبوا الى بيوتهم ثم ان ابراهيم بك ارسل ورقة الى أحمد باشا قبيل العصر يأمره فيها بتسليم الذين قتلوا طاهر باشا ويخرج الى خارج البلد ومعه مهلة الى حادي عشر ساعة من النهار ولا يقيم الى الليل وان خالف فلا يلومن الا نفسه فلما رأى حال نفسه مضمحلا لم يجد بدا من الامتثال الا أنه لم يجد جمالا يحمل عليها أثقاله فقال للرسول سلم عليه وقل له يرسل لي جمالا وأنا أخرج واما تسليم القاتلين فلا يمكن فقال له اما حضور الجمال فغير متيسر في هذا الوقت لبعد المسافة فقال له وكيف يكون العمل فقال يركب حضرتكم ويخرج ووقت ما حضرت الجمال الليلة أو غدا حملت الاثقال ولحقتكم خارج البلد فعند ذلك قام وركب وقت العصر وتفرق من كان معه من أعيان العثمانية مثل الدفتردار وكتخدا بك والروزنامجي وذهبوا الى محمد علي والتجؤا اليه فأظهر لهم البشر والقبول وخرج احمد باشا في حالة شنيعة واتباعه مشاة بين يديه وهم يعدون في مشيهم وعلى اكتافهم وسائد وأمتعة خفيفة فعند ما خرج من
البيت دخل الارنؤد ونهبوا جميع ما فيه ولم يزل سائرا حتى خرج من المدينة من باب الفتوح فوجد العسكر والعربان وبعض كشاف ومماليك مصرية محدقة بالطرق فدخل مع الانكشارية الى قلعة الظاهر وأغلقوها عليهم وخرج خلفهم عدة وافرة من الارنؤد والكشاف المصرلية والعرب والغز وأحاطوا بهم وأقاموا على ذلك تلك الليلة وبعد العشاء مر الوالي وامامه المناداة بالامان حسب ما رسم ابراهيم بك حاكم الولاية وافندينا محمد علي فكانت مدة الولاية لاحمد باشا يوما وليلة لا غير وفي ذلك اليوم نهبوا بيت يوسف كتخدا بك وأخرجوا منه اشياء كثير أخذ ذلك جميعه الارنؤد وأصبح يوم الجمعة فركب المشايخ والاعيان وعدوا الى بر الجيزة وسلموا على ابراهيم بك والامراء
وفيه استأذن الدفتردار وكتخدا بك محمد علي في الاقامة عنده أو الذهاب فأذن لهما بالتوجه الى بيوتهما فركبا قبيل الظهر وسارا الى بيت الدفتردار وهو بيت البارودي فدخل كتخدا بك مع الدفتردار لعلمه بنهب بيته فنزلا وجلسا مقدار ساعة واذا بجماعة من كبار الارنؤد ومعهم عدة من العسكر وصلوا اليهما وعند دخولهم طلبوا المشاعلي من بيت علي أغا الشعراوي وهو تجاه بيت البارودي فلم يجدوه فذهب معهم رفيق له وليس معه سلاح فدخلوا الدار وأغلقوا الباب وعلم أهل الخطة مرادهم فاجتمع الكثير من الاوباش والجعيدية والعسكر خارج الدار يريدون النهب ولما دخلوا عليهما قبضوا أولا على الدفتردار وشلحوه من ثيابه وهو يقول عيبتر وأصابه بعضهم بضرب على يده اليمنى واخرجوه الى فسحة المكان وقطعوا رأسه بعد ضربات وهو يصيح مع كل ضربة لكون المشاعلي لا يحسن الضرب ولم يكن معه سلاح بل ضربه بسلاح بعض العسكر الحاضرين ثم فعلوا ذلك بيوسف كتخدا بك وهو ساكت لم يتكلم وأخذوا لرأسين وتركوهما مرميين وخرجوا بعدما نهبوا ما وجدوه من الثياب والامتعة بالمكان وكذلك ثياب أتباعهم وخرج اتباعهم في اسوأ حال
يطلبون النجاة بأرواحهم ومنهم من هرب وطلع الى حريم البارودى الساكنات في البيت وصرخ النساء وانزعجن وكانت الست نفيسة المرادية في ذلك المنزل أيضا في تلك الايام فعند ما رأت وصول الجماعة ارسلت الى سليم كاشف المحرمجي فحضر في ذلك الوقت فكلمته في أن يتلاف الامر فوجده قد تم فخرج بعد خروجهم بالرأسين فظن الناس أنها فعلته ثم حضر محمد علي في اثر ذلك وطرد الناس المجتمعين للنهب وختم على المكان وركب الى داره ثم ان علي أغا الشعراوى استأذن محمد علي في دفنهما فأذن له فأعطى شخصا ستمائة نصف فضة لتجهيزهما وتكفينهما فأخذها وأعطى منها الآخر مائتين نصف لا غير فأخذها وذهب فوضعهما في تابوت واحد من غير رؤوس وكانوا ذهبوا برؤسهما الى الامراء بالجيزة ولم يردوهما ولم يدفنا معهما ثم رفعهما بالتابوت الى ميضاة جامع السلطان شاه المجاور للمكان وهو مكان قذر فغسلهما وكفنهما في كفن حقير ودفنهما في حفرة تحت حائط بتربة الازبكية من غير رؤوس فهذا ما كان من أمرهما وأما الذين في قلعة الظاهر فإنهم انحصروا وأحاط بهم الارنؤد والغز والعربان وليس عندهم ما يأكلون ولا يشربون فصاروا يرمون عليهم من السور القرابين والبارود وهم كذلك يرمون عليهم من أسفل وجمعوا أتربة وعملوها كيمانا عالية وصاروا يرمون عليهم منها كذلك بقية نهار الجمعة وليلة السبت اشتد الحرب بينهم بطول الليل وفي الصباح أنزلوا من القلعة مدافع كبارا وبنبة وجبخانة وأصعدوها على التلول وضربوا عليهم الى قبيل العصر فعند ذلك طلبوا الامان وفتحوا باب القلعة وخرج احمد باشا وصحبته شخصان وهما اللذان قتلا طاهر باشا فأخذوهم وعدوا بهم الى الجيزة وبطل الحرب والرمي وبقي طائفة الانكشارية داخل القلعة وحولهم العساكر فلما ذهبوا بهم الى الجيزة أرسلوا احمد باشا الى قصر العيني وأبقوا الاثنين وهم اسمعيل أغا وموسى أغا بالقصر الذى بالجيزة ونودى بالامان للرعية حسب ما رسم ابراهيم وعثمان بك
البرديسي ومحمد علي
وفي يوم السبت حضر احمد بك اخو محمد علي الى جهة خان الخليلي لاجراء التفتيش على منهوبات الارنؤد التي نهبها الانكشارية وأودعوها عند أصحابهم الاتراك ففتحوا عدة حوانيت وقهاوى واماكن وأخذوا ما فيها وأجلسوا طوائف من عسكر الارنؤد على الخانات والوكائل والاماكن وشلحوا ناسا كثيرة من ثيابهم وربما قتلوا من عصى عليهم فتخوف اهل خان الخليلي ومن جاورهم واستمر الارنؤد كلما مرت منهم طائفة ووجدوا شخصا في اى جهة قبة شبه ما بالاتراك قبضوا عليه وأخذوا ثيابه وخصوصا ان وجدوا شيئا معه من السلاح أو سكينا فتوقي اكثر الناس وانكفوا عن المرور في أسواق المدينة فضلا عن الجهات البرانية
وفيه كثر مرور الغز والكشاف المصرلية وترددوا الى المدينة وعلى اكتافهم البنادق والقرابين وخلفهم المماليك والعربان فيذهبون الى بيوتهم ويبيتون بها ويدخلون الحمامات ويغيرون ثيابهم ويعودون الى بر الجيزة وبعضهم امامه المناداة بالامان عند مرور بوسط المدينة
وفيه كتبت أوراق بطلب دراهم فردة على البلاد المنوفية والغربية كل بلد ألف ريال وذلك خلاف مضايف العرب وكلفهم
وفي يوم الاثنين قتلوا شخصا بباب الخرق يقال انه كان من اكبر المتحزبين على الارنؤد وجمع منهوبات كثيرة
وفيه ايضا قتلوا اسمعيل اغا وموسى اغا وهما اللذان كان قتلا طاهر باشا وتقدم انهم كانوا أخذوهما بالأمان صحبة أحمد باشا فأرسلوا أحمد باشا الى قصر العيني وبقي الاثنان بقصر الجيزة فأخذوهما وعدوا بهما الى البر الآخر وقطعوا رأسهما عند الناصرية واخذوا الراسين وذهبوا بهما الى زوجة طاهر باشا بالشيخوخة ثم طلعوهما الى اخى طاهر باشا بالقلعة وفيه تقلد سليم أغا اغات مستحفظان سايقا الاغاوية كما كان وركب وشق المدينة باعوانه وامامه جماعة من العسكر الارنؤد ولبسوا ايضا حسين
أغا امين خزنة مراد بك وقلدوه والي الشرطة ولبسوا محمدا المعروف بالبرديسي كتخدا قائد أغا وجعلوه محتسبا وشق كل منهم بالمدينة وامامهم المناداة بالامن والامان والبيع والشراء
وفيه اخرجوا الانكشارية الذين بقلعة الظاهر وسفروهم الى جهة الصالحية وصحبتهم كاشفان وطائفة من العرب بعد ما اخذوا سلاحهم ومتاعهم بل وشلحوهم ثيابهم والذى بقى لهم بعد ذلك أخذته العرب وذهبوا في أسوا حال وانحس بال وهم نحو الخمسمائة انسان ومنهم من التجأ الى بعض المماليك والغز فستر عليه وغير هيئته وجعله من أتباعه وكذلك الانكشارية الذين كانوا مخفيين التجؤا الى المماليك وانتموا اليهم وخدموهم فسبحان مقلب الاحوال وحضر سليم كاشف المحرمجي وسكن بقلعة الظاهر وكتب الى اقليم القليوبية أوراقا وقرر على كل بلد ألف ريال ومن كل صنف من الاصناف سبعين مثل سبعين خروف وسبعين رطل سمن وسبعين رطل بن وسبعين فرخة وهكذا وحق طريق المعين لقبض ذلك خمسة وعشرون ألف فضة من كل بلد
وفي يوم الاربعاء حادى عشره حضر محمد علي وعبد الله أفندى رامز الروزنامجي ورضوان كتخدا ابراهيم بك الى بيت الدفتردار المقتول وضبطوا تركته فوجد عنده نقود ثلثمائة كيس وقيمة عروض وجواهر وغيرها نحو ألف كيس
وفيه أرسل ابراهيم بك فجمع الاعيان والوجاقلية وأبرز لهم فرمانات وجدوها عند الدفتردار المقتول مضمونها تقريرات مظالم منها ان المماليك المصرلية كانوا أحدثوا على الغلال التي تباع الى بحربرا عن كل اردب محبوب فيقرر ذلك بحيث يتحصل من ذلك للخزينة العامرة عشرة آلاف كيس في السنة فإن نقصت عن ذلك القدر أضر ذلك بالخزينة ومنها تقرير المليون الذى كان قرره الفرنسيس على أهالي مصر في آخر مدتهم ويوزع ذلك على الرؤوس والدور والعقار والاملاك ومنها ان الحلوان عن المحلول
ثلاث سنوات ومنها انه يحسب المضاف والبراني الى ميرى البلاد وغير ذلك
وفي يوم الخميس ثاني عشره عمل عثمان بك البرديسي عزومة بقصر العيني وحضر ابراهيم بك والامراء ومحمد علي ورفقاؤه وبعد انقضاء العزومة ألبسوا محمد علي ورفقاءه خلعا وقدموا لهم تقادم
وفي يوم الجمعة كذلك عملوا عزومة لابن أخي طاهر باشا المقيم بالقلعة وصحبته عابدى بك ورفقاؤهم بقصر العيني وخلعوا عليهم وقدموا لهم تقادم أيضا
وفي يوم الاحد خامس عشره نزل ابن أخي طاهر باشا من القلعة ومن معه من أكابر الارنؤد وأعيانهم وعساكرهم بعزالهم ومتاعهم وما جمعوه من المنهوبات وهو شيء كثير جدا وسلموا القلعة الى الامراء المصرلية وطلع أحمد بك الكلارجي الى باب الانكشارية وأقام به وعبد الرحمن بك ابراهيم الى باب العزب وسليم أغا مستحفظان الى القصر فعند ذلك اطمان الناس بنزولهم من القلعة فأنهم كانوا على تخوف من اقامتهم بها وكثر فيهم اللغظ بسبب ذلك فلم يزل الامراء يدبرون أمرهم حتى أنزلوهم منها وبقى بها طائفة من الارنؤد وعليهم كبير يقال له حسين قبطان
وفيه ورد الخبر أن محمد باشا لما قربت منه العساكر التي كان أرسلها له طاهر باشا ارتحل الى دمياط كما تقدم
وفي يوم الاثنين وردت مكاتبات من الديار الحجازية مؤرخة في منتصف محرم وفيها الاخبار باستيلاء الوهابيين على مكة في يوم عاشوراء وان الشريف غالب أحرق داره وارتحل الى جدة وان الحجاج أقاموا بمكة ثمانية أيام زيادة عن المعتاد بسبب الارتباك قبل حصول الوهابيين بمكة ومراعاة للشريف حتى نقل متاعه الى جدة ثم ارتحل الحجاج وخرجوا من مكة طالبين زيارة المدينة فدخل الوهابيون بعد ارتحال الحج بيومين
وفي يوم الاربعاء ثامن عشره أخرجوا باقي الانكشارية والدلاة
والسجمان وكانوا مجتمعين بمصر القديمة فتضرر منهم المارة وأهل تلك الجهة بسبب قبائحهم وخطفهم أمتعة الناس بل وقتلهم وكان تجمعهم على ان يذهبوا الى جهة الصعيد ويلتفون على حسن باشا بجرجا وينضمون اليه والى من بناحية الصعيد من أجناسهم فذهب منهم من أخبر الامراء المصرلية بذلك فضبطوا عليهم الطرق واتفق ان جماعة منهم وقفوا لبعض الفلاحين المارين بالبطيخ والخضار فحجزوهم وطلبوا منهم دراهم فمر بهم بعض المماليك من أتباع البرديسي فأستجار بهم الفلاحون فكلموهم فتشاحنوا معهم وسحبوا على بعضهم السلاح فقتل مملوك منهم فذهبوا الى سيدهم واعلموه فأرسل الى ابراهيم بك فركب الى العرضى ناحية بولاق التكرور وترك مكانه بقصر الجيزة محمد بك بشتك وكيل الالفى وشركوا عليهم الطرق وأمروهم بالركوب والخروج من مصر الى جهة الشام واللحوق بجماعتهم فركبوا من هناك ومروا على ناحية الجبل من خلف القلعة الى جهة العادلية وامامهم وخلفهم بعض الامراء المصرلية ومعهم مدفعان وهم نحو الف وخمسامئة وازيد فلما خرجوا وتوسطوا البرية عروا الكثير منهم ومن المتخلفين والمتاخرين عنهم واخذوا أسلحتهم وقتلوا كثيرا منهم ورجع المماليك ومعهم الكثير من بنادقهم وسلاحهم يحملونه معهم ومع خدامهم فلما رجع المماليك بهذه الصورة ووقف العسكر الارنؤدية على ابواب المدينة انزعج الناس كعادتهم في كرشاتهم واغلقوا الدكاكين وعين للسفر معهم حسين كاشف الالفى يذهب معهم الى القنطرة ونودى في عصريته بالامان وخروج من تخلف من الانكشارية وكل من وجد منهم بعد ثلاثة أيام فدمه وماله مهدور
وفي يوم الخميس مر الوالي والمناداة أمامه على الاتراك الانكشارية والبشناق والسجمان بالخروج من مصر والتحذير لمن آواهم أو ثاواهم وكلما صادف في طريقة شخصا من الاتراك قبض عليه وسأله عن تخلفه فيقول أنا من المتسببين والمتأهلين من زمان بمصر فيطلب منه بينة على ذلك
ويسلمه عسكر الارنؤد فيودعونه في مكان من امثاله حتى يتحققوا أمره
وفيه مر بعض المماليك بجهة الميدان ناحية باب الشعرية فصادفوا جماعة من العسكر المذكورين يحملون متاعا لهم فاشتكلوا بهم وأرادوا أخذ سلاحهم ومتاعهم فمانعوهم وتضاربوا معهم فقتل بينهم شخصان من الانكشارية وشخصان من المماليك أحدهما فرنساوى
وفيه حضر أيضا ثلاثة من المماليك الى وكالة الصاغة الى رجل رومي ططرى وسألوه عن جوارى سود عنده لمحمد باشا وانهم يطلبونهن لعثمان بك البرديسي فأنكر ذلك وشهد جيرانه أنهن ملكه واشتراهن ليتجر فيهن فلم يزالوا حتى أخذوا منه ثلاثة على سوم الشراء وذهب معهن فلما بعدوا عن الجهة فزعوا عليه وطردوه وذهبوا بالجوارى فذهب ذلك الططرى الى محمد علي فأرسل الى البرديسي ورقة بطلب الجوارى أو ثمنهن ففحص عنهن حتى ردهن الى صاحبهن
وفيه حضر أيضا جماعة من المماليك الى بيت عثمان أفندى بجوار ضريح الشيخ الشعراني وهو من كتبة ديوان محمد باشا فأخذوا خيله وسلاحه ومتاعه التي بأسفل الدار
وفي يوم الجمعة نهبوا أيضا دار احمد أفندى الذى كان شهر حوالة وكاشف الشرقية في العام الماضي فأخذوا جميع ما عنده حتى ثيابه التي على بدنه وقتلوا خادمه على باب داره قتله الوالي زاعما انه هو الذى دل عليه
وفي يوم السبت مر سليم أغا وأمامه المناداة على الاغراب الشوام والحلبية والرومية يجتمعون بالجمالية يوم تاريخه فلم يجتمع منهم أحد
وفي يوم الاحد حضر الشريف عبد الله ابن سرور وصحبته بعض أقاربه من شرفاء مكة وأتباعهم نحو ستين نفرا واخبروا انهم خرجوا من مكة مع الحجاج وان عبد العزيز بن مسعود الوهابي دخل الى مكة من غير حرب وولى الشريف عبد المعين أميرا على مكة والشيخ عقيلا قاضيا وأنه هدم قبة زمزم والقباب التي حول الكعبة والابنية التي اعلى من الكعبة وذلك
بعد ان عقد مجلسا بالحرم وباحثهم على ما الناس عليه من البدع والمحرمات المخالفة للكتاب والسنة واخبروا ان الشريف غالبا وشريف باشا ذهبا الى جدة وتحصنا بها وانهم فارقوا الحجاج في الجديدة
وفيه كتبوا عرضالحين أحدهما بصورة ما وقع لمحمد باشا مع العساكر ثم قيام الانكشارية وقتلهم لطاهر باشا ثم كرة الارنؤد على الانكشارية لما اثاروا الفتنة مع أحمد باشا حتى اختلت أحوال المدينة وكايعهما الخراب لولا قرب الامراء المصرلية وحضورهم فسكنوا الفتنة وكفوا ايدى المتعدين والثاني يتضمن رفع الاحداثات التي في ضمن الاوامر التي كانت مع الدفترادر التي تقدمت الاشارة اليها
وفيه عزم الامراء على التوجه الى جهة بحرى فقصد البرديسي وصحبته محمد بك تابع محمد بك المنفوخ جهة دمياط ومعهم محمد علي وعلي بك أيوب وغيرهم وصحبتهم الجم الكثير من العساكر والعربان ولم يتخلف الا ابراهيم بك واتباعه والحكام وسافر سليمان كاشف البواب الى جهة رشيد وصحبته عساكر ايضا
وفي يوم الثلاثاء عدى الكثير إلى البر الشرقي وفي يوم الاربعاء خامس عشرينه قدم جاويش الحجاج بمكاتيب العقبة واخبروا بموت الكثير من الناس بالحمى والاسهال وحصل لهم تعب شديد من الغلاء أيضا ذهابا وايابا ومات الشيخ أحمد العريشي الحنفي ودفن بنبط ومات أيضا محمد أفندى باش جاجرت ودفن بالينبع والشيخ علي الخياط الشافعي
وفيه عدى ابراهيم بك الى قصر العيني وركب مع البرديسي الى جهة الحلي وودعه ورجع الى قصر العيني فأقام به وجلس ابنه مرزوق بك في مضرب النشاب واستمر وكيل الالفي مقيما بقصر الجيزة
وفيه وردت الاخبار بأن محمد باشا لما ارتحل من المنصورة الى دمياط أبقي بفارسكور ابراهيم باشا ومملوكه سليم كاشف المنوفية بعدة من
العسكر فتحصنوا بها فلما حضر اليهم حسن بك أخو طاهر بك بالعساكر تحاربوا معهم وملكوا منهم فارسكور فنهبوها وأحرقوها وفسقوا بنسائها وفعلوا مالا خير فيه وقتل سليم كاشف المنوفية المذكور أيضا ثم ان بعض أكابر العسكر المنهزمين ارسل الى حسن بك يطلب منه امانا وكان ذلك خديعة منهم فأرسل لهم أمانا فحضروا اليه وانضموا لعسكره وسهلوا له امر محمد باشا وانه في قلة وضعف وهم مع ذلك يراسلون اصحابهم ويشيرون عليهم بالعود والتثبت الى ان عادوا وتأهبوا للحرب ثانيا وخرج اليهم حسن بك بعساكره وخلفه المنضافون اليه من اولئك فلما ان نشبت الحرب بينهم اخذوهم مواسطة فاثخنوهم ووقعت فيهم مقتلة عظيمة وانهزموا الى فارسكور فتلقاهم اهل البلدة وكملوا قتلهم ونزلوا عليهم بالنبابيت والمساوق والحجارة جزاء لما فعلوه معهم حتى اشتفوا منهم ولم ينج منهم الا من كان في عزوة او هرب الى جهة اخرى وحضر الكثير منهم الى مصر في أسوأ حال
وفي يوم الجمعة والسبت حضر الكثير من حجاج المغاربة وصحبتهم مصاروة وفلاحون كثيرة
وفيه حضرت مكاتبة من الديار الرومية على يد شخص يسمى صالح افندى الى سكندرية فأرسل خورشيد افندى حاكم الاسكندرية يستأذن في حضوره بمكاتبة على يد راشته قنصل النيمسا فذهب راشته الى ابراهيم بك وأخبره واطلعه على المكتوب الذى حضر له فبعد ساعة وصل الخبر بوصول صالح افندى المذكور الى بولاق فأرسل ابراهيم بك رضوان كتخدا واحمد بك الارنؤدى وأمرهما بان يأخذا ما معه من الاوراق ويأمراه بالرجوع بغير مهلة ولا يدعاه يطلع الى البر ففعلا ذلك ومضمون ما في تلك الاوراق خطاب لطاهر باشا وانه بلغنا ما حصل من محمد باشا من الجور والظلم وقطع علوفات العسكر وانهم قاموا عليه وأخرجوه وهذه عادة العساكر اذا انقطعت علوفاتهم واننا وجهنا له ولاية سنانيك وان
طاهر باشا يستمر على المحافظة واحمد باشا قائمقام الى ان يأتي المتولي وخطاب لمحمد باشا بمعنى ذلك والسر في تقليد احمد باشا قائمقام دون طاهر باشا ان طاهر باشا ارنؤد وليس له الا طوخان ومن قواعدهم القديمة انهم لا يقلدون الارنؤد ثلاثة اطواخ ابدا
وفي يوم السبت المذكور دخل الكثير من الحجاج آخر النهار وفي الليل
وفي يوم الاحد دخل الجم الغفير من الحجاج ومات الكثير من الداخلين في ذلك اليوم زكثير مرضى وحصل لهم مشقة عظيمة وشوب وغلاء وخصوصا بعد مجاوزتهم العقبة وبلغت الشربة الماء دينارا والبطيخة دينارين وكان حجاج كثير واكثرهم اوباش الناس من الفلاحين والنساء وغير ذلك وخرج سليم اغا مستحفظان وصحبته جماعة من الانكشارية والكشاف والاجناد والعسكر فاستلموا لمحمل من امير الحاج وامروه لا يدخل المدينة بل يقيم بالبركة حتى يحاسبوه ويسافر بمن معه من العسكر الى جهة الشام ثم رجعوا بالمحمل ودخلوا به المدينة وقت الظهر على خلاف العادة وحضر صحبة الحجاج كثير من اهل مكة هروبا من الوهابي ولغظ الناس في خبر الوهابي واختلفوا فيه فمنهم من يجعله خارجيا وكافرا وهم المكيون ومن تابعهم وصدق اقوالهم ومنهم من يقول بخلاف ذلك لخلو غرضه وارسل الى شيخ الركب المغربي كتابا ومعه اوراق تتضمن دعوته وعقيدته وصورتها
بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور انفسنا ومن سيآت اعمالنا من يهد الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادى له ونشهد ان لا اله الا الله وحده لا شريك له ونشهد ان محمدا عبده ورسوله من يطع الله ورسوله فقد رشد ومن يعصى الله ورسوله فقد غوى ولا يضر الا نفسه ولن يضر الله شيئا وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا اما بعد فقد قال الله تعالى قل هذه سبيلي ادعوا الى الله على بصيرة انا ومن اتبعني وسبحان الله وما انا من المشركين وقال الله تعالى قل ان كنتم تحبون الله
فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم وقال تعالى وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا وقال تعالى اليوم اكملت لكم دينكم واتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الاسلام دينا فأخبر سبحانه انه اكمل الدين واتمه على لسان رسوله صلى الله عليه و سلم وامرنا بلزوم ما انزل إلينا من ربنا وترك البدع والتفرق والاختلاف وقال تعالى اتبعوا ما أنزل اليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه اولياء قليلا ما تذكرون وقال تعالى وان هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون والرسول صلى الله عليه و سلم قد اخبرنا بأن امته تأخذ مأخذ القرون قبلها شبرا بشبر وذراعا بذراع وثبت في الصحيحين وغيرهما عنه صلى الله عليه و سلم انه قال لتتبعن سنن من كان قبلكم حذوا القذة بالقذة حتى لو دخلوا حجر ضب لدخلتموه قالوا يا رسول الله اليهود والنصارى قال فمن واخبر في الحديث الآخر أن أمته ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار الا واحدة قالوا من هي يا رسول الله قال من كان على مثل ما انا عليه اليوم واصحابي اذا عرف هذا فمعلوم ما قد عمت به البلوى من حوادث الامور التي اعظمها الاشراك بالله والتوجه الى الموتى وسؤالهم النصر على الاعداء وقضاء الحاجات وتفريج الكربات التي لا يقدر عليها الارب الارض والسموات وكذلك التقرب اليهم بالنذور وذبح القربان والاستغاثة بهم في كشف الشدائد وجلب الفوائد الى غير ذلك من انواع العبادة التي لا تصلح الا لله وصرف شيء من انواع العبادة لغير الله كصرف جميعها لانه سبحانه وتعالى اغنى الاغنياء عن الشرك ولا يقبل من العمل الا ما كان خالصا كما قال تعالى فاعبد الله مخلصا له الدين ألا لله الدين الخالص والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم الا ليقربونا الى الله زلفى ان الله يحكم بينهم فيما هم فيه يختلفون ان الله لا يهدى من هو كاذب كفار فأخبر سبحانه انه لا يرضى من الدين الا ما كان خالصا لوجهه وأخبر ان المشركين يدعون الملائكة والانبياء
والصالحين ليقربوهم الى الله زلفى ويشفعوا لهم عنده وأخبر أنه لا يهدى من هو كاذب كفار وقال تعالى ويعبدون من دون الله مالا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله قل اتنبؤن الله بمالا يعلم في السموات ولا في الارض سبحانه وتعالى عما يشركون فأخبر انه من جعل بينه وبين الله وسائط يسألهم الشفاعة فقد عبدهم وأشرك بهم وذلك أن الشفاعة كلها لله كما قال تعالى من ذا الذى يشفع عنده الا بأذنه وقال تعالى فيومئذ لا تنفع الذين ظلموا معذرتهم وقال تعالى يومئذ لا تنفع الشفاعة الا من أذن له الرحمن ورضى له قولا وهو سبحانه وتعالى لا يرضى الا التوحيد كما قال تعالى ولا يشفعون الا لمن ارتضى وهم من خشيته مشفقون فالشفاعة حق ولا تطلب في دار الدنيا الا من الله كما قال تعاى وان المساجد لله فلا تدعوا مع الله احدا وقال تعالى ولا تدع من دون الله مالا ينفعك ولا يضرك فإن فعلت فأنك اذا من الظالمين فاذا كان الرسول صلى الله عليه و سلم وهو سيد الشفعاء وصاحب المقام المحمود وآدم فمن دونه تحت لوائه لا يشفع الا بأذن الله لا يشفع ابتداء بل يأتي فيخر لله ساجدا فيحمده بمحامد يعلمه اياها ثم يقال ارفع رأسك وسل تعط واشفع تشفع ثم يحد له حدا فيدخلهم الجنة فكيف بغيره من الانبياء والاولياء وهذا الذى ذكرناه لا يخالف فيه احد من العلماء المسلمين بل قد اجمع عليه السلف الصالح من الاصحاب والتابعين والائمة الاربعة وغيرهم ممن سلك سبيلهم ودرج على مناهجهم وأما ما حدث من سؤال الانبياء والاولياء من الشفاعة بعد موتهم وتعظيم قبورهم ببناء القباب عليها وإسراجها والصلاة عندها واتخاذها أعيادا وجعل السدنة والنذور لها فكل ذلك من حوادث الامور التي أخبر بها النبي صلى الله عليه و سلم أمته وحذر منها كما في الحديث عنه صلى الله عليه و سلم انه قال لا تقوم الساعة حتى يلحق حي من امتي بالمشركين وحتى تعبد فئام من أمتي الاوثان وهو صلى الله عليه و سلم حمى جناب التوحيد اعظم حماية وسد كل طريق يؤدي الى الشرك
فنهى ان يجصص القبر وان يبني عليه كما ثبت في صحيح مسلم من حديث جابر وثبت فيه ايضا انه بعث علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأمره ان لا يدع قبرا مشرفا الا سواه ولا تمثالا الا طمسه ولهذا قال غير واحد من العلماء يجب هدم القباب المبنية على القبور لانها أسست على معصية الرسول صلى الله عليه و سلم فهذا هو الذى أوجب الاختلاف بيننا وبين الناس حتى آل بهم الامر الى ان كفرونا وقاتلونا واستحلوا دماءنا وأموالنا حتى نصرنا الله عليهم وظفرنا بهم وهو الذى ندعو الناس اليه ونقاتلهم عليه بعدما نقيم عليهم الحجة من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه و سلم واجماع السلف الصالح من الامة ممتثلين لقوله سبحانه وتعالى وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله فمن لم يجب الدعوة بالحجة والبيان قاتلناه بالسيف والسنان كما قال تعالى لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط وأنزلنا الحديد فيه باس شديد ومنافع للناس وندعو الناس الى اقامة الصلوات في الجماعات على الوجه المشروع وايتاء الزكاة وصيام شهر رمضان وحج بيت الله الحرام ونأمر بالمعروف وننهي عن المنكر كما قال تعالى الذين ان مكناهم في الارض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر وللع عاقبة الامور فهذا هو الذى نعتقده وندين الله به فمن عمل بذلك فهو أخونا المسلم له مالنا وعليه ما علينا ونعتقد أيضا ان أمة محمد صلى الله عليه و سلم المتبعين للسنة لا تجتمع على ضلالة وانه لا تزال طائفة من أمته على الحق منصورة لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي امر الله وهم على ذلك أقول ان كان كذلك فهذا ما ندين الله به ونحن أيضا وهو خلاصة لباب التوحيد وما علينا من المارقين والمتعصبين وقد بسط الكلام في ذلك ابن القيم في كتابه اغاثة اللهفان والحافظ المقريزى في تجريد التوحيد والامام اليوسي في شرح الكبرى وشرح الحكم لابن عباد وكتاب جمع الفضائل وقمع الرذائل وكتاب مصايد يد الشيطان وغير ذلك انتهى
وفي ذلك اليوم نودى على المتخلفين من الانكشارية بالسفر صحبة امير الحاج وقبضوا على أنفار منهم وأخرجوهم ومنعوا ايضا حجاج المغاربة من الدخول الى المدينة ومن دخل منهم لاجل حاجة فليدخل من غير سلاح فذهبوا الى بولاق وأقاموا هناك
وفي يوم الاثنين مر الوالي بناحية الجمالية فوجد انسانا من أكابر غزة يسمى علي أغا شعبان حضر الى مصر من جملة من حضر مع العرضي وكان مهندسا في عمارة الباشا ثم عين لسد ترعة الفرعونية لمعرفته بأمور الهندسة فوجده جالسا على دكان يتنزه حصة وفرسه وخدمه وقوف امامه فطلبه وأمره بالركوب معه فركب وذهب صحبته فكان آخر العهد به وكان في جيبه الف دينار ذهبا باخبار اخيه خلاف الورق فأخذ ثيابه وفرسه وما معه وخنقه وأخفى أمره وأنكره وكان رجلا لا بأس به
شهر ربيع الاول سنة
استهل بيوم الثلاثاء وفي يوم السبت خامسه أحمد باشا والعساكر الانكشارية الذين جمعوهم من المدينة وسافر صحبتهم من العساكر الذين كانوا صحبة أمير الحاج الجميع كانوا نحو الفين وخمسمائة وأما أمير الحاج فانهم عفوا عنه من السفر ودخل المدينة بخاصته
وفي هذا اليوم حضر علي كتخدا من جهة قبلي وهو كتخدا حسن باشا الى جرجا ومعه مكاتبة الى الامراء المصرلية وانه وصل الى اسيوط فكتبوا له أمانا بالحضور الى مصر بمن معه من العسكر ورجع علي كتخدا بذلك في ثاني يومه فقط
وفيه ورد الخبر بوصول أنجد بك الى ثغر دمياط بالريالة الى محمد باشا
وفي يوم الاربعاء تاسعه سافر الشريف عبد الله ابن سرور الى سكندرية متوجها الى اسلامبول وأنعم عليه ابراهيم بك بخمسين الف فضة
وفي يوم الجمعة كان المولد النبوى ونادوا بفتح الدكاكين ووقود القناديل فأوقدت الاسواق تلك الليلة التي قبلها ولكن دون ذلك واما الازبكية فلم يعمل وقدة الاقبالة بيت البكرى لاستيلاء الخراب عليها
وفي ثاني عشره سفروا جبخانة وجللا وبارودا الى جهه بحرى وأشيع بأن كثيرا من العسكر المصحوبين بالتجريدة ذهبوا الى محمد باشا وكذلك طائفة من الانكشارية المطرودين الذين خلصوا الى طريق دمياط
وفي يوم الاربعاء سادس عشره وردت مكاتبات من عثمان بك البرديسي بالخبر بوقوع الحرب بينهم وبين محمد باشا وعساكره
وفي يوم الاثنين رابع عشره وقع بين الفريقين مقتلة عظيمة وكانوا ملكوا منه متاريس القنطرة البيضاء قبل ذلك ثم هجم المصريون في ذلك اليوم عليهم هجمة عظيمة وكبسوا على دمياط بمخامرة بعض رؤساء عساكر الباشا وفتكوا في عسكر الباشا بالقتل وقتلت خواصه واتباعه وقتل حسين كتخدا شنن ومصطفى أغات التبديل ونهبوا دمياط وأسروا النساء وافتضوا الابكار وأخذوهم أسرى وصاروا يبيعونهم على بعضهم وفعلوا أفعالا شنيعة من الفسق والفجور واخذوا حتى ما على اجساد الناس من الثياب ونهبوا الخانات والبيوت والوكائل وجميع اسباب التجار التي بها من اصناف البضائع الشامية والرومية والمصرية وكان شيئا كثيرا يفوق الحصر وما بالمراكب حتى بيع الفرد الارز الذى هو نصف أردب بثلاثة عشر نصفا وقيمته ألف نصف والكيس الحرير الذى قيمته خمسمائة ريال بريالين الى غير ذلك والامر لله وحده والتجأ الباشا الى القرية وتترس بها فأحاطوا به من كل جهة فطلب الامان فأمنوه من القرية وحضر الى البرديسي وخطف عمامته بعض العسكر ولما رآه البرديسي ترجل عن مركوبه اليه وتمنى بالسلام عليه وألبسه عمامة وأنزله في خيمة بجانب خيمته متحفظا به ولما وصل الخبر بذلك الى مصر ضربوا مدافع كثيرة من قصر العيني والقلعة والجيزة ومصر العتيقة واستمر ذلك ثلاثة أيام بلياليها في كل وقت
وفي عصريتها حضر جوخدار البرديسي وهو الذى قتل حسين اغا شنن وحكى بصورة الحال فألبسه ابراهيم بك فروة وأنعم عليه ببلاد المقتول وبيته وزوجته وأملاكه وجعله كاشف الغربية وذهب الى وكيل الالفي أيضا فخلع عليه فروة سمور وصار يبدر الذهب في حال ركوبه
وفي يوم الجمعة ذهب المذكور الى مقام الامام الشافعي وأرخى لحيته على عادتهم التي سنها السدنة ليعفيها بعد ذلك من الحلق
وفي ذلك اليوم عمل ابراهيم بك ديوانا ببيت ابنته بدرب الجماميز وحضر القاضي والمشايخ ولبس خلعة وتولى قائمقام مصر وضربت في بيته النوبة التركية
وفي عشرينه ورد الخبر بوصول علي باشا الطرابلسي الى اسكندرية واليا على مصر عوضا عن محمد باشا وحضر منه فرمان خطابا للامراء يعلمهم بوصوله ويذكر لهم انه متولي على الاقطار المصرية عوضا عن محمد باشا من اسكندرية الى اسوان ولم يبلغ الدولة موت طاهر باشا ولا دخولكم الى مصر ومعنا أوامر لطاهر باشا واحمد باشا انهم يتوجهون بالعساكر الى الحجاز بسبب الوهابيين فلما وصلنا الى اسكندرية بلغنا موت طاهر باشا وحضوركم الى المدينة بمعاونة الارنؤدية وقتل رجال الدولة والانكشارية وقتل من معهم واخراج من بقى على غير صورة الى غير ذلك وهذا غير مناسب ولا نرضى لكم بهذا على هذا الوجه فاننا نحب لكم الخير ولنا معكم عشرة سابقة ومحبة أكيدة ونطلب راحتكم في أوطانكم ونسعى لكم فيها على وجه جميل وكان المناسب ان لا تدخلوا المدينة الا بأذن الدولة فان تظاهركم بالخلاف والعصيان مما يوجب لكم عدم الراحة فان سيف السلطنة طويل فربما استعان السلطان عليكم ببعض المخالفين الذين لا طاقة لكم بهم ثم قال لهم في ضمن ذلك ان لنا معكم
بعض كلام لا يحتمله الكتاب وعن قريب يأتيكم اثنان من طرفنا عاقلان تعلمون معهما مشاورة فكتبوا له جوابا حاصله ان محمد باشا لما كان متوليا لم نزل نترجى مراحمه وهو لا يزداد معنا الا قسوة ولا يسمح لنا بالاقامة بالقطر المصرى جملة وجرد علينا التجاريد والعساكر من كل جهة وينصرنا الله عليه في كل مرة الى ان حصل بينه وبين عساكره وحشة بسبب جماكيهم وعلوفاتهم فقاموا عليه وحاربوه وأخرجوه من مصر بمعونة طاهر باشا ثم قامت الانكشارية على طاهر باشا وقتلوه ظلما وقامت العساكر على بعضهم البعض وكنا حضرنا الى جهة الجيزة باستدعاء طاهر باشا فلما قتل طاهر باشا بقيت المدينة رعية من غير راع وخافت الرعية من جور العساكر وتعديهم فحضر الينا المشايخ والعلماء واختيارية الوجاقلية واستغاثوا بنا فأرسلنا من عندنا من ضبط العساكر ومن المدينة والرعية وأما محمد باشا فانه نزل الى دمياط وظلم البلاد والعباد وفرد عليها الفرد الشاقة وحرقها فتوحه عثمان بك البرديسي لتأمين اهالي القرى الى ان وصل الى ظاهر دمياط فأقام بمن معه خارج المدينة فما يشعر الا ومحمد باشا صدمهم ليلا وحاربهم فحاربوه فنصرهم الله عليه وانهزمت عساكره وقبض عليه وهو الآن عندنا في الاعزاز والاكرام ونحن الآن على ذلك حتى يأتينا العفو وأما قولكم اننا نخرج من مصر فهذا لا يمكن ولا تطاوعنا جماعتنا وعساكرنا على الخروج من اوطانهم بعد استقرارهم فيها وأما قولكم ان حضرة السلطان يستعين علينا ببعض المخالفين فاننا لا نستعين الا بالله واننا ارسلنا عرضحال نطلب العفو ونترجى الرضا ومنتظرون الجواب
وفي ثاني عشرينه حضر واحد اغا ومعه آخر فضربوا له مدافع وعملوا ديوانا وتكلم معهم وتكلم المشايخ الحاضرون في ظلم العثمانين وما احدثوه من المظالم والمكوس واتفقوا على كتابة عرضحال الى الباشا فكتبوا ذلك وامضوا عليه ونادوا في الاسواق برفع ما احدثه الفرنساوية والعثمانية
من المظالم وزيادة المكوس ودفعوا الى الاغا الواصل الف ريال حق طريقه وسافر
وفيه وصل الخبر بأن سليمان كاشف لما وصل الى رشيد وبها جماعة من العثمانية وحاكمها ابراهيم افندى فلما بلغه وصول سليمان كاشف أخلى له البلد وتحصن في برج مغيزل فعبر سليمان كاشف الى البلد وخرج يحاصر ابراهيم افندى فهم على ذلك واذا بالسيد علي باشا القبطان وصل الى رشيد وأرسل الى سليمان كاشف يعلمه بحضوره وحضور علي باشا والي مصر ويقول ما هذا الحصار فقال له نحن نقاتل كل من كان من طرف حسين قبطان باشا وأما من كان من طرف الوزير يوسف باشا فلا نقاتله وارتحل من رشيد الى الرحمانية ودخل السيد على القبطان الى رشيد
وفي ثالث عشرينه سافر جوخدار البرديسي الى ولاية الغربية وكان شاهين كاشف المرادى هناك يجمع الفردة وتوجه الى طندتا وعمل على اولاد الخادم ثمانين الف ريال فحضروا الى مصر ومعهم مفاتيح مقام سيدي أحمد البدوى هاربين وتشكوا وتظلموا وقالوا لابراهيم بك لم يبق عندنا شيء فان الفرنساوية نهبونا وأخذوا اموالنا ثم ان محمد باشا ارسل المحروقي فحفر دارنا وأخذ منا نحو ثلمثائة الف ريال ولم يبق عندنا شيء جملة كافية
وفي يوم الاثنين تاسع عشرينه وصل محمد باشا الى ساحل بولاق وصحبته المحافظون عليه وهم جماعة من عسكر الارنؤد الذين كانوا سابقا في خدمته وجماعة من الاجناد المصرلية ولم يكن معه من اتباعه الا ست مماليك فقط فان مماليكه المختصين به اختار منهم البرديسي من اختاره واقتسم باقيهم الارنؤد ومنهم من يخدم الارنؤد المحافظين عليه ووافق ان ذلك اليوم كان جمع سيدى أحمد البدوى ببولاق على العادة فنصبوا له خيمة لطيفة بساحل البحر وطلع اليها فرأى جمع الناس فظن انهم اجتمعوا للفرجة عليه فقال ما هذا فأخبروه بصورة الحال وكان ابراهيم بك في ذلك بيوم حضر الى بولاق ودخل الى بيت السيد عمر نقيب الاشراف باستدعاء
فجلس عنده ساعة ثم ركب الى ديوان بولاق فنزل هناك ساعة أيضا ثم ركب الى بيته بحارة عابدين فلما وصل الباشا كما ذكر حضر اليه سليم كاشف المحرمجي وأركبه حصانا وركب مماليكه حميرا وذهبوا به الى بيت ابراهيم بك بحارة عابدين فوجدوا ابراهيم بك طلع الى الحريم فلم ينزل اليه ولم يقابله فرجع به سليم كاشف الى بيت حسن كاشف جركس وهو بيت البرديسي فبات به فلما كان في الصباح ركب ابراهيم بك الى قصر العيني فركب المحرمجي واخذ معه الباشا وذهب به الى قصر العيني فقابل ابراهيم بك هناك وسلم عليه وحضر الالفى وباقي الامراء بجموعهم وخيولهم فترامحوا تحت القصر وتسابقوا ولعبوا بالجريد ثم طلع اكابرهم الى أعلى القصر فصاروا يقبلون يد ابراهيم بك والباشا جالس حتى تحلقوا حواليهما ثم ان ابراهيم بك قدم له حصانا وقام وركب مع المحرمجي الى بيت حسن كاشف بالناصرية فسبحان المعز المذل القهار
وفي ثاني يوم غايته ركب ابراهيم بك الالفي وذهبا الى الباشا وسلما عليه في بيت البرديسي وهادياه بثياب وأمتعة وبعد ان كانوا يترجون عفوه ويتمنون الرضا منه ويكونوا تحت حكمه صار هو يترجى عفوهم ويؤمل رفدهم واحسانهم وبقى تحت حكمهم فالعياذ بالله من زوال النعم وقهر الرجال
شهر ربيع الثاني سنة
استهل بيوم الاربعاء في ثانيه ضربت مدافع كثيرة بسبب اقامة بنديرة الانجليز بمصر
وفيه عدى البرديسي من المنصورة الى البر الغربي متوجها الى جهة رشيد
وفي يوم السبت رابعه وردت هجانة من ناحية الينبع وأخبروا ان الوهابيين جلوا عن جدة ومكة بسبب أنهم جاءتهم اخبار بان العجم زحفوا على بلادهم الدرعية وملكوا بعضها والاوراق فيها خطاب من شريف باشا وشريف مكة لطاهر باشا على ظن حياته
وفي يوم الاثنين نادى الاغا والوالي بالاسواق على العثمانية والاتراك والاغراب من الشوام والحلبية بالسفر والخروج من مصر فكل من وجد بعد ثلاثة أيام فدمه هدد وأمروا عثمان بك امير الحاج بالسفر على جهة الشام من البر ويسافر المنادى عليهم صحبته وكذلك ابراهيم باشا
وفي يوم الاربعاء خرج عثمان بك الى جهة العادلية وخرج الكثير من أعيان العثمانية معه وتتابع خروجهم في كل يوم وصاروا بيبعون متاعهم وثيابهم وهم خزايا حيارى في أسوأ حال واكثرهم متأهل ومتزوج ومنهم من نهب وسلب وصار لا يملك شيئا فلما تكامل خروجهم وسافروا في عاشره وهم زيادة عن ألفين وبقى منهم اناس التجؤا الى بعض المصرلية والانجليز وانتموا اليهم
وفيه وصلت الاخبار بان البرديسي وصل الى رشيد وان السيد علي باشا ريس القبطانية تحصن ببرج مغيزل وغالب أهلها جلا عنها خوفا من مثل حادثة دمياط ولما دخل عثمان بك البرديسي الى رشيد فرد على أهلها مبلغ دراهم يقال ثمانين الف ريال
وفي ثالث عشره حضر قنصل الفرنسيس فعملوا له شنكا ومدافع وأركبوه من بولاق بموكب جليل وقدامه آغات الانكشارية والوالي واكابر الكشاف وحسين كاشف المعروف بالافرنجي وعساكره الذين مثل عسكر الفرنسيس وهيئته لم يتقدم مثلها بين المسلمين ونصب بندريرته في بركة الازبكية من ناحية قنطرة الدكة على صارى طويل مرتفع في الهواء واجتمع اليه كثير من النصارى الشوام والاقباط وعملوا جمعيات وولائم وازدحموا على بابه وحضر صحبة كثير من الذين هربوا عند دخول المسلمين مع الوزير وكان المحتفل بذلك حسين كاشف الافرنجي
وفي ثامن عشره وصلت مكاتبة من البرديسي الى ابراهيم بك يخبر فيها انه لما وصل الى رشيد وتحصن السيد علي باشا بالبرج أرسل اليه فبعث له حسن بك قرابة علي باشا الطرابلسي الوالي فتكلم معه وقال
له ما المراد ان كان حضرة الباشا واليا على مصر فليات على الشرط والقانون القديم ويقيم معنا على الرحب والسعة وان كان خلاف ذلك فاخبرونا به الى ان انتهى الكلام بيننا وبينه على مهلة ثلاثة أيام ورجع وانتظرنا بعد مضي الميعاد بساعتين فلم يأتنا منهم جواب فضربنا عليهم في يوم واحد مائة وخمسين قنطارا من البارود وأنكم ترسلون لنا أعظم ما يكون عندكم في البنب والمدافع والبارود فشهلوا المطلوب وأرسلوه في ثاني يوم صحبة حسين الافرنجي وتراسل الطلب خلفه ولحقوا به عدة أيام
وفي عشرينه وصل حسن باشا الذى كان والي جرجا الى مصر العتيقة فركب ابراهيم بك للسلام عليه وحضر الطبجية الى جبخانته فأخذوها وطلعوا بها الى القلعة وكذلك الجمال أخذها الجمالة والعسكر ذهبوا الى رفقائهم الذين بمصر وطولب بالمال واستمر بمصر العتيقة مستحفظا به من كل ناحية
وفي يوم السبت خامس عشرينه وقعت نادرة وهي ان محمد باشا طلب من سليم كاشف المحرمجي أن يأذن له في ان يركب الى خارج الناصرية بقصد التفسح فأرسل سليم كاشف يستأذن ابراهيم بك في ذلك فأذن له بان يركب ويعمل رماحة ثم يأتي اليه بقصر العيني فيتغدى عنده ثم يعود واوصى على ذبح اغنام ويعملون له كبابا وشواء فأركبه سليم كاشف بمماليكه وعدة من مماليك المحرمجي وصحبته ابراهيم باشا فلما ركب وخرج الى خارج الناصرية ارسل جواده ورمحه وتبعه مماليكه من خلفه فظن المماليك المصرلية انهم يعملون رماحة ومسابقة فلما غابوا عن اعينهم ساقوا خلفهم ولم يزالوا سائقين الى الازبكية وهو شاهر سيفه وكذلك بقية الطاردين والمطرودين فدخل الى احمد بك الارنؤدى وضرب بعض المماليك فرسه ببارودة فسقط وذلك عند وصوله الى بيت احمد بك المذكور ووصل الخبر الى سليم كاشف فركب على مثل ذلك بباقي اتباعه وهم شاهرون السيوف ورامحون الخيول واتصل الخبر بابراهيم بك فامر الكشاف بالركوب وأرسل الى البواقي بالطلوع الى القلعة وحفظ أطارف
البلد فركب الجميع وتفرقوا رامحين وبأيديهم السيوف والبنادق فأنزعجت الناس وترامحوا وأغلقوا الحوانيت واختلف رواياتهم وظنوا وقوع الشقاق بين الارنؤد المصرلية وكذلك المماليك أيقنوا ذلك وطلع الكثير منهم الى القلعة ولما دخل محمد باشا عند احمد بك ومن معه من اكابر الارنؤد قاموا في وجهه ووبخوه بالكلام وقبضوا عليه وعلى مماليكه واخذوا ما وجدوه معهم من الدراهم وكان في جيب الباشا خاصة الف وخمسمائة دينار وحضر سليم كاشف المحرمجي عند ذلك فسلموه له فأركبه الباشا اكديشا لان فرسه اصيب ببارودة من بعض المماليك اللاحقين به عند وصوله الى بيت احمد بك وركب معه احمد بك أيضا واخذوه الى عند ابراهيم بك بقصر العيني فخلع ابراهيم بك على احمد بك فروة سمور وقدم له حصانا بسرجه وسكنت الفتنة ونعوذ بالله من الخذلان ومعاداة الزمان
وفي يوم الاحد سادس عشرينه وردت الاخبار ومكاتبة من البرديسي بنصرتهم على االعثمانية واستيلائهم على برج رشيد بعد ان حاربوا عليه نيفا وعشرين يوما واسروا السيد على القبطان واخرين معه وعدة كثيرة من العسكر وارسلوهم الى جهة الشرقية ليذهبوا على ناحية الشام بعد ان قتل منهم من قتل فعند ذلك عملوا شنكا وضربوا مدافع كثيرة وكذلك في ثاني يوم وثالث يوم
وفي يوم الاربعاء عشرينه كسفت الشمس وقت الضحوة وكان المنكسف تسعة اصابع وهو نحو الثلثين واظلم الجو وابتدأوه الساعة واحدة وثمان دقائق ونصف وتمام الانجلاء في ثالث ساعة وست عشرة دقيقة وكان ذلك في ايام زيادة النيل نسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة
شهر جمادى الاولى سنة
استهل بيوم الجمعة في ثانيه الموافق لخامس عشر مسرى القبطي وفي النيل سبعة عشر ذراعا وكسر سد الخليج صبحها بحضرة ابراهيم بك قائمقام والقاضي وجرى الماء في الخليج على العادة
وفيه وردت الاخبار بان علي باشا كسر السد الذى ناحية أبي قير الحاجز على البحر المالح وهذا السد من قديم الزمان من السدود العظام المتينة السلطانية وتتفقده الدول على ممر الايام بالمرمة والعمارة اذا حصل به أدنى خلل فلما اختلت الاحوال وأهمل غالب الامور وأسباب العمارات انشرم منه شرم فسالت المياه المالحة على الاراضي والقرى التي بين رشيد وسكندرية وذلك من نحو ستة عشر عاما فلم يتدارك امره واستمر حاله يزيد وخرقه يتسع حتى انقطعت الطرق واستمر ذلك الى واقعة الفرنسيس فلما حضرت الانكليز والعثمانية شرموه أيضا من الناحية البحرية لاجل قطع الطرق على الفرنسيس فسالت المياه المالحة على الاراضي الى قريب دمنهور واختلطت بخليج الاشرفية وشرقت الاراضي وخربت القرى والبلاد وتلفت المزارع وانقطعت الطرق حول الاسكندرية من البر وامتنع وصول ماء النيل الى أهل الاسكندرية فلم يصل اليهم الا ما يصلهم من جهة البحر في النقاير او ما خزنوه من مياه الامطار بالصهاريج وبعض العيون المستعذبة فلما استقر العثمانيون بمصر حضر شخص من طرف الدولة يسمى صالح افندى معين لخصوص السد واحضر معه عدة مراكب بها أخشاب وآلات وبذل الهمة والاجتهاد في سد الجسر فأقام العمل في ذلك نحو سنة ونصف حتى قارب الاتمام وفرح الناس بذلك غاية الفرح واستبشر اهل القرى والنواحي فما هو الا وقد حصلت هذه الحوادث وحضر علي باشا الى الثغر وخرج الاجناد المصرلية وحاربوا السيد على باشا القبطان على برج وشيد فخاف حضورهم الى الاسكندرية ففتحه ثانيا ورجع التلف كما كان وذهب ما صنعه صالح افندى المذكور في الفارغ بعد ما صرف عليه اموالا عظيمة واما اهل سكندرية فانهم جلوا عنها ونزل البعض في المراكب وسافر الى ازمير وبعضهم الى قبرص ورودس والاضات وبعضهم اكترى بالايام واقاموا بها على الثغر ولم يبق بالبلدة الا الفقراء والعواجز والذين لا يجدون ما ينفقونه على الرحلة وهم ايضا
مستوفزون وعم بها الغلاء لعدم الوارد وانقطاع الطرق وقيل ان علي باشا المذكور فرد عليهم مالا وقبض على ستة انفار من أغنياء المغاربة واتهمهم انهم كتبوا كتابا للبرديسي يعدونه انه اذا حضر يدلونه على جهة يملك منها البلد بمعونة عسكر المغاربة فأخذ منهم مائة وخمسين كيسا بشفاعة القبطان الذى في البيليك بالثغر واجتهد في حفر خندق حول البلد واستعملهم في ذلك الحفر وفي عزمه ان يطلق فيه ماء البحر المالح فان فعل ذلك حصل به ضرر عظيم فقد اخبر من له معرفة ودراية بالامور انه ربما خرب اقليم البحيرة بسبب ذلك واجتهدوا ايضا في تحصين المدينة زيادة عن فعل الفرنسيس والانكليز
وفي يوم السبت تاسعه وصل السيد علي القبطان الى مصر وطلع الى قصر العيني وقابل ابراهيم بك فخلع عليه فروة سمور وقدم له حصانا معددا واكرمه وعظمه وانزلوه عند علي بك ايوب واعطوه سرية بيضاء وجارية حبشية وجاريتين سوداوين للخدمة ورتبوا له ما يليق به وهو رجل جليل من عظماء الناس وعقلائهم وأخبر القادمون البرديسي والاجناد المصريين ارتحلوا من رشيد الى دمنهور قاصدين الذهاب الى سكندرية وأرسلوا بطلب ذخيرة وجبخانة ومماليك وعساكر
وفيه أرادوا عمل فردة وأشيع بين الناس ذلك فانزعجوا منه واستمر الرجاء والخوف أياما ثم انحط الرأى على قبض مال الجهات ورفع المظالم والتحرير من البلاد والميرى عن سنة تاريخه من الملتزمين ويؤخذ من القبط ألأف وأربعمائة كيس هذا مع توالي وتتابع الفرد والكلف على البلاد حتى خرب الكثير من القرى والبلاد وجلا أهلها عنها خصوصا اقليم البحيرة فانه خرب عن آخره ثم ان البرديسي استقر بدمنهور وبعدما أبقى برشيد مملوكه يحيى بك ومعه جملة من العساكر وكذلك بناحية البغاز وهم كانوا من وقت محاصرة البرج حتى منعوا عنه الامداد الذى اتاه من البحر وكان ما كان وشحن البرديسي برج مغيزل بالذخيرة والجبخانة وأنزلوا برشيد عدة فرد ومغارم وفتحوا بيوت الراحلين عنها ونهبوها وأخذوا أموالهم من
الشوادر والحواصل والاخشاب والاحطاب والبن والارز وقلت الاقوات فيهم والعليق فعلفوا الدواب بشعير الارزبل والارز المبيض وغير ذلك مما لا تضبطه الاقلام ولا تحيط به الاوهام
وفي منتصف هذا الشهر في أيام النسىء نقص النيل نقصا فاحشا وانحدر من على الاراضي فأنزعج الناس وازدحموا على مشترى الغلال وزاد سعرها ثم استمر يزيد قيراطا وينقص قيراطين الى أيام الصليب وانكبت الخلائق على شراء الغلال ومنع الغنى من شراء ما زاد على الاردب ونصف اردب والفقير لا يأخذ الاويبة فأقل ويمنعون الكيل بعد ساعتين فتذهب الناس الى ساحل بولاق ومصر القديمة ويرجعون من غير شيء واستمر سليم اغا مستحفظان ينزل الى بولاق في كل يوم صار الامراء يأخذون الغلال القادمة بمراكبها قهرا عن اصحابها ويخزنوها لانفسهم حتى قلت الغلة وعز وجودها في العرصات والسواحل وقل الخبز من الاسواق والطوابين وداخل الناس وهم عظيم وخصوصنا مع خراب البلاد بتوالي الفرد والمغارم وعز وجود الشعير والتبن وبيعت الدواب والبهائم بالسعر الرخيص بسبب قلة العلف واجتمع بعض المشايخ وتشاوروا في الخروج الى الاستسقاء فلم يمكنهم ذلك لفقد شروطها وذهبوا الى ابراهيم بك وتكلموا معه في ذلك فقال لهم وأنا أحب ذلك فقالوا له وأين الشروط التي من جملتها رفع المظالم وردها والتوبة والاقلاع عن الذنوب وغير ذلك فقال لهم هذا أمر لا يمكن ولا يتصور ولا أقدر عليه ولا أحكم الا على نفسي فقالوا اذا نهاجر من مصر فقال وأنا معكم ثم قاموا وذهبوا
وفي أواخره وردت الاخبار برجوع البرديسي ومن معه من العساكر وقد كان أشيع انهم متوجهون الى الاسكندرية ثم ثنى عزمه عن ذلك لامور الاول وجود القحط فيهم وعدم الذخيرة والعلف والثاني الحاح العسكر بطلب جماكيهم المنكسرة وما يأخذونه من المنهوبات لا يدخل في حساب جماكيهم والثالث العجز عن أخذ الاسكندرية لوعر الطريق وانقطاع الطرق بالمياه المالحة فلو وصلوها وطال عليهم الحصار لا يجدون ما يأكلون
ولا ما يشربون
واستهل شهر جمادى الثانية سنة بيوم الاحد
وفي أوائله نقص ماء النيل ووقف ماء الخليج وازدحم السقاؤن على نقل الماء الى الصهاريج والاسبلة ليلا ونهارا من الخليج وقد تغير ماؤه بما يصب فيه من الخرارات والمراحيض ولم ينزل بالاراضي التي بين بولاق والقاهرة قطرة ماء وزاد ضجيج الناس وارتفعت الغلات من السواحل والعرصات بالكلية فكانت الفقراء من الرجال والنساء يذهبون بغلقانهم الى السواحل ويرجعون بلا شيء وهم يبكون ويولولون
وفي سادسه وصل البرديسي ومن معه من العساكر الى بر الجيزة وخرج الامراء وغيرهم وعدوا لملاقاتهم فلما اصبح يوم السبت عدى محمد علي والعساكر الأرنؤدية الى بر مصر وكذلك البرديسي فخرجت اليهم الفقراء بمقاطفهم وغلقانهم وعيطوا في وجوههم فوعدهم بخير واصبح البرديسي مجتهدا في ذلك وأرسل محمد علي خازنداره ففتحوا الحواصل التي ببولاق ومصر العتيقة وأخرجوا منها الغلال الى السواحل واجتمع العالم الكثير من الرجال والنساء فأذنوا لكل شخص من الفقراء بويبة غله لا غير فكان الذي يريد الشراء يذهب الى خازندار البرديسي ويأخذ منه ورقة بعد المشقة والمزاحمة ويذهب بها فيكيلون له ويدفع ثمنها لصاحب الغلة وما رتبوه عليها فحصل للناس اطمئنان واشترى الخبازون أيضا وفتحوا الطوابين والمخابز وخبزوا وباعوا فكثر الخبز والكعك بالاسواق وجعلوا سعر القمح ستة ريالات الاردب والفول خمسة ريالات وكذلك الشعير ان وجد وكان السعر لاضابط له منهم من كان يشتريه بثمانية وتسعة وسبعة خفية ممن توجد عنده الغلة في مصر أو الارياف فعند ذلك سكن روع الناس واطمأنت نفوسهم وشبعت عيونهم ودعوا لعثمان بك البرديسي
وفي هذا الشهر تحقق الخبر بجلاء الوهابي عن جدة ومكة ورجوعه الى بلاده وذلك بعد أن حاصر جدة وحاربها تسعة ايام وقطع عنها الماء ثم رحل عنها وعن مكة ورجع الشريف غالب الى مكة وصحبته شريف باشا ورجع كل شيء الى حاله الاول ورد المكوس والمظالم
وفي يوم الاحد وصل البرديسي الى بيته بالناصرية وهو بيت حسن كاشف جركس وبيت قاسم بك وقد فرشا له ونقلوا محمد باشا من بيت جركس الى دار صغيرة بجواره وعليه الحرس
وفي يوم الاثنين عملوا ديوانا عند ابراهيم بك فاجتمع فيه هو والبرديسي والالفي وتشاوروا في أمر جامكية العسكر فوزعوا على أنفسهم قدرا وكذلك على باقي الامراء والكشاف والاجناد كل منهم على قدر حاله في الايراد والمراعاة فمنهم من وزع عليه عشرون كيسا ومنهم عشرة وخمسة واثنان وواحد ونصف واحد وطلبوا من جمرك البهار قدرا كبيرا فعملوا على كل فرقتين مائة ريال وفتحوا الحواصل وأخرجوا منها متاع الناس وباعوه بالبخس على ذلك الحساب وأصحابه ينظرون وأخذوا ابن الحضارمة والينبعاوية بحيث وقف الفرق البن بستة ريالات على صاحبه وأخذوا من ذلك الاصل الف فرق بن وأخرجت من الحواصل وحملت
وفي يوم السبت رابع عشره انزلوا فردة ايضا على اهل البلد ووزعوها على التجار وارباب الحرف كل طائفة قدرا من الاكياس خمسين فما دونها الى عشرة وخمسة وبثت الاعوان للمطالبة فضج الناس واغلقوا حوانيتهم وطلبوا التخفيف بالشفاعات والرشوت للوسائط والنصارى فخفف عن البعض وبعد منتصف الشهر انقلب الوضع المشروع في الغلة وانعكس الحال الى امر شنيع وهو انهم سعروها كل اردب بستة ريالات بظاهر الحال ولا يبيع صاحب الغلة غلته الا بأذن من القيم بعد ما يأخذ منه نصف الغلة او الثلث او الربع على حسب ضعفه وقوته من غير ثمن واذا أرادوا ذو الجاه الشراء ذهب أولا سرا وقدم المصلحة والهدية الى بيت القيم فعند ذلك يؤذن له في مطلوبه فيكيلون له الغلة ليلا وصار يتأخر في حضوره الى الساحل الى قريب الظهر فيذهب الناس والفقراء فينتظرونه واذا حضر
ازدحموا عليه وتقدم أرباب المصانعات والوسايط فيؤذن لهم ويؤخذ منهم عن كل اردب ريال يأخذها القيم لنفسه زيادة عن الثمن وعن الكلفة وهي نحو الخمسين فضة خلاف الاجرة ويرجع الفقراء من غير شيء وأطلقوا للمحتسب أن يأخذ في كل يوم اربعمائة اردب منها مائتان للخبازين ومائتان توضع بالعرصات داخل البلد فكان يأخذ ذلك الى داره ولا يضعون بالعرصات شيئا ويعطى للخبازين من المائتين خمسين أردبا أو ستين ويبيع الباقي باغراضه بما أحب من الثمن ليلا فضج الناس وشح الخبز من الاسواق وخاطب بعض الناس الامراء الكبار في شأن ذلك واستمر الحال على ذلك الى آخر الشهر والامر في شدة وتسلط العسكر والمماليك على خطف ما يصادفونه من الغلة او التبن أو السمن فلا يقدر من يشترى شيئا من ذلك أن يمر به ولو قل حتى يكترى واحدا عسكريا أو مملوكا يحرسه حتى يوصله الى داره وان حضرت مركب بها غلال وسمن وغنم من قبلي أو بحرى أخذوها ونهبوا ما فيها جملة فكان ذلك من أعظم أسباب القحط والبلاء
وفي عشرينه مات محمد بك الشرقاوى وهو الذى كان عوض سيده عثمان بك الشرقاوى
شهر رجب الفرد سنة
استهل بيوم الثلاثاء فيه رفعوا خازندار البرديسي من الساحل وقلدوا محمد كاشف تابع سليمان بك الاغا أمين البحرين والساحل ورفق بالامر واستقر سعر الغلة بالف ومائتين نصف فضة الاردب فتواجدت بالرقع والساحل وقل الخطف وأما السمن فقل وجوده جدا حتى بيع الرطل بستة وثلاثين نصفا فيكون القنطار بأربعين ريالا وأما التبن فصار يباع بالقدح ان وجد وسرب الناس بهائمهم من عدم العلف
وفيه حضر واحد انكليزى وصحبته مملوك الالفي وبعض من الفرنسيس فعملوا لهم شنكا ومدافع وأشيع حضور الالفي الى سكندرية ثم تبين ان هذا الانكليزى أتى بمكاتبات فلما مر على مالطة وجد ذلك المملوك وكان قد تخلف عن سيده لمرض اعتراه فحضر صحبته الى مصر فأشيع في الناس ان الالفي حضر الى الاسكندرية وان هذا خازنداره سبقه بالحضور الى غير ذلك
وفيه حضر ايضا بعض الفرنسيس بمكاتبة الى القنصل بمصر وفيها الطلب بباقي الفردة التي بذمة الوجاقلية فخاطب القنصل الامراء في ذلك فعملوا جمعية وحضر المشايخ وتكلموا في شأن ذلك ثم قالوا ان الوجاقلية الذين كانت طرفهم تلك الفردة مات بعضهم وهو يوسف باشجاويش ومصطفى كتخدا الرزاز وهم عظماؤهم ومن بقي منهم لا يملك شيئا فلم يقبلوا هذا القول ثم اتفق الامر على تأخير هذه القضية الى حضور الباشا ويرى رأيه في ذلك وحضر أيضا صحبة اولئك الفرنسيس الخبر بموت يعقوب القبطي فطلب اخوه الاستيلاء على مخلفاته فدافعته زوجته وأرادت أخذ ذلك على مقتضى شريعة الفرنسيس فقال اخوه انها ليست زوجته حقيقة بل هي معشوقته ولم يتزوج بها على ملة القبط ولم يعمل لها الاكليل الذى هو عبارة عن عقد النكاح فأنكرت ذلك فأرسل الفرنسيس يستخبرون من قبط مصر عن حقيقة ذلك فكتبوا لهم جوابا بأنها لم تكن زوجته على مقتضى شرعهم وملتهم ولم يعمل بينهم الاكليل فيكون الحق في تركته لاخيه لا لها
وفيه ورد الخبر بوقوع حادثة بالاسكندرية بين عساكر العثمانية وأجناس الافرنج المقيمين بها واختلفت الرواة في ذلك وبعد أيام وصل من أخبر بحقيقة الواقعة وهي أن علي باشا رتب عنده طائفة من عسكره على طريقة الافرنج فكان يخرج بهم في كل يوم الى جهة المنشية ويصطفون ويعملون مرش وارد بوش ثم يعودون ذلك مع انحراف طبيعتهم عن الوضع في كل شيء فخرجوا في بعض الايام ثم عادوا فمروا بمساكن الافرنج ووكالة القنصل فأخرج الافرنج رؤوسهم من الطيقان نساء ورجالا ينظرون ركبهم ويتفرجون عليهم كما جرت به العادة فضربوا عليهم من اسفل بالبنادق فضرب الافرنج عليهم أيضا فلم يكن الا ان هجموا عليهم ودخلوا
يحاربونهم في اماكنهم والافرنج في قلة فخرج القناصل الستة ومن تبعهم ونزلوا الى البحر وطلعوا غليون الريالة وكتبوا كتابا بصورة الواقعة وأرسلوه الى اسلامبول والى بلادهم وأما العسكر اتباع الباشا فانه لما خرج الافرنج وتركوا اماكنهم دخلوا اليها ونهبوا متاعهم وما أمكنهم وأرسل الى القناصل خورشيد باشا فصالحهم وأخذ بخواطرهم واعتذر اليهم وضمن لهم ما أخذ منهم فرجعوا بعد علاج كبير وجمع الباشا علماء البلدة وأعيانها وطلب منهم كتابة عرض محضر على ما يمليه على غير صورة الحال فأمتنعوا عن الكتابة الا بصورة الواقع وكان المتصدر للرد الشيخ محمد المسيرى المالكي فمقته ووبخه ومن ذلك الوقت صار يتكلم في حقه ويزدريه اذا حضر مجلسه وسكنت على ذلك
وفي يوم الجمعة رابعه اجتمع المشايخ وذهبوا الى ابراهيم بك وكلموه بسبب ما أخذوه من حصة الالتزام بالحلوان أيام العثمانيين ثم استولى على ذلك جماعتهم وأمروهم فطمنهم بالكلام اللين على عادته وكلموه ايضا على خبز الجراية المرتبة لفقراء الازهر فأطلق لهم دراهم تعطى للخباز يعمل بها خبزا
وفي ثامنه كتبوا مراسلة على لسان المشايخ وارسلوها الى علي باشا باسكندرية مضمونها طلبه لمنصبه والحضور الى مصر ليحصل الاطمئنان والسكون وتأمين الطرقات ويبطل أمر الاهتمام بالعساكر والتجاريد ولاجل الاخذ في تشهيل امور الحج وان تأخر عن الحضور ربما تعطل الحج في هذه السنة ويكون هو السبب في ذلك الى غير ذلك من الكلام
وفي عاشره سافر جعفر كاشف الابراهيمي رسولا الى احمد باشا الجزار بعكا لغرض باطني لم يظهر
وفي هذه الايام كثرت الغلال بالساحل والعرصات ووصلت مراكب كثيرة وكثر الخبز بالاسواق وشبعت عيون الناس ونزل السعر الى ثمانية ريالات وسبعة وانكفوا عن الخطف الا في التبن
وفي منتصفه فتحوا طلب مال الميرى ومال الجهات ورفع المظالم عن
سنة تاريخه وعين لطلبها من البلاد امراء كبار ووجهت الغربية والمنوفية لعسكر الارنؤد فزاد على ذلك حق الطرق للمعينين للطلب والاستعجالات وتكثير المغارم والمعينين وكلفهم على من يتوانى في الدفع هذا وطلب الفردة مستمر حتى على اعيان الملتزمين ومن تأخر عن الدفع ضبطوا حصته وأخذوها واعطوها لمن يدفع ما عليها من مياسير المماليك فربما صالح صاحبها بعد ذلك عليها واستخلصها من واضع اليد ان أمكنه ذلك
وفي اواخره نبهوا على تعمير الدور التي اخربها الفرنسيس فشرع الناس في ذلك وفردوا كلفها على الدور والحوانيت والرباع والوكائل واحدثوا على الشوارع السالكة دروبا كثيرة لم تكن قبل ذلك وزاد الحال وقلد اهل الاخطاط بعضهم كما هو طبيعة اهل مصر في التقليد في كل شيء حتى عملوا في الخطة الواحدة دربين وثلاثة واهتموا لذلك اهتماما عظيما وظنوا ظنونا بعيدة وأنشؤا بدنات واكتافا من احجار منحوتة وبوابات عظيمة ولزم لبعضها هدم حوانيت اشتروها من اصحابها وفردوا اثمانها عن اهل الخطة
وفي اواخره ايضا نجزت عمارة عثمان بك البرديسي في الابراج والبوابات التي أنشأها بالناصرية فأنه انشأ بوابتين عظيمتين بالرحبة المستطيلة خارج بيته الذى هو بيت حسن كاشف جركس احداهما عند قناطر السباع والاخرى عند المزار المعروف بكعب الاحبار وبنى حولهما ابراجا عظيمة وبها طيقان بداخلها مدافع افواهما بارزة تضرب الى خارج ونقل اليها مدافع الباشا التي كانت بالازبكية فسبحان مقلب الاحوال
وفيه نزل ابراهيم بك والبرديسي وحسين بك اليهودى الى بولاق واخذوا ما وجدوه بساحل الغلة وارسلوه الى بحرى فأرتج الناس من ذلك وعزت الغلال وزاد سعرها بعد الانحلال
شهر شعبان سنة
اوله يوم الاربعاء فيه وصل كاتب ديوان علي باشا الذى يقال له ديوان افندى وعلى يديه مكاتبة وهي صورة خط شريف وصل من الدولة مضمونه الرضا عن الامراء المصرلية بشفاعة صاحب الدولة الصدر الاعظم يوسف باشا وشفاعة علي باشا والي مصر وأن يقيموا بأرض مصر ولكل امير فائظ خمسة عشر كيسا لا غير وحلوان المحلول ثمان سنوات وأن الاوسبة والمضاف والبراني يضم الى الميرى وان الكلام في الميرى والاحكام والثغور الى الباشا والروزنامجي الذى يأتي صحبة الباشا والجمارك والمقاطعات على النظام الجديد للدفتردار الذى يحضر أيضا فلما قرىء ذلك بحضرة الجمع من الامراء والمشايخ اظهروا البشر وضربوا مدافع ثم اتفق الرأى على ارسال جواب ذلك الفرمان فكتبوا جوابا مضمونه مختصرا انه وصل الينا صورة الخط الشريف وحصل لنا بوروده السرور بالعفو والرضا وتمام السرور حضوركم لتنتظم الاحوال واعظمها تشهيل الحج الشريف وأرسلوه ليلة الاثنين ثانية صحبة رضوان كتخدا ابراهيم بك ومحمود باشجاويش الانكشارية وصحبتهما من الفقهاء السيد محمد ابن الدواخلي من طرف الشيخ الشرقاوى
وفي هذه الايام كثر عيث العسكر وعربدتهم في الناس فخطفوا عمائم وثيابا وقبضوا على بعض أفراد واخذوا ثيابهم وما في جيوبهم من الدراهم
وفيه وصل قاضي عسكر مصر وكان معوقا بالاسكندرية من جملة المحجوز عليهم
وفي يوم الجمعة عاشره وقف جماعة من العسكر في خط الجامع الازهر في طلوع النهار وشلحوا عدة أناس واخذوا ثيابهم وعمائمهم فأنزعج الناس ووقعت فيهم كرشة وصلت الى بولاق ومصر العتيقة واغلقوا الدكاكين واجتمع أناس وذهبوا الى الشيخ الشرقاوى والسيد عمر النقيب والشيخ الامير فركبوا الى الامراء وعملوا جمعية وأحضروا كبار العساكر وتكلموا معهم ثم ركب الاغا والوالي وامامه عدة كبيرة من عسكر الارنؤد وخلافهم والمنادى ينادى بالامن والامان للرعية وان وقع من العسكر والمماليك خطف شيء يضربوه وان لم يقدروا عليه فليأخذوه الى حاكمه ومثل هذا الكلام الفارغ وبعد مرور الحكام بالمنادة خطفوا
عمائم ونساء
وفي ليلة الاربعاء ثامنه حضر الوالي الى قصر الشوك ونزل عند رجل من تجار خان الخليلي يسمى عثمان كجك فتعشعى عنده ثم قبض عليه وختم على بيته واخذه صحبته وخنقه تلك الليلة ورماه في بئر فاستمر بها اياما حتى انتفخ فأخرجوه واخذته زوجته فدفنته وسببه أنه كان يجتمع بالعثمانيين ويغريهم بنساء الامراء وان بعضهم اشترى منه اواني نحاسا ولم يدفع له الثمن فطالب حريمه في ايام محمد باشا فلم تدفع له فعين عليها جماعة من عسكر محمد باشا ودخل بها الى دارها وطالبها فقالت له عندى شيء فطلع الى داخل الحريم وصحبته العسكر ودخل الى المطبخ واخذ قدور الطعام من فوق الكوانين وقلب ما فيها من الطعام واخذها وخرج
وفي يوم الأحدثاني عشرة نبه القاضي الجديد على أن نصف شعبان ليلة الثلاثاء وأخبر ان اتباعه شاهدوا الهلال ليلة الثلاثاء وهم عند البغاز على ان الهلال كان ليلة الأربعاء عسر الرؤية جدا فكان هذا أول احكامه الفاسدة وفي يوم الاربعاء اشيع ان الامراء في صبحها قاصدون عمل ديوان ببيت ابراهيم بك ليلبسوا ستة من الكشاف ويقلدوهم صناجق عوضا عمن هلك منهم وهم سليمان كاشف مملوك ابراهيم بك الوالي الذى تزوج عديلة بنت ابراهيم بك الكبير عوضا عن سيده وعبد الرحمن كاشف مملوك ابراهيم عثمان بك المرادى الذى قتل بأبي قير الذى تزوج امرأة سيده ايضا وعمر كاشف مملوك عثمان بك الاشقر الذى تزوج امرأة سيده ايضا ومحمد كاشف مملوك المنفوخ ورستم كاشف مملوك عثمان بك الشرقاوى ومحمد كاشف مملوك سليمان بك الاغا وتزوج ابنته ايضا فلما وقع الاتفاق على ذلك تجمع الكشاف الكبار ومماليك مراد بك وآخرون من طبقتهم وخرجوا غضابا نواحي الآثار ثم اصطلحوا على تلبيس خمسة عشر صنجقا
فلما كان يوم الاحد تاسع عشرة عملوا ديوانا بالقلعة والبسوا فيه خمسة
عشر صنجقا وهم اربعة من طرف ابراهيم بك الكبير وهم صهراه سليمان زوج عديلة هاشم ابنة الامير ابراهيم بك الكبير عوضا عن سيده واسمعيل كاشف مملوك رشوان بك الذى تزوج بزوجة سيده زينب هانم ابنة الامير ابراهيم بك ايضا ومحمد كاشف الاشقر الذى تزوج بإمرأته وخليل اغا كتخدا ابراهيم بك ومن طرف البريسي حسين آغا الوالي وسليمان خازندار مراد بك وشاهين كاشف مراد ومحمد تابع محمد بك المنفوخ المرادى ورستم تابع عثمان الشرقاوى وعبد الرحمن كاشف تابع عثمان الطنبرجي الذى تزوج بإمرأته ومن طرف الالفي عثمان آغا الخازندار وحسين كاشف المعروف بالوشاش وصالح كاشف وعباس كاشف تابع سليمان بك الآغا ولبسوا حسن آغا مراد واليا عوضا عن حسين المذكور
وفيه ورد الخبر بوصول طائفة من الانكليز الى القصر وهم يزيدون على الالفين
وفي عشرينه حضر مكتوب من رضوان كتخدا ابراهيم بك من اسكندرية يخبر فيه انه وصل الى اسكندرية وقابل الباشا ووعد بالحضور الى مصر وانه يأمر بتشهيل ادوات الحج ولوازمه واطلق اربعة واربعين نقيرة حضرت الى رشيد ببضائع للتجار
وفيه حضر جعفر كاشف الابراهيمي من الديار الشامية وقد قابل احمد باشا الجزار واكرمه ورجع بجواب الرسالة وسافر ثانيا بعد ايام
وفيه قلدوا سليمان بك الخازندار ولاية جرجا وخرج بعسكره الى مصر القديمة وجلس هناك بقصر المحرمجي فاتفق ان جماعة من عسكره الاتراك الذين انضموا اليهم من العثمانية تشاجروا مع العساكر البحرية جماعة حسين بك اليهودى بسبب امرأة رقاصة في قهوة فقتل من الاتراك ثلاثة ومن البحرية اربعة وانجرح منهم كذلك جماعة فحنق حسين بك وتترس بالمقياس وبالمراكب ووجه المدافع الى القصر وضرب بها عليه وكان سليمان بك غائبا عن القصر فدخلت جلة داخل القصر من الشباك بين جماعة من
الامراء كانوا جالسين هناك ينتظرون رب المكان ففزعوا وخرجوا من المجلس وبلغ سليمان بك الخبر فذهب الى البرديسي وأعلمه فأرسل البرديسي يطلب حسين بك فامتنع من الحضور والتجأ الى الالفي فأرسل البرديسي خبرا الى الالفي بعزل حسين بك عن قبطانبة البحر وتولية خلافه فلم يرض الالفي بعزله وقال لا يذهب ولا يعزل وترددت بينهم الرسل وكادت تكون فتنة ثم انحط الامر على ان حسين بك يطلع الى القلعة يقيم بها يومين أو ثلاثة تطيبا لخاطر سليمان بك واخمادا للفتنة فكان كذلك واستمر على ما هو عليه
وفي يوم الاحد سادس عشرينه البس ابراهيم بك عثمان كاشف تابع علي أغا كتخدا جاويشان واستقروا به كتخدا جاويشان عوضا عن سيده وكان شاغرا من مدة حلول الفرنساوية
وفي يوم الثلاثاء ثامن عشرينه ركب حسين بك اخو طاهر باشا في عدة وافرة وحضر الى بيت عثمان بك البرديسي بعد العصر على حين غفلة وكان عند الحريم فأنزعج من ذلك ولم يكن عند في تلك الساعة الا اناس قليلة فأرسل الى مماليكه فلبسوا اسلحتهم وارسلوا الى الامراء والكشاف والاجناد بالحضور وتواني في النزول حتى اجتمع الكثير منهم وصعد بعض الامراء الى القلعة وحصل بعض قلقة ثم نزل الى التنهة واذن لاخي طاهر باشا بالدخول اليه في قلة من اتباعه وسأل عن سبب حضوره على هذه الصورة فقال نطلب العلوفة ووقع بينهما بعض كلام وقام وركب ولم يتمكن من غرضه وارسل البرديسي الى محمد علي فحضر اليه وفاوضه في ذلك ثم ركب من عنده بعد المغرب
وفي تلك الليلة نادوا بعمل الرؤية فاجتمع المشايخ عند القاضي وكلموه في ذلك فرجع عما كان عزم عليه ونادوا بها ليلة الخميس فعملت الرؤية تلك الليلة وركب المحتسب بموكبه على العادة الى بيت القاضي فلم يثبت الهلال تلك الليلة ونودى بانه من شعبان واصبح الناس مفطرين فلما كان صبحها حضر بعض المغاربة وشهدوا برؤيته فنودى بالامساك وقت
الضحى وترقب الناس الهلال ليلة الجمعة فلم يره الا القليل من الناس بغاية العمر وهو في غاية الدقة والخفاء
شهر رمضان المعظم سنة
استهل بيوم الجمعة في ثانيه قرروا فردة على البلاد برسم نفقة العسكر اعلى وأوسط وأدنى ستين الفا وعشرين الفا وعشرة مع ما الناس فيه من الشراقي والغلاء والكلف والتعايين وعيت العسكر وخصوصا بالارياف
وفيه نزلت الكشاف الى الاقاليم وسافر سليمان بك الخازندار الى جرجا واليا على الصعيد وصالح بك الالفي الى الشرقية
وفي ثامنه وصل الى ساحل بولاق عدة مراكب بها بضائع رومية ويميش وهي التي كان أطلقها الباشا وفيها حجاج وقرمان
وفيه حضر ساع من الاسكندرية وعلى يده مكتوب من رضوان كتخدا ومن بصحبته يخبرون بان الباشا كان وعدهم بالسفر يوم الاثنين وبرز خيامه وخازنداره الى خارج البلد فورد عليه مكاتبة من امراء مصر يأمرونه بان يحضر من طريق البر على دمنهور ولا يذهب الى رشيد فانحرف مزاجه من ذلك واحضر الرسل الذين هم رضوان كتخدا ومن معه واطلعهم على المكاتبة وقال لهم كيف تقولون اني حاكمكم وواليكم ثم يرسلون يتحكمون على أني لا أذهب الى مصر على هذا الوجه فأرسلوا بخبر ذلك
وفي يوم الاربعاء ثالث عشره غيمت السماء غيما مطبقا وامطرت مطرا متتابعا من آخر ليلة الاربعاء الى سادس ساعة من ليلة الخميس وسقط بسببها عدة أماكن قديمة في عدة جهات وبعضها على سكانها وماتوا تحت الردم وزاد منها بحر النيل وتغير لونه اصفر مما سال فيه من جبل الطفل وبقى على ذلك التغير أياما الا أنه حصل بها النفع في الاراضي والمزارع
وفي منتصفه ورد الخبر بخروج الباشا من الاسكندرية وتوجهه الى الحضور الى مصر على طريق البر وشرعوا في عمل المراكب التي تسمى بالعقبة لخصوص ركوب الباشا وهي عبارة عن موكب كبير قشاشي يأخذونها من اربابها قهرا وينقشونها بانواع الاصباغ والزينة والالوان ويركبون عليها مقعدا مصنوعا من الخشب المصنع وله شبابيك وطيقان من الخرط وعليه بيارق ملونه وشراريب مزينة وهو مصفح بالنحاس الاصفر ومزين بأنواع الزينة والستائر والمتكفل بذلك آغات الرسالة فلما خرج الباشا من الاسكندرية أرسل محمود جاويش والسيد محمد الدواخلى الى يحيى بك يقولان له ان حضرة الباشا يريد الحضور الى رشيد في قلة واما العساكر فلا يدخل احد منهم الى البلد بل يتركهم خارجها فلما وصلوا الى يحيى بك وارادوا يقولون له ذلك وجدوه جالسا مع عمر بك كبير الارنؤد الذى عنده وهم يقرؤن جوابا أرسله الباشا الى عمر بك المذكور يطلبه لمساعدته والخروج معه أمسكه بعض اتباع يحيى بك مع الساعي فلما سمعوا ذلك قالوا لبعضهم اى شيء هذا وتركوا ما معهم من الكلام وحضروا الى مصر صحبة رضوان كتخدا
وفي يوم الجمعة سادس عشره ضربوا مدافع كثيرة من القلعة وغيرها لورود الخبر بموت حسين قبطان باشا وتوليه خلافه
وفي عشرينه اشيع سفرالالفي لملاقاة الباشا وصحبته أربعة من الصناجق وأبرز الخيام من الجيزة الى جهة انبابة واخذوا في تشهيل ذخيرة وبقسماط وجبخانه وغير ذلك
وفي رابع عشرينه عدى الالفى ومن معه الى البر الشرقي وأشيع تعدية الباشا الى بر المنوفية فلما عدوا الى البر الشرقي انتقلوا بعرضيهم وخيامهم الى جهة شبرا وشرعوا في عمل مخابز العيش في شلقان
وفيه حضر واحد بيان آغا يسمى صالح افندى وعلى يده فرمان فأنزلوه ببيت رضوان كتخدا ابراهيم بك ولا يجتمع به أحد
وفي غايته وصل الباشا الى ناحية منوف وفردوا له فردا على البلاد وأكلوا الزروعات وما أنبتته الارض
وانقضى هذا الشهر وما حصل به من عربدة الانؤد وخطفهم عمائم الناس وخصوصا بالليل حتى كان الانسان اذا مشى يربط عمامته خوفا عليها واذا تمكنوا من احد شلحوا ثيابه واخذوا
ما معه من الدراهم ويترصدون لمن يذهب الى الاسواق مثل سوق أنبابه في يوم السبت لشراء الجبن والزبد والاغنام والابقار فيأخذون ما معهم من الدراهم ثم يذهبون الى السوق وينهبون ما يجلبه الفلاحون من ذلك للبيع فامتنع الفلاحون عن ذلك الافي النادر خفية وقل وجوده وغلا السمن حتى وصل الى ثلثمائة وخمسين نصف فضة العشرة أرطال قباني واما التبن فصار أعز من التبر وبيع قنطاره بألف نصف فضة ان وجد وعز وجود الحطب الرومي حتى بلغ سعر الحملة ثلثمائة فضة وكذا غلا سعر باقي الاحطاب وباقي الامور المعدة للوقود مثل البقمة وجلة البهائم وحطب الذرة ووقفت الارنؤد لخطف ذلك من الفلاحين فكانوا يأتون بذلك في آخر الليل وقت الغفلة ويبيعونه بأغلى الاثمان وعلم الارنؤد ذلك فرصدوهم وخطفوهم ووقع منهم القتل في كثير من الناس حتى في بعضهم البعض وغالبهم لم يصم رمضان ولم يعرف لهم دين يتدينون به ولا مذهب ولا طريقة يمشون عليها اباحية أسهل ما عليهم قتل النفس وأخذ مال الغير وعدم الطاعة لكبيرهم وأميرهم وهم أخبث منهم فقطع الله دابر الجميع وأما ما فعله كشاف الاقاليم في القرى القبلية والبحرية من المظالم والمغارم وأنواع الفرد والتساويف فشىء لا تدركه الافهام ولا تحيط به الاقلام وخصوصا سليمان كاشف البواب بالمنوفية فنسأل الله العفو والعافية وحسن العاقبة في الدين والدنيا والآخرة
استهل شهر شوال بيوم السبت
وفي ثانيه سب رجلا تاجرا من وكالة التفاح ثلاثة من العسكر فهرب منهم الى حمام الطنبدى فدخلوا خلفه وقتلوه داخل الحمام وأخذوا مافي جيبه من الدراهم وغيرها وذهبيوا وحضر أهله وأخذوه في تابوت ودفنوه ولم ينتطح فيه شاتان وقتل في ذلك اليوم أيضا رجل عند حمام القيصرلي وغير ذلك
وفيه وصل الباشا الى ناحية شلقان وصحبته عساكر كثيرة انكشارية وغيرهم من الذين خرجوا مطرودين من مصر وصحبته نحو ستين مركبا في البحر بها أثقاله ومتاعه وعساكر أيضا
وفيه ركب الالفي والامراء ما عدا ابراهيم بك والبرديسي فأنهما لم يخرجا من بيوتهما وذهبوا الى مخيمهم بشبرا وخرج أيضا محمد علي وأحمد بك وأتباعهم وابقوا عند بيوتهم طوائف منهم
وفيه وقعت مشاجرة بين الارنؤدية جهة بيوت سوارى العساكر بسبب امرأة قتل فيها خمسة أنفار بالازبكية
وفي ثالثة أوقفوا على أبواب المدينة جماعة من العساكر باسلحتهم فازعج الناس وارتاعوا من ذلك وأغلقوا الدروب والبوابات ونقلوا أمتعتهم وبضائعهم من الدكاكين واكثروا من اللغط وصار العسكر الواقفون بالابواب يأخذون من الداخل والخارج دراهم ويفتشون جيوبهم ويقولون لهم معكم أوراق فيأخذون بحجة ذلك ما في جيوبهم
وفي رابعه غيروا العسكر باجناد من الغز المصرلية فجلس على كل باب كاشف ومعه جماعة من العسكر فكان الكاشف الذى على باب الفتوح يأخذ ممن يمر به دراهم فان بزى الفلاحين بأن كا لابس جبة صوف او زعبوط أخذ منه ما في جيبه او عشرة أنصاف ان كان فقيرا وان كان من أولاد البلد ومجمل الصورة أو لابس جوخة ولو قديمة طالبه بألف نصف فضة أو حبسه حتى يسعى عليه أهله ويدفعونها عنه ويطلقه وسدوا باب الوزير وباب المحروق وقفلوا باب البرقية المعروف بالغريب بعد أن كانوا عزموا على سده بالبناء ثم تركوه بسبب خروج الاموات
وفيه نودى بوقود القناديل ليلا على البيوت والوكائل وكل ثلاثة دكاكين قنديل وفي صبحها خامسه شق الوالي وسمر عدة حوانيت بسبب القناديل وشدد في ذلك
وفيه انتقل الالفي ومن معه من الامراء الى ناحية شلقان ونصبوا خيامهم قبال عرضى الباشا وكلموه عن نزوله في ذلك المكان ونصب الخيام في داخل الخيام ودوسهم لهم فقال لهم هذه منزلتنا ومحطتنا فلم يسمع الباشا وأتباعه الاقلعهم الخيام والتأخر
فهذه كانت أول حقارة فعلها المصرلية في العثمانية ونصب محمد علي وأحمد بك وعساكرهم جهة البحر ثم ان خدم الالفى أخذوا جمالا ليحملوا عليها البرسيم فنزلوا بها الى بعض الغيطان فحضر أميرا خور الباشا بالجمال لاخذ البرسيم ايضا فوجدوا جمال الالفى وأتباعه فنهرهم وطردوهم فرجعوا الى سيدهم وأخبروه فأمر بعض كشافه بالركوب اليهم فركب رامحا الى الغيظ وأحضر أميراخور الباشا وقطع رأسه قبالة صيوان الباشا ورجع الى سيده بالجمال ورأس أميراخور فذهب اتباع الباشا وأخبروه بقتل أميراخور واخذ الجمال فحنق واحضر رضوان كتخدا ابراهيم بك وتكلم معه ومن جملة كلامه أنا فعلت معكم ما فعلت وصالحت عليكم الدولة ولم تزل تضحك على ذقني وأنا اطاوعك وأصدق تمويهاتك الى ان سرت الى ههنا فأخذتم تفعلون معي هذه الفعال وتقتلون أتباعي وترذلوني وتأخذون حملتي وجمالي فلاطفه رضوان كتخدا في الجواب واعتذر اليه وقال له هؤلاء صغار العقول ولا يتدبرون في الامور وحضرة افندى شأنه العفو والمسامحة ثم خرج من بين يديه وارسل الى اتباع الالفي فاحضر منهم الجمال وردها الى وطاق الباشا وحضر اليه عثمان بك يوسف المعروف بالخازندار وأحمد آغا شويكار فقابلاه واخذا بخاطره ولم يخرج اليه احد من الامراء سواهما
وفي خامسه نادوا بخروج العساكر الارنؤدية الى العرضى وكل من بقي منهم ولم يكن معه ورقة من كبيره فدمه هدر
وصار الوالي بعد ذلك كلما صادف شخصا عسكريا من غير ورقة قبض عليه وغيبه واستمر يفتش عليهم ويتجسس على اماكنهم ليلا ونهارا ويقبض على من يجده متخلفا والقصد من ذلك تمييز الارنؤدية من غيرهم المتداخلين فيهم وكذلك من مر على المتقيدين بابواب المدينة وذلك باتفاق بين المصرلية والارنؤدية لاجل تميزهم من بعضهم وخروج غيرهم
وفيه أطلعوا السيد على القبطان أخا على باشا الى القلعة
وفي سادسه خرج البرديسي الى جهة شلقان ولم يخرج ابراهيم بك
ولم يتنقل من بيته فنصب خيامه على موازاة خيام الالفى وباقي الامراء كذلك الى الجبل والارنؤدية جهة البحر وقد كان الباشا ارسل الى محمد علي وكبار الارنؤدية وغيرهم من قبائل العربان ومشايخ البلاد المشهورين مكاتبات قبل خروجه من الاسكندرية يستميلهم اليه ويعدهم ويمنيهم ان قاموا بنصرته ويحذرهم ويخوفهم ان استمروا على الخلاف وموافقة العصاة المتغليين
فنقل الارنؤدية ذلك الى المصرلية وأطلعوهم على المكاتبات سرا فيما بينهم واتفقوا على رد جواب المراسلة من الارنؤدية بالموافقة على القيام معه اذا حضر الى مصر وخرج الامراء لملاقاته والسلام عليه فيكون هو وعساكره أمامهم والارنؤدية المصرية من خلفهم فيأخذونهم مواسطة فيستأصلونهم والموعد بشلفان وسهلوا له أمر الامراء المصرلية وأنهم في قلة لا يبلغون الفا ولو بلغوا ذلك فمن المنضمين اليهم من خلاف قبيلتهم وهم ايضا معنا في الباطن
ودبروا له تدبيرا ومناصحات تروج على الاباليس منها ان يختار من عسكره قدر كذا من الموصوفين بالشجاعة والمعرفة بالسباحة والقتال في البحر ويجعلهم في السفن قبالته في البحر وان يعدوا بالعساكر البرية الى البر الشرقي من مكان كذا ويجعل الخيالة والرجالة معه على صفة ذكروها له
ولما وصل الى الرحمانية ارسل له الارنؤد مكاتبة سرا بان يعدى الى البر الشرقي وبينوا له الصواب ذلك وهو يعتقد نصحهم فعدى الى البر الشرقي
فلما حضر الى شلقان رتب عساكره وجعلهم طوابير وجعل كل بينباشا في طابور وعملوا متاريس ونصبوا المدافع واوقفوا المراكب بما فيها من العساكر والمدافع بالبحر على موازاة العرضي
فخرج الالفي كما ذكر بمن معه من الامراء المصرلية والعساكر الارنؤدية وارسل الى الباشا بالانتقال والتأخر فلم يجد بدا من ذلك فتأخر الى زفيتة ونزل ونصب هناك وطاقة ومتاريسه 2
وفي وقت تلك الحركة تسلل حسين بك الافرنج ومن معه من العساكر بالغلايين والمراكب واستعملوا على مركب الباشا واحتاطوا بها وضربوا عليهم بالبنادق والمدافع وساقوهم الى جهة مصر وأخذوهم اسرى وذهبوا بهم
الى الجيزة وبعدها قتلوا من كان فيهم من العساكر المحاربين وكبيرهم يسمى مصطفى باشا اخذوه اسيرا ايضا
وكان بالمركب اناس كثيرة من التجار وصحبتهم بضائع واسباب رومية كان الباشا عوقهم بسكندرية فنزلوا في المراكب ليصلوا ببضائعهم وطمعا في عدم دفعهم الجمرك فوقعوا ايضا في الشرك وارتبكوا فيمن ارتبك ولما تأخر الباشا عن منزلته واستقر باراضي زفيتة احاطت به المصريون والعربان وتحلقوا حوله ووقفوا لعرضيه بالرصد فكل من خرج عن الدائرة خطفوه ومن الحياة أعدموه وارسل اليه الالفي على كاشف الكبير فقال له حضرة ولدكم الالفي يسلم عليكم ويسأل عن هذه العساكر المصحوبين بركابكم وما الموجب لكثرتها وهذه هيئة المنابذين لا المسالمين والعادة القديمة أن الولاة لا يأتون الا باتباعهم وخدمهم المختصين بخدمتهم وقد ذكروا لك ذلك وانتم بسكندرية
فقال نعم وانما هذه العساكر متوجهة الى الحجاز تقوية لشريف باشا على الخارجي وعندما نستقر بالقلعة نعطيهم جماكيهم ونشلهم ونرسلهم
فقال انهم اعدوا لكم قصر العيني تقيمون به فان القلعة خربها الفرنسيس وغيروا أوضاعها فلا تصلح لسكناكم كما لا يخفاكم ذلك واما العسكر فلا يدخلون معكم بل ينفصلون عنكم ويذهبون الى بركة الحاج فيمكثون هناك حتى نشهل لهم احتياجاتهم ونرسلهم ولسنا نقول ذلك خوفا منهم وانما البلدة في قحط وغلاء والعساكر العثمانية منحرفوا الطباع ولا يستقم حالهم مع الارنؤدية ويقع بينهم ما يوجب الفشل والتعب لنا ولكم
وفي ليلة الجمعة رابع عشره حصل خسوف للقمر جزئي بعد رابع ساعة من الليل ومقدار المنخسف اربع اصابع وثلث وانجلى في سابع ساعة الا شيئا يسيرا
وفي ذلك اليوم أرسل البرديسي الى شيخ السادات تذكرة صحبة واحد كاشف من اتباعه يطلب عشرين ألف ريال سلفة فلاطفه ورده بلطف فرجع الى مخدومه وأبقى ببيت الشيخ جماعة من العسكر فوبخه على
الرجوع من غير قضاء حاجة وامره بالعود ثانيا فعاد اليه في خامس ساعة من الليل وصحبته جماعة اخرى من العسكر فازعجوا اهل البيت وارسلت عديلة هانم ابنة ابراهيم بك الى المعينين تأمرهم ان لا يعملوا قلة أدب وأرسلت الى ابيها لان منزلها بجواره فاهتم لذلك وأرسل خليل بك الى البرديسي فكفه عن ذلك بعد علاج وسعي ورفع المعنيين
وفي ليلة الخميس عشرينه وصلت اخبار ومكاتبات من الامراء الذين ذهبوا بصحبة الباشا بالقرين فضربوا مدافع كثيرة بعد العشاء ونصف الليل
ومضمون ما ذكروه في المراسلة ان الباشا أراد ان يكبسهم بمن معه ليلا وكان معهم سائس يعرف بالتركي فحضر اليهم واخبرهم فتحذروا منهم فلما كبسوهم وقعت بينهم محاربة وقتل منهم عدة من المماليك وخازندار محمد بك المنفوخ وانجرح المنفوخ أيضا جرحا بليغا واصيب الباشا وصاحبه من غير قصد والليل ليس له صاحب فقضى عليه وكان ذلك مقدورا وفي الكتاب مسطورا وانكم ترسلوا لنا أمانا بالحضور الى مصر والا ذهبنا الى الصعيد
هذا ما قالوه والواقع انهم لما سافروا معه كان بصحبته خمسة وأربعون نفسا لاغير والعساكر التي كانت سافرت قبله نجعت الى الصالحية او ذهبت حيث شاء الله وكان امامه عسكر المغاربة وخلفه الامراء المصرلية
فلما وصلوا الى اراضي القرين ونزلوا هناك عمل المغاربة مع الخدم مشاجرة وجسموها الى ان تضاربوا بالسلاح فقامت الاجناد المصرلية من خلفهم فصار الباشا ومن معه في الوسط والتحموا عليهم بالقتال ففر من اتباعه اربعة عشر نفسا الى الوادى وثلاثة عشر رموا بأنفسهم في ساقية قريبة منهم من حلاوة الروح وضرب الباشا بعض المماليك منهم بقرابينة فأصابته وقتل معه ابن اخته حسن بك وكتخداه وباقي الثمانية عشر فلما سقط الباشا وبه رمق رأى احد الاميرين فقال له في عرضك يا فلان ان معي كفنا بداخل الخرج فكفني فيه وادفني ولا تتركني مرميا
فلما انقضى ذلك اعطى ذلك الامير لبعض العرب دنانير واعطاه الكفن الذى اوصاه عليه وقال له اذهب الى مقتلهم
وخذ الباشا وادفنه في تربة
ففعل كما امروا وحفروا لباقيهم حفرا وواروهم فيها
وانقضى امرهم
هذا اخبار بعض تلك البلاد المشاهدين للواقعة وكل ذلك وبال فعله وسوء سريرته وخبث ضميره فلقد بلغنا انه قال لعسكره ان بلغت مرادى من الامراء المصريين وظفرت بهم وبالارنؤد ابحت لكم المدينة والرعية ثلاثة ايام تفعلون بها ما شئتم
والدليل على ذلك ما فعله بالاسكندرية مدة اقامته بها من الجور والظلم ومصادرات الناس في اموالهم وبضائعهم وتسلط عساكره عليهم بالجور والخطف والفسق وترذيله لاهل العلم واهانته لهم حتى انه كان يسمى الشيخ محمد المسيرى الذى هو أجل مذكور في الثغر بالمزور واذا دخل عليه مع امثاله وكان جالسا اتكأ ومد رجليه قصدا لاهانتهم
خبر علي باشا المترجم المذكور
كان اصله من الجزائر مملوك محمد باشا حاكم الجزائر فلما مات محمد باشا وتولى مكانه صهره ارسله بمراسلة الى حسين قبطان باشا وكان اخوه المعروف بالسيد علي مملوك للدولة ومذكورا عند قبطان باشا ومتولي الريالة فنوه بذكره فقلده قبطان باشا ولاية طرابلس واعطاه فرمانات ويرق فذهب اليها وجيش له جيوشا ومراكب وأغار على متوليها وهو أخو حمودة باشا صاحب تونس وحاربه عدة شهور حتى ملكها بمخامرة أهلها لعلمهم انه متوليها من طرف الدولة
وهرب أخو حمودة باشا عند اخيه بتونس فلما استولى علي باشا المذكور على طرابلس اباحها لعسكره ففعلوا بها اشنع وأقبح من التمرلنكية من النهب وهتك النساء والفسق والفجور وسبي حريم متوليها واخذهن أسرى وفضحهن بين عسكره ثم طالبهم بالأموال
وأخذ اموال التجار وفرد على اهل البلد وأخذ اموالهم ثم ان المنفصل حشد وجمع جموعا ورجع الى طرابلس وحاصره اشد المحاصرة وقام معه المغرضون من أهل البلدة والمقروصون من علي باشا
فلما رأى الغلبة على نفسه نزل الى المراكب بما جمعه من الاموال والذخائر وأخذ معه غلامين جميلين من أولاد الاعيان شبه الرهائن وهرب الى اسكندرية وحضر الى مصر والتجأ الى مراد بك فأكرمه وانزله منزلا حسنا عنده بالجيزة وصار خصيصا به
وسبب مجيئه الى مصر ولم يرجع الى القبطان علمه انه صار ممقوتا في الدولة لان من قواعد دولة العثمانيين انهم اذا أمروا أميرا في ولاية ولم يفلح مقتوه وسلبوه وربما قتلوه وخصوصا اذا كان ذا مال
ثم حج المترجم في سنة سبع ومائتين وألف من القلزم وأودع ذخائره عند رشوان كاشف المعروف بكاشف الفيوم لقرابة بينهما من بلادهما ولما كان بالحجاز ووصل الحجاج الطرابلسية ورأوه وصحبته الغلامان وذهبوا الى امير الحاج الشامي وعرفوه عنه وعن الغلامين وانه يفعل بهما الفاحشة فارسل معهم جماعة من اتباعه في حصة مهملة وكبسوا عليه على حين غفلة فوجدوه راقدا ومعه أحد الغلامين فسبه الطرابلسية ولعنوه وقطعوا لحيته وضربوه بالسلاح وجرحوه جرحا بالغا وأخذوا منه الغلامين وكادوا يقتلونه لولا جماعة من جماعة امير الحاج
ثم رجع الى مصر من البحر ايضا واقام في منزلته عند مراد بك زيادة عن ست سنوات الى ان حضر الفرنسيس الى الديار المصرية فقاتل مع الامراء وتغرب معهم في قبلي وغيره ثم انفصل عنهم وذهب من خلف الجبل وسار الى الشام فأرسله الوزير يوسف باشا بعد الكسرة بمكاتبات الى الدولة فلم يزل حتى وقعت هذه الحوادث وقامت العسكر على محمد باشا واخرجوه ووصل الخبر الى اسلامبول فطلب ولاية مصر على ظن بقاء حبل الدولة العثمانية واوامرها بمصر وليس بها الا طاهر باشا والارنؤد وجعل على نفسه قدرا عظيما من المال ووصل الى اسكندرية وبلغه انعكاس الامر وموت طاهر باشا وطرد الينكجرية وانضمام طائفة الارنؤد للمصرلية وتمكنهم من البلدة فاراد أن يدير أمرا ويصطاد العقاب بالغراب فيجوز بذلك سلطنة مجددة ومنقبة مؤبدة فلم تنفعه التدابير ولم تسعفه المقادير فكان كالباحث على حتفه بظلفه والجادع بيده مارن أنفه ولم يعلم انها القاهرة كم قهرت جبابرة وكادت فراعنة ... اذا لم يكن عون من الله للفتى ... فأول ما يجني عليه اجتهاده
وكان صفته ابيض اللون عظيم اللحية والشوارب أشقرهما قليل الكلام يا لربي يحب اللهو والخدعة
ولما انقضى امره وارسل سليمان بك ومحمد بك مكاتبات الى شاهين بك ونظرائه بما ذكروا أن يأخذوا لهم أمانا من ابراهيم بك البرديسي فكتبوا لهم امانا بعد إمتناع منهما واظهار التغير والغضب والتأسف على التفريط منهما في قتله
وفي يوم الخميس المذكور عملوا ديوانا واحضروا صالح أغا قابجي باشا الذى حضر اولا ونزل ببيت رضوان كتخدا ابراهيم بك وقرأوا الفرمان الذى معه وهو يتضمن ولاية علي باشا
الاوامر المعتادة لاغير وليس فيها ما كان ذكره علي باشا من الجمارك والالتزام وغيره
وتكلم الشيخ الامير في ذلك المجلس وذكر بعض كلمات ونصائح في اتباع العدل وترك الظلم وما يترتب عليه من الدمار والخراب وشكا الامراء والمتآمرون من أفعال بعضهم البعض وتعدى الكشاف النازلين في الاقاليم وجورهم على البلاد وانه لا يتحصل لهم من التزامهم وحصصهم ما يقوم بنفقاتهم فاتفق الحال على ارسال مكاتبات للكشاف بالحضور والكف عن البلاد
واما مصطفى باشا فانهم أنزلوه في مركب مع اتباع الباشا الذين كانوا بقصر العيني وسفروهم الى حيث شاء الله
وفيه وصل الالفي من سرحته الى مصر القديمة فأقام في قصره الذى عمره هناك وهو قصر البارودى يومين ثم عدى الى الجيزة ودخل اتباعه بالمنهوبات من الجمال والابقار والاغنام ومعهم الجمال محملة بالقمح الاخضر والفول والشعير لعدم البرسيم فانهم رعوا ما وجدوه في حال ذهابهم وفي رجوعهم لم يجدوا خلاف الغلة فرعوها وحملوا باقيها على الجمال لو شاء ربك ما فعلوه
وفي ثاني عشرينه وقعت معركة بين الارنؤودية وعسكر التكرور بالقرب من الناصرية بسبب حمل برسيم وضربوا على بعضهم بنادق رصاص وقتل
بينهم انفار واستمروا على مضاربة بعضهم البعض نحو سبعة ايام وهم يترصدون لبعضهم في الطرقات
وفي خامس عشرينه عملوا ديوانا وقرأوا فرمانا وصل من الدولة مع الططر خطابا لعلي باشا والامراء بتشهيل اربعة آلاف عسكرى وسفرهم الى الحجاز لمحاربة الوهابيين وارسال ثلاثين الف اردب غلال الى الحرمين
وانهم وجهوا أربع باشات من جهة بغداد بعساكر وكذلك احمد باشا الجزار ارسلوا له فرمانا بالاستعداد والتوجه لذلك فإن ذلك من اعظم ما تتوجه اليه الهمم الاسلامية وامثال ذلك من الكلام والترفق وفيه بعض القول بالحسب والمروأة بتنجيز المطلوب من الغلال وان لم تكن متيسرة عندكم تبذلوا الهمة في تحصيلها من النواحي والجهات بأثمانها على طرف الميرى بالسعر الواقع
وفيه تقيد لضبط مخلفات علي باشا صالح افندى ورضوان كتخدا ونائب القاضي وباشكاتب
وفيه حضر الامراء الذين توجهوا بصحبة الباشا الى الشرقية
وفي هذا اليوم حضر عثمان كاشف البواب الذى كان بالمنوفية وترك خيامه واثقاله واعوانه على ما هم عليه وحضر في قلة من اتباعه
وفيه نقلوا عسكر التكرور من ناحية قناطر السباع الى جهة اخرى واخرجوا سكانا كثيرة من دورهم جهة الناصرة وأزعجوهم من مواطنهم واسكنوا بها عساكر وطبجية
وفيه انزلوا السيد علي القبطان من القلعة الى بيت علي بك ايوب كما كان وهذا السيد علي هو اخو علي باشا المقتول كما ذكر واصله مملوك وليس شريف كما يتبادر الى الفهم من لفظة سيد انها وصف خاص للشريف بل هي منقولة من لغة المغاربة فانهم يعبرون عن الامير بالسيد بمعنى المالك وصاحب السيادة
وفي سادس عشرينه انزلوا محمل الحاج من القلعة مطويا من غير هيئة وأشيع في الناس دورانه الى بيت ابراهيم بك صحبه احد الكشاف وطائفة
من المماليك واتفق الرأى على سفره من طريق بحر القلزم صحبه محمد جاويش مستحفظان ومعه الكسوة والصرة وكان حضر الكثير من حجاج الجهة القبلية بجمالهم ودوابهم ومتاعهم فلما تحققوا عدم السفر حكم المعتاد باعوا جمالهم ودوابهم بالرميلة بأبخس الاثمان لعدم العلف بعد ما كلفوها بطول السنة
وما قاسوه أيضا في الايام التي اقاموها بمصر في الانتظار والتوهم
شهر ذى القعدة سنة
استهل بيوم الاثنين فيه أنزلوا حسين قبطان ومن معه من عسكر الارنؤد من القلعة وكانوا نحو الاربعمائة فذهبوا الى بولاق وسكنوا بها بعدما أخرجوا السكان من دورهم بالقهر عنهم ولم يبق بالقلعة من أجناسهم سوى الطبجية المتقيدين بخدمة المصرلية
وفيه ألبس ابراهيم بك كتخداه رضوان خلعة وأشيع انه قلده دفتردارية مصر وذهب الى البرديسي فخلع عليه ايضا وكذلك الألفي وذلك اكراما وتنويها بذكره جزاء فعله ومجيئه بالباشا وتحيله عليه
وفي ليلة الجمعة خامسه وصلت مكاتبات من يحيى بك البرديسي حاكم رشيد يخبر فيها بوصول محمد بك الالفي الكبير الى ثغر رشيد يوم الاربعاء ثالثه وقد طلع على أبي قير وحضر الى ادكو ثم الى رشيد في يوم الاربعاء المذكور وقصده الاقامة برشيد ستة أيام فلما وصلت تلك الاخبارعملوا شنكا وضربوا مدافع كثيرة بعد الغروب وكذلك بعد العشاء وفي طلوع النهار من جميع الجهات من الجيزة ومصر القديمة وبيت البرديسي والقلعة وأظهروا البشر والفرح وشرعوا في تشهيل الهدايا والتقادم وأضمروا في نفوسهم السوء له ولجماعته والمتآمرين حسدا لرآسته عليهم وخمولهم بحضوره فهاجت حفائظهم وكتموا حقدهم وتناجوا فيما بينهم وبيتواء امرهم مع كبار العسكر
وأرسل البرديسي كتابا الى مملوكه يحيى بك تابعه حاكم رشيد يأمره فيه بقتل الالفي هناك وركب هو الى النيل وعدى شاهين بك ومحمد بك المنفوخ واسمعيل بك صهر ابراهيم بك وعمر بك الابراهيمي الى بر الجيزة ليلة الاحد ونصبوا خيامهم ليستعدوا الى السفر من آخر الليل صحبه الالفي الصغير وعدى ايضا قبلهم حسين بك الوشاش الالفي ونصب خيامه بحرى منهم
فلما كان في خامس ساعة من الليل أرسلوا الى حسين بك يطلبونه اليهم فحضر مع مماليكه وقد رتبوا جماعة منهم تأتي بخيول ومشاعل من جهة القصر فقالوا له أين الخيول فاننا راكبون في هذا الوقت للملاقاة وها هو اخوك الالفي قد ركب وهو مقبل
فنظر فرأى المشاعل والخيول فلم يشك في صحة ذلك ولم يخطر بباله خيانتهم له فأمر مماليكه أن يذهبوا الى خيولهم ويركبوا ويأتوه بفرسه فأسرعوا الى ذلك وبقى هو وحده ينتظر فرسه فعاجلوه وغدروه وقتلوه بينهم وأرسلوا الى البرديسي بالخبر وكان محمد علي وأحمد بك والارنؤدية عدوا قبلي الجيزة ليلا وكمنوا بمكان ينتظرون الاشارة ويتحققون وقوع الدم بينهم فلما عملوا ذلك حضروا الى القصر وأحاطوا به وكان طبجي الآلفي مخامرا ايضا فعطل فوالي المدافع واستمروا في ترتيب الامراء على القصر الى آخر الليل فحضر الى الالفي من أيقظة واعلمه بقتل حسين بك واحاطتهم بالقصر فأراد الاستعداد للحرب وطلب الطبجي فلم يجده وأعلموه بما فعل بالمدافع فأمر بالتحميل وركب في جماعته الحاضرين وخرج من الباب الغربي وسار مقبلا فركب خلفه الامراء المذكورون وساروا مقدار ملقتين حتى تهبت خيولهم ولم يكن معهم خيول كثيرة لانهم لم يكونوا يظنون خروجه من القصر واشتغل أكثر أتباعهم بالنهب لأنه عندما ركب الألفي وخرج من القصر دخله العسكر والاجناد ونهبوا ما فيه من الاثقال والامتعة والفرش وغيرها وكان كاتبه المعلم غالي ساكنا بالجيزة وكذلك كثير من اتباعه ومقدميه فذهبوا الى دورهم فنهبوها وأخذوا ما عند كاتبه المذكور من الاموال ثم نهبوا دور الجيزة عن آخرها ولم يتركوا بها جليلا ولا حقيرا حتى عروا ثياب النساء وفعلوا بها مثل ما فعلوا بدمياط واصبح الناس بالمدينة يوم الاحد لا يعلمون شيئا من ذلك الا انهم سمعوا الصراخ
ببيت حسين بك جهة التبانة وقيل انه قتل ببر الجيزة
فصار الناس في تعجب وحيرة واختلفت روياتهم ولم يفتحوا دكاكينهم ونقلوا أسبابهم منها وظلوا غالب اليوم لم يعلموا سر قتل حسين بك الا من صراخ اهل بيته
وكل ذلك وقع وابراهيم بك جالس في بيته ويسأل ممن يدخل اليه عن الخبر
واحضر محمود جاويش المعين للسفر بالمحمل وصير في الصرة والكتبة واشتغل معهم ذلك اليوم في عدد مال الصرة وحسابها ولوازم ذلك وبعد العصر اشيع المرور بالمحمل فاجتمع الناس للفرجة فمروا به من الجمالية الى قراميدان قبل الغروب وأصبح يوم الاثنين ثامنه ركب ابراهيم بك وامراؤه الى قراميدان وسلم المحمل واجتمع الناس للفرجة على العادة فمروا به من الشارع الاعظم الى العادلية وامامه الكسوة في اناس قليلة وطبل وأشاير وعينوا للذهاب معه أربعمائة مغربي من الحجاج رتبوا لهم جامكية ثلاثين نفرا من عسكر الارنؤد هذا ما كان من هؤلاء وأما ما كان من امر الالفي الكبير فانه لما حضر الى رشيد يوم الاربعاء ثالثه كما تقدم قابله يحيى بك وعمل له شنكا وطعاما وما يليق به وسأله عن مدة اقامته برشيد فقال له اريد الاقامة ستة أيام حتى نستريح ونزل ببيت مصطفى عبد الله التاجر
ولم يكن معه الا خاصة مماليكه وجوخداره تتمة ستة عشر فاستأذنه يحيى بك في ارسال الخبر الى مصر ليأتي الامراء الى ملاقاته فلم يرض بذلك ثم انه لم يقم برشيد الا ليلة واحدة وانزل امتعته في أربع مراكب من الرواحل وانتقل آخر الليل الى بيت البطروشي القنصل وأمر بتنقيل المتاع الى مراكب النيل وأهدى له البطروشي غرابا من صناعة الانكليز مليح الشكل نزل هو به وسار الى مصر وكان قصده الحضور بغتة فعندما يصلهم الخبر يصبحون يجدونه في الجيزة
ويأبى الله الا ما يريد فلم يسعفه الريح وكان تأخيره سببا لنجاته
ولما وصل الخبر بحضوره وعملوا الشنك جهز له الالفي الصغير بعض الاحتياجات وأرسلها في الذهبية والقنجة صحبة الخواجا محمود حسن وخلافه فنزلوا من بولاق وانحدروا بعد الظهر من يوم السبت فاجتمعوا به عند نادر
نصف الليل
فلما أصبح الصباح حضر اليه سليمان كاشف البواب وقابله ورجع معه الى منوف العلا فأقام هناك يوم الاحد وبات هناك ودخل الحمام وسار منها بعد طلوع النهار وهم يسحبون المراكب باللبان لمخالفة الريح فلم يزل سائرا الى الظهيرة فلاقاه عدة من عسكر الارنؤد الموجهة اليه في أربعة مراكب في مضيق الترعة فسلم عليهم فردوا عليه السلام فسألهم بعض أتباعه بالتركي وقال لهم اين تريدون فقالوا نريد الالفي فقال لهم ها هو الالفي فسكتوا
ثم تلاغى الملاحون مع بعضهم فأعلموهم الخبر فنقلوه الى الالفي فكذب ذلك وقال هذا شيء لا يكون ولا يصح ان اخواننا يفعلون ذلك معي وأنا سافرت وتغربت سنة لاجل راحتنا ولعلها حادثة بينهم وبين العسكر ثم ان طائفة منهم أدركت الغراب الذى قدمه له البطروشي وكان متأخرا عن المراكب فصعدوا اليه وأخذوا ما فيه من المتاع فأخبروه بذلك ونظر فرآهم يفعلون ذلك فأرسل اليهم بعض من معه من الاتراك ليستخبر عن شأنهم وامرهم ولم ينتظر رجوعه بالجواب ولكنه اخذ بالحزم ونزل في الحال الى القنجة مع المماليك وصحبته الخواجا محمود حسن وامرهم ان يمسكوا المقاذيف ففعلوا ذلك وهو يستحثهم حتى خرجوا من الترعة الى البحر فلاقاهم طائفة اخرى في سفينتين وفيهم سراج باشا تابع البرديسي وكان بعيدا عنهم فاعماهم الله عنه وكأنهم لم يظنوه اياه ولم يزل يجد في السير حتى وصل الى شبرا الشهابية فنظر الى رجل ساع واعلمه انه مرسل من بيت سليمان كاشف البواب يخبر الواقع فعند ذلك تحقق الخبر وطلع الى البر وامر بتغريق القنجة ومشى مع المماليك على اقدامهم وتخلف عنه الخواجا محمود حسن بشبرا فلم يزالوا يجدون السير حتى وصلوا الى ناحية قرنفيل ودخل الى نجع عرب الحويطات والتجأ الى امرأة منهم فاجارته ولبت دعوته وركبته فرسا واصحبت معه شخصين هجانين وركب معهما وصار الى قرب الخانكة ليلا والمماليك معه مشاة فقابلهم جماعة من عرب بلى وكبيرهم يقال له سعد ابراهيم فاحتاطوا به فاشتغل المماليك بحربهم فتركهم وسار مع
الهجانة الى ناحية الجبل ومضى فسمع الاجناد القريبون منهم وفيهم البرديسي صوت البنادق بين العرب والمماليك فأسرعوا اليهم وسألوهم عن سيدهم فقالوا انه كان معنا وفارقنا الساعة فأمر البرديسي من معه من المماليك والاجناد أن يسرعوا خلفه ويتفرقوا في الطرق وكل من ادركه فليقتله في الحال فذهبوا خلفه فلم يعثر به احد منهم وخرم عليه سعد ابراهيم بجماعة قليلة من طريق يعرفها فرمى لهم ما معه من الذهب والجوهر والكرك الذى على ظهره فاشتغلوا به وتركهم وسار وغاب امره
وفي حال جلوسه عند العرب مر عليهم طائفة من الاجناد سائرين لانهم لما فعلوا فعلتهم في الجيزة لم يبق لهم شغل الا هو واخذوا في الاحتياط عليه ما امكن فأرسلوا عسكرا في المراكب وانبثت طوائفهم في الجهات البحرية شرقا وغربا فذهبت طائفة منهم الى الشرقية وطائفة الى القليوبية وكذلك المنوفية والغربية والبحيرة وسلكوا طريق الجبل الموصلة الى قبلي وذهب حسين بك ورستم بك الى صالح بك الالفي الذى بالشرقية وذهب شاهين بك الى سليمان كاشف البواب من البر الغربي ليقطع عليه الطريق وذهب علي بك ايوب ومحمد علي على جهة القليوبية ليلحقه بمنوف فلما وصل الى دجوة تعوق بسبب قلة المعادى فلما وصل الى منوف فوجدوه عدى الى الجهة الاخرى فأخذوا متروكاته التي تركها وهي بعض خيول وجمال وخمسين زلعة سمن مسلي وعملوا على أهل البلد أربعة آلاف ريال قبضوها منهم ورجعوا وكان عندما بلغه الخبر الاجمالي لم يكذب المخبر وذلك بعد مفارقة الالفي له بنحو ثلاث ساعات فعدى في الحال الى الجهة الغربية بأثقاله وعساكره فوجد أمامه شاهين بك فارسل يطلب منه أمانا فأجابه الى ذلك وارسل الى مصر من يأتي بالامان واطمأن شاهين ليلا فلما اصبح شاهين بك وجده قد ارتحل فرجع بخفي حنين وعدى الى القليوبية فبلغه خبر الالفي وما وقع له مع العرب فطلبهم فأخبروه انه غاب عنهم في الجبل من الطريق الفلاني فقبض عليهم واحضرهم صحبته مشنوقين في عمائمهم ووجد المماليك فقبض عليهم
وأرسلهم الى البرديسي
واما مراكبه فأنه عندما نزل الى القنجة وفارقها ادركها العسكر الذين قابلوه في المراكب ونهبوا ما فيها وكان بها شيء كثير من الاموال وظرائف الانكليز والامتعة والجوخ والاسلحة والجواهر
فانه لما وصل الى القرالي اكرمه اكراما كثيرا وأهدى اليه تحفا غريبة وكذلك أكابرهم وأعطاه جملة كبيرة من المال على سبيل الامانة يرسل له بها غلالا وأشياء من مصر واشترى هو لنفسه أشياء بأربعة آلاف كيس يدفعها الى القنصل بمصر وأرسل له بها القرالي بوليصة وأهدى له صورة نفسه من جوهر ونظارات وآلات وغير ذلك
وأما الالفي الصغير فانه ذهب الى جهة قبلي وفرد الفرد والكلف على البلاد ومن عصى عليه أو تواني في دفع المطلوب نهبهم وحرقهم
وأما صالح بك الالفي فانه لما وصل اليه الخبر وقدوم الموجهين اليه ركب في الحال من زنكلون وترك حملته واثقاله فلم يدركوه ايضا
وفي يوم الثلاثاء احضروا مماليك الالفي الكبير وجوخداره الى بيت البرديسي وارسل ابراهيم بك والبرديسي مكاتبات الى الامراء بقبلي وهم سليمان بك الخازندار حاكم جرجا وعثمان بك حسن بقنا ومحمد بك المعروف بالغربية الابراهيمي يوصونهم ويحذرونهم من التفريط في الالفي الصغير والكبير ان وردا عليهما
واما شاهين بك فانه عدى الى الشرقية واجتهد في التفتيش ثم رجع في يوم الثلاثاء المذكور وامامه العرب المتهمون بانهم يعرفون طريقه وأنهم أدركوه فأعطاهم جوهرا كثيرا وتركوه وأحضروا صحبتهم حقا من خشب وجدوه مرميا في بعض الطرق فأحضر البرديسي مماليك الالفي وأراهم ذلك الحق فقالوا نعم كان مع استاذنا وفي داخله جوهر ثمين وارسلوا عدة من المماليك والهجانة الى الطريق التي ذكرها العرب وأحضر البرديسي ابن شديد وسأله فأخبره انه لم يكن حاضرا في نجعة وان أمه أو خالته هي التي اعطته الفرس والهجانة فوبخه ولامه فقال له هذه عادة العرب من قديم الزمان يجيرون طنيبهم ولا يخفرون ذمتهم
فحبسه أياما ثم اطلقه وقيل انه مر
عليه علي بك أيوب ومحمد علي ومن معهم من العسكر وهو في خيش العرب وهو يراهم وأعماهم الله عن تفتيش النجع وعن السؤال أيضا
وفي ذلك اليوم خرج عثمان بك يوسف وحسين بك الوالي وأحمد أغا شويكار الى جهة الشرقية ومرزوق بك الى القليوبية يفتشون على الالفي
وفيه شرعوا في تشهيل تجريدة الى الالفي الصغير وأميرها شاهين بك وصحبته محمد بك المنفوخ وعمر بك وابراهيم كاشف
وفي يوم الجمعة ثاني عشره سافرت قافلة الحاج بالمحمل الى السويس
وفي يوم السبت حضر علي بك ايوب ومحمد علي من سرحتهما على غير طائل
وفيه سافر قنصل الانكليز من مصر بسبب هذه الحادثة فانه لما وقع ذلك اجتمع بابراهيم بك والبرديسي وتكلم معهما ولامهما على هذه الفعلة وكلمهما كلاما كثيرا منه انه قال لهما هذا الذى فعلتماه لاجل نهب مال القرالي ومطلوب مني اربعة آلاف كيس وهي البوليصة الموجهة على الالفي وغير ذلك فلاطفاه وأراد منعه من السفر فقال لا يمكن اني أقيم ببلدة هذا شأنها وطريقتنا لانقيم الا في البلدة المستقيمة الحال ثم نزل مغضبا وسافر وأراد ايضا قنصل الفرنسيس السفر فمنعاه
وفي يوم السبت طلب العسكر جماكيهم من الامراء وشددوا في الطلب واستقلوا الامراء في أعينهم وتكلموا مع محمد علي وأحمد بك وصادق أغا كلاما كثيرا فسمعوا في الكلام مع الامراء المصرلية فوعدوهم الى يوم الثلاثاء ومات بقطر المحاسب كاتب البرديسي يوم الاحد فلما كان يوم الثلاثاء اجتمع العسكر ببيت محمد علي وحصل بعض قلقة فحولهم على القبط بمائتي الف ريال منها خمسون على غالي كاتب الالفي وثلاثون على تركة بقطر المحاسب والمائة والعشرون موزعة عليهم فسكن الاضطراب قليلا
وفي يوم الثلاثاء المذكور رجع مرزوق بك من القليوبية
وفي يوم الاربعاء سابع عشره توفي ابراهيم افندى الروزنامجي وفيه
حصل رجات وقلقات بسبب العسكر وجماكيهم وأرادوا أخذ القلعة فلم يتمكنوا من ذلك وقفل الناس دكاكينهم وقتلوا رجلا نصرانيا عند حارة الروم وخطفوا بعض النساء وامتعة وغير ذلك وركب محمد علي ونادى بالامان
وفي يوم السبت عشرينه حضر سليمان كاشف البواب بالامان ودخل الى مصر
وفي يوم الاحد أفرجوا عن كشاف الالفي المحبوسين
وفيه حضر عثمان بك يوسف من ناحية الشرقية واستمر هناك حسين بك الوالي ورستم بك وذهب المنفوخ واسمعيل بك الى ناحية شرق اطفيح لانه اشيع ان الالفي ذهب عند عرب المعازة فقبضوا على جماعة منهم وحبسوهم وأرسلوا مائة هجان الى جميع النواحي واعطوهم دراهم يفتشون على الالفي
وفيه شرعوا في عمل فردة على أهل البلد وتصدى لذلك المحروقي وشرعوا في كتب قوائم لذلك ووزعوها على العقار والاملاك اجرة سنة يقوم بدفع نصفها المستأجر والنصف الثاني بدفعه صاحب الملك
وفي يوم الاربعاء رابع عشرينه شرح كتاب الفردة والمهندسون ومع كل جماعة شخص من الاجناد وطافوا بالاخطاط يكتبون قوائم الاملاك ويصقعون الاجر فنزل بالناس مالا يوصف من الكدر مع ما هم فيم من الغلاء ووقف الحال وذلك خلاف ما قرروه على قرى الارياف فلما كان في عصر ذلك اليوم نطق افواه الناس بقولهم الفردة بطالة وباتوا على ذلك وهم ما بين مصدق ومكذب
وفي يوم الخميس خامس عشرينه اشيع ابطال الفردة مع سعي الكتبة والمهندسين في التصقيع والكتابة وذهبوا الى نواحي باب الشعرية ودخلوا درب مصطفى فضج الفقراء والعامة والنساء وخرجوا طوائف يصرخون وبأيديهم دفوف يضربون عليها ويندبن وينعين ويقلن كلاما على الامراء مثل قولهن ايش تأخذ من تفليسي با برديسي وصبغن أيديهن
بالنيلة وغير ذلك فاقتدى بهن خلافهن وخرجوا ايضا ومعهم طبول وبيارق وأغلقوا الدكاكين وحضر الجمع الكثير الى الجامع الازهر وذهبوا الى المشايخ فركبوا معهم الامراء ورجعوا ينادون بأبطالهم
وسر الناس بذلك وسكن اضطرابهم وفي وقت قيام العامة كان كثير من العسكر منتشرين في الاسواق فداخلهم الخوف وصاروا يقولون لهم نحن معكم سواسو انتم رعية ونحن عسكر ولم نرض بهذه الفردة وعلوفاتنا على الميرى ليست عليكم أنتم اناس فقراء فلم يتعرض لهم أحد
وحضر كتخدا محمد علي مرسلا من جهته الى الجامع الازهر وقال مثل ذلك ونادى به في الاسواق ففرح الناس وانحرفت طباعهم عن الامراء ومالوا الى العسكر وكانت هذه الفعلة من جملة الدسائس الشيطانية
فان محمد علي لما حرش العساكر على محمد بك باشا خسروا وأزال دولته وأوقع به ما تقدم ذكره بمعونة طاهر باشا والارنؤد ثم بالاتراك عليه حتى أوقع به أيضا وظهر أمر أحمد باشا وعرف انه ان تم له الامر ونما أمر الاتراك لا يبقون عليه فعاجله وأزاله بمعونة الامراء المصرلية واستقر معهم حتى أوقع باشتراكهم قتل الدفتردار والكتخدا ثم محاربة محمد باشا بدمياط حتى أخذوه أسيرا ثم التحيل على علي باشا الطرابلسي حتى أوقعوه في فخهم وقتلوه ونهبوه
كل ذلك وهو يظهر المصافاة والمصادقة للمصريين وخصوصا البرديسي فانه تآخى معه وجرح كل منهما نفسه ولحس من دم الآخر واغتر به البرديسي وراج سوقه عليه وصدقه وتعضد به واصطفاه دون خشداشينه وتحصن بعساكره واقامهم حوله في الابراج وفعل بمعونتهم ما فعله بالالفي واتباعه وشردهم وقص جناحه بيده وشتت البواقي وفرقهم بالنواحي في طلبهم فعند ذلك استقلوهم في أعينهم وزالت هيبتهم من قلوبهم وعملوا خيانتهم وسفهوا رأيهم واستضعفوا جانبهم وشمخوا عليهم وفتحوا باب الشر بطلب العلوفة مع الاحجام خوفا من قيام أهل البلد معهم ولعلمهم بميلهم الباطني اليهم فاضطروهم الى عمل هذه الفردة ونسب فعلها للبرديسي فثارت العامة وحصل ما حصل
وعند ذلك تبرأ
محمد علي والعسكر من ذلك وساعدوهم في رفعها عنهم فمالت قلوبهم اليهم ونسوا قبائحهم وابتهلوا الى الله في إزالة الامراء وكرهوهم وجهروا بالدعاء عليهم وتحقق العسكر منهم ذلك وانحرف الامراء على الرعية باطنا بل اظهر البرديسي الغيظ والانحراف من أهل مصر وخرج من بيته مغضبا الى جهة مصر القديمة وهو يلعن أهل مصر ويقول لا بد من تقريرها عليهم ثلاث سنوات وأفعل بهم وأفعل حيث لم يمتثلوا لاوامرنا ثم اخذوا يدبرون على العسكر وارسلوا الى جماعتهم المتفرقين في الجهات القبلية والبحرية يطلبونهم للحضور فأرسلوا الى حسين بك الوالي ورستم بك من الشرقية واسمعيل بك صهر ابراهيم بك ومحمد بك المنفوخ ليأتيا من شرق اطفيح والفريقان كانوا لرصد الالفي وانتظاره وارسلوا الى سليمان بك حاكم الصعيد بالحضور من اسيوط بمن حوله من الكشاف والامراء والى يحيى بك حاكم رشيد واحمد بك حاكم دمياط واصعدوا محمد باشا المحبوس الى القلعة وعلم الانؤدية منهم ذلك فبادروا واجتمعوا بالازبكية في يوم الاحد ثامن عشرينه فارتاع الناس واغلقوا الحوانيت والدروب وذهب جمع من العسكر الى ابراهيم بك واحتاطوا بمهمات بيته بالداودية وكذلك ببيت البرديسي بالناصرية وتفرقوا على بيوت باقي الامراء والكشاف والاجناد
وكان ذلك وقت العصر والبرديسي عنده عدة كبيرة من العسكر المختصين به ينفق عليهم ويدر عليهم الارزاق والجماكي والعلوفات ومنهم الطبجية وغيرهم وعمر قلعة الفرنسيس التي فوق تل العقارب بالناصرية وجددها بعد تخريبها ووسعها وانشأ بها اماكن وشحنها بآلات الحرب والذخيرة والجبخانة وقيد بها طبجية وعساكر من الآرنؤدية وذلك خلاف المتقيدين بالابراج والبوابات التي انشأها قبالة بيته بالناصرية جهة قناطر السباع والجهة الاخرى كما سبق ذكر ذلك
فلما علم بوصول العساكر حول دائرته وكان جالسا صحبة عثمان بك يوسف فقام وقال له كن أنت في مكاني هنا حتى اخرج وارتب الامر وارجع اليك وتركه وركب الى خارج فضربوا عليه بالرصاص
فخرج على وجهه بخاصته وهجنه ولوازمه الخفيفة وذهب الى ناحية مصر القديمة وذلك في وقت الغروب وكان العسكر نقبوا نقبا من الجنينة التي خلف داره ودخلوا منه وحصلوا بالدار فوجدوه قد خرج بمن معه من المماليك والاجناد فقاتلوا من وجدوه واوقعوا النهب في الدار وانضم اليهم اجناسهم المتقيدون بالدار وقبضوا على عثمان بك يوسف ومماليكه وشلحوهم ثيابهم وسحبوهم بينهم عرايا مكشوفي الرؤس وتسلمهم طائفة منهم على تلك الصورة وذهبوا بهم الى جهة الصليبة فأودعوهم بدار هناك
وفي سابع ساعة من الليل ارسل محمد علي جماعة من العسكر ومعهم فرمان وصل من أحمد باشا خورشيد حاكم الاسكندرية بولايته على مصر فذهبوا به الى القاضي واطلعوه عليه وامروه أن يجمع المشايخ في الصباح ويقرأه عليهم ليحيط علم الناس بذلك
فلما أصبح أرسل اليهم فقالوا لا تصح الجمعية في مثل هذا اليوم مع قيام الفتنة فأرسله اليهم واطلعوا عليه وأشيع بين الناس
واما ابراهيم بك فأنه استمر مقيما ببيته بالداودية وامر مماليكه واتباعه ان يجلسوا برؤس الطرق الموصلة اليه فجلس منهم جماعة وفيهم عمر بك تابعه بسبيل الدهيشة المقابل لباب زويله وكذلك ناحية تحت الربع والقربية وجهة سويقة لاجين والداودية وصار العسكر يضربون عليهم وهم كذلك ودخل عليهم الليل فلم يزالوا على ذلك الى الصباح واضمحل حالهم وقتل الكثير من المماليك والاجناد ووصل اليهم خبر خروج البرديسي فعند ذلك طلبوا الفرار والنجاة بارواحهم
وعلم ابراهيم بك بخروج البرديسي وأنه ان استمر على حاله أخذ فركب في جماعته في ثاني ساعة من النهار وخرجوا على وجوههم والرصاص يأخذهم من كل ناحية فلم يزل سائرا حتى خرج الى الرميلة وهدم في طريقه أربعة متاريس وأصيب بعض مماليك وخيول وخدامين واصيب رضوان كتخداه وطلعت روحه عند الرميلة فأنزلوه عند باب العزب وأخذوا ما معه من جيوبه ثم شالوه الى داره ودفنوه
وقبضوا على عمر بك تابع الاشقر الابراهيمي من سبيل الدهيشة هو ومماليكه
وأما الذين بالقلعة من الامراء فأنهم اصبحوا يضربون بالمدافع والقنابر على بيوت الارنؤد بالازبكية الى الضحوة الكبرى فلما تحققوا خروج ابراهيم بك والبرديسي ومن أمكنه الهروب لم يسعهم الا انهم ابطلوا الرمي وتهيؤا للفرار ونزلوا من باب الجبل ولحقوا بابراهيم بك وعند نزولهم ارادوا اخذ محمد باشا وعلي باشا القبطان وابراهيم باشا فقام عليهم عسكر المغاربة ومنعوهم من اخذهم ونهب المغاربةالضربخانة وما فيها من الذهب والفضة والسبائك حتى العدد والمطارق وتسلم العسكر القلعة من غير مانع ولم تثبت المصرلية للحرب نصف يوم في القلعة ولم ينفع اهتمامهم بها طول السنة من التعمير والاستعداد وما شحنوه بها من الذخيرة والجبخانة وآلات الحرب وملؤا ما بها من الصهاريج بالماء الحلوه وقام أحمد بك الكلارجي وعبد الرحمن بك الابراهيمي وسليم اغا مستحفظان من وقت مجيئهم الى مصر متقيدين ومرتبطين بها ليلا ونهارا لا ينزلون الى بيوتهم الا ليلة في الجمعة بالنوبة اذا نزل احدهم اقام الآخران وطلع محمد علي اليها ونزل وبجانبه محمد باشا خسرو ورفقاؤه امامهم المنادى ينادى بالامان حكم ما رسم محمد باشا ومحمد علي واشيع في الناس رجوع محمد باشا الى ولاية مصر فبادر المحروقي الى المشايخ فركبوا الى بيت محمد علي يهنون الباشا بالسلامة والولاية وقدم له المحروقي هدية واقام على ذلك بقية يوم الاثنين ويوم الثلاثاء فكان مدة حبسه ثمانية اشهر كاملة فأنه حضر الى مصر بعد كسرته بدمياط في آخر ربيع الاول وهو اخر يوم منه واطلق في آخر يوم من ذي القعدة وخرج الامراء على اسوا حال من مصر ولم يأخذوا شيئا مما جمعوه وكنزوه من المال وغيره الا ما كان في جيوبهم او كان منهم خارج البلد مثل سليم كاشف ابي دياب فأنه كان مقيما بقصر العيني او الغائبين منهم جهة قبلي وبحرى
واما من كان داخل البلد فأنه لم يخلص له سوى ما كان في جيبه فقط ونهب العسكر اموالهم وبيوتهم
وذخائرهم وامتعتهم وفرشهم وسبوا حريمهم وسراريهم وجواريهم وسحبوهن بينهم من شعورهن وتسلطوا على بعض بيوت الاعيان من الناس المجاورين لهم ومن لهم بهم ادنى نسبة او شبهة بل وبعض الرعية الا من تدراكه الله برحمته او التجأ الى بعض منهم او صالح على بيته بدراهم يدفعها لمن التجأ اليه منهم ووقع في تلك الليلة واليومين بعدها مالا يوصف من تلك الامور وخربوا اكثر البيوت واخذوا اخشابها ونهبوا ما كان بحواصلهم من الغلال والسمن والادهان وكان شيئا كثيرا وصاروا يبيعونه على من يشتريه من الناس ولولا اشتغالهم بذلك لما نجا من الامراء المصرلية الذين كانوا بالبلدة أحد
ولو رجع الامراء عليهم وهم مشتغلون بالنهب لتمكنوا منهم ولكن غلب عليهم الخوف والحرص على الحياة والجبن وخابت فيهم الظنون وذهبت نفختهم في الفارغ وجازاهم الله ببغيهم وظلمهم وغرورهم وخصوصا ما فعلوه مع علي باشا من الحيل حتى وقع في أيديهم ثم رذلوه وأهانوه وقتلوا عسكره ونهبوا أمواله ثم طردوه وقتلوه فأنه وان كان خبيثا لم يعمل معهم ما يستحق ذلك كله وأعظم منه ما فعلوه مع أخيهم الالفي الكبير بعد ما سافر لحاجتهم وراحتهم وصالح عليهم ورتب لهم ما فيه راحتهم وراحة الدولة معهم بواسطة الانكليز وغاب في البحر المحيط سنة وقاسى هول الاسفار والفراتين في البحار فجازوه بالتشريد والتشتيت والنهب وقتل اتباعه وحبسهم وبلصهم واتخذوهم أعداء واخصاما من غير جرم ولا سابقة عداوة معهم الا الحسد والحقد وحذرا من رآسته عليهم وكانت هذه الفعلة سببا لنفور قلوب العسكر منهم واعتقادهم خيانتهم وقلتهم في اعينهم فان الالفي واتباعه كانوا يرون في انفسهم ان الشخص منهم يدوس برجله الجماعة من في غفلتهم ومشتغلون بما هم من مغارم الفلاحين وطلب الكلف فلما أرسلوا لهم بالحضور لم يسهل بهم ترك ذلك ولم يستعجلوا الحركة حتى يستوفوا مطلوباتهم من القرى الى ان حصل بهم ما نزل ولم يقع لهم منذ ظهورهم أشنع من هذه الحادثة وخصوصا كونها على يد هؤلاء
وكانوا يرون في أنفسهم ان الشخص منهم يدرس برجله الجماعة من العسكر وأحسنوا ظنهم فيهم واعتقدوا انهم صاروا أتباعهم وجندهم مع انهم كانوا قادرين على ازالتهم من الاقليم وخصوصا عندما خرجوا من المدينة لملاقاة علي باشا واخرجوا جميع العسكر وحازوهم الى جهة البحر وحصنوا ابواب البلد بمن يثقون به من اجنادهم ورسموا لهم رسوما امتثلوها فلو ارسلوا لهم بعد ايقاعهم بعلي باشا اقل اتباعهم وامروهم بالرحلة لما وسعتهم المخالفة حتى ظن كثير ممن له ادنى فطنه حصول ذلك فكان الامر بخلاف ذلك ودخلوا بعد ذلك وهم بصحبتهم ضاحكين من غفلة القوم ومستبشرين برجوعهم ودخولهم الى المدينة ثانيا وعند ذلك تحقق لذوى الفطن سوء رأيهم وعدم فلاحهم وزادوا في الطنبور نغمة بما صنعوه مع الالفي وكان العسكر يهابون جانبه ويخافون اتباعه ويخشونهم وخصوصا لما سمعوا بوصوله على الهيئة المجهولة لهم داخلهم من ذلك امر عظيم استمر في اخلاطهم يوما وليلة الى ان اجلاه البرديسي ومن معه يشؤم رأيهم وفساد تدبيرهم وفرقوا جمعهم في النواحي حرصا على قتل الالفي واتباعه فعند ذلك زالت هيبتهم من قلوب العسكر واوقعوا بهم ما اوقعوا ولا يحيق المكر السيء الا باهله
شهر ذى الحجة الحرام استهل بيوم الثلاثاء سنة
فيه قلدوا علي أغا الشعراوى واليا على مصر
وفيه نهبوا بيت محمد أغا المحتسب وقبضوا عليه وحبسوه
وفي ليلة الاربعاء انزلوا محمد باشا خسروا وابراهيم باشا الى بولاق وسفروهما الى بحرى ومعهما جماعة من العسكر وكانت ولايته هذه الولاية الكذابة شبيهة بولاية احمد باشا الذى تولى بعد قتل طاهر باشا يوما ونصفا وكان قد اعتقد في نفسه رجوعه لولاية مصر حتى انه لما نزل من القلعة الى بيت محمد علي نظر الى بيته من الشباك مهدوما منخربا فطلب في ذلك الوقت المهندسين وامرهم بالبناء وذلك من وساوسه يقال ان السبب في سفره اخوة طاهر باشا فأنهم داخلهم غيظ شديد ورأى محمد علي نفرتهم وانقباضهم من ذلك وعلم انه لا يستقيم حاله معهم وربما تولد بذلك شر فعجل بسفره وذهابه
ومن الاتفاقيات العجيبة أيضا ان طاهر باشا لما غدر بمحمد باشا اقام بعده اثنين وعشرين يوما وكذلك لما غدر المصرلية بالالفي لم يقيموا بعد ذلك الامثل ذلك
وفيه صعد عابدى بك اخو طاهر باشا بالقلعة واقام بها
وفي ليلة الخميس ثالثة اطلقوا عثمان بك يوسف وسافر الى جماعته جهة قبلي يقال انه افتدى نفسه منهم بمال واطلقوه ومعه خمسة مماليك واعطوه خمسة جمال واربعة هجن وخيلا
وفيه افرجوا عن محمد آغا المحتسب وابقوه في الحسبة على مصلحة عملوها عليه وقام بدفعها وركب وشق في المدينة وعمل تسعيرة ونادى بها في الشوارع والاسواق واما الامراء فأنهم باتوا اول ليلة جهة البساتين وفي ثاني يوم ذهبوا الى حلوان وحضر اليهم حسين بك الوالي ورستم بك من الشرقية ومروا من تحت القلعة وانفصلوا من العسكر الذين كانوا معهم في الطرية وتركوا لهم الحملة ووصل اليهم أيضا يحيى بك من ناحية رشيد وأحمد بك من دمياط وذهبوا اليهم ووصل يحيى بك من ناحية الجيزة ونهبوا البلاد وأكلوا الزروعات واستمروا على ذلك وانتشروا الى ان صارت اوائلهم بزاوية المصلوب وأواخرهم بالجيزة
وفيه كتبوا مكاتبات من نساء الامراء المصرلية بأنهم لا يتعرضون لاحد من العساكر الكائنة بقبلي وان قتل منهم أحد اقتصوا من حريمهم واولادهم بمصر
وفي يوم الجمعة حضر محمد بك المبدول بأمان ودخل الى مصر
وفي يوم الاحد سادسه اصعدوا عمر بك وبقية الكشاف وبعض الاجناد المصرية الى القلعة
وفيه عدى كثير من العسكر الى بر الجيزة ووقع بينهم وبين العرب بعض مناوشات وقتل أناس كثيرة من الفريقين
وفي سابعه ظهر محمد بك الالفي الكبير من اختفائه وكان متواريه بشرقية بلبيس برأس الوادى عند شخص من العربان يسمى عشيبة فأقام عنده مدة هذه الايام وخلص اليه صالح تابعه بما معه من المال وكان البرديسي استدل على مكانه واحضر اناسا من العرب وجعل لهم مالا كثيرا عليه واخذوا في التحيل عليه فحصلت هذه الحوادث وجوزى البرديسي بنيته وخرج من مصر كما ذكر وكانوا في تلك المدة يشيعون عليه اشاعات مرة بموته ومرة بالقبض عليه وغير ذلك فلما حصل ما حصل وانجلت الطرق من المراصدين اطمأن حينئذ وركب في عدة من الهجانة وصحبته صالح بك وتابعه ومروا من خلف الجبل وذهب الى شرق اطفيح ونزل عند عرب المعازة وتواتر الخبر بذلك
وفي تاسعه وصل احمد باشا خورشيد الى منوف فتقيد السيد أحمد المحروقي وجرجس الجوهرى بتصليح بيت ابراهيم بك بالداودية وفرشه
وفي ليلة الاثنين رابع عشره وصل الباشا الى ثغر بولاق فضربوا شنكا ومدافع وخرج العساكر في صبحها والوجاقلية وركب ودخل من باب النصر وأمامه كبار العساكر بزينتهم ولم يلبس الشعار القديم بل ركب بالتخفيفة وعليه قبوط مجرور وخلفه النوبة التركية ودخل الى الدار التي أعدت له بالداودية وقدموا له التقادم وعملوا بها تلك الليلة شنكا وسواريخ
وفي يوم الثلاثاء خامس عشره مر الوالي وامامه المنادى وبيده فرمان من الباشا ينادى به على الرعية بالامن والامان والبيع والشراء
وفي منتصفه حضر عبد الرحمن بك الابراهيمي وكان في بشبيش بناحية بحرى فطلب امانا وحضر الى مصر
وفي يوم الجمعة تحول الباشا من الداودية الى الازبكية وسكن ببيت البكرى حيث كان حريم محمد باشا فركب قبل الظهر في موكب وذهب
الى المشهد الحسيني وصلى الجمعة هناك ورجع الى الازبكية
وفيه فتحوا طلب مال الميرى من السنة القابلة لضرورة النفقة فاغتم الملتزمون لذلك لضيق الحال وتعطل الاسباب وعدم الامن وتوالى طلب الفرد من البلاد فلو فضل للملتزم شيء لا يصل اليه الا بغاية المشقة وركوب الضرر لوثوب الخلائق من العربان والفلاحين والاجناد والعساكر على بعضهم البعض من جميع النواحي القبلية والبحرية ثم ان الوجاقلية وبعض المشايخ راجعوا في ذلك فانحط الامر بعد ذلك على طلب نصف مال الميرى من سنة تسعة عشر وبواقي سنة سبعة عشر وثمانية عشر وكذلك باقي الحلوان الذى تأخر على المفلسين وكتبوا التنابيه بذلك وقالوا من لم يقدر على الدفع فليعرض تقسيطه على المزاد هذا والاجناد والعرب محيطة ببر الجيزة والعسكر من داخل الاسوار لا يجسرون على الخروج اليهم وحجزوا المراكب الواردة بالغلال وغيرها حتى لم يبق بالسواحل شيء من تلك الغلة أبدا ووصل سعر الادرب القمح ان وجد خمسة عشر ريالا
وفي يوم الاحد عشرينه وصل العسكر الذين كانوا صحبة سليمان بك حاكم الصعيد فدخلوا الى البلدة وأزعجوا كثيرا من الناس وسكنوا البيوت بمصر القديمة بعد ما أخرجوهم منها واخذوا فرشهم ومتاعهم وكذلك فعلوا ببولاق ومصر عندما حضر الذين كانوا ببحرى
وفيه قلدوا الحسبة لشخص عثمانلي من طرف الباشا وعزلوا محمد اغا المحتسب وكذلك عزلوا على آغا الشعراوى وقلدوا الزعامة لشخص آخر من اتباع الباشا وقلدوا اخر آغات مستحفظان
وفي ليلة الثلاثاء ثاني عشرينه خرجت عساكر كثيرة وعدت الى البر الغربي ووقعت في صبحها حروب بينهم وبين المصرلية والعربان وكذلك في ثاني يوم دخلت عساكر جرحى كثيرة وعملوا لهم متاريس عند ترسة والمعتمدية وتترسوا بها والمصرلية والعربان يرمحون من خارج وهم
لا يخرجون البهم من المتاريس واستمروا على ذلك الى يوم الاحد سابع عشرينه
وفي ذلك اليوم ضربوا مدافع ورجع محمد علي والكثير من العساكر واشيع ترفع المصرلية الى فوق ووقع بين العربان اختلاف واشاعوا نصرتهم على المصرلية وانهم قتلوا منهم أمراء وكشافا ومماليك وغير ذلك
وفي ذلك اليوم شنقوا شخصا بباب زويلة وآخر بالحبانية وهما من الفلاحين ولم يكن لهما ذنب قيل انه وجد معهما بارود اشترياه لمنع الصائلين عليهم من العرب فقالوا انكم تأخذونه الى المحاربين وكان شيئا قليلا
وفيه نزل جماعة من العسكر جهة قبة الغورى ومعهم نحو ثلاثين نفرا بجمالهم فقرطوا القمح المزروع وكان قد بدا صلاحه فطارت عقول الفلاحين واجتمعوا وتكاثروا عليهم وقبضوا على ثلاثة اشخاص منهم وهرب الباقون فدخلوا بهم المدينة ومعهم الاحمال وصحبتهم طبل وأطفال ونساء وذهبوا تحت بيت الباشا فأمر بقتل شخص منهم لانه شامي وليس بارنؤدى ولا انكشارى فقتلوه بالازبكية فوجدوا على وسطه ستمائة بندقي ذهب وثلثمائة محبوب ذهب والله اعلم وانقضت السنة وما حصل بها من الحوادث
وأما من مات فيها ممن له ذكر
فمات الفقيه العلامة والتحرير الفهامة الشيخ احمد اللحام اليونسي المعروف بالعريشي الحنفي حضر من بلدته خان يونس في سنة ثمان وسبعين ومائة وألف وحضر أشياخ الوقت وأكب على حضور الدروس وأخذ البيلي والشيخ محمد الجناجي والصبان والفرماوى وغيرهم وتفقه على الشيخ عبد الرحمن ولازمه وبه تخرج وحضر على شيخ الوالد في الدر المختار من أول كتاب البيوع الى كتاب الاجارة بقراءته وذلك سنة اثنتين وثمانين ومائة والف ولم يزل ملازما للشيخ عبد الرحمن
ملازمة كلية وسافر صحبته الى اسلامبول في سنة تسعين لبعض المقتضيات وقرأ هناك الشفاء والحكم بقراءة المترجم وعاد صحبته الى مصر ولم يزل ملازما له حتى حصل للعريشي ما حصل ودنت وفاته فأوصى اليه بجميع كتبه واستقر عوضه في مشيخة روانق الشوام وقرأ الدروس في محله وكان فصيحا من المعقولات والمنقولات وقصدته الناس في الافتاء واعتمدوا اجوبته وتداخل في القضايا والدعاوى واشتهر ذكره واشترى دارا واسعة بسوق الزلط بحارة المقس خارج باب الشعرية وتجمل بالملابس وركب البغال وصار له اتباع وخدم وهرعت الناس والعامة والخاصة في دعاويهم وقضاياهم وشكاويهم اليه وتقلد نيابة القضاء لبعض قضاة العساكر اشهرا ولما حضرت الفرنساوية الى مصر وهرب القاضي الرومي بصحبة كتخدا الباشا كما تقدم تعين المترجم للقضاء بالمحكمة الكبيرة والبسه كلهبر سارى عسكر الفرنساوية خلعة مثمنة وركب يصحبه قائمقام في موكب الى المحكمة وفوضوا اليه امر النواب بالاقاليم ولما قتل كلهبر انحرف عليه الفرنساوية لكون القاتل ظهر من رواق الشوام وعزلوه ثم تبينت براءته من ذلك الى ان رتبوا الديوان في آخر مدتهم ورسم عبد الله جاك منو باختيار قاض بالقرعة فلم تقم الا على المترجم فتولاه ايضا وخلعوا عليه وركب مثل الاول الى المحكمة واستمر بها الى أن حضرت العثمانيون وقاضيهم فانفصل عن ذلك ولازم بيته مع مخالطة فصل الخصومات والحكومات والافتاء ثم قصد الحج في هذه السنة فخرج مع الركب وتمرض في حال رجوعه وتوفي ودفن بنبط رحمه الله
ومات الشيخ الامام العمدة الفقيه الصالح المحقق الشيخ علي المعروف بالخياط الشافعي حضر أشياخ الوقت وتفقه على الشيخ عيسى البراوى ولازم دروسه وبه تخرج واشتهر بالعلم والصلاح واقرأ الدروس الفقهية والمعقولية وانتفع به الطلبة وانقطع للعلم والافادة ولما وردت ولاية
جدة لمحمد باشا توسون طلب انسانا معروفا بالعلم والصلاح فذكر له الشيخ المترجم فدعاه اليه واكرمه واساه واحبه وأخذه صحبته الى الحجاز وتوفي هناك رحمه الله
ومات الرئيس المبجل المهذب محمد افندي باش جاجرت الروزنامة وأصله تربية محمد افندى كاتب كبير الينكجرية وتمهر في صنعة الكتابة وقوانين الروزنامة وكان لطيف الطبع سليم الصدر محبوبا للناس
مشهور بالذوق وحسن الاخلاق مهذبا في نفسه متواضعا يسعى في حوائج اخوانه وقضاء مصالحهم المتعلقة بدفاترهم قانعا بحاله مترفها في مآكله وملبسه واقتنى كتبا نفيسة ومصاحف وتجتمع ببيته الاحباب ويدير عليهم سلاف انسه المستطاب مع الحشمة والوقار وعدم الملل والغفار ولما اختلفت الاحوال وترادفت الفتن ضاق صدره من ذلك واستوحش من مصر وأحوالها فقصد الهجرة بأهله وعياله الى الحرمين وعزم على الاقامة هناك فلما حصل هناك رأى فيها الاختلاف والخلل كذلك بسبب ظلم الشريف غالب وأتباعه واغارة الوهابيين على الحرمين وفتن العربان فلم يستحسن الاقامة هناك واشتاق لوطنه فعزم على العودة الى مصر فمرض بالطريق وتوفي ودفن بالينبع رحمه الله
ومات الامير حسين بك الذى عرف بالوشاش وهو من مماليك محمد بك الالفي وكان يعرف اولا بكاشف الشرقية لانه كان تولى كشوفيتها وكان صعب المراس شديد الباس قوى الجنان قلبه مع نحافة جسمه أعظم من جبل لبنان لا يهاب كثرة الجنود وتخشى سطوته الاسود ولما أجمعوا على خيانة الالفي واتباعه قال لهم ابراهيم بك الكبير على ما بلغنا لا يتم مرامكم بدون البداءة بالمترجم فان امكنكم ذلك والا فلا تفعلوا شيئا فلم يزالوا يدبرون عليه ويتملقونه له ويظهرون له خلاف ما يبطنون حتى تمكنوا من غدره على الصورة المتقدمة وسبب تلقبه بالوشاش انه كان طلع لملاقاة الحجاج بمنزلة الوش في سنة ورود الفرنساوية فلما
لاقى الحجاج وامير الحاج صالح بك رجع صحبتهم الى الشام وحصل منه بعد ذلك المواقف الهائلة مع الفرنساوية مع أستاذه ومنفردا في الجهات القبلية والشامية ولما انجلت الحوادث وارتحلت الفرنساوية من الديار المصرية واستقرت المصريون بعد حوادث العثمانية تأمر المترجم في ستة عشر صنجقا المتأمرين وظهر شأنه واشتهر فيما بينهم ونفذت اوامره فيهم ونغص عليهم وناكدهم وعاندهم وأغار على ما بأيديهم حتى ثقلت وطأته عليهم فلم يزالوا يحتالون عليه حتى أوقعوه في حبال صيدهم وهو لا يخطر بباله خيانتهم وغدروه بينهم كما ذكر
ومات الامير رضوان كتخدا ابراهيم بك وهو أغنى مماليكه رباه واعتقه وجعله جوخداره وكان يعرف اولا برضوان الجوخدار واستمر في الجوخدارية مدة طويلة ولما رجع مع أستاذه في أواخر سنة خمس ومائتين وألف بعد موت اسمعيل بك وأتباعه الى مصر ارخى لحيته وتقلد كتخدائية استاذه وتزوج ببعض سراريه وسكن دار عبدى بك بناحية سويقة العزى ثم انتقل منها الى دار مكة على بركة الفيل تجاه بيت شكر فره وعمرها وصارت له وجاهة بين الامراء والاعيان وباشر فصل الخصومات والدعاوى وازدحم الناس ببيته واشتهر ذكره وعظم شأنه وقصدته ارباب الحاجات وأخذ الرشوات والجعالات وكان يقرأ ويكتب ويناقش ويحاجج ويعاشر الفقهاء ويباحثهم ويميل بطبعه اليهم ويحب مجالستهم ولا يمل منهم وعنده حلم وسعة صدر وتؤدة وتأن في الامور واذا مهر له الحق لا يعدل عنه وعنده دهقنة ومداهنة وقوة خرم ولما حضر علي باشا الطرابلسي على الصورة المتقدمة كان المترجم والمتعين في الارسال اليه فلم يزل يتحيل عليه حتى انخدع له وادخل رأسه الجراب وصدق تمويهاته وحضر به الى مصر وأوردوه بعد الموارد وحاز بذلك منقبة بين اقرانه ونوه بعد بشأنه وخلعوا عليه الخلع وعرضوا عليه الامارة فأباها واستمر على حالته معدودا في ارباب الرياسة وتأتي الامراء الى
داره ولم يزل حتى ثارت العسكر على من بالبلدة من الامراء وحصروا ابراهيم بك ببيته في ثاني يوم هاربا والمترجم خلفه والرصاص يأخذهم من كل ناحية فأصيب في دماغه فمال عن جواده واستند على الخدم وذلك جهة الدرب الاحمر فلم يزل في غشوته حتى خرجت روحه بالرميلة فأنزلوه عند باب العزب واحتاط به المتقيدون بالباب واخذوا ما في جيوبه ثم احضروا له تابوتا وحملوه فيه الى داره فغسلوه وكفنوه ودفنوه بالقرافة سامحه الله فانه كان من خيار جنسه لولا طمع فيه ولقد بلوته سفرا وحضرا يافعا وكهلا فلم ار ما يشينه في دينه غفوفا طاهر الذيل وقورا محتشما فصيح اللسان حسن الرأى قليل الفضول جيد النظر
ومات العمدة الشريف السيد ابراهيم افندى الروزنامجي وهو ابن اخي السيد محمد الكماحي الروزنامجي المتوفي سنة سبع ومائتين والف واصلهم روميون الجنس وكان في الاصل جربجيا ثم عمل كاتب كشيدة وكان يسكن دارا صغيرة بجوار دار عمه واستمر على ذلك خامل الذكر فلما توفي عمه السيد محمد انتبذ عثمان افندى العباسي المنفصل عن الروزنامة سابقا يريد العود اليها عن شوق وتطلع لها وظنه شغور المنصب عن المتأهل اليه سواه فلم تساعده الاقدار لشدة مراسه وسأل ابراهيم بك عن شخص من اهل بيت المتوفي فذكر له السيد ابراهيم المرقوم وخموله وعدم تحمله لاعباء ذلك المنصب فقال لا بد من ذلك قطعا لطمع المتطلعين والتزم بمراعاته ومساعدته وطلبه ونقله من حضيض الخمول الى اوج السعادة والقبول فتقلد ذلك وساس الامور بالرفق والسير الحسن واشترى دارا عظيمة بدرب الاغوات وسكنها واستمر على ذلك الى ان ورد الفرنساوية الى مصر فخرج من خرج هاربا الى الشام ثم رجع مع من رجع ولم يزل حتى تمرض وتوفي في يوم الاربعاء سادس عشر القعدة من السنة رحمه الله تعالى
واستهلت سنة تسعة عشر ومائتين والف
فكان ابتداء المحرم بيوم الخميس فيه ركب الوالي العثملي وشق من وسط المدينة فمر على سوق الغورية فأنزل الغورية فأنزل شخصا من ابناء التجار المحتشمين وكان يتلو في القرآن فأمر الاعوان فسحبوه من حانوته وبطحوه على الارض وضربوه عدة عصي من غير جرم ولا ذنب وقع منه ثم تركه وسار الى الاشرفية فأنزل شخصا من حانوته وفعل به مثل ذلك فأنزعج اهل الاسواق واغلقوا حوانيتهم واجتمع الكثير منهم وذهبوا الى بيت الباشا يشكون فعل الوالي وسمع المشايخ بذلك فركبوا ايضا الى بيت الباشا وكلموه فأظهر الحنق والغيظ على الوالي ثم قاموا وخرجوا من عنده فتبعهم بعض المتكلمين في بيت الباشا وقال لهم ان الباشا يريد قتل الوالي والمناسب منكم الشفاعة فرجعوا الى الباشا وشفعوا في الوالي وأرسل سعيد أغا الوكيل وأحضروا له المضروب وأخذ بخاطره وطيب نفسه بكلمات ورجع الجميع كما ذهبوا وظنوا عزل الوالي فلم يعزل
وفيه رجع المصرلية والعربان وانتشروا بأقليم الجيزة حتى وصلوا الى انبابة وضربوها ونهبوها وخرج اهلها على وجوههم وعدوا الى البر الشرقي وأخذ العسكر في اهبة التشهيل والخروج لمحاربتهم
وفي يوم الجمعة ثانية سافر السيد علي القبطان الى جهة رشيد وخرج بصحبته جماعة كثيرة من العساكر الذين غنموا الاموال من المنهوبات فاشتروا بضائع وأسبابا ومتاجر ونزلوا بها صحبته وتبعهم غيرهم من الذين يريدون الخلاص والخروج من مصر فركب محمد علي الى وداع السيد علي المذكور ورد كثيرا من العساكر المذكورة ومنعهم عن السفر
وفي سادسه خرج محمد علي وأكابر العسكر بعساكرهم وعدوا الى برانبابة ووصلوا ونصبوا وطاقهم وعملوا لهم عدة متاريس وركبوا عليها المدافع واستعدوا للحرب فلما كان يوم الاحد حادى عشره كبس المماليك والعربان وقت الغلس على متاريس العسكر وحملوا على متراس حملة واحدة فقتلوا منهم وهرب من بقى والقوا بأنفسهم في البحر فاستعد من كان بالمتاريس الآخر وتابعوا رمي المدافع وخرجوا للحرب ووقع بينهم مقتلة عظيمة ابلى فيها الفريقان نحو أربع ساعات ثم انجلت الحرب بينهم وترفع المصرلية والعربان وانكفوا عن بعضهم وفي وقت الظهر أرسلوا سبعة رؤوس من الذين قتلوا من المصرلية في المعركة وشقوا بهم المدينة ثم علقوها بباب زوبلة وفيهم رأس حسين بك الوالي وكاشفين ومنهم حسن الكاشف الساكن بحارة عابدين ومملوكان وعلقوا عند رأس حسين بك الوالي المذكور صليبا من جلد زعموا انهم وجدوه معه وأصيب اسمعيل بك صهر ابراهيم بك ومات بعد ذلك ودفن بأبي صير
وفي ثاني عشره حصلت اعجوبة ببيت بالقربية به بغلة تدور بالطاحون فزنقوها بالادارة فاسقطت حملا ليس فيه روح فوضعوه في مقطف ومروا به من وسط المدينة وذهبوا به الى بيت القاضي وأشيع ذلك بين الناس وعاينوه
وفي يوم السبت سابع عشره حضر علي كاشف المعروف بالشغب بثلاث معجمات وتشديد الشين وفتح الغين وسكون الباء رسولا من جهة الالفي ووصل الى جهة البساتين وأرسل الى المشايخ يعلمهم بحضوره لبعض اشغال فركب المشايخ الى الباشا واخبروه بذلك فاذن بحضوره فحضر ليلا ودخل الى بيت الشيخ الشرقاوى فلما اصبح النهار اشيع ذلك وركب معه المشايخ والسيد عمر النقيب وذهبوا به الى بيت الباشا فوجدوه راكبا في بولاق فانتظروه حصة الى ان حضر فتركوا عنده على كاشف المذكور ورجعوا الى بيوتهم واختلى به الباشا حصة وقابله بالبشر ثم خلع عليه فروة سمور وقدم له مركوبا بعدة كاملة وركب الى بيته وأمامه جملة من العسكر مشاة وقدم له محمد علي أيضا حصانا
وفيه شرعوا في عمل شركفلك للحرب بالازبكية
وفي يوم الاثنين تاسع عشره ورد ططرى وعلى يده بشارة الباشا
بتقليده ولاية مصر ووصول القابجي الذي معه التقليد والطوخ الثالث الى رشيد وطوخان لمحمد علي وحسن بك أخي طاهر باشا وأحمد بك فضربوا عدة مدافع وذهب المشايخ والاعيان للتهنئة
وفي يوم الثلاثاء قتل الباشا اشخاص احدهم رجل سروجي وسبب ذلك ان الرجل السروجي له أخ اجير عند بعض الاجناد المصرلية فأرسل لاخيه فاشترى له بعض ثياب ونعالات وأرسلها مع ذلك الرجل فقبضوا عليه وسألوه فأخبرهم فاحضروا ذلك الرجل السروجي واحضروا أيضا رجلا بيطارا متوجها الى بولاق معه مسامير ونعالات فقبضوا عليه واتهموه أنه يعدى الى البر الآخر ليعمل لاخصامهم نعالات للخيل فامر الباشا بقتله وقتل السروجي والرجل الذي معه الثياب فقتلوهم ظلما
وفي يوم الاربعاء حضر القابجي الذي على يده البشرى وهو خازندار الباشا وكان ارسله حين كان بسكندرية ويسمونها المجسدة ولم يحضر معه اطواخ ولا غير ذلك فضربوا له شنكا ومدافع
وفيه خلع الباشا على السيد أحمد المحروقي فروة سمور وأقره على ما هو عليه أمين الضربخانة وشاه بندر وكذلك خلع على جرجس الجوهرى واقره باش مباشر الاقباط على ما هو عليه
وفيه رجع علي كاشف الشغب بجواب الرسالة الى الالفي
وفيه تحقق الخبر بموت يحيى بك وكان مجروحا من المعركة السابقة
وفي يوم الخميس عمل الباشا الديوان وحضر المشايخ والوجاقلية وقرأوا المرسوم بحضرة الجمع ومضمونه اننا كنا صفحنا ورضينا عن الامراء المصرلية على موجب الشروط التي شرطناها عليهم بشفاعة علي باشا والصدر الاعظم فخانوا العهود ونقضوا الشروط وطقوا وبغوا وظلموا وقتلوا الحجاج وغدروا علي باشا المولى عليهم وقتلوه ونهبوا امواله ومتاعه فوجهنا عليهم العساكر في ثمانين مركبا بحرية وكذلك احمد باشا الجزار بعساكر برية للانتقام منهم ومن العسكر الموالين لهم فورد الخبر بقيام العساكر عليهم ومحاربتهم لهم وقتلهم واخراجهم فعند ذلك رضينا عن العسكر
لجبرهم ما وقع من الخلل الاول وصفحنا عنهم صفحا كليا وأطعنا لهم السفر والاقامة متى شاؤا وأينما أرادوا من غير حرج عليهم ولينا حضرة احمد باشا خورشيد كامل الديار المصرية لما علمنا فيه من حسن التدبير والسياسة ووفور العقل والرآسة الى غير ذلك وعملوا شنكا وحراقة وسواريخ بالازبكية ثلاث ليال ومدافع تضرب في كل وقت من الاوقات الخمسة من القلعة وغيرها
وفيه تواترت الاخبار بان الامراء القبالي عملوا وحسات وقصدهم التعدية الى البر الشرقي
وفي يوم الاحد خامس عشرينه عدى الكثير منهم على جهة حلوان وانتقل الكثير من العسكر من بر الجيزة الى بر مصر فخاف أهل المطرية وغيرها وجلوا عنها وهربوا الى البلاد وحضر كثير منهم الى مصر خوفا من وصول القبالي
وفي يوم الخميس حادى عشرينه سافر الشيخ الشرقاوى الى مولد سيدى احمد البدوى واقتدى به كثير من العامة وسخاف العقول وكان المحروقي وجرجس الجوهرى مسافرين ايضا وشهلوا احتياجاتهم واستأذنوا الباشا فأذن لهم فلما تبين لهم تعدية المصرلية الى الجهة الشرقية امتنعوا من السفر ولم يمتنع الشيخ الشرقاوى ومن تابعه
وفي يوم الثلاثاء سابع عشرينه وصل فريق منهم الى جهة قبة باب النصر والعادلية من خلف الجبل ورمحوا خلف باب النصر من خارج وباب الفتوح ونواحي الشيخ قمر والدمرداش ونهبوا الوايلي وما جاوره وعبروا الدور وعروا النساء وأخذوا دسوتهم وغلالهم وزروعهم وخرج أهل تلك القرى على وجوههم ومعهم بعض شوالي وقصاع ودخل الكثير منهم الى مصر
وفي يوم الاربعاء جمع الباشا ومحمد علي العسكر واتفقوا على الخروج والمحاربة وأخرجوا المدافع والشركفلكات الى خارج باب النصر وشرعوا في عمل متاريس وفي آخر النهار ترفع المصرلية والعرب وتفرقوا
في اقليم الشرقية والقليبوبية وهم يسعون في الفساد ويهلكون الحصاد فما وجدوه مدروسا من البيادر أخذوه أو قائما على ساقه رعوه أو غير مدروس أحرقوه أو كان من المتاع نهبوه أو من المواشي ذبحوه واكلوه وذهب منهم طائفة الى بلبيس فحاصروا بها كاشف الشرقية يومين ونقبوا عليه الحيطان حتى غلبوه وقتلوا من معه من العسكر وأخذوه اسيرا ومعه اثنان من كبار العسكر ثم نهبوا البلد وقتلوا من أهلها نحو المائتين وحضر ابو طويلة شيخ العائد عند الامراء ولامهم وكلمهم على هذا النهب وقال لهم هذه الزروعات غالبها للعرب والذى زرعه الفلاح في بلاد الشرق شركة مع العرب وان هبود العرب المصاحبين لكم ليس لهم رأس مال في ذلك فكفوهم وامنعوهم ويأتيكم كفايتكم واما النهب فانه يذهب هدرا فلما سمع كبار العرب المصاحبين لهم من الهنادى وغيرهم قوله هبود العرب اغتاظوا منه وكادوا يقتلونه فدخل بمن معه جامع قليوب وتترس به وحارب ثلاث ليال وأصيب كثير من المحاربين له ثم تركوه ففر بمن بقى معه الى البحر ونزل في قارب وحضر الى مصر وأخذوا حملته ومتاعه وجبخانته وطلبوا مشايخ النواحي مثل شيخ الزوامل والعائد وقليوب والزموهم بالكلف وفردوا على القرى الفرد والكلف الشاقة مثل الف ريال والفين وثلاثة وعينوا بطلبها العرب وعينوا لهم خدما وحق طرق خلاف المقرر عشرين الف فضة وأزيد ومن استعظم شيئا من ذلك أو عصى عليهم حاربوا القرية ونهبوها وسبوا نساءها وقتلوا اهلها وحرقوا جرونهم وقل الواردون الى المدينة بالغلال وغيرها فقلت من الرقع وازدحم الناس على ما يوجد من القليل فيها واحتاج العسكر الى الغلال لاخبارهم لانهم لم يكن عندهم شيء مدخر فأخذوا ما وجدوه في العرصات فزاد الكرب ومنعوا من يشترى زيادة على ربع من الكيل ولا يدركه الا بعد مشقة بستين نصفا واذا حضر للبعض من الناس غلة من مزرعته القريبة لا يمكنه ايصالها الى
داره الا بالتجوه والمصانعة والمغرم لقلقات الابواب واتباعهم فيحجزون ما يرونه داخل البلد من الغلة متعللين بانهم يريدون وضعها في العرصات القريبة منهم فيعطونها للفقراء بالبيع فيعطونهم دراهم ويطلقونهم
وفي اواخره طلبوا جملة اكياس لنفقة العسكر فوزعوا جملة اكياس على الاقباط والسيد احمد المحروقي وتجار البهار ومياسير التجار والملتزمين
وطلبوا ايضا مال الجهات والتحرير وباقي مسميات المظالم عن سنة تاريخه معجلة
وفي يوم الخميس تاسع عشرينه خرج الكثير من العسكر ورتبوا انفسهم ثلاث فرق في ثلاث جهات وردوا الخيول الا القليل ووقع بينهم مناوشات قتل فيها أنفار من الفريقين
شهر صفر الخير سنة
استهل بيوم الجمعة فيه نادوا على الفلاحين والخدامين البطالين بالخروج من مصر وكل من وجد بعد ثلاثة ايام وليس بيده ورقة من سيده يستاهل الذى يجرى عليه
وفي ثانيه طاف الاعوان وجمعوا عدة من الناس العتالين وغيرهم ليسخروهم في عمل المتاريس وجر المدافع
وفي خامسه قبض الوالي على شخص يشترى طربوشا عتيقا من سوق العصر بسويقة لاجين واتهمه انه يشترى الطرابيش للاخصام من غير حجة ولا بيان ورمى رقبته عند باب الخرق ظلما
وفي سابعه نزل الارنؤد من القلعة وتسلمها الباشا وطلع اليها وضربوا لطلوعه عدة مدافع ورجع الى داره آخر النهار
وفيه اشيع قدوم سليمان بك حاكم جرجا ووصوله الى بنى سويف وفي عقبة الالفي الصغير أيضا
وفيه هجم طائفة من الخيالة في طلوع الفجر على المذبح السلطاني واخذوا ثورين أحدهما من المذبح والآخر من بعض الغيطان وهرب الجزارون وفي يوم السبت تاسعه طلع الباشا الى القلعة وسكن بها وضربوا له عدة مدافع
وفيه حضر كاشف الشرقية المقبوض عليه ببلبيس ومعه اثنان وقد أفرج عنهم الامراء المصرلية وأطلقوهم فلما وصلوا الى الباشا خلع عليهم وألبسهم فراوى جبرا لخاطرهم
وفيه وصل الخبر بوقوع حرب بين العسكر والمصرلية والعربان وحضر عدة جرجى وكانت الواقعة عند الخصوص وبهتيم وجلا اهل تلك القرى وخرجوا منها وحضروا الى مصر بأولادهم وقصاعهم فلم يجدوا لهم مأوى ونزل الكثير منهم بالرميلة
وفيه حضر اناس من الذين ذهبوا الى مولد السيد البدوى وفيهم عرايا ومجاريح وقتلى وقد وقفت لهم العرب وقطعت عليهم الطرق فتفرقوا فرقا في البر والبحر وحصر العرب طائفة كبيرة منهم بالقرطيين وحصل لهم مالا خير فيه وأما الشيخ الشرقاوي فأنه ذهب إلى المحلة الكبيرة وأقام بها اياما ثم ذهب مشرقا الى بلدة القرين
وفيه حضر مصطفى أغا الارنؤدى هجانا برسالة من عند الالفي وفيها طلب اتباعه الذين بمصر فلم ياذنوا لهم في الذهاب اليه واحتجوا بعدم تحقق صداقته العثمانية
وفيه ورد الخبر بتوجه سليمان بك الخازندار حاكم جرجا الى جهة بحرى وانه وصل الى بنى سويف وان الالفي الصغير في اثره بحرى منية ابن خصيب والالفي الكبير مستقر بأسيوط يقبض في الاموال الديوانية والغلال وأشيع صلحه مع عشيرته سرا ومظهر خلاف ذلك مع العثمانية
وفي يوم الاحد عاشره أحضروا جماعة من الوجاقلية عند كتخدا الباشا فلما استقروا في الجلوس كلموهم وطلبوا منهم سلفة وحبسوا رضوان كاشف الذى بباب الشعرية وطلبوا منه عشرين كيسا وكذلك طلبوا من باقي الاعيان مثل مصطفى آغا الوكيل وحسن
آغا محرم ومحمد افندى سليم وابراهيم كتخدا الرزاز وخلافهم مبالغ مختلفة المقادير وعملوا على الاقباط ألف كيس وحلف الباشا انها لا تنقص عن ذلك وفردوا عن البنادر مثل دمياط ورشيد وفوة ودمنوهر والمنصورة وخلافها مبالغ أكياس ما بين ثمانين كيسا ومائة كيس وخمسين كيسا وغير ذلك لنفقة العسكر وأحضر الباشا الروزنامجي واتهمه في التقصير
وفي يوم الاثنين ارسل الباشا الوالي والمحتسب الى بيت الست نفيسة زوجة مراد بك وطلبها فركبت معهما وصحبتهما امرأتان فطلعا بهن الى القلعة وكذلك ارسلوا بالتفتيش على باقي نساء الامراء فاختفى غالبهن وقبضوا على بعضهن وذلك كله بعد عصر ذلك اليوم فلما حصلت الست نفيسة بين يديه قام اليها واجلها ثم امرها بالجلوس وقال لها على طريق اللوم يصح ان جاريتك منور تتكلم مع مصادق آغا وتقول له يسعى في امر المماليك العصاة وتلتزم له بالمكسور من جامكية العسكر فأجابته ان ثبت ان جاريتي قالت ذلك فأنا المأخوذة به دونها فأخرج من جيبه ورقة وقال لها وهذه واشار الى الورقة فقالت وما هذه الورقة ارنيها فاني اعرف ان اقرأ لانظر ما هي فأدخلها ثانيا في جيبه ثم قالت له انا بطول ما عشت بمصر وقدرى معلوم عند الاكابر وخلافهم والسلطان ورجال الدولة وحريمهم يعرفوني أكثر من معرفتي بك ولقد مرت بنا دولة الفرنسيس الذين هم اعداء الدين فما رأيت منهم الا التكريم وكذلك سيدى محمد باشا كان يعرفني ويعرف قدرى ولم نر منه الا المعروف واما انت فلم يوافق فعلك فعل اهل دولتك ولا غيرهم فقال ونحن ايضا لا نفعل غير المناسب فقالت له وأى مناسبة في أخذك لي من بيتي بالوالي مثل ارباب الجرائم فقال انا ارسلته لكونه اكبر اتباعي فأرساله من باب التعظيم ثم اعتذر اليها وامرها بالتوجه الى بيت الشيخ السحيمي بالقلعة واجلسوها عنده بجماعة من العسكر واصبح الخبر شائعا بذلك فتكدرت
خواطر الناس لذلك وركب القاضي ونقيب الاشراف والشيخ السادات والشيخ الامير وطلعوا الى الباشا وكلموه في أمرها فقال لا بأس عليها واني انزلتها ببيت الشيخ السحيمي مكرمة حسما للفتنة لانها حصل منها ما يوجب الحجز عليها فقالوا نريد بيان الذنب وبعد ذلك اما العفو أو الانتقام فقال انها سعت مع بعض كبار العسكر تستميلهم الى المماليك العصاة ووعدتهم بدفع علوفاتهم وحيث انها تقدر على دفع العلوفة فينبغي انها تدفع العلوفة فقالوا له ان ثبت عليها ذلك فانها تستحق ما تأمرون به فيحتاج أن تتفحص على ذلك فقام اليها الفيومي والمهدى وخاطباها في ذلك فقالت هذا الكلام لا أصل له وليس لي في المصرلية زوج حتى اني أخاطر بسببه فان كان قصده مصادرتي فلم يبق عندى شيء وعلي ديون كثيرة فعادوا اليه وتكلموا معه وراددهم فقال الشيخ الامير للترجمان قل لافندينا هذا أمر غير مناسب ويترتب عليه مفاسد وبعد ذلك يتوجه علينا اللوم فان كان كذلك فلا علاقة لنا بشيء من هذا الوقت أو نخرج من هذه البلدة وقام قائما على حيله يريد الذهاب فأمسكه مصطفى اغا الوكيل وخلافه وكلموا الباشا في اطلاقها وانها تقيم ببيت الشيخ السادات فرضي بذلك وانزلوها ببيت الشيخ السادات وكانت عديلة هانم ابنة ابراهيم بك عندما وصلها الخبر ذهبت الى بيته أيضا
وفيه شنقوا شخصا على السبيل بباب الشعرية شكا منه اهل حارته وانه يتعاطى القيادة ويجمع بين الرجال والنساء وغير ذلك
وفي يوم الحميس رابع عشره كتبوا أوراقا وألصقوها بالاسواق بطلب ميرى سنة تاريخه المعجلة بالكامل وكانوا قبل ذلك طلبوا نصفها ثم اضطرهم الحال بطلب الباقي وعملوا قوائم بتوزيع خمسة آلاف كيس استقر منها على طائفة القبطة خمسمائة كيس بعد الالف وجملة على الملتزمين خلاف ما أخذ منهم قبل ذلك وعلى الست نفيسة وبقية نساء الامراء ثمانمائة كيس
بسم الله الرحمن الرحيم
وفيه خطف العرب جراية العسكر من عند الزاوية الحمراء
وفيه وصل سليمان بك الخازندار وعدى إلى جهة طرأ فخرج عدة من العسكر خلاف المرابطين هناك قبل ذلك من العسكر والمغاربة فقصد المرور من خلف الجبل واللحوق بجماعته جهة الشرق في آخر الليل فوقف له العسكر وضربوا عليه بالمدافع الكثيرة واستمر الضرب من الفجر إلى عصر يوم الجمعة ونفذ بمن معه على حماية وقتلوا منه مملوكا واحدا وحضروا برأسه إلى تحت القلعة
وفيه رجع الكثير من عسكر الارنؤد وغيرهم ودخلوا إلى المدينة يطلبون لعوفة واستمر من بقي منهم ببهتيهم وبلقس ومسطرد وقد اخرجوا أهاليها منها ونهبوها واستولوا على ما فيها من غلال واتبان وغير ذلك وكرنكوا فيها ونقبوا الحيطان لرمي بنادق الرصاص من الثقوب وهم مستترون من داخلها ونصبوا خيامهم في أسطحة الدور وجعلوا المتاريس من خارج البلدة وعليها المدافع فلا يخرجون إلى خارج ولا يبرزون إلى ميدان الحرب وكل من قرب منهم من الخيالة المقاتلين رموا عليه بالمدافع والرصاص ومنعوا عن أنفسهم واستمروا على ذلك
وفيه وردت مكاتبات إلى التجار من الحجاز واخبروا بان الحجاج أدركوا الحج والوقوف بعرفة ودخلوا قبل الوقوف بيومين واخبروا أيضا بوفاة شريف باشا إلى رحمة الله تعالى وكان من خيار دولة العثمانيين ووردت
أخبار أيضا من البلاد الشامية بوفاة احمد باشا الجزار في سادس عشرين المحرم
وفي يوم السبت سادس عشرة أرسلوا تنابيه إلى أرباب الحرف والصنائع بطلب دراهم وزعت عليهم مجموعها خمسمائة كيس فضج الناس وتكدروا مع ما هم فيه من وقف الحال وغلاء الأسعار في كل شيء واصبحوا على ذلك يوم الأحد فلم يفتحوا الحوانيت وانتظروا ما يفعل بهم وحضر منهم طائفة إلى الجامع الأزهر ومر الأغا والوالي ينادون بالأمان وفتح الدكاكين فلم يفتح منهم إلا القليل
وفيه سرح سليم كاشف المحرمجي إلى جهة بحري وأشيع وصول الألفي الصغير إلى المنية واصبح يوم الاثنين اجتمع الكثير من غوغاء العامة والأطفال بالجامع الأزهر ومعهم طبول وصعدوا إلى المنارات يصرخون ويطلبون وتحلقوا بمقصورة الجامع يدعون ويتضرعون ويقولون يا لطيف وأغلقوا الأسواق والدكاكين ووصل الخبر إلى الباشا بل سمعهم من القلعة فأرسل قاصدا إلى السيد عمر النقيب يقول أننا رفعنا عن الفقراء فقال له إن هؤلاء الناس وأرباب الحرف والصنائع كلهم فقراء وما كفاهم ما هم فيه من القحط والكساد ووقف الحال حتى تطلبوا منهم مغارم لجوامك العسكر وما علاقتهم بذلك فرجع الرسول بذلك وحضر الآغا ومعه عدة من العسكر وجلس بالغورية وهو يأمر الناس بفتح الحوانيت ويتوعد من يتخلف فلم يحضر أحد ولم يسمعوا لقوله وفي وقت العصر رجع القاصد ومعه فرمان برفع الغرامة عن المذكورين ونادى المنادي بذلك فاطمأن الناس وتفرقوا وذهبوا إلى بيوتهم وخرج الأطفال يرمحون ويصرخون ويفرحون
وفي ذلك اليوم عدى محمد علي وجمع كثير من العسكر والمغاربة إلى بر الجيزة وبرزوا إلى خارج فنزل عليهم جملة من العرب فحاربوهم فقتل بينهم أنفار وانجرح منهم كذلك ثم ترفعوا عنهم فرجعوا ومعهم
راس من العرب ومع المغاربة قتيل منهم في تابوت وهم يقولون طردناهم وخطفوا بعض مواش وأغنام في طريقهم من الرعيان فقتلوهم أخذوها منهم
وفي تاسع عشرة حضر كتخدا الباشا كاتب البهار وأمره بإحضار ستمائة فرق بن فاعتذر إليه بعدم وجود ذلك فقال إنما نأخذها بأثمانها فقال له ليس علي إلا التعريف وقد عرفتك أن هذا القدر لا يوجد وان أردت فأرسل معي من تريد وتكشف على حواصل التجار والخانات فطافوا على الخانات وفتحوا الحواصل فلم يجدوا إلا سبعين فرقا وأكثرها عليه نشانات كبار العسكر من مشترواتهم فرجعوا من غير شيء ثم نودي في اثر ذلك بالأمان
وفيه وقعت معركة بسوق الصاغة بين بعض العسكر الذين يتحشرون في أيام الأسواق في الدلالين والباعة ويعطلون عليهم دلالتهم وصناعتهم ومعايشهم وضربوا على بعضهم بالرصاص ففزع الناس وحصلت كرشة وظن من لا يعلم الحقيقة من العسكر أنها قومة فهربوا يمينا وشمالا وطلبوا النجاة والتواري ووافق مرور اغات الانكشارية في ذلك الوقت فانزعج هو ومن معه وطلب الهرب ثم انكشف الغبار وظهر شخص عسكري مطروح وبه رمق آخر مجروح فرجع الآغا وأمر بحمله في تابوت ونادى بالأمان
وفي يوم الجمعة ثاني عشرينة قبل المغرب ضربوا مدافع كثيرة من القلعة وكذلك في صبحها يوم السبت ولم يظهر لذلك سبب سوى ما يقولونه من التمويهات ومن وصول الاطواخ وعساكر ودلاة برية تارة بحيرة أخرى
وفيه أشيع وقوع معركة بين المصرلية والعثمانية واخذوا منهم متاريس بلقس ومدافع ووصل منهم جرحى دخلوا ليلا وحضر من المصرلية طائفة ناحية شلقان وقطعوا الطريق على السفار في البحر واخذوا مركبين واحرقوا مراكب وامتنع الواصلون والذاهبون وارتفعت الغلال من الرقع والعرصات وغلا سعرها فخرج إليهم مراكب يقال لها الشلنبات وضربوا
عليهم بالمدافع وأجلوهم عن ذلك الموضع ووصل بعض مراكب من المعوقين
وفي يوم الثلاثاء سادس عشرية أرسل الباشا إلى المشايخ فذهبوا إليه فاستشارهم في خروجه إلى الحرب وخروجهم صحبته مع الرعية فلم يصوبوا رأيه في ذلك وقالوا له إذا انهزم العسكر تأمر غيرهم بالخروج وإذا كانت الهزيمة علينا وأنت معنا من يخرج بعد ذلك وانفض المجلس على غير طائل
وفي أو آخره يوم الأربعاء ويوم الخميس وقع بينهم مساجلات ومحاربات ومغالبات واحترقت جبخانة العثمانيين وقيل أخذ باقيها ورجع منهم قتلى ومجاريح وانجرح عابدي بك أخو طاهر باشا واحترق أشخاص من الطبجية ودخل سلحدار الباشا والوالي وأمامهما رأس واحدة بشوارب كأنه من المماليك
وفي عصرية ذلك اليوم اخرجوا عساكر ومعهم مدافع وجباخنة أيضا محملة على نيف وثلاثين جملا
وفيه ضيقوا على نساء الأمراء في طلب الغرامة وألزموا بقبضها وتحصيلها الست نفيسة وعديلة هانم ابنة إبراهيم بك فوزعتاها بمعرفتهما على باقي النساء وأرسلوا عساكر يلازمون بيوتهن حتى يدفعن ما التزمن به فاضطر أكثرهن لبيع متاعهن فلم يجدن من يشتري لعموم المضايقة والكساد وانقضى هذا الشهر والحال على ما هو عليه من استمرار الحروب والمحاصرات بين الفريقين وانقطاع الطرق برا وبحرا وتسلط العربان واستغنامهم تفاشل الحكام وانفكاك الأحكام وذلك تسلط الفلاحين المقاومين من سعد وحرام على بعضهم البعض بحسب المقدرة والقوة والضعف وجهل القائمين المتآمرين بطرائق سياسة الإقليم ولايعرفون من الأحكام إلا اخذ الدراهم بأي وجه كان وتمادى قبائح العسكر بما لا تحيط به الأوراق والدفاتر بحيث انه لايخلوا يوم من زعجان ورجفات وكرشات في غالب الجهات أما لأجل امرأة أو أمرد أو خطف شيء أو تنازع وطلب شر بأدى
سبب مع العامة والباعة أو مشاحنة مع السوقة والمتسببين بسبب ابدال دنانير ذهب ناقص بدراهم مكررة فضة كاملة المصارفة من صيارف أو باعة أو غير ذلك وتعطل أسباب المعايش وغلو الأسعار في كل شيء وقلة المجلوب ومنع السبل ووصل سعر الأردب القمح ستة عشر ريالا والفول والشعير اكثر من ذلك لقلته وعزته وإذا حضر منه شئ أخذوه لاحتياج العليق قهرا بأبخس الثمن عند وصوله المأمن وأجرة طحين الويبة من القمح ستة وأربعون نصفا مع ما يسرقه الطحانون منها ويخلطونه فيها وأجرة خبيزها عشرون نصفا بحيث حسب ثمن الأردب بعد غربلته وأجرته ومسكه وكلفته وطحينه وخبيزه إلى أن يصير خبزا أربعة وعشرون ريالا فسبحان اللطيف الخبير المدبر ومن خفي لطفه كثرة الخبز وأصناف الكعك والفطير في الأسواق وسعر الرطل من اللحم الجفط بما فيه من العظم والكبد تسعة أنصاف والجاموسي سبعة أنصاف الرطل والراوية الماء ثلاثون نصفا والسمن القنطار بالفين وأربعمائة نصف وشح الأرز وقل وجوده وغلا ثمنه ووصل سعر الأردب إلى خمسة وعشرين ريالا والجبن القريش بثمانية عشر نصفا الرطل وأما الخضارات فعز وجودها وغلا ثمنها بحيث أن الرطل من البامية بما فيها من الخشب الذي يرمى من وقت طلوعها إلى أن بلغت حد الكثرة بثمانية أنصاف كل رطل والرطل قباني اثنتا عشرة أوقية وعز وجود البن وغلا سعره حتى بلغ في هذا الشهر الرطل سبعين ونصفا والسكر العادة الصعيدي خمسة وأربعون نصفا الرطل والواحد والعسل الأبيض الغير الجيد ثلاثون نصفا والعسل الأسود خمسة عشر نصفا والعسل القطر عشرون نصفا الرطل والصابون أربعة وعشرون نصفا كل ذلك بالرطل القباني الذي عمله محمد باشا فلا جزاه الله خيرا والشيرج بألفين فضة القنطار وورد الكثير من الحطب الرومي ورخص سعره إلى مائة وعشرين نصفا الحملة بعد ثلثمائة نصف وأما أنواع البطيخ والعبدلاوي فلم يشتره اكثر الناس لقلته وغلوا ثمنه فانه بيعت الواحدة بعشرين نصفا فأقل
فأكثر والخيار بخمسة أنصاف الرطل من وقت طلعوه إلى أن بلغ حد الكثرة وبقي بحال لاتقبله الطبيعة البشرية فعند ذلك بيع بنصفين وأما الفاكهة فلا يشتريها إلا أفراد الأغنياء أو مريض يشتهيها أو امرأة وحمى لغلوها فإن رطل الخوخ بخمسة عشر نصفا والتفاح الأخضر كذلك وقس على ذلك لقلة المجلوب وخراب البساتين وغلو علف البهائم وحوز المتسيين واخذ الرشوات منهم وتركهم وما يدينون وأما الأتبان فأنها كثرت وانحل سعرها عما كانت
شهر ربيع الأول سنة استهل بيوم السبت
فيه وقع هرج ومرج وإشاعات ثم تبين أن طائفة من العربان والمماليك وصلوا إلى خارج باب النصر وظاهر الحسينية وناحية الزاوية الحمراء وجزيرة بدران جهة الحلى ورمحوا على من صادفوه بتلك النواحي وحالوا بين العسكر الخارجين وبين عرضيهم واخذوا ما معهم من الجراية والعليق والجبخانة فنزل الباشا ومعه عساكر وذهب إلى جهة بولاق ثم إلى ناحية الزاوية الحمراء أغلقوا أبواب المدينة ثم رجع الباشا بعد العصر ودخل من باب العدوى وطلع إلى القلعة وهو لابس برنسا ثم تكرر بينهم وقائع وخروج عساكر ودخول خلافهم ونزول الباشا وطلوعه
وفي رابع حضر الشيخ عبد الله الشرقاوي من غيبته بالقرين بعد ذهابه إلى المحلة من طندتا
وفي يوم الخميس سادسة حضر هجانة بمكاتبة من عند الألفي الكبير للباشا وفيها الأخبار بعزمه على الحضور إلى مصر هو وعثمان بك حسن ويلتمس أن يخلوا له الجيزة وقصر العيني لينظر في هذا الأمر والفساد والواقع بمصر فكتب له الباشا جوابا ملخصه على ما نقل إلينا انك في السابق عرفتنا انك مذعن للطاعة وأرسلنا لك بالآذن والإقامة بجرجا وما عرفنا موجب هذا الحضور فإن كنت طائعا وممتثلا ما كنت ولك الولاية والحكم بالإقليم القبلي وأرسل المال والغلال ونحو ذلك من الكلام وسافروا بالجواب يوم السبت ثامنه
وفيه ترفع الأمراء المصرلية إلى ناحية مشتهروبنها وانتقلوا من منزلتهم وأشاع العسكر ذهابهم وهروبهم
وفيه وردت مكاتبات من الحجاز واخبروا فيها بموت محمود جاويش الذي سافر بالمحمل وكذلك الحاج يوسف صبر في الصرة وان طائفة من الوهابيين حاصروا جدة ولم يملكوها وان ببلاد الحجاز غلاء شديدا لمنع الوارد عنهم والأردب والقمح بثلاثين ريالا فرانسا عنها من الفضة العددية خمسة آلاف وأربعمائة
وفي يوم السبت ثامنة أرسلوا فعلة وعمالا لعمل متاريس وابنية بناحية طرا وكذلك بالجيزة وأرسلوا هناك مراكب حربية يسمونها الشلنبات وفي يوم الثلاثاء خرج محمد علي وحسن بك أخو طاهر باشا إلى جهة القليوبية وصحبتهم عساكر كثيرة وأدوات وعدى طائفة من الأمراء إلى بر المنوفية وهرب حاكم المنوفية من منوف
وفي ثالث عشرة ورد الخبر بوصول مراكب داوات من القلزم إلى السويس وفيها حجاج والمحمل واخبروا بمحاصرة الوهابين لمكة والمدينة وجدة وان اكثر أهل المدينة ماتوا جوعا لعزة الأقوات والأردب القمح بخمسين فرانسا أن وجد والأردب الأرز بمائة فرانسا وقس على ذلك
وفي خامس عشرة يوم السبت وصلت مراكب وفيها طائفة من العسكر وهم الذين يسمونهم النظام الجديد الذين يقلدون محاربة الإفرنج وأشاعوا انهم خمسة آلاف وعشرة آلاف ووصل صحبتهم الآغا الذي كان حضر بالمجدة والبشارة للباشا بالتقليد الأطواخ ورجع إلى إسكندرية فحضر أيضا وضربوا لوصوله مدافع وشنكا جهة بولاق وأرسلوا له خيولا ويرقا وطبلخانات واركبوه من بولاق وشق من وسط المدينة وأمامه وخلفه أتباع الباشا والوالي والجنيبات وعسكر النظام الجديد وهم دون المائة شخص والآغا المذكور ومعه أوراق في أكياس حرير ملون
وخلفه آخر راكب ومعه بقجة يقال أن بداخلها خلعة برسم الباشا وآخر معه صندوق صغير وعليه دواة كتابة منقوشة بالفضة وخلفهم الطبلخانات فلما وصلوا إلى القلعة ضربوا لوصولهم مدافع كثيرة من القلعة وعمل الباشا ديوانا في ذلك الوقت بعد العصر وقرأوا التقليد المذكور
وفي ذلك اليوم وصلت طائفة من العربان إلى جهة بولاق وجزيرة بدران وناحية المذبح وخطفوا ما خطفوه وذهبوا بما أخذوه
وفيه ورد الخبر بوصول الألفي الكبير إلى ناحية بني سويف وعثمان بك حسن في مقابلته بالبر الشرقي
وفي يوم الاثنين وصل قاصد من الألفي بمكتوب خطابا للمشايخ العلماء مضمونه انه لا يخفاكم اننا كنا سافرنا سابقا لقصد راحتنا وراحة البلاد ورجعنا باوامر وحصل لنا ما حصل ثم توجهنا إلى جهة قبلي واستقرينا بأسيوط بعد حصول الحادث بين إخواننا الأمراء والعسكر وخروجهم من مصر وأرسلنا إلى افندينا الباشا بذلك فأنعم علينا بولاية جرجا ونكون تحت الطاعة فامتثلنا ذلك وعزمنا على التوجه حسب الأمر فبلغنا مصادرة الحريم والتعرض لهم بما لا يليق من الغرائم وتسليط العساكر عليهم ولزومهم لهم فثنينا العزم واستخرنا الله تعالى في الحضور إلى مصر لننظر في هذه الأحوال فإن التعرض للحريم والعرض لا تهضمه النفوس وكلام كثير من هذا المعنى فلما وصلتهم المكاتبة أخذوها إلى الباشا واطلعوه عليها فقال في الجواب انه تقدم انهم تركوا نساءهم للفرنسيس واخذوا منهم أموالا وإني كنت أعطيت له جرجا ولعثمان بك قنا وما فوق ذلك من البلاد وكان في عزمي أن اكاتب الدولة وأطالب لهم أوامر ومراسيم بما فعلته لهم وبراحتهم فحيث أنهم لم يرضوا بفعلي وغرتهم أمانيهم فليأخذوا على نواصيهم
وفيه شرعوا في حفر خندق قبلي الإمام الليث بن سعد ومتاريس
وفي ذلك اليوم أرسل محمد علي إلى مصطفى أغا الوكيل وعلي كاشف
الصابونجي فلما حضرا اليه عوقهما إلى الليل ثم أرسلهما إلى القلعة بعد العشاء ماشيين ومعهما عدة من العسكر فحبسا بها
وفي يوم الخميس عشرينه عمل الباشا ديوانا وحضر المشايخ والوجاقلية واظهر زينته وتفاخره في ذلك الديوان واوقف خيوله المسومة بالحوش وخيول شجر الدر واصطفت العساكر بالأبواب والحوش والديوان ووقفت أصناف الديوان باختلاف أشكالهم والسعاة بالطاسات المذهبة على رؤوسهم وخرج الباشا بالشعار والهيبة وعلى رأسه الطلخان بالطراز إلى الديوان الكبير المعروف بديوان المغوري وقد اعدوا له كرسيا بغاشية جوخ احمر وبساط مفروشا خلاف الموضع القديم فجلس عليه وزعقت الجاويشية واحضر التقليد فقرأه ديوان أفندي بحضور الجمع الكبير ثم قرأ فرمانين آخرين مضمون أحدهما اكثر كلاما من الثاني ملخصه الولاية وحكاية الحال الماضية من ولاية علي باشا وشفاعته في الأمراء المصرية بشرط توبتهم ورجوعهم ثم عودهم إلى البغي والفجور وغدر علي باشا المذكور وظلمهم الرعية بمعونة العسكر ثم قيام الرعية والعسكر عليهم حتى قتلوهم أخرجوهم من مصر فعند ذلك صفحنا عن العسكر وعفونا عما تقدم منهم وامرناهم بان يلازموا الطاعة ويكونوا مع احمد باشا خورشيد بالحفظ والصيانة والرعاية لكافة الرعية والعلماء وأبعاد أهل الفساد والمعتدين وطردهم وتشهيل لوازم الحج والحرمين من الصرة والغلال ونحو ذلك من الكلام المحفوظ المعتاد المنمق ولما انقضى أمر قراءة الأوراق قام الباشا إلى مجلسه الداخل ودخل اليه المشايخ فخلع عليهم فراوي سمور وكذلك الوجاقلية والكتبة والسيد احمد المحروقي ثم عملوا شنكا ومدافع كثيرة وطبولا واحضر في ذلك الوقت المعلم جرجس وكبار الكتبة وعدتهم اثنان وعشرون قبطيا ولم تجر عادة بإحضارهم فخلع عليهم أيضا ثم نزلوا إلى بيت المحروقي فتغدوا عنده ثم عوقهم إلى العصر ثم طلبهم الباشا إلى القلعة فحبسهم تلك الليلة واستمروا في الترسيم وطلب منهم ألف كيس
وفي يوم السبت ثاني عشرينه افرجوا عن مصطفى أغا الوكيل وعلي كاشف الصابونجي على ثلثمائة كيس
وفيه حضر محمد علي وحسن بك أخو طاهر باشا وطلعا إلى القلعة فخلع عليهما الباشا وهنآه بالولاية واستقر بمحمد علي والي جرجا وحسن بك وإلي الغربية وضربوا لذلك مدافع كثيرة وشنكا وعملوا تلك الليلة حراقة وسواريخ من الازبكية وجهة الموسكي والحال انهم لايقدرون أن يتعدوا بر الجيزة ولا شلقان فإن طوائف عسكر الألفي وصلوا إلى بر الجيزة واخذوا منها الكلف والأمراء البحرية منتشرون ببر الغربية والمنوفية
وفيه هرب شخص من كبار الأرنؤد يقال له إدريس أغا كان بجماعته جهة برشوم التين فركب إلى المصرلية ولحق بهم وتبعه جماعته وهم نحو المائة وخمسين شخصا
وفيه أرسل الباشا اغاة الانكشارية ليقبض على علي كاشف من أتباع الألفي من بيته بسوق الانماطيين فأرسل إلى الارنؤد فأرسلوا له جماعة منعوا الآغا من أخذه وجلسوا عنده فأرسل الباشا من طرفه جماعة أقاموا محافظين عليه في بيته ثم أن سليمان أغا كبير الارنؤد الذي التجأ اليهم المذكور حضر اليه واخذه الى داره بالازبكية وصحبته الامير مصطفى البردقجي الألفي أيضا
وفي يوم الاثنين وصل شخص رومي بمراسلة من عند الألفي الى الباشا فعند ما قرا الباشا المراسلة امر بقتله حالا فرموا عنقه برحبه القلعة وحضر أيضا مملوك بمراسلة من عثمان بك حسن يذكر فيها حضوره مع الألفي وانه اغتر بكلامه وتمويهاته عليه وان بيده اوامر شريفة من الدولة ومن حضرة الباشا بالحضور ثم ظهر انه لم يكن بيده شيء وان عثمان بك ممتثل لما يأمره به الباشا وامثال ذلك فكتب له جوابا وخلع على ذلك المملوك ورجع سالما
وفي يوم الاربعاء سادس عشرينه أخرجوا عن النصارى الاقباط بعد ما قرروا عليهم ألف كيس خلاف البراني وقدره مائتان وخمسون كيسا ونزلوا الى بيوتهم بعد العشاء الاخيرة في الفوانيس
وفيه وصل الألفي الصغير وانتشرت خيوله الى بر انبابة فرموا عليهم مدافع من المراكب وبولاق ورفعوا الغلة من الرقع واشيع أن الألفي الكبير وصل الى الشوبك وعثمان بك حسن وصل الى حلوان ورجع ابراهيم بك البرديسي وباقي الامراء الى ناحية بنها بعدما طافوا المنوفية والغربية وقبضوا الكلف والفرد وخروج كثير من العسكر الى معسكرهم ناحية شلقان وما وازاها الى الشرق وخرج أيضا عدة من العسكر الى ناحية طرا والجيزة
وفيه ارسل الألفي الصغير وروقة لشخص من كبار العسكر مقطوع الانف كان من اتباعه حين كان بمصر يطلبه للحضور اليه ويعده بالاكرام وان يكون كما كان في منزلته عنده فأخذ الورقة والرسول الى الباشا فأمر بقتل المرسال وهو رجل فلاح فقطعوا رأسه بالرميلة وانعم على مقطوع الانف بعشرين ألف نصف فضة وشكره وقبل ذلك بايام وصلت هجانة من العريش واخبروا بورود عساكر من الدلاة وغيرهم معونة لمن بمصر واختلفت الروايات في عدتهم فالمكثر من كذابي العثمانية يقولون عشرة آلاف والمقل من غيرهم يقولون الفان او ثلاثة
وفي يوم الاربعاء تواترت الاخبار بقربهم من الصالحية وانتقل الامراء البحرية الى بلبيس وركب منهم عدة وافرة لملاقاة العسكر الواردين وخرج كثير من العسكر الخيالة والرجالة الى جهة الشرقية ببلبيس ونقلوا عرضيهم من ناحية البحر وردوا الكثير من اثقالهم الى المدينة
وفي يوم الخميس احضر الباشا طائفة اليهود وحبسهم وطلب منهم ألف كيس واستمروا في الحبس
وفيه رجع الألفي الصغير من ناحية انبابة الى جهة الشيمي باستدعاء من
سيدة واشاع العثمانية انهم ذهبوا ورجعوا من حيث اتوا لعجزهم وعدم قدرتهم عليهم وكان في ظنهم امور لاتتم لهم كما ظنوا ولحقتهم جميع العساكر من الجهة الشامية
وفيه ارسلوا ملاقاة للعساكر الواردين وفيها قومانية وجبخانة ولوازم على ستين جملا ومعهم هجانة فعندما توسطوا البرية اطاح بهم العربان واخذوهم
وفيه تسحب اشخاص من كبار العسكر باتباعهم وذهبوا الى المصريين وانضموا اليهم فمنهم من ذهب الى قبلي ومنهم من ذهب الى بحري
وفيه عدى الألفي الكبير والصغير الى البر الشرقي عند عثمان بك وترفعت مراكبهم الى قبلي
وفيه حضر عابدي بك وحسن بك من البحر الى بولاق وانتقل محمد علي الى طنط جهة براشيم التين بعد مقتلة وقعت بينهم وبين المصرلية وانهزموا وذهبوا الى تلك الجهة
وفي يوم الاحد غايته افرجوا عن طائفة اليهود بعد أن قرروا عليهم مائتي كيس خلاف البراني
وفيه حضر خازندار الباشا من الديار الرومية الى ساحل بولاق وصحبته امتعة ولوازم للباشا واشياء في صناديق
استهل شهر ربيع الثاني بيوم الاثنين سنة
فيه ركب الخازندار المذكور وطلع الى القلعة من وسط المدينة ونزل لملاقاته اغوات الباشا والجاويشية والشفاسية وحضر صحبته نحو خمسين عسكريا مشوا امامه وخلفه والصناديق التي حضرت معه خلفه محملة على الجمال والجاويشية امامه يضربون على طبلات حكم العادة في ركوباتهم ومعه عدة كبيرة من اتباع الباشا وامامه الجنيبات والخيول
وفيه وصلت مراكب من الديار الحجازية الى السويس وفيها حجاج ومغاربة ولم يصل منهم الا القليل واكثرهم قتله العسكر الذي بقي بمكة بعد موت شريف باشا ومن انضم اليهم من اجناسهم وقد حصل منهم غاية الضرر والفساد والقتل حتى في داخل الحرم لأن الشريف غالبا ضمهم اليه ورتب لهم جامكية واستمروا معه على هذا الحال الفظيع
وفيه انبهم امر العسكر الدلاة القادمين من الجهة الشامية واضطربت الروايات عن اخبارهم فمنهم من قال أن المصرلية وقفوا لهم بالطرق وقاتلوهم ورجع من نجا منهم بنفسه ومنهم من قال انهم لما بلغهم قطع الطريق عليهم رجعوا من حيث اتوا وبعضهم طلب الامان وانضم اليهم ومنهم من قال أن فرقة منهم ذهبت من فم الرمانة من طريق دمياط وقيل انهم حضورا بثمانين رأسا منهم الى بلبيس
وفي يوم الابعاء خرج الوالي بعده من العسكر وصحبته مدافع وجبخانة واستقر بزاوية المرداش
وفي يوم الخميس رابعه هجم الامراء القبالي وهم الألفي واتباعه وعثمان بك حسن ومن انضم اليهم على طرا وملكوا منها البرج الذي من ناحية الجبل بعد ما ضربوا عليه من اعلى الجبل وتعدوا الى ناحية البساتين وتركوا طرا ومن فيها خلف ظهورهم وتحاربوا مع طوابير العسكر وكانوا انفارا قليلة ونظرهم الباشا من قلعته فزعق على السلحدار فركب في عدة من الشفاسية وخرج اليهم فعندما واجهوهم لم يثبتوا وولوا بعدما سقط منهم انفار
وفيه وصل جواب من الامراء القبالي الى المشايخ يذكرون فيه انهم يخاطبون الباشا في اخماد الحرب وصلحه معهم فان ذلك اصلح له ويكونون معه على مايحب وما يأمر به ويرتاح من علوفة العسكر التي اوجبت له المصادرات وسلب الاموال وخراب الاقليم وان يختار من العسكر طائفة معلومة معدودة يقيمون بمصر ويأمر الباقي بالسفر إلى بلادهم فلما خاطبوه بذلك واطلعوه على المكاتبة أبي وقال ليس لهم عندي الا الحرب
وفي يوم الجمعة حصلت أيضا بينهم محاربة واصيب من المراكب
الحربية التي يسمونها الشلنبات اثنتان غرقت احداهما واحرقت الثانية واتهم الباشا الطبجية فقتل منهم خمسة اثنان بالقلعة وثلاثة بالرميلة
وفي يوم السبت حضر محمد علي من بحرى وذهب الى جهة القرافة فأقام بمقام عقبة بن عامر الجهني ووقع في ذلك اليوم محاربات أيضا
وفي يوم الاحد اشيع حضور الامراء القبالي الى ناحية بهتيم وانهم ارسلوا الى المطرية بالجلاء عنها ورمحت العرب نواحي بولاق والجهات البرانية وضربوا عليهم مدافع وفي ذلك اليوم نظر الباشا وكبار العسكر الى جهة البساتين فلم يروا احدا من المصرلية فركب محمد علي واخذ معه عدة وافرة ودخلوا تلك الجهة فلم يرو امامهم احدا فلم يزالوا سائرين واذا بكمين خرج عليهم من جانب الجبل فاوقع معهم وقعة قوية حتى اثخنوهم وقتل منهم من قتل حتى لحقو بالمشاة الرجالة فضربوا عليهم طلقا وولوا مدبرين فصار محمد علي يستحثهم ويردهم ويحرضهم فلم يسمعوا له ورجعوا وفيهم جرحى كثيرة طلعوا بطائفة منهم الى القلعة ودخل الباقون الى المدينة وطلبوا طائفة المزينين لمداواة الجرحى بالقلعة اخذوا في ذلك اليوم برج الدير الذي كان بأيدي العسكر جهة البحر بطرا وقتلوا من به من العسكر واعطوا لمن بقي الامان وهم نحو الثلاثين شخصا
وفي يوم الاثنين ثامنه وصل المصرلية الذين كانوا جهة الشرق ووصلت مقدماتهم الى جهة العادلية وناحية الشيخ قمر بل وعند الكيمان خارج باب النصر فأغلقوا باب النصر وباب الفتوح والعدوى وهربت سكان الحسينية وحصلت كرشة بالجمالية ولم يخرج اليهم احد من العسكر بل اخذوا يضربون المدافع من على السور ودخل محمد بك المنفوخ الى الحسينية وجلس بمسجد البيومي وانتشر المماليك والاتباع على الدكاكين والقهاوي واستمر ضرب المدافع الى بعد الظهر ثم أن المصرية ترفعوا عن الحسينية الى اليشبكية فبطل الرمي ودخل الوالي وامامه ثلاثة رؤوس تبين
انها رؤوس مغاربة من مقاطيع الحجاج المرضى كانوا مطروحين خارج القاهرة
وفيه طلب جماعة من المماليك السيد بدرا المقدسي فخرج اليهم من داره خارج باب الفتوح فأخذوه عند البرديسي وابراهيم بك فاسر اليه ابراهيم بك بان يكون سفيرا بينهم وبين الباشا في الصلح معهم وانه لايستقيم حاله مع العسكر ولا يرتاح معهم وليعتبر بما فعلوه محمد باشا واما نحن فنكون معه على ما ينبغي من الطاعة والخدمة وحضر في اواخر النهار فلما اصبح يوم الثلاثاء ركب وطلع الى الباشا وبلغه ذلك فقال له الباشا على سبيل الاختبار والمسايرة قولك صحيح ومن يرجع اليهم بالجواب فقال انا فحقدها عليه ثم قام من عنده فارسل خلفه وعوقه عند الخازندار فذهب اليه في ثاني يوم شيخ السادت والسيد عمر النقيب وترجوا في اطلاقه فامتنع وقال اخاف عليه أن يقتله العسكر ولا بأس عليه ولا يصلح اطلاقه في هذا الوقت وبعد خمسة ايام يكون خيرا فإنه مقيم عند الخازندار في اكرام وفي مكان احسن من داره وهذا رجل اختيار يفعل هذه الفعال يخرج الى المخالفين متنكرا ويرجع من عندهم بكلام ثم يطلب العود اليهم ثانيا
وفي ليلة الثلاثاء المذكور حضر محمد علي عند الباشا بعد الغروب وقبض منه خمسين كيسا وقيل ثمانين ورجع الى معسكره فجمع العسكر وتكلم معهم وفرق عليهم الدراهم واتفق معهم على الركوب والهجوم على من بطرا في تلك الليلة على حين غفلة وكان كاتبهم قبل ذلك يلاطفهم ويظهر العجز ويطلب معهم الصلح وامثال ذلك وفي ظن اولئك صدقة وعدم قدرتهم على مقاومتهم وملاقاتهم فلما مضى نحو خمس ساعات من الليل ركب محمد علي في نحو اربعة آلاف فرسانا ورجالا فلما قربوا من الحرس في اخر السادسة ترجلوا وقسموا انفسهم ثلاثة طوابير ذهب قسم منهم جهة الدير والثاني جهة المتاريس والثالث جهة الخيل والجماعة
وهم صالح بك الألفي ومن معه في غفلتهم ونومهم مطمئنين وكذلك حرسهم فلم يشعروا الا وقد صدموهم فاستيقظ القوم وبادروا الى الهرب والنجاة فملكوا منهم الدير وابراج طرا وكان بها عسكر العثمانيين الى هذا الوقت محصورين وقد اشرفوا على طلب الامان واخذوا مدفعين كانا بالمتراس وبعض امتعة وثمان هجن وثلاثة عشر فرسا وقتل بينهم بعض اشخاص وانجرح كذلك ورجع محمد علي والعسكر على الفور من آخر الليل ومعه خمسة رؤوس فيها رأس واحدة لم يعلم رأس من هي والباقي رؤوس عربان او سياس او غير ذلك وزعموا أن تلك الرأس هي رأس صالح بك وارسلوا المبشرين آخر الليل الى الاعيان لياخذوا البقاشيش واشاعوا أنهم قبضوا على الألفي الصغير واحضروه معهم حيا والباقي رموا بأنفسهم الى البحر ولما طلع محمد علي الى الباشا خلع عليه الفروة التي حضرت له من الدولة وعلقوا تلك الرؤوس على السبيل بالرميلة وضربوا شنكا من القلعة ومدافع واظهروا السرور وداروا بالاسواق يضربون بالطنابير وشمخ المغرضون بانافهم على المغرضين للمصرلية ثم تبين عدم صحة تلك الاشاعة وان تلك الراس راس بعض الأجناد ولم يمسك الألفي كما قالوا
وفي يوم الاربعاء عاشره وصل من بحرى ثلاث شلنبات كان الباشا ارسل بطلبها عوضا عما تلف فعند ما وصلوا الى جهة باسوس وهناك مركز للمصرلية على جرف عال اقعدوا به طبجية ليمنعوا من يمر بالمراكب فضربوا عليهم وضرب من في المراكب الحربية أيضا على من في البر فكان ضرب من في البر يصيب من في البحر وضربهم لايصيبهم لعلو الجرف عليهم فاحترقت جبخانة احدى الشلنبات واحترق ما فيها بها وغرقت الثانية ويقال أن الثالثة لم تكن من المراكب الحربية بل هي مركب معاش وكان حضر في خفارتهم عدة من المراكب المسافرين فخافوا ورجعوا وقبضوا على بعض قواويس بها غلال فأخذوا مافيها فلما شاع ذلك بالمدينة رفعوا ماكان
موجودا من الغلة بالعرصات وشحت الغلال وعدم الفول والشعير وبيع ربع الويبة من الفول بتسعين نصفا وقل وجود الخبز في الاسواق وخطف بعض العسكر ما وجدوه من الخبز ببعض الافران واخذوا الدقيق من الطواحين وصار بعض العسكر يدخل بعض البيوت ويطلبون منهم الاكل والعليق لدوابهم
وفي يوم الخميس والجمعة اشتد الحال وبيع ربع الويبة من القمح بسبعين نصفا وثمانين نصفا وعدم الفول واشترى بعض من وجده ربعا بمائة نصف فضة فيكون الاردب على ذلك الحساب بألفين واربعمائة نصف وخرج عساكر كثيرة ووقعت حروب بين الفريقين ورجع القبليون الى طرا وحاربوا عليها وكانوا شرعوا في عمارة ما تهدم من ابراجها ونقلوا اليها الذخيرة والقومانية والجبخانة والعسكر واخذوا جمال السقائين لنقل الماء الى الصهريج الذي ببرج طرا ودار الآغا والوالي على المخازن ببولاق ومصر واخذوا منها ما وجدوه من الغلة وامروا ببيعه على الناس بخمسين نصفا الربع واخذوا لانفسهم ما وجدوه من الشعير والفول
وفي يوم السبت قلدوا حسن أغانجاتي الحسبة فخافته السوقة واجتهدوا في تكثير العيش والكعك والمأكولات بقدر امكانهم واجتهد هو أيضا في الفحص على الغلال المخزونة وبيعها للخبازين واما اللحم الضاني فانه انعدم بالكلية لعدم ورود الاغنام
وفيه شح ورود الغلة في العرصات وذهب اناس الى برانبابة فاشتروا الربع بثمانين نصفا وازيد من ذلك والقول بمائة وعشرين وعلق اكثن الناس على بهائمهم ما وجدوه من اصناف الحبوب مثل الحمص والعدس وهم المياسير من الناس واما غيرهم فاقتصروا على التبن واما العنب والتين في وقت وفرتهما فلم يظهر منهما الا القليل وبيع الرطل من العنب بأربعة عشر نصفا والتين بسبعة انصاف وذلك بعد سلوك الطريق ومشي السفن
وفي يوم الاحد رابع عشره اجتمعت العساكر الكثيرة للحرب عند
شبرا ورموا على بعضهم بالمدافع والقرابين والبنادق من ضحوة النهار ثم التحم الحرب بين الفريقين واشتد الجلاد بينهما الى بعد منتصف النهار وصبر الفريقان وقتل بينهما عدة كبيرة من العسكر الأرنؤد وطائفة المماليك والعربان فقتل من اكابر العسكر اربعة او خمسة ودخلوا بهم المدينة وانكف الفئتان وانحاز الى معسكرهما وبعد هجعة من الليل اجتمع العسكر من الانكشارية والارنؤدية وغيرهم وكبسوا على متاريس شبرا وبها حسين بك المعروف بالافرنجي وعلي بك ايوب ومعهما عسكر من الأرنؤد الذين انضموا اليهما ومنهم الرماة والطبجية فاجلوهم عن المتاريس وملكوها منهم ووقع بينهم قتلى كثيرة وقتل من عسكر حسين بك المذكور نحو مائة وستين نفرا وعدة من مماليك علي بك ايوب خلاف الجرحى وزحفوا على باقي المتاريس فملكوا منهم متاريس شلقان وباسوس وانهزم المصرلية الى جهة الشرق بالخانكة وابى زعبل وقيل أن العسكر المنضمين اليهم المتقيدين بالمتاريس هم الذين خامروا عليهم وانهزموا عن المتاريس حتى كانوا هم السبب في هزيمتهم فلما اصبح النهار حضروا بسبعة رؤوس فيها ثلاثة من الأجناد الملتحين وثلاثة شوارب ورأس أسود فعلقوها بباب زويلة ومن الثلاثة أجناد رأس له لحية طويلة شائبة شبيهة بلحية ابراهيم بك الكبير فقال بعض الناس هذه راس ابراهيم بك بلا شك واشيع ذلك بينهم فاجتمع الناس من كل ناحية للنظر اليه ووصل الخبر الى الباشا فاحضر عبد الرحمن بك والمزين الذي كان يحلق له لمعرفتهما به واخرين وطلب الراس فأحضروها وتأملوها فمنهم من اشتبهت عليه ومنهم من انكرها لعلامات يعرفها به وهي الصلع وسقوط بعض الاسنان ثم اعيدت الى مكانها على ذلك الاشتباه ثم انهم عملوا شنكا ومدافع لذلك ثم طلبها محمد علي أيضا وفعل مثل ذلك وردها أيضا ثم رفعوها في الليل واستمر الفرح والشنك يومين والناس بين ناف ومثبت ومسلم ومنكر ومعاند ومكابر حتى وردت خدم من معسكرهم واخبروا بحياة ابراهيم
بك وانه بوطاقة جهة الشرق فزال الشك وارسل المصريون الى بيوتهم اوراقا
وفي ليلة الاثنين المذكور وقع خسوف قمري وطلع من المشرق منخسفا اخذا في الانجلاء ومقدار المنخسف منه عشرة اصابع وتم انجلاؤه في ثاني ساعة من الليل وكان باول برج الدلو
وفي ليلة الخميس وصل امير اخور الصغير من الديار الرومية وطلع الى بولاق في صبحها وركب الى القلعة فانزله الباشا ببيت رضوان كتخدا ابراهيم بك بدرب الجماميز ولم يعلم ما بيده من الاوامر ثم تبين أن من الأوامر التي معه اخراج خمسمائة من العسكر الى بندر ينبع البحر يقيمون بها محافظين لها من الوهابيين ويدفع لهم جامكية سنة كاملة وذخيرتها وما يحتاجون اليه من مؤنة وغلال وجبخانة
وفي يوم الثلاثاء قرأوا تلك الاوامر وفيها انه تعين محمد باشا أبو مرق بعساكر الشام الى الحجاز فاحضر الباشا كبار العسكر وعرض عليهم ذلك الامر وقال لهم انه ورد لي اذن عام في تقليد من اقلده فمن احب منكم قلدته امرية طوخ أو طوخين فامتنعوا من ذلك وقالوا نحن لا نخرج من مصر ولا نتقلد منصبا خارجا عنها ووصلت الاخبار في هذه الايام أن الوهابيين ملكوا الينبع
وفيه وردت الاخبار بأن الألفي عدى الى البر الشرقي وكان قبل ذلك عدى الى البر الغربي وانتشرت عساكره الى الجسر الاسود ثم رجعوا وعدوا الى البر الشرقي
وفي يوم الاربعاء سابع عشره ركب الامراء المصرلية وانتقلوا من الخانكة ومروا من خلف الجبل بحملاتهم واثقالهم وذهبوا الى جهة قبلي وخاب سعيهم ولم ينالوا غرضهم وكانوا في ظنهم انهم اذا حصلوا بالقرب من المدينة خرج اليهم الكثير من العسكر وانضم اليهم لمقدمات سبقت منهم ومراسلات وكلام وقع بينهم وبين اتباعهم ومماليكهم المجتمعين عند
اكابرهم وذبهم عنهم وعن بيوتهم وحريمهم بل واخراج بعض الاتباع والمماليك بمطلوبات الى اسيادهم خفية وليلا حتى استقر في اذهان كثير من العقلاء ممالات كثير من البنباشيات ورؤساء العسكر من المصرلية وعندما تحقق العسكر ذهابهم دخلوا الى المدينة بأثقالهم وحملوهم وانتشروا بها حتى ملؤا الازقة والطرق والبيوت وقدمت السفن المعوقة وتواجدت الغلال بالرقع وتخلف عنهم اناس كانوا منضمين اليهم طلبوا امانا بعد ذلك وحضروا بعد ذلك الى مصر وقدمت عساكر ودلاة في المراكب ودخلوا البيوت بمصر وبولاق واخرجوا منها اهلها وسكنوها واذا سكنوا دارا اخربوها وكسروا اخشابها واحرقوها لوقودهم فإذا صارت خرابا تركوها وطلبوا غيرها ففعلوا بها كذلك وهذا دأبهم من حين قدومهم الى مصر حتى عم الخراب سائر النواحي وخصوصا بيوت الامراء والاعيان وبواقي دور بركة الفيل وما حولها من بيوت الاكابر والقصور التي كانت يضرب بأدناها المثل وفي ذلك يقول صاحبنا العلامة الشيخ حسن العطار واما بركة الفيل فقد رميت بكل خطب جليل واورثت العين بوحشتها بكاء وعويلا والقلب بذكر ما سلف من مباهجها حزنا طويلا
وفي يوم الثلاثاء ثالث عشرينه طلع المشايخ عند الباشا وشفعوا في السيد بدر المقدسي فأطلقه ونزل إلى داره
وفي يوم الخميس خامس عشرينه قلدوا علي آغا الوالي على العسكر المعين الى الينبع اميرا وضربوا له مدافع وفرح الناس بعزله من الولاية فانه كان اخبث من تقلد الولاية من العثمانية وكان الباشا يراعي خاطره ولا يقبل فيه شكوى وتعين للسفر معه عدة من العسكر من اخلاط مصر البطالين اروام وخلافهم
وفيه قلدوا مناصب كشوفية الاقاليم لاشخاص من العثمانية
وفي ثامن عشرينة تشاجر شخص من العسكر مع شخص حكيم فرنساوي عند حارة الافرنج بالموسكي فاراد العسكري قتل الفرنساوي
فعاجله الفرنساوي فضربه فقتله وفر هاربا فاجتمع العسكر وارادوا نهب الحارة فوصل الخبر الى محمد علي فركب في الوقت ومنع العسكر من النهب واغلق باب الحارة وقبض على وكيل قنصل الفرنساوية واخذه معه وحبسه عنده حتى سكن العسكر
وفي تلك الليلة أيضا مر جماعة من العسكر بخط الدرب الاحمر فارادوا اخذ قنديل من قناديل السوق فقام عليهم الخفير يريد منعهم فذبحوه واخذوا القنديل فأصبح الناس فرأوا الخفير مذبوحا وسمعوا لقصة من سكان الدور بالخطة ووجدوا أيضا عسكريا مقتولا جهة الموسكي وغير ذلك حوادث كثيرة في كل يوم من اخذ النساء والمردان والامتعة والمبيعات من غير ثمن وانقضى الشهر
وفيه استقر الامراء المصرلية جهة صول والبرنبل وما قابلهما من البر الغربي واستمر عثمان بك حسن والبرديسي واتباعهما بالبر الشرقي وشرعوا في بناء متاريس وقلاع بساحل البحر من الجهتين وارسل الباشا الى جهة دمياط ورشيد يطلب عدة مراكب وشلنبات لاستعداد الحروب واجتهد في ملء صهاريج القلعة طلبوا السقائين وألزموهم بذلك فشح الماء بالمدينة وغلا سعره لذلك ولغلو العليق حتى بلغ ثمن الراوية اربعين نصفا بعد المشقة في تحصيله لانه لم يبق الا الروايا الملاكي لأكابر الناس فيمنعها العطاش عند مرورها قهرا ويدفعون ثمنها بالزيادة واتفق شدة الحر وتوالي هبوب الرياح الحارة وجفاف الجو وتأخير زيادة النيل
شهر جمادي الأولى سنة
استهل بيوم الثلاثاء في ذلك اليوم كان مولد المشهد الحسيني ونزل الباشا وزار المشهد ودخل عند شيخ السادات باستدعاء وتغدى عنده ثم ركب راجعا قبل الظهر الى القلعة ولم يقع في ليالي المولد حظ للناس ولا انشراح صدور كالعادة بسبب اذية العسكر واختلاطهم بهم وتكديرهم عليهم في الحوانيت والاسواق حتى انهم في آخر الليلة التي كان من عادتهم يسهرونها مع ليال قبلها الى الصباح اغلقوا الحوانيت واطفؤا القناديل من بعد اذان العشاء وذهبوا الى دورهم
وفيه قرروا فردة غلال على البلاد قمح وشعير وتين اعلى واوسط وادنى إلا على خمسة عشر أردبا وخمسة عشر حمل تين والأوسط عشرة والأدنى خمسة على أن اقليم القليوبية لم يبق به الا خمسة وعشرون قرية فيها بعض سكان والباقي خراب ليس فيها ديار ولا نافخ نار ومجموع المطلوب ثمانية ألاف اردب خلاف التين وذلك برسم ترحيلة علي باشا الى الينبع ثم قرروا فردة اخرى كذلك أيضا وقدرها ألف وخمسمائة كيس رومية
وفي يوم الجمعة رابعه جمع الباشا المشايخ في ديوان خاص بسبب مكتوب حضر من الامراء المصريين خطابا للمشايخ مضمونه انهم يسعون بينهم وبين الباشا فيما يكون فيه الراحة للبلاد والعباد وانه يخرج هذه العساكر فانهم إن داموا بالإقليم كملوا خرابه وهتكوه بأفاعيلهم وظلمهم وفسقهم وطلب العلوفات التي لا يفي ببعضها خراج الاقليم واما نحن فاننا مطيعون السلطنة وخدامون بلا جامكية ولا علوفة وإن لم يفعل ذلك يعطينا جهة قبلي تتعيش فيها وان ارادوا الحرب فليخرجوا الناس بعيدا عن الابنية ويحاربونا في الميدان والله يعطي النصر لمن يشاء الى اخر ما قالوه فقال الباشا للمشايخ اكتبوا لهم يأخذوا جهة أسنا ومقبلا فقالوا نحن لا نكتب شيئا اكتبوا لهم مثل ما تعوفون وانفض المجلس
وفيه عزم جماعة من اكابر العسكر على السفر الى بلادهم وهم احمد بك رفيق محمد علي وصادق آغا وخلافهما واخذوا في تشهيل انفسهم وبيع متاعهم ونزلوا الى بولاق عند عمر آغا ونزل محمد علي لوداعهم ببيت عمر أغا فاجتمع العسكر واحاطوا بهم ومنعوهم من السفر قائلين لهم اعطونا علوفاتنا المنكسرة والا عطلناكم ولا ندعكم تسافرن باموال مصر ومنهوباتها فأخذوا خواطرهم ووعدوهم على ايام وامتنعوا من السفر
وفي يوم الثلاثاء ثامنه تقلد شخص من العثمانيين الزعاعة عوضا عن علي أغا الذي تولى باشة السفر للينبع
وفي عاشره اجتمع العسكر وطلبوا علوفاتهم من الباشا فدفعوا للارنؤد جامكية شهر
وفي ليلة الجمعة حادي عشر جمادي الأولى الموافق لثاني عشر مسرى القبطي اوفى النيل المبارك سبعة عشر ذراعا وكسر سد الخليج في صبح يوم السبت يحضر الباشا والقاضي ومحمد علي وباقي كبارالعسكر وجميع العسكر وكان جمعا مهولا وضرب الجميع بنادقهم وجرى الماء بالخليج وركبوا القوارب والمراكب ودخلوا فيه وهم يضربون بالبنادق وكذلك من كان منهم بالقواطين والبيوت وكان الموسم خاصا بهم دون اولاد البلد وخلافهم وكذلك سكنوا بيوت الخليج مع قحابهم من النساء ومات في ذلك اليوم عدة اشخاص نساء ورجالا اصيبوا من بنادقهم ومما وقع انه اصيب شخص من اولاد البلد برصاصة منهم ومات وحضر اهله يصرخون وارادوا اخذه ليواروه فمنعهم الوالي وطلب منهم ثلاثة آلاف درهم فضة ولم يمكنهم من شيله حتى صالحوه على ألف وخمسمائة وكذلك من كان منهم بالقواطين والبيوت واذن لهم في اخذه ومواراته ونظر بعضهم الى اعلى بيوت الخليج فرأى امرأة جالسة في الطاقة فضربها برصاصة فاصابتها في دماغها وماتت من ساعتها وغير ذلك مما لم تتحقق اخباره
وفي يوم الاحد ثالث عشرة خرج علي باشا الوالي المسافر الى الينبع خارج البلد واقام جهة العادلية وارتحل يوم السبت تاسع عشرة ومعه مائة عسكري لاغير وذهب الى جهة السويس
وفيه ارسل الباشا الى المشايخ والوجاقلية وتكلم معهم في توزيع فردة على اهل مصر لغلاق جامكية العسكر فدفعوا بما امكنهم من المدافعة فقال هذا الذي نطلبه انما نأخذه على سبيل القرض ثم نرده اليهم فقالوا
له لم يبق بايدي الناس ما يقرضونه ويكفي الناس ما هم فيه من الغلاء ووقف الحال وغير ذلك فالتفت الى الوجاقلية وقال كيف يكون العمل فقال ايوب كتخدا نعمل جمعية مع السيد احمد المحروقي ويحصل خير فركن الباشا على ذلك ثم اجتمعوا مع المذكور واتفقوا انهم يطلبونها بكيفية ليس فيها شناعة ولا بشاعة وهي انهم قرروا على الوجاقلية قدرا من الاكياس وكتبوا بها تنابية باسماء اشخاص منها ما جعلوا عليه عشرين كيسا وعشرة وخمسة واقل واكثر وكذلك وزعوا على اشخاص من تجار البن وخان الخليلي ومغاربة اغراب واهل الغورية وخلافهم من تراخي في الدفع قبضوا عليه واودعوه في اضيق الحبوس ووضعوا الحديد في يديه ورجليه ورقبته ومنهم من يوقفونه على قدميه والجنزير مربوط بالسقف وارسلوا العسكر الى بيوتهم فجلسوا بها يأكلون ويسكرون ويطلبون من النساء المصروف خلاف الاكل الذي يطلبونه ويشتهونه وهو ثمن الشراب والدخان والفاكهة بل ويأتون بالقحاب معهم ويضربون بالبندق والرصاص بطول الليل والنهار وامثال ذلك
وفي يوم الخميس رابع عشرينة ارسل الباشا عسكرا فقبض على الامير علي المدني صهر ابن الشيخ الجوهري وحبسه فركب اليه المشايخ وكلموه في شأنه وقالوا أنه رجل وجاقلي من خيار الناس وما السبب في القبض عليه وما ذنبه الموجب لذلك فقال انه رجل قبيح ولي عليه دعوة شرعية وإذا كان من خيار الناس وم الوجاقلية لأي شيء يعمل كتخدا عند صالح بك الألفي وانه عند هروب مخدومه من الشرقية اخذ ما كان معه من المال على اربعة جمال ودخل بها الى داره وعندي بينة تشهد عليه بذلك فأنا اطالبه بالمال الذي عنده وقاموا ونزلوا من غير طائل
وفي يوم السبت سادس عشرينه توفى الشيخ موسى الشرقاوي الشافعي وكان من اعيان العلماء الشافعية
وفي يوم الاثنين ثامن عشرينة احضروا المحمل من السويس فنزل
كتخدا الباشا والآغا والوالي واكابر العسكر وعدة كبيرة من العسكر وعملوا له الموكب وشقوا به البلد وخلفه الطبل والزمر
وفي اواخره وصلت قوافل البن من السويس فحجزها الباشا واخذها وأعطى اصحاب البن وثائق بثمن البن لاجل ووكل في بيعه وحول به العسكر يأخذونه من اصل علوفاتهم فبلغ ثمن المحجوز تسعمائة كيس وانهمك المشترون على الشراء ومنعوا القبانية من الوزن الا بحضور المقيدين بذلك وانقضى هذا الشهر وحوادثه وما وقع فيه من عكوسات العسكر من الخطف والقتل والدعاوي الكذب وشهاداتهم الزور لبعضهم فيما يدعونه وتواطئهم على ذلك فيكتب له عرضحال ويشكو انه عصبه في مدة سابقة قبل ذلك طلق منه زوجته قهرا بعد أن كان صرف عليها مبلغ دراهم كثيرة في المهر والنفقة والكسوة ويكتبون له عليه علامة الباشا ويأخذ صحبته اشخاصا معينين من اقرانه فيسحبون المدعي عليه الى المحكمة فلا يثبت عليه ذلك فيكتب له القاضي اعلاما بعدم صحة الدعوى بدراهم يدفعها على ذلك الاعلام فيذهبون الى ديوان الباشا ويخبرون الكتخدا ببطلان الدعوى ويطلعون على الاعلام بحضرة الخصم وهو يظن البراح والخلاص من تلك الدعوة الباطلة فيقول الكتخدا للخصم اعط المباشرين خدمتهم خمسة اكياس واذهب وامثال ذلك فان وحد شافعا او مغيثا توسط له او تشفع في تخفيف ذلك قليلا او ضمنه او دفع عنه وانقذه والا حبس كغيره وذاق في الحبس انواع العذاب حتى يدفع ما قرره عليه الكتخدا واتفق أن جماعة من سكان المحجر شكوا نظار جامع وسبيل ومدرسة متخربة من ايام الفرنسيس ومعطلة الشعائر والايراد فامر الكتخدا باحضار النظار وهم ناس فقراء وعواجز وسالهم فأخبروا بتعطيل الايراد فأحضروا مباشرين الاوقاف فحاسبوهم فلم يطلع عليهم شيء فقال الكتخدا اعطوا المباشرين خدمتهم فلما فرغوا من ذلك بعد مشقة عظيمة قالوا هاتوا محصول الخزينة فقالوا وما يكون محصول الخزينة قالوا
ثلاثون كيسا على كل ناظر عشرة اكياس فبهت الجماعة وتحيروا في امرهم ولم يعلموا ما يقولون وفي الحال جذبوهم الى الحبس وفيهم رجل من جماعة المشهدية عاجز لا يقدر على القيام فسعى عليه حريمة وخشداشينة وصالحوا عليه بكيسين وخلصوه واما الاثنان الاخران فاستمر في الحبس والحديد مدة طويلة وامثال ذلك
وفي او آخره افرجوا عن السيد علي المدني بعد ما قرروا عليه اربعة آلاف ريال خلاف البراني وامثال ذلك كثير
شهر جمادي الثانية سنة
استهل بيوم الخميس في حضرة القاضي الجديد الى جهة بولاق وركب في يوم الجمعة فطلع الى القلعة وسلم على الباشا ورجع الى المحكمة وكان عندما وصل الى رشيد ارسل الى الباشا ليامر له بعمارة المحكمة فأمر الباشا اصحابها بالعمارة وامرهم بالاجتهاد في ذلك
وفيه فقد اللحم وشح وجوده وكذلك السكر والعسل واما العسل الابيض فبلغ الرطل خمسين نصفا إن وجد لعدم الوارد من ناحية قبلي وقلة المرعى بالجهة البحرية واستقر الألفي الكبير جهة اللاهون وبقية الجماعة جهة المنية واسيوط وعثمان بك حسن بجبل الطير بالبر الشرقي
وفي خمسه اشيع سفر محمد علي الى بلاده وكذلك احمد بك وغيرهم من اكابرهم وشرعوا في بيع جمالهم وبلادهم ومتاعهم وكثر لغط الناس بسبب ذلك وكثر افساد العساكر وخطفهم واغلق اهل الاسواق الدكاكين وخاف الناس المرور وتطيروا منهم وخصوصا الانكشارية
وفي يوم الثلاثاء سادسه مر محمد علي وخلفه عدة كبيرة من العسكر وهو ماش على اقدامه كذلك حسن بك اخو طاهر باشا وعابدي بك واغات الإنكشارية والوالي وجلس منهم جماعة جهة الغورية وخان الخليلي ساعة ثم ذهبوا وكأنهم يطمنون الناس وامام بعضهم المناداة بالتركي بالامن والامان وفتح الدكاكين وكل من تعرض لكم اقتلوه وفي اثر مرورهم وقع الخطف والتعرية
وفي ذلك اليوم اواخر النهار مرت مركبان فيهما عسكر ارنؤد بالخليج المرخم ومعهم امراة وبتلك الجهة عسكر انكشارية ساكنون ببيت المجنون فضربوا عليهم رصاصا من الشبابيك فقتل منهم جماعة وهرب من نجا او عرف العوم فتحزب الارنؤد وجاء منهم طائفة لذلك البيت فلم يجدوا به احدا فارسل محمد علي الى حسن بك وتكلم معه في شأن ذلك
وفي صبحها يوم الاربعاء قتلوا ثلاثة وقيل خمسة ناحية الموسكي يقال انه بسبب تلك الحادثة وقيل بسبب اخر
وفيه سافر جماعة من العسكر واخذوا المراكب وارسلوا الى اسكندرية ودمياط ورشيد وغيرها بطلب المراكب فشحت المراكب ووقف حال المسافرين وتعطلوا عن الرواح والمجئ وغلا سعر القمح والسمن وعدم اللحم وكذلك باقي الاسباب والمأكولات زيادة عن الواقع واذا وصلت مراكب نزل في المراكب الكبيرة الخمسة انفار او العشرة والحال انها تسع المائة وساروا ينهبون في طريقهم ما يصادفونه من المسافرين ويقتلونهم ويطلبون من البلاد الكلف والمأكل وغير ذلك
وفي يوم السبت سابع عشرة سافر احمد بك وعلي بك اخو طاهر باشا
وفيه قلد الباشا سلحداره ولاية جرجا وبرز خيامه جهة دير العدوية
وفي يوم الخميس ثاني عشرينه وصلت مراكب من الشلنبات الحربية فضربوا لها مدافع من القلعة
وفي يوم الاحد تعدى جماعة من العسكر وخطفوا عمائم الناس واتفق أن الشيخ ابراهيم السجيني مر من جهة الداودية وهو راكب بهيئته فأخذوا طيلسانة من على كتفه وعمامة تابعه وقتلوا من بعضهم انفارا
وفي يوم الاثنين نزل الآغا ونادى على العسكر بالخروج والسفر الى التجريدة وكل من كان مسافر الى بلاده فليسافر
وفيه هربت زوجة عثمان بك البرديسي مع العرب الى زوجها بقبلى فلما بلغ الخبر الباشا احضر اخاها والمحروقي وسألهما عنها فقالا لم نعلم بهروبها فعوق اخاها عنده ثم اطلقه بشفاعة المحروقي
شهر رجب الفرد سنة
استهل بيوم السبت فيه انتقل العسكر المسافرون من دير العدوية الى ناحية طرا وسافر قبل ذلك بأيام كاشف بني سويف ويقال له محمد افندي
وفي يومي الاثنين والثلاثاء نادى الاغاوات التبديل بخروج العسكر المسافرين وكثر اذى العسكر للناس وخطفوا الحمير وتعطلت اشغال الناس في السعي الى مصالحهم ونقل بضائعهم
وفي يوم الاربعاء سافرت التجريدة برا وبحرا وتأخر محمد علي عن السفر الى بلاده كما كان اشيع ذلك واشتهر انه مسافر الى الجهة قبلى وورد الخبر باستقرار كاشف بني سويف بها ولم يكن بها احد من المصرلية
وفي يوم الاحد تاسعه نزل الباشا الى وليمة عرس مدعوا ببيت السيد محمد بن الدواخلي بحارة الجعيدية وكفر الطماعين ونزل في حال مروره ببيت السيد عمر افندي نقيب الاشراف فجلس عنده ساعة وقدم له حصانين
وفي حادي عشرة نزل الباشا في التبديل ومر من سوق السمكرية فرأى عسكريا يشترى كوز صفيح فاعطاه خمسة انصاف فابى السمكري الا بعشرة فأبى ولم يدفع له الا خمسة فرآه الباشا فقال له اعطة ثمنه فقال له وايش علاقتك وهو لم يعرفه فقال له اما تخاف من الباشا فقال الباشا على زبي فضربه الباشا وقتله ومضى
وفي يوم الاثنين سابع عشرة احضروا اربعة رؤس وضعوها تجاه باب زويلة واشاعوا انهم من مقتلة وقعت بينهم وبين القبالي واشاعوا انه بعد يومين تصل وردت رؤوس كثيرة ووصل أيضا جملة اسرى طلعوا بهم الى القلعة وفي يوم الاربعاء طلع محمد علي الى القلعة فخلع عليه الباشا فروة سمور على سفره الى قبلي وبرز بوطاقه الى خارج
وفي يوم الاربعاء سادس عشرينه اتهموا قادري أغا بانه يكاتب الامراء المصرية القبالى ومنعوه من السفر الى قبلى وامروه بأن يسافر الى بلاده فركب في عسكره وذهب الى بولاق وفتح وكالة علي بك الجديدة ودخل فيها بعسكره وامتنع بها وانضم اليه كثير من العسكر فحضر اليه محمد علي وكلمهم وكذلك حضر اليهم الباشا ببولاق فلم يمتثلوا وقالوا لا نسافر ولا نذهب الا بمرادنا واعطونا المنكسر من علوفاتنا فتركوهم ونادوا على خبازين بولاق لا يبيعون عليهم الخبز ولا المأكولات فأرسل قادري أغا الى المحتسب وقال له نحن نأخذ العيش بثمنه فان منعتموه من الاسواق طلعنا الى البيوت واخذنا ما فيها من الخبز ويترتب على ذلك ما يترتب من الافساد فاخبروا الباشا بذلك فأطلقوا لهم بيع الخبز وغيره واستمر على ذلك اياما
وفيه شرعوا في تحرير فردة على البلاد وكتبوا دفاترها الاعلي ثمانون ألف فضة ودون ذلك ويتبعها على كل بلد جملان وسمن واغنام وقمح وتبن وشعير
وفي اواخره حصلت نوة وتتابع مرور الغيوم وحصل رعد هائل ودخل الليل فكثر الرعد والبرق وتبعه المطر ثم حضر اناس بعد ايام من جهة شرقية بلبيس واخبروا انه نزل بناحية مشتول صواعق اهلكت نحو العشرين من بني ادم وابقارا واغناما وعميت اعين اشخاص من الناس
وفي هذا الشهر شرعوا في عمل كسوة الكعبة بيد السيد احمد المحروقي فقيد بها وكيله بذلك وشرعوا في عملها في بيت الملا بحارة المقاصيص
شهر شعبان سنة
استهل بيوم الاحد في رابعة حضر لحسن بك طوخان وطلع الى القلعة ونزل الى الباشا ولبس خلعة من خلع الباشا قاووقا وركب ونزل من القلعة وامامه الجاويشية والسعادة والملازمون وضربت له النوبة بمعنى انه صار عوضا عن اخيه
وفي يوم الخميس نزل قادري أغا ومن معه من العسكر في المراكب وسافر جهة بحري وسافر خلفهم عدة من الدلاة
وفيه اشيع ابطال الفردة في هذا الوقت ثم قرروا مطلوبات دون ذلك وفي يوم الخميس ثاني عشرة نودي بخروج العسكر الى السفر لجهة قبلي ولا يتأخر منهم من كان مسافرا فشرعوا في الخروج وقضاء حوائجهم وصاروا يخطفون حمير الناس والجمال
وفي يوم الجمعة وصل قاصد من الديار الرومية وعلى يده فرمان جواب من مراسلة للباشا بارسال باشة الينبع لمحافظتها من الوهابيين وانه اعطاه ذخيرة شهرين وبان يرسل اليه ما يحتاجه من الذخيرة وكذلك محمد باشا والي جدة يعطي له ما يحتاجه من الذخيرة لاجل حفظ الحرمين والوصية برعية مصر ودفع الخالفين وامثال ذلك فعمل الباشا الديوان في ذلك اليوم وقرأوا الفرمان وضربوا عدة مدافع
وفيه مات الشيخ حجاب
وفي يوم السبت رابع عشرة سافر محمد علي
وفيه هرب علي كاشف السلحدار الألفي ومن بمصر من جماعته فلما وصل الخبر الى الباشا ارسل الى بيوتهم فلم يجد فيها احدا فسمروها وقبضوا على الجيران ونهبوا بعض البيوت
وفي سابع عشره سافر حسن باشا أيضا ونادوا على العسكر بالخروج
وفي تاسع عشره حضر طائفة من الدلاة نحو المائتين وخمسين نفرا فانزلهم الباشا بقصر العيني
وفي يوم الثلاثاء المذكور سابع عشرة عمل السيد احمد المحروقي وليمة ودعا الباشا الى داره فنزل اليه تغدى عنده وجلس نحو ساعتين ثم
ركب وطلع الى القلعة فأرسل المحروقي خلفه هدية عظيمة وهي بقج قماش هندي وتفاصيل ومصوغات مجوهرة وشمعدانات فضة وذهب وتحائف وخيول له ولكبار اتباعه صحبة ولده وترجمانه وكتخداه وخلع عليهم الباشا فراوى سمور
وفي يوم الاحد ثاني عشرينة توفي السيد احمد المحروقي فجأة وكان جالسا مع اصحابه حصة من الليل فأخذته رعدة فدثروه ومات في الحال في سادس ساعة من الليل فسبحان الحي الذي لايموت وركب ابنه وطلع الى الباشا فوعده الباشا بخير وارسل القاضي وديوان افندي وختم على بيته وحواصله ثم حضروا في ثاني يوم فضبطوا موجوداته وكتبوها في دفاتر واودعوها في مكان وختموا عليها وارسلوا علم ذلك الى الدولة صحبة صالحة افندي وكان على اهبة السفر فعوقوه حتى حرروا ذلك وسافر في يوم الجمعة سابع عشرينة
وفي يوم الاربعاء خامس عشرينه احضروا احدى وعشرين راسا لايعلم ماهي وهي متغيرة محشوة بالتبن وشاعوا انها من ناحية المنية وانهم حاربوا عليها وملكوها ولم يظهرلذلك اثر بين
وفي يوم السبت ثامن عشرينه البس الباشا ابن السيد المحروقي فروة سمور وقفطانا على دار الضرب وعلى ما كان ابوه عليه من خدمة الدولة والالتزام ونزل من القلعة صحبة القاضي الى المحكمة ثم رجع الى بيته
وفي ذلك اليوم بعد العصر وقع ربع بجوار حمام المصبغة جهة الكعكبيين على الحمام فهدم ليوان المسلخ فمات من به من النساء والاطفال والبنات ثلاثة عشر وخرج الاحياء من داخله وهن عرايا ينفضن غبرات الاتربة والموت وحضر الاغا والوالي ومنعوا من رفع القتلى الا بدراهم ونهبوا متاع النساء وقبضوا على الشيخ محمد العجمي مباشر وقف الغوري ليلا وازعجوه لان ثلث الحمام جار في الوقف والحال أن الحمام لم يسقط وانما هدمه ما سقط عليه وكذلك طلبوا ملاك
الربع وهم الشيخ عمر الغرياني وشركاؤه فذهبوا الى بيت الشيخ الشرقاوي والتجؤا اليه ثم أن القاضي كلم الباشا في امر المردومين وذكر له طلب الحاكم دراهم على رفعهم واجتماع مصيبتين على اهليهم والتمس منه ابطال ذلك الامر فكتب فرمانا بمنع ذلك ونودي به في البلدة وسجل
وفي ليلة الاثنين عمل موسم الرؤية لثبوت هلال رمضان وركب المحتسب ومشايخ الحرف على العادة من بيت القاضي ولم يثبت الهلال تلك الليلة و نودي انه من شعبان وانقضى شهر شعبان وقادري أغا عاص جهة شابور في قرية وصالح أغا ومن معه من العساكر مستمرون على حصاره وصحبتهم اخلاط من العربان وجلا اهل شابور عنها وخرجوا على وجوههم مما نزل بهم من النهب وطلب الكلف وغير ذلك من العاصي منهم والطائع فإن كلا من الفريقين تسلطوا على نهب البلاد وطلب الكلف وغيرها واذا مرت بهم مركب نهبوها واخذوا ما فيها فامتنع ورود المراكب وزاد الغلاء وامتنع وجود السمن واذا وجد بيع العشرة ارطال بخمسائة نصف فضة وستمائة ولا يوجد وبيع الرطل من البصل في بعض الايام بثمانية انصاف والاردب الفول بثمانية عشر ريالا والقمح بستة عشر ريالا والرطل الشمع الدهن بأربعين نصفا والشيرج بخمسة وثلاثين نصفا واما زيت الزيتون فنادر الوجود وقس على ذلك
شهر رمضان سنة
استهل بيوم الثلاثاء في ثانية حضر صالح أغا الذي كان يحاصر قادري أغا وضربوا له مدافع وتحقق أن قادري طلب امانا فارسلوا مع من معه الى دمياط وذلك بعد أن ضيقوا عليه وحضر اليه كاشف البحيرة وضايقه من الجهة الاخرى وفرغت ذخيرته فعند ذلك ارسل الى كاشف البحيرة فامنه
وفي سابعة وصل جماعة من الانكليز الى مصر وهم نحو سبعة عشر شخصا وفيهم فسيال كبير وآخر كان بصحبة علي باشا الطرابلسي
وفي عاشره سافر صالح أغا الى جهة بحرى قيل ليأتي بجانم افندي الدفتر دار فإنه لم يزل عاصيا عن الحضور الى مصر
وفيه ركب الباشا في التبديل ونزل من جهة التبانة فوجد في طريقة عسكريا ياخذ حمل تبن من صاحبه قهرا فكلمه وهو لم يعرفه فاغلظ في الجواب فقتله ثم نزل الى جهة باب الشعرية وخرج على ناحية قناطر الاوز فوجد جماعة من العسكر غاصبين قصعة زبدة من رجل فلاح وهو يصيح فادركهم وهم سبعة وفيهم شخص ابن بلد امرد لابس ملابس العسكر فأمر بقتلهم فقبضوا على ثلاثة منهم وفيهم ابن البلد وقتلوهم وهرب الباقون ثم نزل الى ناحية قنطرة الدكة وقتل شخصين أيضا وبناحية بولاق كذلك وبالجملة فقتل في ذلك اليوم نيفا وعشرين شخصا واراد بذلك الاخافة فانكف العسكر عن الايذاء قليلا وتواجد السمن وبعض الاشياء مع غلو الثمن
وفيه تواترت الاخبار بوقوع حرب بين العسكر والامراء المصريين في المنية وقتل من الامراء صالح بك الألفي ومراد بك من الصناجق الجدد المقلدين الامارة خارج مصر وهو زوج امرأة قاسم بك وخزندار البرديسي سابقا موسقو ولم تزل الحرب قائمة بين الفريقين وارسلوا بطلب ذخيرة علوفة فارسلوا لهم بقسما طا وغيره
وفي عشرينه حضر الى الباشا بعض الرواد واخبره أن طائفة من عرب اولاد علي نزلوا ناحية الاهرام بالجيزة وهم مارون يريدون الذهاب الى ناحية قبلي فركب في عسكره اليهم فوجدهم قد ارتحلوا ووجد هناك قبيلة يقال لهم الجوابيص نازلين بنجعهم هناك وهم جماعة مرابطون من خيار العرب لم يعهد منهم ضرر ولا اذية لاحد فقتل منهم جماعة ونهب نجعهم وجمالهم واغنامهم واحضر صحبته عدة اشخاص منهم وعدى الى مصر بمنهو باتهم وقد باع الاغنام والمعز للجزارين قهرا وكذلك الجمال
باعوا منها جملة بالرميلة
وفي سادس عشرينه نهب العربان قافلة التجار الواصلة من السويس وهي نيف واربعة ألاف جمل من البن والبهار والقماش واصيب فيها كثير من فقراء التجار وسلبت اموالهم واصبحو لا ايملكون شيئا
وفيه حضر صالح أغا وصحبته جانم افندي الدفتردار فأسكنه الباشا بالقلعة وذكر جانم افندي المذكور ومن معه للباشا انهم رأوا هلال رمضان ليلة الاثنين صاموه بالاسكندرية ذلك اليوم وكذلك صاموه في رشيد وقوة وغالب بلاد بحرى وحضر أيضا الشيخ سليمان الفيومي قبل ذلك بأيام وحكى ذلك فلم يعمل به القاضي وقال أن رؤى الهلال ليلة الاربعاء افطرنا وان لم يرفهو من رمضان فلما كان بعد عصر ذلك اليوم ضربت مدافع من القلعة فاشتبه على الناس الامر وذهب جماعة الى القاضي وساله وسألوه فقال لا علم لي بذلك وارسل في المساء جماعة من اتباعه وباش كاتب الي منارة المارستان فصعدوا اليها وطلع معهم اخرون وترقبوا رؤية الهلال فلم يروه واخبروا القاضي بذلك فأمر بالصوم ونادوا به واوقدوا المنارات والقناديل وصلوا التراويح بالمساجد وتحقق الناس الصيام من الغد فلما كان بعد العشاءالأخيرة ضربت مدافع كثيرة من القلعة وسواريخ وشنك فوقع الارتباك فأرسل القاضي ينادي بالصوم وذكروا أن هذا المسموع شنك لأخبار وردت بملك المنية وحضر المبشر بذلك لابن السيد احمد المحروقي وخلع عليه خلعة وكذلك بقية الاعيان وبعد حصة مر الوالي ينادي بالفطر والعيد فزاد الارتباك وركب بعض المشايخ الى القاضي وساله فاخبر انه لم يامر بذلك ولم يثبت لديه رؤية الهلال وان غدا من رمضان فخرجوا من عنده يقولون ذلك للناس ويامرونهم بالصوم وانحط الامر على ذلك وطافت المسحرون على العادة فلما كان في سادس ساعة من الليل ارسل الباشا الى القاضي وطلبه فطلع اليه فعرفه بشهادة الجماعة الواصلين من بحري واحضرهم بين يديه فشهدوا برؤية هلال اول الشهر
ليلة الاثنين وهم نحو العشرين شخصا فما وسع القاضي الا قبول شهادتهم وخصوصا لكونهم اتراكا ونزل القاضي ينادي بالفطر ويأمر بطفي القناديل من المنارات واصبح كثير من الناس لاعلم له بما حصل اخرا في جوف الليل وبالجملة فكانت هذه الحادثة من النوادر وتبين أن خبر المنية لا اصل له بل هو من جملة اختلاقاتهم وانقضى شهر رمضان وكان لا بأس به في قصر النهار لانه كان في غاية الانقلاب الشتوي والراحة بسبب غياب العسكر وقلتهم بالبلدة وبعدهم ولم يحصل فيه من الكدورات العامة خصوصا على الفقراء سوى غلاء الاسعار في كل شئ كما تقدم ذكر ذلك في شعبان
شهر شوال
استهل بيوم الابعاء في ثالثه سافر السيد محمد بن المحروقي وجرجس الجوهري ومعهما جملة من العسكر الى جهة القليوبية بسبب القافلة المنهوبة
وفي سادسه طلبوا مال الميري عن سنة عشرين معجلة بسبب تشهيل الحج وكتبوا التنابية بطلب النصف حالا وعينوا بها عساكر عثمانية وجاويشية وشفاسية فدهى الملتزمون بذلك مع أن اكثرهم افلس وباق عليهم بواق من سنة تاريخه وما قبلها لخراب البلاد وتتابع الطلب والفرد والتعايين والشكاوي والتساويف ووقوف العربان بسائر النواحي وتعطيل المراكب عن السفر لعدم الامن وغصبهم ما يرد من السفائن والمعاشات ليرسلوا فيها الذخيرة والعسكر والجبخانة معونة للمحاربين على المنية
وفي عاشرة طلبوا طائفة من المزينين وارسلوهم الى قبلي لمداواة الجرحى
وفيه تواترت الاخبار بحصول مقتلة عظيمة بين المتحاربين وان العسكر حملوا على المنية حملة قوية من البر والبحر وملكوا جهة منها وحضر المبشرون بذلك ليلة الاربعاء اواخر رمضان كما تقدم وعملوا الشنك لذلك الخبر فورد بعد ذلك بنحو ساعتين برجوع الاخصام ثانيا ومقاتلتهم حتى هزموهم واجلوهم عن ذلك وذلك هو الحامل على المغالطة والمناداة في سابع ساعة بثبوت العيد وافطار الناس ذلك اليوم
وفي يوم السبت ثامن عشرة نزل الباشا الى قراميدان وحضر القاضي والدفترادار وامير الحاج فسلمه الباشا المحمل ونزلوا بقطع الكسوة امام امير الحاج وركب امامه الاغا والوالي والمحتسب وناظر الكسوة بهيئة محتقرة من غير نظام ولا ترتيب ومن خلفهم المحمل على جمل صغير اعرج
وفيه ارسل العسكر يطلبون العلوفة والمعونة فعمل الباشا فردة على الاعيان وعلى اتباعه وجمع لهم خمسمائة كيس وعين للسفر بذلك صالح أغا وعدة عساكر وجبخانة وذخيرة
وفي عشرينة رجع ابن المحروقي وجرجس الجوهري واحضرا معهما بعض احمال قليلة بعد ما صرفا اضعافها في مصالح وكساوي للعرب وغير ذلك
وفيه ورد الخبر بوصول دفتردار جديد الى ثغر سكندرية وهو احمد افندي الذي كان بمصر سابقا وعمل قبطانا بالسويس في ايام محمد باشا وشريف افندي فكتب الباشا عوضا للدولة بانهم راضون على جانم افندي الدفتردار وان اهل البلد ارتاحوا عليه وطلبوا ابقاءه دون غيره وختم عليه القاضي والمشايخ والاختيارية وبعثوه الى الدولة وارسلوا الى الدفتردار الواصل بعدم المجئ ويذهب الى قبرص حتى يرجع الجواب فاستمر بإسكندرية
وفي اواخره تواترت الاخبار بان جماعة من الامراء القبالى ومن معهم من العربان حضروا الى ناحية الفشن وحضر أيضا كاشف الفيوم مجروحا ومعه بعض عسكر ودلاة في هيئة وتتابع ورود كثير من افراد العسكر الى مصر واشيع انتقالهم من امام المنية الى البر الشرقي بعد وقائع كثيرة ومحاربات
وفي يوم الخميس غايته برز امير الحاج المسافر بالمحمل وخرج الى خارج ومعه الصرة او ماتيسر منها وعين للسفر معه عثمان أغا الذي كان كتخدا محمد باشا بجماعة من العسكر لاجل المحافظة ليوصلوه الى السويس ويسافر من القلزم مثل عام اول
وفيه ورد الخبر بضياع ثلاث داوات بالقلزم وانها تلفت بالقرب من الحساني وتلف بها كثيرا من اموال التجار وصرر النقود وكان بها قاضي المدينة احمد افندي المنفصل عن قضاء مصر فغرق وطلعت اولاده ورجعوا الى مصر بعد ايام وسافروا الى بلادهم
وورد الخبر بان القبليين قتلوا حسين بك المعروف باليهودي بعد أن تحققوا خيانته ومخامرته وانقضى هذا الشهر
شهر القعدة الحرام سنة
استهل بيوم الجمعة فيه قرر الباشا فردة على البلاد فجعل على كل بلد من البلاد العال مائة ألف فضة والدون ستين الفا وعين لذلك ذا الفقار كتخدا الألفي على الغربية وعلي كاشف الصابونجي علىالمنوفية وحسن أغا نجاتي المحتسب على الدقهلية وذلك خلاف ما تقرر على البنادر من عشرين كيسا وثلاثين وخمسين ومائة واقل واكثر
وفي ليلة الجمعة ثامنة حضروا بعلي أغا يحيى المعروف بالسبع قاعات ميتا من سملوط وقد كانوا ارسلوه ليكون كتخدا لحسن بك اخي طاهر باشا وكان المحروقي ارسله الى بشبيش فتوعك هناك فطلب الباشا رجلا من الرؤساء يجعله كتخدا لحسن بك فأشاروا عليه بعلي أغا هذا فطلبه من المحروقي فارسل بإحضاره فحضر في اليوم الذي مات فيه المحروقي وسافر بعد ايام الى قبلي فزاد به المرض هناك ومات بسملوط فاحضروه الى مصر بعد موته بخمسة ايام وخرجوا بجنازته في يوم الجمعة من بيته المجاور لبيت المحروقي وصلوا عليه بالأزهر ودفن الى رحمة الله تعالى
وفي ثاني عشرة علقوا ثلاثة رؤوس بباب زويلة لايدري احد من هم وفي خامس عشرة تواترت الاخبار بوقوع حرب بين العسكر والأمراء القبالي وملك العسكر جهة من المنية بعدما اصطدموا عليها من البر والبحر فوصل الاخصام وحالوا بينهم وبين عسكرهم والمتاريس واجلوهم وقتل من قتل بين الفريقين واحترق عدة مراكب من مراكب العسكر وما فيها من المتاع والجبخانة وارسلوا بطلب ذخيرة وجبخانة وثياب وغير ذلك وانتشر عسكر القبليين الى جهة بحري حتى وصلوا الى زاوية المصلوب و حاصروا من في بوش والفشن وبني سويف وكذلك من بالفيوم وشرع الباشا واجتهد في تجهيز المطلوبات وتسهيل الاحتياجات وفيه حضرت سعاة من ثغر سكندرية واخبروا بورود عدة مراكب انكلزيه الى المينا وسألوا اهل الثغر عن مراكب فرنسيس وردت المينا ام لا ثم قضوا بعض اشغالهم وذهبوا
وفي ليلة الاربعاء رابع عشرة وقعت حادثة وهو أن كاشفا من اكابر الارنؤد سكن ببيت ابن السكري الذي بالقرب من الحلوجي ويتردد عليه رجل من المنتسبين الى الفقهاء يسمى الشيخ احمد البراني خبيث الافعال يصلي اماما بالمذكور فرأى ما رابه منه مع فراشة فضربه بالخنجر والنبا بيت حتى ظن هلاكه واخرجه اتباعه وحملوه الى منزله في خامس ساعة من الليل وبه بعض رمق ومات بعد ذلك واخبر المشايخ بذلك ورفع القتيل الى المحكمة وتغيب القاتل وامتنع المشايخ من حضور الجامع والتدريس بسبب ذلك وبسبب اولاد سعد الخادم سدنة ضريح سيدي احمد البدوي وقد كانوا شكوا بعضهم وتعين بسبب ذلك كاشف علي احمد بن الخادم وهجم داره وقبض على بناته ونسائه ونبشوا داره وفحروا ارضها للتفتيش على المال وطالت قصتهم من اواخر الشهر الماضي لوقت تاريخه وتكلم المشايخ مرارا مع الباشا في امرهم وهو يغالط طمعا في المال وقد كان سمع تهمتهم بكثرة المال وان محمد باشا خسر واخذ منهم سابقا في ايام ولايته مائة وخمسة وثمانين ألف ريال خلاف حق الطريق وذلك من
مصطفى الخادم وهو الذي يكشو الان قسمه ويقول انه هو الذي شكاني وتسبب في مصادرتي وهو مثلي في الايراد وعنده مثل ما عندي فلما حضروا الدار وفتشوا وقرروا نساءه واتباعه فلم يظهر له شئ قادرجوا هذه القضية في دعوة المقتول وامتنعوا من حضورهم الازهر واشيع امتناعهم من التدريس والافتاء فحضر اليهم سعيد أغا الوكيل وتلطف بهم وطلب منهم تسكين هذه الفتنة وانه يتكفل بتمام المطلوب واستمر الحال على ذلك الى يوم الثلاثاء تاسع عشرة فحضر كتخدا الباشا وسعيد أغا وصالح أغا الى بيت الشيخ الشرقاوي واجتمع هناك الكثير من المتعممين وتكلموا كثيرا ورمحوا المراتب وقالوا لابد من حضور الخصم القاتل والمرافعة معه الى الشرع ورفع الظلم عن اولاد الخادم وعن الفلاحين وامثال ذلك وهم يقولون في الجواب سمعا وطاعة في كل ما تأمرون به وانقضى المجلس على ذلك وذهبوا حيث اتوا فلما كان العصر من ذلك اليوم حضر سعيد أغا وصحبته القاتل الى المحكمة وارسلوا الى المشايخ فحضروا بالمجلس واقيمت الدعوى وحضر ابن المقتول وادعى بقتل ابيه وذكر انه اخبر قبل خروج روحه أن القاتل له الكاشف صاحب المنزل فسئل فانكر ذلك وقال انه كان اماما عنده يصلي به الاوقات وانه لم يات الينا تلك الليلة التي حصل له فيها هذه الحادث فطلب القاضي من ابن المقتول بينة تشهد بقول ابيه فلم يجدوا الا شخصا سمع من المقتول ذلك القول وافتى المالكي انه يعتبر قول المقتول في مثل ذلك لانه في حالة يستحيل عليه فيها الكذب وذلك نص مذهبهم ولا بد من بينة تشهد على قوله فطلب القاضي الشطر الثاني فلم يوجد على أن هناك من كان حاضرا بالمجلس وقت الضرب ومشاهدا للحادثة وكتم الشهادة خوفا على نفسه وانفض المجلس واهمل الامر حتى يأتوا بالبينة
وفي يوم الاحد عزم على السفر محمد افندي حاكم اسنا سابقا بمراكب الذخيرة والجبخانة واللوازم وصحبته عدة من العساكر لخفارتها
شهر الحجة الحارم اختتام سنة
استهل بيوم الاحد في سابعه وردت اخبار بوقوع حرب بين العسكر والمصريين القبليين وهو أن العسكر حملوا على المنية حملة عظيمة في غفلة وملكوها فاجتمعت عليهم الغز والعربان وكبسوا عليهم وقتلوا منهم مقتلة عظيمة واخرجوهم منها واجلوهم عنها ثانيا وذلك في سابع عشرين القعدة
وفي يوم الاحد ثامنه طلع يوسف افندي الذي كان تولى نقابة الاشراف في ايام محمد باشا ثم عزل عنها الى القلعة فقبض عليه صالح أغا قوش وضربه ضربا مبرحا واهانه اهانة زائدة وانزلوه اواخر النهار وحبسوه ببيت عمر افندي النقيب ثم تشفع فيه الشيخ السادات فافرجوا عنه تلك الليلة وذهب الى داره ليلا وذلك بسبب دعوى تصدر فيها المذكور وتكلم كلاما في حق الباشا فحقدوا عليه ذلك وفعلوا معه ما فعلوا ولم ينتطح فيها عنزان
وفي ثالث عشرة طلع المشايخ الى الباشا يهنئونه بالعيد فأخرج لهم ورقة حضرت اليه من محمد افندي حاكم اسنا سابقا الذي سافر بالذخيرة انفا واستمر ببني سويف ولم يقدر على الذهاب الى قبلي ومضمون تلك الورقة أن البرديسي قتل الالفي غيلة ولم يكن لهذا الكلام صحة
وفيه وردت اخبار بقدوم طائفة من الدلاة على طر يق الشام وبالغوافي عددهم فيقولون اثنا عشر ألف واكثر وانهم وصلوا على الصالحية وانهم طالبون علوفة وذخيرة فشرعوا في تشهيل ملاقاة للمذكورين وطلبوا من تجار البهار خمسمائة كيس وزعوها وشرعوا في جمعها
وفيه وصلت طائفة من القبالي والعرب الى بلاد الجيزة وطلبوا من البلاد دراهم وكلفا ومن عصى عليهم من البلاد ضربوه وعدى كتخدا الباشا وجملة من العساكر الى بر الجيزة وشرعوا في تحصينها وعملوا بها متاريس وتردد الكتخدا في النزول والتعدية الى هناك والرجوع ثم انه عدى في رابع عشرة واقام هناك واحضروا ثلاثة رؤوس من العرب في ذلك اليوم وفي يوم الجمعة رجح الكتخدا واشيع رجوع المذكورين
وفيه قرروا فردة اخرى على البلاد لاجل عسكر الدلاة القادمين وجعلوا على كل بلد عشرين اردب فول و عشرين خروفا وعشرين رطل سمن وعشرين رطل بن وعشرة قناطير عيش وربع اردب وسدس ارز ابيض ومثله برغل وكلفة المطبخ ألف فضة وذلك خلاف حق الطريق والاستعجالات المتتابعة وكلها بمقررات وحق الطرقات
وفي يوم الاربعاء ثامن عشرة حضر ططرى من ناحية قبلي واخبر أن العسكر دخلوا الى المنية وملكوها فضربوا مدافع كثيرة من القلعة وعملوا شنكا واظهر العثمانية واغراضهم الفرح والسرور وكأنهم ملكوا مالطة وبالغوا في الاخبار والروايات الكذب في القتلى وغير ذلك والحال أن الاخصام خرجوا منها وزحموها ولم يبقوا بها ما ينقره الطير ولم يقع بينهم كبير قتال بل أن العسكر لما دهموها من الناحية القبلية ولم يكن بها الا القليل من المصريين وباقيهم خارجها من الناحية الاخرى فتحاربوا مع من بها وهزموهم فولى اصحابهم وتركوهم بالبلدة فدخلوها فلم يجدوا بها شيئا
وفي يوم الخميس وصل اغات المقرر وهو عبد اسود وطلع الى القلعة بموكب وعملوا له شنكا ومدافع وقرأوا المقرر في ذلك اليوم بحضرة الجمع
وفي يوم الاحد ثاني عشرينه وصلت طائفة من العرب بناحية الجيزة فوصل الخبر الى الكاشف الذي بها وهو دملي عثمان كاشف الذي قتل الشيخ احمد البراني المتقدم ذكره فانه بعد تلك الحادثة قلدوه كشوفية الجيزة وذهب اليها واقام بها فلما بلغه ذلك ركب على الفور في نحو خمسة وعشرين خيالا ورمحوا عليهم فانهزموا امامهم فطمع فيهم وذهب خلفهم الى ناحية برنشت فخرج عليه كمين آخر واحتاطوا به وقتلوه
وقطعوا رأسه وستة انفار معه وذهبوا برؤوسهم على مزاريق واقتص الله منه فكان بينه وبين قتله للمذكور دون الشهر وكان مشهورا فيهم بالشجاعة والاقدام
وفيه اجتهدوا في تشهيل علوفة وذخيرة وجبخانة وسفروها مع جملة من العسكر نحو الخمسمائة في يوم الاثنين ثالث عشرينه
وفي يوم الاربعاء خامس عشرينه وصل الدلاة الى الخانكة فحضر منهم طائفة ودخلوا الى مصر فردوهم الى اصحابهم حتى يكونوا بصحبتهم في الدخول
وفي يوم الخميس نزل كتخدا الباشا وصالح اغاقوش وخرجوا الى جهة العادلية لملاقاة الدلاة المذكورين وكبيرهم يقال له ابن كور عبدالله
وفي يوم الجمعة دخل الدلاة المذكورين وصحبتهم الكتخدا وصالح اغاقوش وكاشف الشرقية وكاشف القليوبية وطوائف العسكر ومعهم نقاقير وطبول وهم نحو الالفين وخمسمائة اجناس مختلفة واشكال مجتمعة فذهبوا الى ناحية مصر القديمة ونواحي الاثار وانقضت السنة وما حصل بها من الغلاء وتتابع المظالم والفرد على البلاد واحداث الباشا له مرتبات وشهريات على جميع البلاد والقبض على افراد الناس بادنى شبهة وطلب الاموال منهم وحبسهم واشتد الضنك في آخر السنة وعدم القمح والفول والشعير وغلا ثمن كل شىء ولولا اللطف على الخلائق بوجود الذرة حتى لم يبق بالرقع والعرصات سواه واستمرت سواحل الغلال خالية من الغلة هذا العام من العام الماضي وبطول هذه السنة امتنع الوارد من الجهة القبلية ومع ذلك اللطف حاصل من المولى جل شأنه ولم يقع قحط ولا موت من الجوع كما رأينا في الغلوات السابقة من عدم الخبز في الاسواق وخطف اطباق العيش والعكعك واكل القشور وما يتساقط في الطرقات من قشور الخضروات وغير ذلك
واما من مات في هذه السنة من الاعيان
فقد مات العمدة العلامة والنحرير الفهامة الفقيه النبيه الاصولي النحوي المنطقي الشيخ موسى السرسي الشافعي اصله من سرس الليانة بالمنوفية وحضر الى الازهر ولازم الاستفادة وحضور الاشياخ من الطبقة الثانية كالشيخ عطية الاجهوري والشيخ عيسى البراوي والشيخ محمد الفرموي وغيرهم وتمهروا نجب في المعقولات والمنقولات واقراء الدروس وافاد الطلبة وانطوى الشيخ حسن الكفراوي مدة ورافقه في الافتاء والقضايا ثم الى شيخنا الشيخ احمد العروسي وصار من خاصة ملازميه وتخلق باخلاقه وألزم أولاده بحضور دروسه المعقولية وغيرها دون غيره لحسن القائه وجودة تفهيمه وتقريره واشتهر ذكره وراش جناحه وراج امره بانتسابه للشيخ المذكور واشترى املاكا واقتنى عقارا بمصر وببلده سرس ومنوف ومزارع وطواحين ومعاصر واشترى دار نفيسة بدرب عبد الحق بالازبكية وعدد الأزواج واشترى الجواري والعبيد والحبشيات الحسان وكان حلو المفاكهة حسن المعاشرة عذب الكلام مهذب النفس جميل الاخلاق ودودا قليل الادعاء محبا لاخوانه مستحضرا للفروع الفقهية وكان يكتب على غالب الفتاوى عن لسان الشيخ العروسي ويعتمده في النقول والاجوبة عن المسائل الغامضة والفروع المشكلة وله كتابات وتحقيقات ولم يزل مشتغلا بشأنه حتى تعلل اياما بدار بميدان القطن مطلة على الخليج وتوفي يوم السبت سادس عشرين جمادى الاولى من السنة
ومات الجناب المكرم والمشير المفخم الوزير الكبير والدستور الشهير احمد باشا الشهير بالجزار واصله من بلاد البشناق وخدم عند المرحوم علي باشا حكيم اوغلي وعمل عنده شفاسيا وحضر صحبته الى مصر في ولايته الثانية سنة احدى وسبعين ومائة والف فتشوقت نفسه الى الحج واستأذن مخدومه فأذن له في ذلك واوصى عليه امير الحاج اذ ذاك صالح بك القاسمي فأخذه صحبته واكرمه وواساه رعاية لخاطر علي باشا ورجع معه الى مصر فوجد مخدومه قد انفصل من ولاية مصر وسافر
الى الديار الرومية ووصل نعيه بعد اربعة اشهر من ذهابه فاستمر المترجم بمصر وتزيا بزي المصريين وخدم عند عبدالله بك تابع علي بك بلوط قبان وتعلم الفروسية على طريق الاجناد المصرية فارسل علي بك عبدالله بك بتجريدة الى عرب البحيرة فقتلوه فرجع المترجم مع باقي اصحابه الى مصر فقلده علي بك كشوفية البحيرة وقال له ارجع الى الذين قتلوا استاذك وخلص ثأره فذهب اليهم وخادعهم واحتال عليهم وجمعهم في مكان وقتلهم وهم نيف وسبعون كبيرا وبذلك سمي الجزار ورجع منصورا واحبه علي بك لنجابته وشجاعته وتنقل عنده في الخدم والمناصب والامريات ثم قلده الصنجقية وصار من جملة امرائه ولما خرج علي بك منفيا خرج صحبته ورافقه في الغربة والتنقلات والوقائع ولم يزل حتى رجع علي بك وصحبته صالح بك من الجهة القبلية وقتل خشداشينه وغيرهم ثم عزم على غدر صالح بك واسر بذلك الى خاصته ومنهم المترجم فلم يسهل به ذلك وتذكر ما بينه وبين صالح بك من المعروف السابق فأسر به اليه وحذره فلما اختلى صالح بك بعلي بك عرض له بذلك فحلف له علي بك انه باق على مصافاته وكذب المخبر الى أن كان ما كان من قتلهم وغدرهم لصالح بك كما تقدم واحجام المكترجم وتاخره عن مشاركته لهم في دمه ومناقشتهم له بعد الانفصال فتجسم له الامر فتنكر وخرج هاربا من مصر في صورة شخص جزائرلي وتفقده علي بك واحاط بداره وكان يسكن ببيت شكر فره بالقرب من جامع ازبك اليوسفي فلم يجدوه وسار المذكور الى الاسكندرية وسافر الى الروم ثم رجع الى البحيرة واقام بعرب الهنادي وتزوج هناك ولما ارسل علي بك التجاريد الى ابن حبيب والهنادي حارب المترجم معهم ثم سار الى بلاد الشام فاستمر هناك في هجاج وتنقلات ومحاربات واشترى مماليك واجتمع لديه عصبة واشتهر امره في تلك النواحي ولم يزل على ذلك الى أن مات الظاهر عمر في سنة تسع وثمانين ومائة والف ووصل حسن باشا الجزائرلي الى عكا فطلب من
يكون كفؤا للاقامة بحصتها فذكروا له المترجم فاستدعاه وقلده الوزارة واعطاه الاطواخ والبيرق واقام بحصن عكا وعمر اسوارها وقلاعها وانشا بها البستان والمسجد واتخذ له جندا كثيفا واستكثر من شراء المماليك واغار على تلك النواحي وحارب جبل الدروز مرارا وغنم منهم اموالا عظيمة ودخلوا في طاعته وضرب عليهم وعلى غيرهم الضرائب وجبيت اليه الاموال من كل ناحية حتى ملأ الخزائن وكنز الكنوز وصار يصانع اهل الدولة ورجال السلطنة ويتابع ارسال الهدايا والاموال اليهم وتقلد ولاية بلاد الشام وولى على البلاد نوابا وحكاما من طرفه وطلع بالحج لشامي مرارا واخاف النواحي وعاقب على الذنب الصغير بالقتل والحبس والتمثيل وقطع الآناف والآذان والاطراف ولم يغفر زلة عالم لعلمه اوذى جاه لوجاهته وسلب النعم عن كثير جدا من ذوى النعم واستأصل اموالهم ومات في محبسه مالا يحصى من الاعيان والعلماء وغيرهم ومنهم من اطال حبسه سنين حتى مات واتفق انه استراب من بعض سراريه ومماليكه فقتل من قويت فيه الشبهة وحرقهم ونفى الباقي الجميع ذكورا واناثا بعد أن مثل بهم وقطع آنافهم واخرجهم من عكا وطردهم وشردهم وسخط على من اواهم او تاواهم ولو في اقصى البلاد وحضر الكثير منهم الى مصر وخدموا عند الامراء وانضوى نحو العشرين شخصا منهم وخدموا عند علي بك كتخدا الجاويشية فلما بلغ المترجم ذلك تغير خاطره من طرفه وقطع حبل وداده بعد أن كان يراسله ويواصله دون غيره من امراء مصر وكان ذلك سبب استيحاشه منه الى أن مات ولما فعل بهم ذلك تعصب عليه مملوكاه سليم باشا الكبير وسليمان باشا الصغير وهو الموجود الآن وانضم اليهما المتآمرون من خشداشينهما وغيرهم غيظا على ما فعله بخشداشينهم وعلمهم بوحدته وانفراده وحاصروه بعكا ولم يكن معه الا القليل من العساكر البرانيين والفعلة والصناع الذين يستعملهم في البناء فألبسهم طراطير مثل الدلاة واصعدهم الى الاسوار مع الرماة والطبجية وورآهم المخالفون عليه فتعجبوا وقالوا انه يستخدم الجن
وكبس عليهم في غفلة من الليل وحاربهم وظهر عليهم واذعنوا لطاعته وتفرق عنهم المساعدون لهم ثم تتبعهم واقتص منهم وكاد البلاد وقهر العباد ونصبت الدولة فخاخا لصيده مرارا فلم يتمكنوا من ذلك فلم يسعهم بعد ذلك الا مسالمته ومسايرته وثبت قدمه وطار صيته في جميع الممالك الاسلامية والقرانات الافرنجية والثغور واشتهر ذكره وراسله ملوك النواحي وارسلهم وهادوه وهابوه وبنى عدة صهاريج وملأها بالزيت والسمن والعسل والسيرج والارز وانواع الغلة وزرع ببستانه سائر اصناف الفواكه والنخيل والاعناب الكثيرة وجدد دولته ثانيا واشترى مماليك وجواري بدلا عن الذين ابادهم بالجملة فكان من غرائب الدهر واخباره لا يفي القلم بتسطيرها ولا يسعف الفكر بتذكارها ولو جمع بعضها جاءت مجلدات ولو ولم يكن له من المناقب الااستظهاره على الفرنساوية وثباته في محاربتهم له اكثر من شهرين لم يغفل فيها لحظة لكفاه وكان يقول أن الفرنساوية لو اجتهدوا في ازالة جبل عظيم لازالوا في اسرع وقت وقد تقدم بعض خبر ذلك في محله وكان يقول انا المنتظر وانا احمد المذكور في الجفور الذي يظهر بين القصرين واستخرج له الكثير من الذين يدعون معرفة الاستخراج عبارات تأيلات ورموزا واشارات ويقولون المراد بالقصرين مكانان جهة الشام او المحملان او نحو ذلك من الوساوس ولم يزل حتى توفي في آخر هذا العام على فراشه وكان سليمان باشا تابعه غائب بالحجاز في امارة الحج الشامي فلما علم انه مفارق الدنيا احضر اسماعيل باشا والي مرعش وكان في محبسه يتوقع منه المكروه في كل وقت فأقامه وكيلا عنه الى حضور سليمان باشا من الحج واعطاه الدفاتر وعرفه بعلوفة العسكر واوصاه فلما انقضى نحبه ودفنوه صرف النفقة واتفق مع طه الكردي وصالح الدولة وتحصن بعكا وحضر سليمان باشا فامتنعا عليه ولم يمكنه الدخول اليها فاستمر اسمعيل باشا الى أن اخرجه اتباع المترجمع بحيلة وملكوا سليمان باشا بعد امور لم تحقق كيفيتها وذلك
في السنة التالية
ومات عين الاعيان ونادرة الزمان شاه بندر التجار والمرتقى بهمته الى سنام الفخار النبيه النجيب والحسيب النسيب السيد احمد بن احمد الشهير بالمحروقي الحريري كان والده حريريا بسوق العنبريين بمصر وكان رجلا صالحا منور الشيبة معروفا بصدق اللهجة والديانة والامانة بين اقرانه وولد له المترجم فكان يدعو له كثير في صلاته وسائر تحركاته فلما ترعرع خالط الناس وكتب وحسب وكان على غاية من الحذق والنباهة واخذ واعطي وباع واشترى وشارك وتداخل مع التجار وحاسب على الالوف واتحد بالسيد احمد بن عبدالسلام وسافر معه الى الحجاز واحبه وامتزج به امتزاجا كليا بحيث صارا كالتوأمين او روح حلت بدنين ومات عمدة التجار العرايشي وهو بالحجاز وهو اخو السيد احمد بن عبدالسلام في تلك السنة فاحرز مخلفاته وامواله ودفاتر شركائه فتقيد المترجم بمحاسبة التجار والشركاء والوكلاء ومحاققتهم فوفر عليه لكوكا من الأموال واستأنف الشركات والمعوضات وعد ذلك من سعادة مقدم المترجم ومرافقته له ورجع صحبته الى مصر وزادت محبته له ورغبته فيه وكان لابن عبدالسلام شهرة ووصلة بأكابر الأمراء كأبيه وخصوصا مراد بك فيقضى له ولامرائه لوازمهم اللازمة لهم ولأتباعهم واحتياجاتهم من التفاصيل والاقمشة الهندية وغيرها وينوب عنه المترجم في غالب اوقاته وحركاته ولشدة امتزاج الطبيعة بينهما صار يحاكيه في الفاظه ولغته وجميع اصطلاحاته في الحركات والسكنات والخطرات واشتهر ذكره به عند التجار والأعيان والأمراء واتحدا بمحمد أغا البارودى كتخدا مراد بك اتحاد زائدا واتحفاه بالجرايا وخصصاه بالمزايا فراج به عند مخدومه شأنهما وارتفع بالزيادة قدرهما ولما تأمر اسمعيل بك واستوزر أيضا البارودي استمر حالهما كذلك بل واكثر الى أن حصل الطاعون ومات به السيد احمد بن عبدالسلام في شعبان فاستقر المترجم في مظهره ومنصبه شاه بندر التجار بواسطة
البارودي أيضا وسعايته وسعادة طالعه وسكن داره العظيمة التى عمرها بجوار الفحامين محل دكة الحسبة القديم وتزوج بزوجاته واستولى على حواصله ومخازنه واستقل بها من غير شريك ولا وارث وعند ذلك زادت شهرته وعظم شانه ووجاهته ونفذت كلمته على اقرانه ولم يزل طالعه يسمو وسعده يزيد وينمو وعاد مراد بك والامراء والمصريون بعد موت اسمعيل بك وانقلاب دولته الى امارة مصر فاختص بخدمته وقضاء سائر اشغاله وكذلك ابراهيم بك وباقي الامراء وقدم لهم الهدايا والظرائف وواسى الجميع اعلاهم وادونهم بحسن الصنع حتى جذب اليه قلوب الجميع ونافس الرجال وانعطعفت اليه الآمال وعامل تجار النواحي والأمصار من سائر الجهات والاقطار واشتهر ذكره بالأراضي الحجازية وكذا بالبلاد الشامية والرومية واعتمدوه وكاتبوه وارسلوه واودعوه الودائع واصناف التجارات والبضائع وزوج ولده السيد محمد وعمل له مها ! عظيما افتخر فيه الى الغاية ودعا الأمراء والأكابر والأعيان وارسل اليه ابراهيم بك ومراد بك الهدايا العظيمة المحملة على الجمال الكثيرة وكذلك باقي الأمراء ومعها الأجراس التي لها رنة تسمع من البعد ويقدمها جمل عليه طبل نقارية وذلك خلاف هدايا التجار وعظماء الناس والنصارى الأروام والأقباط الكتبة وتجار الافرنج والأتراك والشوام والمغاربة وغيرهم وخلع الخلع الكثيرة واعطى البقاشيش والإنعامات والكساوي ولا يشغله امر عن اخر يمضيه او غرض ينفذه ويقضيه كما قيل اخو عزمات لايريد على الذي يهم به من مفظع الأمر صاحبا اذا هم القى بين عينيه عزمة فكب عن ذكر العواقب جانبا
وحج في سنة اثنتي عشرة ومائتين والف وخرج في تجمل زائد وجمال كثيرة وتختروانات ومواهي ومسطحات وفراشين وخدم وهجن وبغال وخيول وكان يوم خروجه يوما مشهودا اجتمع الكثير من العامة والنساء وجلسوا بالطريق للفرجة عليه ومن خرج معه لتشييعه ووداعه
من الأعيان والتجار الراكبين والراجلين معه منهم وبأيديهم البنادق والأسلحة وغير ذلك وبعث بالبضائع والذخائر والقومانية والأحمال الثقيلة على طريق البحر لمرساة الينبع وجدة وعند رجوع الركب وصل الفرنساوية الى بر مصر ووصلهم الخبر بذلك وارسل ابراهيم بك الى صالح بك امير الحاج يطلبه مع الحجاج الى بلبيس كما تقدم وذهب بصحبتهم المترجم وجرى عليه ما ذكر من نهب العرب متاعه وحموله وكان شيئا كثيرا حتى ما عليه من الثياب وانحصر بطريق القرين فلم يجد عند ذلك بدا من مواجهة الفرنساوية فذهب الى سارى عسكر بونابارته وقابله فرحب به واكرمه ولامه على فراره وركونه للماليك فاعتذر اليه بجهل الحال فقبل عذره واجتهد له في تحصيل المنهوبات وارسل في طلب المتعدين واستخلص ما امكن استخلاصه له ولغيره وارسلهم الى مصر واصحب معهم عدة من العساكر لخفارتهم ويقدمهم طلبهم وهم مشاة بالاسلحة بين ايديهم حتى ادخلوهم الى بيوتهم ولما رجع ساري عسكر الى مصر تردد عليه واحله محل القبول وارتاح اليه في لوازمه وتصدى للأمور وقضايا التجارة وصار مرعى الجانب عنده ويقبل شفاعته ويفصل القوانين بين يديه ويدي اكابرهم ولما رتبوا الديوان تعين من الرؤساء فيه وكاتبوا التجار واهل الحجاز وشريف مكة بواسطته واستمر على ذلك حتى سافر بونابارته ووصل بعد ذلك عرضي العثمانية والأمراء المصرية فخرج فيمن خرج لملاقاتهم وحصل بعد ذلك ما حصل من نقض الصلح والحروب واجتهد المترجم في ايام الحرب وساعد وتصدى بكل همته وصرف اموالا جمة في المهمات والمؤن الى أن كان ما كان من ظهور الفرنساوية وخروج المحاربين من مصر ورجوعهم فلم يسعه الا الخروج معهم والجلاء عن مصر فنهب الفرنساوية داره وما يتعلق به ولما استقر يوسف باشا الوزير جهة الشام انسة المترجم وعاضده واجتهد في حوائجه واقترض الأموال وكاتب التجار وبذل همته وساعده بمالا يدخل تحت
طوق البشر ويراسل خواصه بمصر سرا فيطالعونه بالأخبار والأسرار الى أن حصل العثمانيون بمصر فصار المترجم هو المشار اليه في الدولة والتزم بالاقتطاعات والبلاد وحضر الوزير الى داره وقدم اليه التقادم والهدايا وباشر الأمور العظيمة والقضايا الجسيمة وما يتعلق بالدولة والدواوين والمهمات السلطانية وازدحم الناس ببابه وكثرت عليه الأتباع والأعوان والقواسة والفراشون وعساكر رومية ومترجمون وكلارجية ووكلاء وحضرت مشايخ البلاد والفلاحون الكثيرة بالهدايا والتقادم والأغنام والجمال والخيول وضاقت داره بهم فاتخذ دورا بجواره وانزل بها الوافدين وجعل بها مضايف وحبوسا وغير ذلك
ولما قصد يوسف باشا الوزير السفر من مصر وكله على تعلقاته وخصوصياته وحضر محمد باشا خسرو فاختص به أيضا اختصاصا كليا وسلم اليه المقاليد الكلية والجزئية وجعله امير الضربخانة وزادت صولته وشهرته وطار صيته واتسعت دائرته وصار بمنزلة شيخ البلد بل اعظم ونفدت اوامره في الاقليم المصري والرومي والحجازي والشامي ودرك من العز والجاه والعظمة مال يتفق لامثالة من اولاد البلد وكان ديوان بيته اعظم الدواوين بمصر وتغرب وجهاء الناس لخدمته والوصول لسدته ووهب واعطى وراعى جانب كل من انتمى اليه واغدق عليه وكان يرسل الكساوي في رمضان للاعيان والفقهاء والتجار وفيها الشالات الكشميري ويهب المواهب وينعم الانعامات ويهادي احبابه ويسعفهم ويواسيهم في المهمات وعمل عدة اعراس وولائم وزار محمد باشا المذكور في داره مرتين او ثلاثة باستدعاء وقدم له التقادم والهدايا والتحاليف والرخوت المثمنة والخيول والتعابي من الاقمشة الهندية والمقصبات ولما ثارت العسكر على محمد باشا وخرج فارا كان بصحبته في ذلك الوقت فركب ايضا يريد الفرار معه واختلف بينهما الطرق فصادفه طائفة من العسكر فقبضوا عليه وعروا ثيابه وثياب ولده ومن معه واخذوا منه جوهرا
كثيرا ونقودا ومتعا فلحقه عمر بك الارنؤدي الساكن ببولاق وادركه وخلصه من ايديهم واخذه الى داره وحماه وقابل به محمد علي وغيره وذهب الى داره واستقر بها الى أن انقضت الفتنة وظهر طاهر باشا فساس امره معه حتى قتل وحضر الأمراء المصريون فتداخل معهم وقدم لهم وهاداهم واتحد بهم وبعثمان بك البرديسي فأبقوه على حالته ونجز مطلوبات الجميع ولم يتضعضع للمزعجات ولم يتقهقر من المفزعات حتى انهم لما ارادوا تقليد الستة عشر صنجاقافي يوم احضره البرديسي تلك الليلة واخبره بما اتفقوا عليه ووجده مشغول البال متحيرا في ملزوماتهم فهون عليه الأمر وسهله وقضى له جميع المطلوبات واللوازم للستة عشر اميرا في تلك الليلة وما اصبح النهار الا وجميع المطلوبات من خيول ورخوت وفراوي وكساوي ومزر كشات وذهب وفضة برسم الإنعامات والبقاشيش ومصروف الجيب حاضر لديه بين يديه حتى تعجب هو والحاضرون من ذلك وقال له مثلك من يخدم الملوك واعطاه في ذلك اليوم فارسكور زيادة عما بيده ولما ثارت العسكر على الأمراء المصريين واخرجوهم من مصر واحضروا حمد باشا خورشيد من سكندرية وقلدوه ولاية مصر وكان كبعض الأغوات مختصر الحال هياله رقم الوزارة والرخوت والخلع واللوازم في اسرع وقت واقرب مدة ولم يزل شأنه في الترفع والصعود وطالعه مقارنا للسعود وحاله مشهور وذكر منشور حتى فاجاته المنية وحالت بينه وبين الامنية وذلك انه لما دعا الباشا في يوم الثلاثاء سابع عشر شهر شعبان نزل الى داره وتغدى عنده واقام نحو ساعتين ثم ركب وطلع الى القلعة فارسل في اثره هدية جليلة صحبة ولده والسيد احمد الملاترجمانة وهي بفج قماش هندي وتفاصيل ومصوغات مجوهرة وشمعدانات فضة وتحايف وخيول مرختة وبدونها برسمة ورسم كبار اتباعه ومضى على ذلك خمسة ايام فلما كان ليلة الأحد ثاني عشرين شعبان المذكور جلس حصة من الليل مع اصحابه يحادثهم ويملي الكتبة والمراسلات والحسابات فأخذته رعدة وقال
اني اجد بردا فدثروه ساعة ثم ارادوا ايقاظه ليدخل الى حريمه فحركوه فوجدوه خالصا قد فارق الدنيا من تلك الساعة التي دثروه فيها فكتلوا امره حتى ركب ولده السيد محمد الى الباشا في طلوع النهار واخبره ثم رجع الى داره وحضر ديوان افندي والقاضي وختموا على خزانته وحواصله واشهروا موته وجهزوه وكفنوه وصلوا عليه بالأزهر في مشهد حافل ثم رجعوا به الى زاوية العربي تجاه داره ودفنوه مع السيد احمد بن عبد السلام وانقضى امره ثم أن الباشا البس ولده السيد محمد فروة وقفطانا على الضر بخانة وما كان عليه والده من خدمة الدولة والالتزام ونزل من القلعة صحبة القاضي ثم ذهب الى داره بارك الله فيه واعانه علىلا وقته
ومات الأمير المبجل على أغا يحيى واصله مملوك يحيى كاشف تابع احمد بك السكري الذي كان كتخدا عند عثمان بك الفقاري الكبير المتقدم ذكرهما ولما ظهر علي بك وارسل محمد بك ومن معه الى جهة قبلى بعد قتل صالح بك كان الأمير يحيى في جملة الأمراء الذين كانو بأسيوط ووقع لهم ما تقدم ذكره من الهزيمة وتشتتوا في البلاد فذهب الأمير يحيى الى اسلامبول وصحبته مملوكة المترجم واقام هناك الى أن مات فحضر الامير على تابعه الى مصر في ايام محمد بك وتزوج ببنت استاذه وسكن بحارة السبع قاعات واشتهر بها وعمل كتخدا عند سليمان أغا الوالي الى أن تقلد سليمان أغا المذكور اغاوية مستحفظان فصار المترجم مقبولا عند ويتوسط للناس عنده في القضايا والدعاوي واشتهر ذكره من حينئذ وارتاح الناس عليه في غالب المقتضيات وباشر فصل الحكومات بنفسه وكان قليل الطمع لبن الجانب ولما تقلد مخدومه الصنجقية في الأمور الجسيمة عند الأمراء ولما حضر حسن باشا وخرج مخدومه من مصر مع من خرج وظهر شأن اسمعيل بك والعلويين استوزره حسن بك الجداوي وعظم امره
أيضا في ايامه مع مباشرته لوازم مخدومه الاول وقضاء اشغاله سرا واشترى دار مصطفى أغا الجراكسة التي بجوار العربي بالقرب من الفحامين وانتقل من السبع قاعات وسكن بها وسافر مرارا الى الجهة القبلية سفيرا بين الأمراء البحرية والقبلية في المراسلات والمصالحات وكذلك في بعض المقتضيات بالبلاد البحرية ولم يزل وافر الحرمة حتى كانت دولة العثمانيين ونما امر السيد احمد المحروقي فانضوى اليه لقرب داره منه فقيده ببعض الخدم وجبي الأموال من البلاد الجسيمة فأرسله قبل موته الى جهة بشبيش فمرض بها فلما تأمر حسن بك اخو طاهر باشا على التجريدة الموجهة الى ناحية قبلى طلبوا رجلا من المصريين يكون رئيسا عاقلا يكون كتخدا فأشاروا على المترجم فطلبه الباشا من السيد احمد المحروقي فارسل اليه بالحضور فوصل في اليوم الذي توفي فيه المحروقي فاقام اياما حتى قضى اشغاله وسافر وهو متوعك وتوفي بسملوط في ثالث القعدة وحضر برمته في ليلة الجمعة ثامنه وخرجوا بجنازته من بيته وصلوا عليه بالازهر ودفنوه بالقرافة رحمه الله تعالى وغفر له
واستهلت سنة عشرين ومائتين والف
فكان ابتداء المحرم يوم الإثنين ولما نزل الدلاة جهة البساتين وتلك النواحي فأكلوا زروعات الناس ونهبوا دورابدير الطين وطلبوا علوفات زائدة رتب لهم الباشا الجرايات والعليق والجامكية وقدرها ستمائة كيس في كل شهر
وفي ثامنه سافر اناس كثيرة لزيارة مولد سيدي احمد البدوي المعتاد وسافر أيضا الشيخ الشرقاوي وحضر هناك كاشف الغربية وحصل منه قبائح كثيرة وقبض على خلائق كثيرة وبلصهم وحبسهم وخوزق اناسا كثيرة من غير ذنب ولا يقبل شفاعة احد في شئ
وفيه اشيع قدوم محمد علي وحسن باشا الى مصر وذلك انهما لما سمعا بوصول طائفة الدلاة وان احمد باشا ارسل اليهم وطلبهم ليتعاضد بهم ويقوي بهم ساعده على الارنؤدية عزموا على الرجوع الى مصر ليتلافوا امرهم قبل استفحال الامر
وفي يوم الخميس حادي عشره طلب الباشا المشايخ وعمر افندي النقيب والوجا قليلة وارباب الديوان فلما اجتمعوا قال لهم أن محمد علي وحسن باشا راجعان من قبلي من غير اذن وطالبان شرافاما لن يرجعا من حيث اتيا ويقاتلا المماليك واما أن يذهبا الى بلادهما او اعطيهما ولايات ومناصب في غير اراضي مصر ومعي امر من السلطان ووكيل مفوض ودستور مكرم اعزل من اشاء واولي من اشاء واعطي من اشاء وامنع من اشاء ثم اخرج من جيبه ورقة صغيرة في كيس حرير اخضر واخبرهم انها بخط السلطان بماذكر فانتم تكونون معي وتقيمون عندي صحبة كبار الوجاقلية فقالوا له أن الشيخ الشرقاوي والشيخ البكري والشيخ المهدي غائبون عن مصر فقال نرسل لهم بالحضور فكتبوا لهم اوراقا من الباشا وارسلوها اليهم مع السعاة يستعجلونهم للحضور ثم اتفقوا على أن يبيت عنده بالقلعة في كل ليلة اثنان من المتعممين واثنان من الوجاقلية واعدو لهم مكانا بالضربخانة وامر بان يذهب الدلاة والعسكر الباقية الى ناحية طرا الجيزة واخذوا مدافع وجبخانة ووصل محمد علي وحسن باشا الى ناحية طرا ومعهم عساكرهم فلم يجسر الدلاتية على مما نعتهم وكادلهم محمد علي مكايد منها انه ارسل اليهم يقول انما جئنا في طلب العلائف ولسنا مخالفين ولا معاندين فقال الدلاتية لبعضهم اذا كان الأمر كذلك فلاوجه للتعرض لهم واخلوا من طريقهم ودخل الكثير من طوائف عساكرهم ورجع الدلاتية الى اماكنهم بدير الطين وقصر العيني والآثار ونزل كتخدا الباشا وعمر بك الأرنؤدي فتكلما مع الدلاتية فقالوا أن القوم لم يكن عندهم خلاف ولاتعدوا اذا كنتم تمنعون وتحاربون من يطلب حقه فكذلك تفعلون معنا اذا خدمناكم زمنا ثم طلبنا علائفنا فرجع الكتخدا وعمر بك الارنؤدي
وتتابع دخول اولئك في كل يوم طائفة بعد اخرى وسكنوا الدور والبيوت
وفي يوم الاربعاء ذهب اليهم سعيد اغا وقابجي باشا الأسودان وسلما على محمد علي وحسن باشا ثم رجعا
وفي يوم الجمعة تاسع عشره دخل محمد علي بعد العصر وذهب الى بيته بالازبكية ودخل حسن باشا في صبحها ودخلت طوائفهم واخذوا الحمير والبغال وجمال السقائين لينقلوا عليها متاعهم ودخلوا البيوت وازعجوا السكان واخرجوهم من مساكنهم وفتحوا البيوت المسدودة وكثرت اخلاطهم بالاسواق ومنع الباشا المشايخ والوجاقلية من الذهاب الى محمد علي والسلام عليه واستمر الامر على القلقلة واللقلقة والتوحش واخذ محمد علي في التدابير على احمد باشا وخلعه
شهر صفر الخير سنة
استهل بيوم الاربعاء والامر على ما هو عليه وسعيد أغا ساع ومجتهد في اجراء الصلح ويركب تارة الى الباشا وتارة الى محمد علي والى حسن باشا ويطلع من المشايخ في كل ليلة اثنان وكذلك اثنان من الوجاقلية يبيتون لمكان في دار الضرب وينزلون في الصباح ولم يعقل لذلك معنى وفي كل وقت يقع التشاحن بين افراد العسكر في الطرقات ويقتلون بعضهم بعضا وحضر سليمان كاشف البواب ومر من خلف الجيزة وذهب الى جهة وردان وطلب الاموال من البلاد والكلف وعدى خازنداره الى بر المنوفية ومعه عدة كثيرة من العربان بطلب الاموال من البلاد ومن عصى عليهم من البلاد ضربوهم ونهبوهم وحرقوا اجرانهم وكاشف المنوفية داخل منوف لا يقدر على الخروج الى خارج وحضر أيضا محمد بك الألفي الى ناحية أبي صير الملق وانتشرت طوائفه وعربانه بأقليم الجيزة ومصر مشحونة باخلاط العسكر واجناسهم المختلفة داخل المدينة وخارجها والدالاتية جهة مصر القديمة وقصر العيني والآثار ودير الطين يأكلون الزروعات ويخطفون ما يجدونه مع الفلاحين والمارين ويأخذون ما معهم ويخطفون النساء والاولاد بل ويلوطون في الرجال الاختيارية
وفي اوله حضر سكان مصر القديمة نساء ورجالا الى جهة الجامع الازهر يشكون ويستخبثون من افعال الدالاتية ويخبرون أن الدالاتية قد اخرجوهم من مساكنهم واوطانهم قهرا عنهم ولم يتركوهم ياخذون ثيابهم ومتاعهم بل ومنعوا النساء أيضا عندهم وما خلص منهم الا من تسلق ونط من الحيطان وحضروا على هذه الصورة فركب المشايخ الى الباشا وخاطبوه في امرهم فكتب فرمانا خطابا للدالاتية بالخروج من الدور وتركها الى اصحابها فلم يمتثلوا ولم يسمعوا ذلك وخوطب الباشا ثانيا واخبروه بعصيانهم فقال انهم مقيمون ثلاثة ايام ثم يسافرون وزاد الضجيج والجمع فاجتمع المشايخ في صبحها يوم الخميس بالازهر وتركوا قراءة الدروس وخرجت سربة من الاولاد الصغار يصرخون بالاسواق ويأمرون الناس بغلق الحوانيت وحصل بالبلدة ضجة ووصل الخبر الى الباشا بذلك فأرسل كتخداه الى الازهر فلم يجد به احدا وكان المشايخ انتقلوا بعد الظهر الى بيوتهم لاغراض نفسانية وفشل مستمر فيهم فلما لم ير احدا ذهب الى بيت الشيخ الشرقاوي وحضر هناك السيد عمر افندي وخلافهفكلموه واوهموه ثم قام وانصرف وفي حال خروجه رجمه الاولاد بالحجارة وسبوه وشتموه وبقي الامر على السكوت الى يوم الجمعة عاشرة والمشايخ تاركون الحضور الى الازهر وغالب الاسواق والدكاكين مغلقة واللغط والوسوسة دائران وبطل طلوع الماشيخ والوجاقلية ومبيتهم بالقلعة وفي ذلك اليوم نزل احمد باشا من القلعة ودخل بيت سعيد أغا وذلك انه ورد قاصد من اسلامبول وعلى يده تقليد لمحمد علي بولاية جدة فامتنع من طلوع القلعة فوقع الاتفاق علىان الباشا ينزل الى بيت سعيد أغا ويخلع على محمد علي هناك فلما حضر الباشا هناك وحضر محمد علي وحسن باشا واخوه عابدي بك وتقلد محمد
علي باشا ولاية جدة ولبس فروة وقاووقا وخرج يريد الركوب ثارت عليه العسكر وطلبوا منه العلوفة فقال لهم ها هو الباشا عندكم وركب هو وذهب الى داره بالازبكية وصار يفرق وينثر الذهب بطول الطريق ثم أن العسكر ساروا الى احمد باشا ومنعوه من الركوب فلم يزل الى بعد الغروب فلاطفهم حسن باشا ووعدهم ثم ذهب مع حسن باشا الى داره واشيع في المدينة حبسه وفرح الناس وباتوا مسرورين فلما طلع النهار يوم السبت تبين انه طلع ثانيا الى القلعة في اخر الليل وطلع صحبته عابدي بك فاغتم الناس ثانيا
وفي ذلك اليوم طلب الباشا من ابن المحروقي وجرجس الجوهري الفي كيس اشيع انه عازم على عمل فردة على اهل البلد وطلب اجرة الاملاك بموجب قوائم الفرنساوية
وفيه ركب الدلاة وذهبوا الى قليوب ودخلوها واستولوا عليها وعلى دورها وربطوا خيولهم على اجرانها وطلبوا من اهلها النفقات والكلف وعملوا على الدور دراهم يطلبونها منهم في كل يوم وقرروا على دار شيخ البلد الشواربي كل يوم مائة قرش وحبسوا حريمهم عن الخروج وكان الشواربي بمصر فوصل اليه الخبر بذلك واستمروا على ذلك حتى اخذوا النساء والبنات والاولاد وصاروا يبيعونهم فيما بينهم وبعد ايام ارسل اليهم محمد علي وقرر لهم الكلف على البلاد فصاروا يقبضونها ومن عصى عليهم ضربوه ونهبوه وارسلوا الى بلدة يقال لها أبو الغيط فامتنعت عليهم وخرج اهلها ودفنوا متاعهم بالجزيرة المقابلة للقرية فركبوا عليهم وحاربوهم فقتل من الفلاحين زيادة عن مائة شخص ودلهم بعض الناس من الفلاحين على خباياهم بالجزيرة فذهبوا اليها واستخرجوها وكانت اشياء كثيرة والامر لله وحده لاشريك له والمشايخ تاركون الحضور الى الازهر وغالب الاسواق والدكاكين مغلقة وبطل طلوع المشايخ والوجاقلية ومبيتهم بالقلعة فحضر الاغا الى نواحي الازهر ونادى بالامان وفتح الدكاكين
في العصر فقال الناس واي شئ حصل من الامان وهو يريد سلب الفقراء وياخذ اجر مساكنهم ويعمل عليهم غرامات وباتوا في هرج ومرج فلما اصبح يوم الاحد ثاني عشرة ركب المشايخ الى بيت القاضي واجتمع به الكثير من المتعممين والعامة والاطفال حتى امتلا الحوش والمقعد بالناس وصرخوا بقولهم شرع الله بيننا وبين هذا الباشا الظالم ومن الاولاد من يقول يا لطيف ومنهم من يقول يارب يامتجلي اهلك العثملي ومنهم من يقول حسبنا الله ونعم الوكيل وغير ذلك وطلبوا من القاضي أن يرسل باحضار المتكلمين في الدولة لمجلس الشرع فارسل الى سعيد أغا الوكيل وبشير أغا الذي حضر قبل تاريخه وعثمان أغا قبي كتخدا والدفتردار والشمعدانجي فحضر الجميع واتفقوا على كتابة عرضحال بالمطلوبات ففعلوا ذلك وذكروا فيه تعدي طوائف العسكر والايذاء منهم للناس واخراجهم من مساكنهم والمظالم والفرد وقبض مال الميري المعجل وحق طرق المباشرين ومصادرة الناس بالدعاوي الكاذبة وغير ذلك واخذوه معهم ووعدوه برد الجواب في ثاني يوم وفي تلك الليلة ارسل الباشا مراسلة الى القاضي يرفق فيها الجواب ويظهر الامتثال ويطلب حضوره الية من الغد مع العلماء ليعمل معهم مشورة فلما وصلته التذكرة حضر بها الى السيد عمر افندي واستشاروا في الذهاب ثم اتفقوا على عدم التوجه اليه وغلب على ظنهم انها منه خديعة وفي عزمه شئ اخر لانه حضر بعد ذلك من اخبرهم انه كان اعد اشخاصا لإغتيالهم في الطريق وينسب ذلك الفعل لاوباش العسكر أن لو عوتب بعد ذلك
فلما اصبحوا يوم الإثنين اجتمعوا ببيت القاضي وكذلك اجتمع الكثير من العامة فمنعوهم من الدخول الى بيت القاضي وقفلوا بابيه وحضر اليهم ايضا سعيد أغا والجماعة وركب الجميع وذهبوا الى محمد علي وقالو له انا لا نريد هذا الباشا حاكما علينا ولابد من عزله من الولاية فقال ومن تريدونه يكون واليا قالوا له لانرضى الا بك وتكون واليا علينا
بشروطنا لما نتوسمه فيك من العدالة والخير فامتنع اولا ثم رضي واحضروا له كركا وعليه قفطان وقام اليه السيد عمر والشيخ الشرقاوي فألبساه له وذلك وقت العصر ونادوا بذلك في تلك الليلة في المدينة وارسلوا الى احمد باشا الخبر بذلك فقال اني مولى من طرف السلطان فلا اعزل بأمر الفلاحين ولا انزل من القلعة الا بامر من السلطنة واصبح الناس وتجمعوا أيضا فركب المشايخ ومعهم الجم الغفير من العامة وبايديهم الاسلحة والعصي وذهبوا الى بركة الازبكية حتى ملؤها وارسل الباشا الى مصر لعتيقة فحمل جمالا من البقسماط والذخيرة والجبخانة واخذ غلاله من عرصة الرميلة وطلع عمر بك الانؤدي الساكن ببولاق عند الباشا بالقلعة ثم أن محمد علي باشا والمشايخ كتبوا مراسلة الى عمر بك وصالح أغا قوش المعضدين لاحمد باشا المخلوع يذكرون لهما ما اجتمع عليه رأي الجمهور من عزل الباشا ولاينبغي مخالفتهم وعنادهم لما يترتب على ذلك من الفساد العظيم وخراب الإقليم فأرسلا يقولان في الجواب ارونا سندا شرعيا في ذلك فاجتمع المشايخ في يوم الخميس سادس عشرة ببيت القاضي ونظموا سؤالا وكتب عليه المفتون وارسلوه اليهم فلم يتعقلوا ذلك واستمروا على خلافهم وعنادهم ونزل كثير من اتباع الباشا بثيابهم الى المدينة وانحل عنه طائفة الينكجرية ولم يبق معه الا طوائف الارنؤد المغرضون لصالح أغا قوش وعمر أغا
وفي هذه الايام حضر محمد بك الألفي ومن معه من امرائه وعربانه وانتشروا جهة الجيزة واستقر الألفي بالمنصورية قرب الاهرام وانتشرت اتباعه الى الجسر الاسود وارسل مكاتبه الى السيد عمر افندي والشيخ الشرقاوي ومحمد علي باشا يطلب له جهة يستقر فيها هو واتباعه فكتبوا له بان يختار له جهة يرتاح فيها ويتانى حتى تسكن الفتنة القائمة بمصر واستمر احمد باشا المخلوع ومن معه على الخلاف والعناد وعدم النزول من القلعة ويقول لا انزل حتى يأتيني امر من السلطان الذي ولاني وارسل
تذكرة الى القاضي يذكر فيها ان العسكر الذين عنده بالقلعة لهم جامكية منكسرة في المدة الماضية وانهم كانوا محولين على مال الجهات ورفع المظالم سنة تاريخه معجلا فتقبضونها وترسلونها وتعينوا لنا ولهم خراجا ومصاريف الى حين حضور جواب من الدولة وليس في اقامتنا بالقلعة ضرر او خراب على الرعية فاننا لانريد اضرارهم فاجابه القاضي بقوله اما ما كان من الجامكية المحولة فإنها لازمة عليكم من ايراد المدة التي قبضتموها في المدة السابقة ومن قبيل ما ذكرتموه من عدم ضرر الرعية فإن اقامتكم بالقلعة هو عين الضرر فإنه حضر يوم تاريخه نحو الاربعين ألف نفس بالمحكمة وطالبون نزولكم او محاربتكم فلا يمكننا دفع قيام هذا الجمهور وهذا اخر المراسلات بيننا وبينكم والسلام فأجابوه بمعنى الجواب الاول واجتهد السيد عمر افندي النقيب وحرض الناس على الاجتماع والاستعداد وركب هو المشايخ الى بيت محمد علي باشا ومعهم الكثير من المشايخ والعامة والوجاقلية والكل بالاسلحة والعصي والنبابيت ولازموا السهر بالليل في الشوارع والحارات ويسرحون احزابا وطوائف ومعهم المشاعل ويطوفون بالجهات والنواحي وجهات السور ثم اتفقوا على محاصرة القلعة فأرسل محمد علي باشا عساكره في جهات الرميلة والحطابة والطرق النافذة مثل باب القرافة والحصرية وطريق الصليبية وناحية بيت اقبردي وجلسوا بالمحمودية والسلطان حسن وعملوا متاريس في تلك الجهات وذلك في تاسع عشرة ومنعوا من يطلع ومن ينزل من القلعة واغلق اهل القلعة الابواب ووقفوا على الاسوار يبكت بعضهم بعضا بالكلام ويترامون بالبنادق وصعدوا على منارة السلطان حسن يرمون منها الى القلعة
وفي يوم الابعاء ثاني عشرينه ركب السيد عمر افندي والمشايخ ومعهم جمع كثيرة من الناس الى الأزبكية وبعد ركوبهم حضر الجمع الكثير من العامة والعصب وطوائف الأجناد والوجاقلية وعصب النواحي واهل
الحسينية والعطوف والقرافة والرميلة والحطابة والصليبة وجميع الجهات ومعهم الطبول والبيارق حتى غصت بهم الازقة فحضروا الى جهات الجامع الازهر ثم رجعوا الى الازبكية ولحقوا بالمشايخ وخرج المشايخ من عند محمد علي باشا وذهبوا الى حسن بك اخي طاهر باشا ثم رجعوا واستمر الحال على ذلك الى ليلة الجمعة فنزل بين المغرب والعشاء عدة من العسكر كبيرة فتحوا باب القلعة بالرميلة وارادوا الهجوم على المتاريس فتابعوا عليهم بالرمي فلم يزالوا يترامون الى بعد العشاء الأخيرة ثم رجعوا وعند ما سمع الناس صوت الرمي ذهبوا ارسالا الى جهات المتاريس ثم عادوا بعد رجوع المذكورين الى القلعة كل ذلك وحسن باشا طاهر ومن معه من الارنؤد يراعون من بالقلعة من اجناسهم لان غالبهم منهم فلما كان يوم الجمعة رابع عشرينه طلع عابدي بك اخو حسن باشا الى القلعة ونزل عمر بك وامروا برفع المتاريس وتفرق من بها واشيع نزول الباشا من الغد وبات الناس على ذلك ليلة السبت وهم على ماهم عليه من التجمع والسروح والحيرة
وفي صبح يوم السبت مر ثلاثة من العسكر الجمان بناحية مرجوش فصادفوا غلاما حماميا من اللاونجية خرج ليشتري قهوة فارادوا اخذه ففر منهم فضربوه برصاصة وقتلوه وذلك في صلاة الحنفي فتبعهم الناس فواصلوا الى النحاسين وعطفوا على خان الخليلي وارادوا الخلوص الى جهة المشهدالحسيني فأغلقوا في وجوههم البوابة فضربوا على المتبعين لهم فقتلوا شخصا وجرحوا اخر وخرجوا من القبو الى ناحية الصنادقية وفرغ ما معهم من البارود فطلعوا الى ربع وكالة الشبراوي فاجتمع الناس وكسروا باب الربع فنزلوا يريدون الهروب فقتلهم الناس وذهبت ارواحهم الى النار
وفي ذلك اليوم ركب السيد عمر افندي في قلة من الناس وذهب الى بيت حسن بك اخي طاهر باشا وكان هناك عمر بك الذي نزل من القلعة
فوقع بينه وبين السيد عمر مناقشة في الكلام طويلة ومن جملة ما قال كيف تزلون من ولا السلطان عليكم وقد قال الله تعالى اطيعو الله واطيعوا الرسول واولي الامر منكم فقال له اولو الأمر العلماء وحملة الشريعة والسلطان العادل وهذا رجل ظالم وجرت العادة من قديم الزمان أن اهل البلد يعزلون الولاة وهذا شئ من زمان حتى الخليفة والسلطان اذا سار فيهم بالجور فإنهم يعزلونه ويخلعونه ثم قال وكيف تحصرونا وتمنعون عنا الماء والاكل وتقاتلونا نحن كفرة حتى تفعلوا معنا ذلك قال نعم قد افتى العلماء والقاضي بجواز قتالكم ومحاربتكم لانكم عصاة فقال أن القاضي هذا كافر فقال اذا كان قاضيكم كافرا فكيف بكم وحاشاه الله من ذلك انه رجل شرعي لايميل عن الحق وانفصل المجلس على ذلك وخاطبه الشيخ السادات في مثل ذلك فلم يتحول عن الخلاف والعناد هذا الأمر مستمر من اجتماع الناس وسهرهم وطوافهم بالليل واتخاذهم الاسلحة والنبابيت حتى أن الفقير من العامة كان يبيع ملبوسه او يستدين ويشتري به سلاحا وحضرت عربان كثيرة من نواحي الشرق وغيره
وفي يوم الاثنين ركب السيد عمر وصحبته الوجاقلية وامامه الناس بالاسلحة والعدد والاجناد واهل خان الخليلي والمغاربة شئ كثير جدا ومعهم بيارق ولهم جلبة وازدحام بحيث كان اولهم بالموسكي واخرهم جهة الازهر وانفصل الامر على رجوع عمر بك الى القلعة ونزول عابدي بك بعد أن فضوا اشغالهم وعبوا ذخيرتهم واحتياجهم من الماء والزاد والغنم ليلا ونهارا في مدة الثلاثة ايام المذكورة وقد كانوا اشرفوا على طلب الامان وتبين انهم انما فعلوا ذلك من باب المكر والخديعة واتفق الحال على اعادة المحاصرة وصعد المغرضون الى القلعة ونزل اشخاص من المغرضين لاهل البلد اليهم ورجع السيد عمر الى منزله واخذ في اسباب الاحاطة بالقلعة كالاول وذلك بعد العشاء ليلة الثلاثاء ووقع الاهتمام في صبحها بذلك وجمعوا الفعلة والعربجية وشرعوا في طلوع طائفة من العسكر
والعرب وغيرهم الى الجبل واصعدوا مدافع ورتبوا عدة جمال لنقل الأحتياجات والخبز وروايا الماء تطلع وتنزل في كل يوم مرتين وطلع اليهم الكثير من باعة الخبز والكعك والقهاوي وغير ذلك
شهر ربيع الاول استهل بيوم الخميس سنة والامر على ذلك مستمر من تجمع
الناس وسهرهم بالليل في سائر الأخطاط
وفي ليلة الثلاثاء سادسه تحرك العسكر وطلبوا العلوفة من محمد علي فقال لهم ليس لكم عندي علوفة حتى ينزل احمد باشا من القلعة ونحاسبه وتاخذوا علائفكم منه فلم يمتثلوا وتركوا المتاريس التي حوالي القلعة فتفرقوا وذهبوا فذهب جماعة من الرعية وتترسوا مواضعهم
وفي ليلة الخميس ثامنه حضرت طائفة من العسكر الساكنين بناحية المظفر وقت الغروب وضربوا على من بالمتاريس من الاجناد والرعية على حين غفلة وخطفوا عمائم واسلحة واجلوهم عن المتراس وجلسوا به فتسامع اهل الرميلة فاجتمعوا وحضروا اليهم وكبيرهم حجاج الخضري واسمعيل جودة وهجموا عليهم وقتلوا منهم انفارا وانحاز باقيهم الى الوكالة فاغلقوها عليهم فحضر ذو الفقار كتخدا ودافع عنهم واخرجهم ثم ارسل الى محمد علي وامره بالهرب من تلك الجهة
وفي يوم الجمعة قتل العسكر شخصا بناحية المظفر واخر بناحية قنطرة الامير حسين
وفي يوم السبت عاشرة حصل من بعض افراد العسكر قبائح وقتلوا بعض انفار وحمارين وبغلين وقبض العامة أيضا على اشخاص منهم وقتلوا منه ايضا وحضر طائفة من الارنؤد وملكوا سبيل اسكندر بباب الخرق و حضر أيضا طائفة ببيت السيد عمر افندي النقيب فقام فيهم الحرس الواقفون عند باب بالبيت فهرب منهم طائفة خيالة ودخل منهم البعض فحجزوهم ووقع في الناس هوزعات وكرشات ثم احضر حسن أغا نجاتي المحتسب وامر الافندي بالمناداة فمر وامامه المنادي يقول حسبما رسم السيد عمر الافندي والعلماء لجميع الرعايا بأن يأخذوا حذرهم واسلحتهم ويحترسوا في اماكنهم واخطاطهم واذا تعرض لهم عسكري بإذية قابلوه بمثلها والا فلا يتعرضوا له واخذ الناس يعلمون متاريس في رؤس الاخطاط ثم تركوا ذلك وحضر أيضا شخص من طرف محمد علي ونادى بمثل ذلك ومعه أيضا شخص ينادي بالتركي بمعنى ذلك
وفي الليلة الماضية حضر كتخدا محمد علي ليلا ومعه فرمان ارسله احمد باشا المخلوع الى الدلاة يطلبهم للحضور ويذكر لهم انه يجب عليهم معاونته صيانة لعرض السلطنة واقامة لناموسها وناموس الدين وان الفلاحين محاصرونه ومانعون عنه الاكل والشرب فلما وصل ذلك الفرمان اليهم يقلبون ارسلوه الى محمد علي وارسله محمد علي الى السيد عمر افندي النقيب
وفي يوم الاحد حادي عشرة وقعت ايضا مناوشات وتعدى بعض العسكر ودخلوا باب زويلة ووصلوا الى العقادين فخرجت عليهم طائفة المغاربة وغيرهم فتترس منهم جماعة بجامع الفاكهاني فحصروهم به وقبضوا على نحو العشرة انفار فاخذهم السيد محمد المحروقي ودافع عنهم العامة وقتل من الفريقين بعض انفار وحضر عابدي بك وطلبهم فسلموهم اليه ورجع
وفي تلك الليلة أيضا ذهب جماعة من العسكر الى جهة الرميلة يطلبون انفارا منهم ساكنين بتلك الناحية اخذ اهل الرميلة سلاحهم وحبسوهم عندهم فذهبت امراة من المتزوجات بهم فأخبرتهم فحضر منهم طائفة اواخر النهار وطلبوهم فلم يسلموا فيهم وحاربوهم وهزموهم الى جهة الصليبة وقتل بينهم انفار ورجع العسكر واختلطت القضية واشتبه امرها على اهل البلد فلا يعرف كلا الفريقين الصاحب من العدو فتارة يتشابك العسكر مع اهل البلد وكذلك اهل البلد معهم وتارة يتشابك فرقة منهم مع الكائنين بالقلعة وتارة الفريقان يساعد بعضهم بعضا واذا وقع بين الكائنين بنواحي الرميلة مع
العسكر فرح من بالقلعة واغروا اولاد البلد بهم ومنهم من يغري العسكر على اولاد البلد ويقولون لهم بلسانهم وبالعربي اضربوا الفلاحين ونحو ذلك وبالجملة فهي قضية مشكلة بين اوباش مختلفة وطباع معوجه منحرفة ومضت ليالي المولد الشريف ولم يشعر بها احد
وفيه حضر كبار الدلاة فخلع عليهم محمد علي باشا خلعا وكساوي وسافروا ثم ارتحلوا من قليوب يريدون الذهاب الى محاربة الالفي واتباعه ومن معهم من العرب فإنهم افحشوا في نهب البلاد ونهب الاموال مالم يسمع بمثله ولم يتقدم نظيره فساروا على البلاد والقرى يأخذون الكلف وينهبون ويقتلون ويفسقون في النساء والاولاد ولم يذهبوا الى ما وجهوا اليه
وفي ليلة الاربعاء رابع عشرة حضر كتخدا محمد علي وجرجس الجوهري الى بيت السيد عمر وحضر أيضا الشيخ الشرقاوي والشيخ الامير والقاضي وتشاوروا على امر و رأي رآه محمد علي باشا واما علي باشا السلحدار الذي جهة مصر القديمة فانه اخذ في استمالة العسكر وفتنتهم وانضم اليه كثير منهم ووعدهم بعلائفهم وصار يراسل احمد باشا سرا ويرسل اليه الخبز واللحم والسكر والذخيرة على الجمال من باب صغير فتحوه من عرب اليسار من داخل
وفي لية السبت اجمع راي علي باشا السلحدار على مكيدة يصنعها وهو انه يركب فيمن معه ويهجم على المتاريس من جهة الصليبة وارسل الى مخدومه يعلمه بذلك وانه اذا هجم من تلك الناحية يساعده هو من القلعة برمي المدافع والقنابر على البلد والمتاريس فتنزعج الناس ويتم لهم ما مكروه وكتب رجب أغا وسليمان أغا وهما كبيرا عسكر علي باشا المذكور تذكرة عن عندهما خطابا للسيد عمر افندي النقيب وباقي المشايخ مضمونها انهما يريدان الحضور الى جهة القلعة ويسعيان في امر يكون فيه الراحة للفريقين وتسكين الفتنة ويلتمسان من المخاطبين انهم يرسلون الى من بالمتاريس
من العامة بان يخلوا لهما طريقا ولا يتعرضون لهما فحضر الى السيد عمر افندي النقيب من اخبره بذلك الاتفاق بعد الفجر قبل حضور التذكرة فأرسل الى من بالنواحي والجهات وايقظهم وحذرهم فاستعدوا وانتظروا وراقبوا النواحي فنظروا الى ناحية القرافة فرأوا الجمال التي تحمل الذخيرة الواصلة من علي باشا الى القلعة ومعها انفار من الخدم والعسكر وعدتهم ستون جملا فخرج عليهم حجاج الخضري ومن معه من اهالي الرميلة فضربوهم وحاربوهم واخذوا منهم تلك الجمال وقتلوا شخصين من العسكر وقبضوا على ثلاثة وحضروا بهم وبرؤوس المقتولين الى بيت السيد عمر فارسلهم الى محمد علي باشا فامر بقتل الاخرين فلما رأى من بالقلعة ذلك فعندها رموا بالمدافع والقنابر على البلد وبيت محمد علي وحسن باشا وجهة الازهر ولم يزالوا يراسلون الرمي من اول النهار الى بعد الظهر فلم ينزعج اهل البلد من ذلك لما الفوه من ايام الفرنسيس وحروبهم السابقة ثم رموا كذلك من العشاء الى سادس ساعة من الليل فلم يجبهم احد لم يرموا عليهم شيئا من الجبل مع استعدادهم لذلك واصبحوا يوم الاحد فواصلوا الرمي بطول النهار وكذلك ليلة الاثنين ويوم الاثنين هذا
وفي كل ليلة يطلع الى الجبل اربعة عشر جملا تحمل قرب الماء على كل بعير اربع قرب وستة اقفاص خبز على ثلاثة جمال نقلتين في كل يوم واصعدوا جبخانة وجللا وقنابر وضربوا عليهم في ذلك اليوم ضربا قليلا واستر ذلك ليلة الثلاثاء ويوم الثلاثاء فأكثروا الرمي وسقطت قنابر وجلل في عدة اماكن مع الضرر القليل وباتوا على ذلك ليلة الاربعاء ويومه وليلة الخميس ويومه الى اخر النهار وبطل الرمي تلك الليلة فقال الناس انهم تركوا ذلك احتراما لليلة الجمعة
وفي تلك الليلة حضر جماعة من اهل الاطارف ليلا وحرقوا باب الجبل واوقدوا فيه النار فظن اهل الجبل أن اهل القلعة يريدون الخروج فضربوا
عليهم مدافع فتنبه من بالقلعة واسرعوا الى جهة باب الجبل وضربوا بالرصاص فلما تحقق من بالجبل القضية رموا عليهم أيضا وتسامع الناس كثرة ضرب الرصاص فلم يعلموا الحقيقة ورجع من اتى الى الباب من غير طائل فلما طلع النهار ظهر الامر
وفي اليوم الثاني بعد الظهر تسلق جماعة من العسكر القلعاوية على سلالم صنعوها من حبال ونزلوا الى جهة المحجر لاخذ شئ من الاكل والشرب وهم نحو العشرين فتنبه الناس لهم واجتمعوا بالخطة واخذوا ما اخذوه من اهل الدور من الخبز والدقيق وقرب الماء وصعدوا من حيث اتوا واعادوا الرمي بالمدافع والقنابر من عصر يوم الجمعة وليلة السبت واستمروا على ذلك وسقط بسبب ذلك حيطان وبعض من ابنية الدور وخرج كثير من الناس وبعدوا عن جهات الضرب وخصوصا جهة الازهر وذهبوا الى ناحية الحسينية والاطارف وخرجت النساء هاربات الى تلك النواحي وبولاق وانزعجوا من اوطانهم
وفي يوم الاحد ارسل كتخدا محمد علي باشا الى السيد عمر واشار عليه بارسال العتالين والشيالين الى ناحية قلعة الفرنساوية التي بقنطرة الليمون لرفع المدفع الكبير الذي هناك وارسلوا اشخاصا من الانكليز يتقيدون بذلك فجمعوا الرجال والابقار وذهبوا الى هناك واحضروه واخرجوه من باب البرقية يريدون وضعه عند باب الوزير حيث مجرى السيل ليرموا به على برج القلعة واستمروا في جره يومين
وفي ذلك اليوم نزل أيضا ستة اشخاص يريدون اخذ الماء من صهريج جهة الحطابة فضرب عليهم من هناك من المتترسين فهربوا وطلعوا من حيث نزلوا
وفي ليلة الثلاثاء نصبوا المدفع المذكور وضربوا به وضربوا أيضا من اعلى الجبل ومن بالقلعة يضربون على البلد يواصلون الضرب بالمدافع والقنابر والبنبات الكبار والآلات المحرقة واستمروا على ذلك الى ليلة
الجمعة الاخرى فسكن الرمي تلك الليلة واصيب كثير من الدور والحيطان والابنية واصابت اشخاصا قتلتهم ووزن بعض البنبات فبلغ وزنها بما فيها قنطارين
شهر ربيع الثاني سنة
استهل بيوم الجمعة فيه وردت اخبار من ثغر سكندرية بورود قابجي وهو صالح أغا الذي كان سابقا بمصر ببيت رضوان كتخدا ابراهيم بك وعلى يده جوابات بالراحة فحصلت ضجة في الناس وفرحوا ورمحوا بطول ذلك اليوم وعملوا شنكا تلك اليلة التي هي ليلة السبت ورموا سواريخ في سائر النواحي وضربوا بنادق وقرابين بالازبكية وخارج باب الفتوح وباب النصر والمدافع التي على ابراج الابواب ولما سمع من بالقلعة ومن بمصر القديمة ظنوا أن العساكر الذين في قلوبهم مرض تحاربوا مع اهل البلد فرموا من القلعة بالمدافع والنيب ! وحضر علي باشا ومن معه من جهة مصر القديمة ونزل من القلعة طائفة من العسكر جهة عرب اليسار وتترسوا هناك فاجتمع عليهم حجاج واهل الرميلة ومن معهم من عسكر محمد علي وتحاربوا مع المتترسين والواصلين وضربوا من القلعة على محاربيهم وعلى اهل البلد وكذلك من بالجبل ومن بالذنجزية يضربون على القلعة المدافع والسواريخ ونزل أيضا طائفة وهجموا على الذنجزية وارادوا سد فلوة المدع الكبير فضربوا عليهم وقتل كبيرهم ومعه اخر واخذوا سلاحهما ورؤسهما واحضروهما الى السيد عمر وحصل بالبلدة تلك الليلة من ضرب النار من كل ناحية ماهو عجيب من المستغربات واختلط الشنك بالحرب وصار الضرب من الجبل على القلعة بالبنب والمدافع والسواريخ وكذلك من القلعة على البلدة وعلى الذنجرية ومنها على القلعة والمحاربين مع بعضهم البعض والشنك من كل جهة واجتماع الناس والعامة بالاخطاط والنواحي وضربوا طبولا ومزامير ونقرزانات وكانت ليلة من الغرائب واصبحوا على الحال الذي هم عليه من الرمي وبالمدافع والبنب وفي
يوم الاحد سافرت انفار من الوجاقلية وغيرهم لملاقاة صالح أغا وصحبتهم طائفة من العسكر ارسلها محمد علي باشا في مركب لخفارته وقد كانوا اتفقوا على سفر بعض المتعممين ثم بطل ذلك وارسل السيد عمر افندي باشجاويش والسيد عثمان البكري وسلحدار محمد علي والخواجه عمر المطيلي وبكتاش واحمد اوده باشا
وفي ليلة الثلاثاء اشيع وصول القابجي الى بولاق ليلا فخرج كثير من العامة لملاقاته افواجا واصطفوا في الاسواق للفرجة عليه واستمروا على ذلك الرج بطول النهار ولم يصل احد ثم تبين عدم وصوله وانه وصل الى ثغر رشيد وفي ذلك اليوم وقت الشروق حصلت زلزلة عظيمة ورتجت الارض نحو اربع درجات
وفي يوم الاربعاء سافر جماعة من المتعممين وهم السيد محمد الدواخلي وابن الشيخ الامير والشيخ بدوي الهيثمي وابن الشيخ العروسي واستمر الحال على ذلك اليوم ويو الخميس والجمعة ولم يبطل رمي المدافع والبنب ليلا ونهارا في غالب الاوقات ماعدا ليلة الجمعة ويومها الى العصر
وفي ليلة الاثنين وصل الخبر بوصول القابجي الى قليوب وانه طلع الى بر فوة وسار من هناك وحضر في ذلك اليوم المشايخ الذين كانوا ذهبوا لملاقاته فلما اشيع ذلك اجتمع الناس وطوائف العامة وخرجوا من اخر الليل وهم بالاسلحة والعدد والطبول الى خارج باب النصر ووقفوا بالشوارع والسقائف للفرجة وكذلك النساء والصبيان وازدحموا ازدحاما زائدا ووصل الاغا المذكور وصحبته سلحدار الوزير الى زاوية دمرداش ونزلا هناك وعمل لهما اسمعيل الطبجي الفطور فاكلاه وشربا القهوة وركبا وانجرت الطوائف والغوغاء من العامة وهم يضربون بالبنادق والقرابين والمدافع من اعلى سور باب النصر والفتوح واستمر مرورهم نحو ثلاث ساعات وخرج كتخدا محمد علي واكابر الارنؤد وطائفة من العسكر كبيرة والوجاقلية وكثير من الفقهاء العاملين رؤس العصب واهالي
بولاق ومصر القديمة والنواحي والجهات مثل اهل باب الشعرية والحسينية والعطوف وخط الخليفة والقرافتين والرميلة والحطابة والحبالة وكبيرهم حجاج الخضري وبيده سيف مسلول وكذلك ابن شمعة شيخ الجزارين وخلافه ومعهم طبول وزمور والمدافع والقنابر والبنبات نازلة من القلعة فلم يزالوا سائرين الى أن وصلوا الى الازبكية فنزلوا بيت محمد علي باشا وحضر المشايخ والاعيان وقرؤا المرسوم الذي معه ومضمونه الخطاب لمحمد علي باشا والي جدة سابقا ووالي مصر حالا من ابتداء عشرين ربيع اول حيث رضي بذلك العلماء والرعية وان احمد باشا معزول عن مصر وان يتوجه الى سكندرية بالاعزاز والاكرام حتى يأتيه الامر بالتوجه الى بعض الولايات وسكن صالح أغا القابجي المذكور ببيت الخواجا محمود حسن بالازبكية وسكن السلحدار عند السيد محمد بن المحروقي
وفي يوم الثلاثاء ركب السيد عمر في حمع كثير من العسكر من اولاد البلد والمغاربة والصعائدة والاتراك والكل بالاسلحة وذهب الى عند علي باشا وجلس عنده حصة وذهب الى القابجي وسلم عليه وذهب الى السلحدار أيضا وسلم عليه ورجع
وفيه بطل الرمي من القلعة وكذلك ابطلوا الرمي عليها من الجبل والذنجزية مع بقاء المحاصرة والمتاريس حول القلعة من الجهات ومنع الواصل اليهم واستمرار من بالجبل ويطلع اليهم في كل يوم الجمال الحاملة للخبز وقرب الماء واللوازم واما الدلاة فاستقروا بمحلة أبي علي وطلبوا الفرد والكلف من البلاد ووصل محمد بك الألفي الى دمنهور البحيرة فتمنعوا عليه فحاصر البلد وضرب عليها وضربوا عليه اياما كثيرة
وفيه وقع بباب الشعرية مناوشة بين العسكر واولاد البلد بسبب سكن البيوت كذلك جهة باب اللوق وبولاق ومصر القديمة وقتل بينهم انفار وقتل ايضا المتكلم بمصر القديمة وحصلت زعجات في الناس
وفي يوم الاربعاء مر بعض اولاد البلد بجهة الخرنفش فضربه بعض
أقسام الكتاب
1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13.| جميع الحقوق متاحة لجميع المسلمين
نزل تشريع الطلاق في سورتين علي مرحلتين متتابعتين تاريخيا 1. سورة البقرة في العام 1 أو 2هجري وتوابعه في سورة النساء والاحزاب وبعض المواضع المتفرقة بين سورة البقرة وسورة الطلاق { في الخمسة اعوام الاولي بعد الهجرة} وبيانات قاعدته في هذه المواضع التلفظ بالطلاق ثم الاعتداد استبراءا ثم التسريح. * 2.ثم نزل التشريع الاخير المحكم في العام 6 او7 هجري بترتيب تشريعي معكوس وبعلم الله الباري في سورة الطلاق في العامين السادس6. او السابع7. الهجري فؤمر كل من يريد التطليق عكس موضعي الطلاق بالعدة والعدة بالطلاق
المدون
المدون دكتور عبد الغفار سليمان البنداري

Translate
ويوم يعض الظالم علي يديه ....الاية ست....770.....
الجمعة، 6 مارس 2026
من اول ج6. الي اخر ج9. اولا/ج6.كتاب : تاريخ عجائب الآثار في التراجم والأخبار المؤلف : عبد الرحمن بن حسن الجبرتي
الاشتراك في:
تعليقات الرسالة (Atom)
كتاب :البداية والنهاية الامام الحافظ ابي الفداء اسماعيل بن كثير الدمشقي {55 جزء}
أقسام الكتاب 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 ...
-
ويلك أيها الظالم من المظلوم من الألوكة أمَّا بعد : فإنَّ الله - سبحانه وتعالى - خلَق النَّاس في هذه الدُّنيا من ذكَر وأُنثى، وجعلهم شعوبً...
-
القرآن : إعجاز علمي من صيد الخاطر أ. د. زينب عبد العزيز أستاذة الحضارة الفرنسية نكور النهار على الليل الكرة الأرضية على هيئة البيضة ما ...
-
الدعاء مدوناتي مدونات أمي رضي الله عنكي ...
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق